2025العدد 203ملف عربي

معضلة غزة بين حرب نتنياهو وسلام ترامب

شكَّلت حرب الـ 12 يومًا، بين إسرائيل وإيران (12 – 23/6/2025)، والتي شاركت فيها الولايات المتحدة الأمريكية بقصف مواقع أهم المنشآت النووية في إيران (نطنز، فوردو، أصفهان)- ذروة التفاهم والتعاون بين إسرائيل والولايات المتحدة، كما بين الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ورئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو”.

بيد إن ما يجب ملاحظته- في غضون ذلك- أن الولايات المتحدة هي التي حسمت الأمر (سياسيًّا، وعسكريًّا) سواء عبر استخدامها أعتى ما في ترسانتها الحربية من قاذفات إستراتيجية وقنابل مدمرة في الأعماق (قاذفات بي 2 وصواريخ توماهوك)، كما عبر قرار ترامب وقف الحرب باعتبار أنها حققت أهدافها.

يستنتج من ذلك، بأن الولايات المتحدة هي التي تتحكم بقرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط، مع هامش أكبر لإسرائيل فيما يتعلق بالصراع ضد الفلسطينيين خاصة، وعمومًا بشأن ما تعتقد أنه يخدم أمنها الإستراتيجي في محيطها، سيما إزاء سوريا ولبنان، ما يعني أن حدود تأثير اللوبي الصهيوني، هي الحدود التي تسمح بها الإدارة الأمريكية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية.

وكان ذلك حصل سابقًا بإجبار الإدارة الأمريكية إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء مرتين: الأولى، إبان العدوان الثلاثي على مصر 1956 في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور. والثانية، إبان إدارة الرئيس جيمي كارتر في الضغط على حكومة مناحيم بيغن لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978، التي تضمنت الانسحاب من الأراضي المصرية المحتلة عام 1967. أيضًا، تكرر ذلك إبان رفض الولايات المتحدة أي تدخل إسرائيلي في الحرب التي شنتها لإجبار نظام صدام حسين في العراق- آنذاك- على الانسحاب من الكويت 1991؛ ولإجبار إدارة بوش (الأب) حكومة إسحق شامير الانخراط في مؤتمر مدريد للسلام 1991.

وفي عهد الرئيسين الديمقراطيين (باراك أوباما، وجو بايدن) اتسمت علاقات إسرائيل والولايات المتحدة بالتوتر والجفاء؛ لأسباب شخصية وسياسية، علمًا بأن ذلك لم يؤثِّر على العلاقة الوطيدة بين البلدين، ولا على الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل، رغم أن نتنياهو تجرَّأ بنقل خلافاته معهما إلى الكونغرس الأمريكي، الذي ألقى فيه خطابًا، ثلاث مرات، اثنتين في عهد أوباما (2011، و2015)، والثالثة في عهد بايدن 2024، ثمة رابعة في عهد كلينتون 1996 (لكنها كانت وفاقية).

وكانت الخلافات بين أوباما ونتنياهو قد تمحورت حول قضايا الاستيطان ومفاوضات السلام مع الفلسطينيين، والاتفاق النووي مع إيران 2015. أما في عهد بايدن، فقد تمحور الخلاف حول القضايا الداخلية، بالاعتراض على محاولة نتنياهو وحكومته اليمينية، القومية والدينية المتطرفة، تغيير طبيعة إسرائيل من كونها دولة ليبرالية ديمقراطية (لمواطنيها اليهود) إلى كونها دولة يهودية، دينية و”قومية”، وفك ارتباطها بالقيم الغربية (الديمقراطية، والليبرالية، والحداثية) وتقويض السلطة القضائية فيها، رغم أن إدارة بايدن منحت إسرائيل أكثر بكثير مما منحها أي رئيس سابق (سياسيًّا، وعسكريًّا، وماليًّا)، وبخاصة دعمها حرب الإبادة التي شنتها على الفلسطينيين في قطاع غزة.

بين ترامب ونتنياهو.

معلوم أن ثمة علاقة خاصة ومتميزة تربط نتنياهو بترامب، الذي يبدو أكثر رئيس أمريكي داعم لإسرائيل، وأكثرهم تطابقًا مع السياسات التي ينتهجها بنيامين نتنياهو، الرامية إلى تقويض اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، ونزع الشرعية عن القيادة الفلسطينية، وعن منظمة التحرير. ويأتي ضمن ذلك: وقف تمويل السلطة، وقطع الدعم المالي عن منظمة “أونروا”، وإضفاء شرعية على الاستيطان في الضفة، وتغطية حربه الإبادية ضد فلسطينيي غزة، وصولًا إلى الاعتراف بضم الجولان لإسرائيل، ويشمل ذلك أيضًا، التوافق على وضع حد لإمكان حيازة إيران لقدرات نووية بالطرق العسكرية.

  ومنذ مجيء ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، في حقبته الثانية، في مطلع هذا العام، قام نتنياهو بثلاث زيارات للقائه: أوائل فبراير، وأوائل أبريل، وأوائل يوليو، بمعدل زيارة كل شهرين، ما يبين عمق وشمولية التنسيق السياسي والعسكري بينهما في الظروف السياسية والحربية الراهنة.

وكان الرئيس الأمريكي، في فبراير الماضي، ذهب بعيدًا في دعمه سياسات نتنياهو الحربية والاستئصالية ضد فلسطينيي غزة، بإعلانه خطة لنقل فلسطينيي غزة إلى بلدان أخرى، وتحملها مسؤولية إدارة غزة، وإعادة تطويرها على شكل “ريفيرا”.

فيما بعد، ظلت سياسة ترامب تتأسس على تغطية ودعم سياسة نتنياهو بشأن  أي تسوية، أو هدنة مؤقتة، يفترض أن تتأسس على الإفراج عن الرهائن الإسرائيليين لدى “حماس”، ونزع سلاحها، وإخراجها من المشهد في غزة في اليوم التالي، واحتفاظ إسرائيل بمناطق عازلة؛ لضمان أمنها، وضمان عدم تكرار “طوفان أقصى” آخر، مع استمرار التدفقات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وضمنها أسلحة  وذخائر، كانت الإدارة الأمريكية السابقة (جو بايدن) امتنعت عن تزويد إسرائيل بها، وهذا يشمل تماهي إدارة ترامب مع ما روجت له إسرائيل بشأن إيجاد مناطق إنسانية في غزة، هي كناية عن معتقلات كبيرة، تحت حراسة الجيش الإسرائيلي.

في كل زياراته إلى واشنطن يتصرف نتنياهو كأنه في بيته، في لقاءاته في البيت الأبيض، وفي الكونغرس الأمريكي، وفي البنتاغون، وهو في زيارته الثالثة (يوليو) تصرف كشريك لترامب في “النصر”، الذي أدى إلى إضعاف إيران، وتحجيم نفوذها في الشرق الأوسط، كتتويج للضربات التي أدت إلى تقويض محور “المقاومة والممانعة”، الذي كانت تتزعمه، ما أدى إلى إعادة تموضع إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في المشرق العربي.

أما فيما يتعلق بملف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، فقد تلاشت توعُّدات ترامب بشأن فرض وقف لإطلاق النار، على نحو ما جرى بوقف الحرب الإسرائيلية – الإيرانية؛ إذ بالعكس من ذلك، فقد تم الإعلان عن إنفاذ أكبر صفقة دعم عسكري أمريكي لإسرائيل، بما يناهز 14 مليار دولار، و100 ألف طن أسلحة متنوعة، ضمنها 134 جرافة مدرعة (نوع كارتربلر)، كانت مجمدة في عهد الرئيس السابق “جو بايدن”، علمًا بأن مجموع ما تلقته إسرائيل من الولايات المتحدة منذ “طوفان الأقصى” (أواخر 2023) بلغ 22 مليار دولار. أما ذروة الدعم السياسي لإسرائيل، فتجلت باستخدام الولايات المتحدة حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن الدولي، ضد قرار يتعلق بوقف الحرب الإسرائيلية ضد غزة (يونيو 2025).

وعلى الصعيد السياسي، بدا أن ثمة توافقًا أمريكيًّا – إسرائيليًّا على بذل مزيد من الضغوط لإطلاق الرهائن الإسرائيليين لدى “حماس”، مقابل فقط 60 يوم هدنة مؤقتة، ومساعدات غذائية، تحت السيطرة الإسرائيلية، هذا دون الإخلال بالاشتراطات، أو اللاءات الإسرائيلية الثلاث: لا وقف نهائي للحرب، لا انسحاب إسرائيلي كامل من غزة، لا وجود لـ”حماس” في اليوم التالي. أما ترجمة ذلك، فمزيد من القتل والدمار والحصار لفلسطينيي غزة، مع إعلانات أمريكية وإسرائيلية عن تقطيع أوصال القطاع، وتخصيص مناطق “إنسانية” للفلسطينيين تصلها المساعدات، هي عبارة عن معتقلات جماعية، ضمنها منطقة على أنقاض مدينة رفح في الشمال، مع إمكان نقل طوعي لمن يرغب إلى بلدان أخرى.

  وفيما يخص بالتسوية مع الفلسطينيين، بما في ذلك حقهم في إقامة دولة لهم، فقد أتى تصريح ترامب بأنه ليس متيقنًا بشأن التقرير بهذه المسألة، بل إنه أحال هذا الأمر إلى نتنياهو، أي أن إسرائيل التي تصر أنه لا “حماسْتان” ولا “فتحستان” في غزة، هي صاحبة هذا القرار، وهذا الأمر ليس مفاجئًا، ففي عهد ولايته السابقة (2017 – 2021) أغلق ترامب مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وأوقف دعم وكالة الأونروا، وأوقف المساعدات للسلطة الفلسطينية، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، باعتبارها عاصمة لإسرائيل، وشرعن الاستيطان في الضفة، بل واعترف بضم إسرائيل للجولان السورية.

 أيضًا، فيما يخص التسوية الإقليمية أو التطبيع، فقد أكد نتنياهو بأن نظريته في شأن “السلام بالقوة” هي التي تنجح، ويبدو أن إدارة ترامب خفَّفت توقعاتها في هذا الموضوع، على الأقل وفقًا للمعطيات السائدة حاليًّا.

أوهام “حماس”.

المشكلة أن بعض الأوساط الفلسطينية، ضمنها قيادات في “حماس” راهنت على ما اعتقدته نوعًا من افتراق أو خلاف بين الإدارتين (الإسرائيلية، والأمريكية) على أساس أن الرئيس ترامب يستعجل إضافة إنجاز له بتحقيق وقف القتال، وأن ضغط المجتمع الإسرائيلي والمجتمع الدولي سيسهم في الضغط في هذا الاتجاه على ترامب وعلى نتنياهو، بخاصة مع ما يعتبره البعض فشلًا إسرائيليًّا في إخضاع “حماس”، في حرب مكلفة وطويلة الأمد، اختبرتها إسرائيل أول مرة في تاريخها.

بيد أن كل ذلك تبيَّن عن مجرد أوهام؛ إذ أتى “الفيتو” الأمريكي على مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي (4/6/2025) يتضمن وقف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، على خلاف كل تلك الأوهام، وضمنها وهم إجراء مفاوضات بين الإدارة الأمريكية و”حماس” لمجرد مصافحة المبعوث الأمريكي لقيادي من “حماس” في الدوحة، وهو أمر غريب ينُمُّ عن سطحية سياسية، وعن تغييب للذاكرة التاريخية.

أيضًا، فإن ذلك الرهان انطوى على نسيان، أو تجاهل، السياسة التي كان انتهجها دونالد ترامب في عهده الأول (2017 – 2021)، والتي بيَّنت عمق التزامه بإسرائيل، والأهم أنه ينطوي على تجاهل موقف ترامب بشأن منحه صواريخ مدمرة كانت الإدارة السابقة (جو بايدن) منعتها عن إسرائيل، إضافة إلى  ابتداعه حلًّا يتأسس على نقل فلسطينيي غزة إلى مكان آخر غير وطنهم، في حين هو يقيم الأسوار على حدود بلاده الواسعة مع المكسيك، وكل ذلك مع تجاهله مسؤولية إسرائيل عن حرب الإبادة التي تشنها ضد الفلسطينيين منذ 22 شهرًا، والأحوال المأساوية التي يعيشون في ظلها.

وللتذكير، فإن ذلك “الفيتو” هو الأول من نوعه في عهد الرئيس ترامب في ولايته الثانية، في حين استخدمت الولايات المتحدة حق النقض “الفيتو” أربع مرات في عهد الإدارة (الديمقراطية) السابقة، علمًا أنها كانت وحيدة في استخدام ذلك الحق؛ إذ حتى بريطانيا صوتت مرتين مع مشروعي قرار في مجلس الأمن الدولي (نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ويونيو/حزيران 2025) على خلاف الولايات المتحدة، في حين كانت روسيا والصين اعترضتا مرة واحدة بـ”الفيتو” على مشروع قرار (آذار/ مارس 2024).

وبالنسبة لـ”حماس”، فقد بدت مستعجلة وغارقة في الوهم في تجاهلها لحقيقة السياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل؛ لظنها أن إدارة ترامب تأخذها في الاعتبار لمجرد لقاء لها- كما قدمنا- مع “آدم بولر” المبعوث الأمريكي لشؤون الرهائن (أيار/مايو الماضي في الدوحة)، في حين إن تلك الإدارة لا تتعامل لا مع منظمة التحرير، ولا مع السلطة الفلسطينية، وكل ما أرادته من ذلك اللقاء هو الإفراج عن رهينة أو أسير إسرائيلي/أمريكي “عيدان ألكسندر”، وتقطيع الوقت للتغطية على الحرب التي يشنها نتنياهو في غزة.

في ذلك، ربما كان الأجدى بـ “حماس” إدراك الحيثيات التي بررت بها إدارة ترامب استخدامها “الفيتو”، والتي تتماهى مع السياسة الإسرائيلية لجهة عدم نص مشروع القرار على إدانة “حماس”، ومطالبتها بنزع أسلحتها، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وخروجها من المشهد السياسي في غزة، كشرط لوقف الحرب، وهي ذات الشروط التي أتت في خطة، أو مقترح، المبعوث الرئاسي الأمريكي “ستيف ويتكوف”، الذي نصَّ على وقف نار مؤقت (60 يومًا)، وأن وقف الحرب نهائيًّا يتطلب شرطين: نزع أسلحة “حماس”، وخروجها من غزة.

إسرائيل في عهد ترامب.

الآن في عهده الثاني، ينتهج ترامب سياسات تتمحور حول إثباته قدرته على حل كثير من المشكلات في العالم، وضمن ذلك في الشرق الأوسط، بعيدًا عما يرضي حكومة إسرائيل، وهو ما تمثل بإضفائه الشرعية على الرئيس السوري “أحمد الشرع”، بما يمثل كبحًا للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، إلى حد ما. وفي غزة جرى تحرير رهينة أمريكية/ إسرائيلية (عيدان ألكسندر) بمفاوضة حركة “حماس”، ولو بشكل غير مباشر، وتسهيل إدخال مساعدات غذائية لفلسطينيي غزة، في بعض الأوقات. كما تمت مفاوضة الحوثيين على وقف أعمالهم ضد التجارة الدولية. يضاف إلى ذلك الدعم الأمريكي لتعزيز مكانة تركيا في المنطقة، وكلها سياسات تبعث على القلق، أو عدم الارتياح، لدى نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة.

بيد أن أهم نقاط الخلاف، أو التوتر، بالنسبة لإسرائيل مع إدارة ترامب تتعلق أولًا، بانتهاج الولايات المتحدة، بعد الضربات العسكرية ضد المفاعلات النووية الإيرانية، سياسة استدراج إيران لفكفكة برنامجها النووي بالطرق الدبلوماسية والضغط الاقتصادي، مع ممانعة أية محاولة إسرائيلية جديدة لاستهدافها راهنًا. وثانيًا، بتقديم الدعم العسكري للمملكة العربية السعودية، بأفضل وأهم ما في الترسانة الحربية الأمريكية. وثالثًا، عدم ربط السياسات التي تنتهجها الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط بمسار التطبيع مع إسرائيل، التي ظلت خارج برنامج الرئيس الأمريكي في زيارته مؤخرًا لتلك المنطقة. والجدير ذكره هنا أن صحيفة “هآرتس”، في افتتاحية لها، اعتبرت أن “خطوات ترامب تلك ليست حراكًا جغرافيًّا-سياسيًّا تاريخيًّا فحسب، بل صفعة رنانة لنتنياهو وللسياسة المحملة بالمصائب التي يتبعها”. (أسرة التحرير- 15/5/2025).

بل وثمة وجهات نظر إسرائيلية رأت في كل تلك السياسات علامة على تحول أمريكي في التعامل مع إسرائيل؛ فبحسب عاموس يادلين وأودي أفينتال، فإن إسرائيل “تقف عند نقطة حاسمة لترجمة الإنجازات الميدانية إلى مكاسب إستراتيجية…بخطوات سياسية ترسِّخ العلاقات مع الولايات المتحدة، وتعزز اندماجها في المنطقة وشراكاتها، كجزء من نظام إقليمي محدث يشكل ثقلًا موازنًا لإيران”، لكنه، عوض ذلك، يرى أن “إسرائيل، بقيادتها، تفقد السيطرة على أمنها القومي…لدرجة أن حليفتها الكبرى والوحيدة، الولايات المتحدة، تفاجئها بدفع عمليات إستراتيجية محورية في القطاع والمنطقة…تمثل ذروة جديدة لعملية تهميشها…وتعبيرًا عن رؤية أمريكية تعتبر أن السياسة الإسرائيلية لا تساهم في تحقيق الإستراتيجية التي يسعى ترامب لدفعها في الشرق الأوسط، بل تعرقلها… بوصفها عبارة عن التدهور المرتقب في متانة العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة” (“N12”- 17/5/2025).

في هذا الإطار، يمكن اعتبار بنيامين نتنياهو، وهو شخص سياسي وأيديولوجي، كأكثر شخصية تورطت في الاعتراض على السياسات الأمريكية في المنطقة، في الحقب الثلاث التي تبوأ فيها منصب رئيس حكومة إسرائيل (1996-1999، و2009-2021، و2022 حتى الآن).

ففي حقبته الأولى، مثلًا، قام بتقويض اتفاق أوسلو، وتحجيم مكانة السلطة الفلسطينية، وضمن ذلك تقويض المشروع الأمريكي لإقامة “الشرق الأوسط الجديد”، الذي تبناه أيضًا “شمعون بيريز” زعيم حزب العمال ورئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق. وهو كرس كل جهوده في حقبته الثانية لوأد السلطة الفلسطينية، ولتعزيز الاستيطان في القدس والضفة، والتخفف من مكانة فلسطينيي 48، بتشريع قانون إسرائيل كدولة “قومية” للشعب اليهودي 2018. وها هو، في حقبته الثالثة، يشن حرب إبادة جماعية ووحشية، هي أطول الحروب في تاريخ إسرائيل، وأكثرها وحشية منذ إقامتها، وقد نجم عنها تدمير قطاع غزة، وتحويله إلى مكان غير صالح للعيش، مع محاولة محو مخيمات الضفة الغربية، في مسعى للانتهاء من السلطة ومن “منظمة التحرير” ومن الحركة الوطنية الفلسطينية، والهيمنة على الفلسطينيين من النهر إلى البحر.

مشكلة نتنياهو هذه المرة مع ترامب، أي مع رئيس من طباعه، وهذا يختلف عن أوباما وبايدن، ولعل المحلل الإسرائيلي “بن كسبيت” أفضل من عبر عن ذلك، في مقال له عنوانه: “حفلة الشرق الأوسط… إسرائيل: نتنياهو يرمينا للكلاب”، قال فيه: “ترامب نوع من نتنياهو، لكنه أكبر، نتنياهو شعبوي لكن ترامب شعبوي مع محفزات، نتنياهو متلاعب وترامب أكثر بكثير، نتنياهو محتال لكن ترامب أكبر المحتالين، ضمير نتنياهو نقي، ترامب لا ضمير على الإطلاق. من ناحية نتنياهو بعده الطوفان، ترامب هو الطوفان…في عهد رؤساء آخرين، كان يمكن لهذا أن يمر بسلام نسبي، لدى أوباما وبايدن وكلينتون… حتى لو كان نتنياهو ينهك، يجنن، يكذب ويكره عليهم حياتهم، عاقبوه رمزيًّا ضمن الإطار، أما لدى ترامب فالقواعد مختلفة؛ أي لا توجد قواعد… الاتجاه الحالي يؤدي إلى كارثة. لشدة الأسف، الفشل كله لنتنياهو لكن الكارثة لنا”. (“معاريف”- 13/5/2025)

تبعًا لكل ما تقدم، ثمة أربع ملاحظات: الأولى، أن الخلاف بين أي رئيس أمريكي وأي رئيس حكومة إسرائيلية لا ينسحب على العلاقة بين البلدين، أي لا يؤثر كثيرًا في الدعم اللامحدود الذي يربطهما معًا، وضمن ذلك ضمانة الولايات المتحدة لأمن وتفوق إسرائيل في المنطقة. الثانية، أن الخلاف بين نتنياهو وترامب سيبقى خلافًا محدودًا، وشكليًّا، تبعًا لعقلية ترامب، وطريقته في العمل. الثالثة، ما نشهده من خلافات إسرائيلية أمريكية، يأتي ضمن لحظة تاريخية قوامها نوع من الانفكاك بين الغرب وإسرائيل، بانكشاف إسرائيل على حقيقتها كدولة استعمارية وعنصرية ودينية وكدولة إبادة جماعية ضد الفلسطينيين. الرابعة، أنه حتى لو كان ثمة خلافات أمريكية-إسرائيلية، إلى هذه الدرجة أو تلك، فإن مشكلة الفلسطينيين، والعالم العربي عمومًا، عدم القدرة على الاستثمار فيها إلى الدرجة المناسبة لصالح الحقوق الفلسطينية والعربية.

اظهر المزيد

ماجد كيالي

بــاحــث فلسطيــني - سورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى