مقدمة:
تترسخ قناعة متزايدة بشأن حق العرب الأصيل في فرض إرادتهم ورؤيتهم لبناء منظومة عادلة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط تضمن سلامًا واستقرارًا مستدامين وتعايُشًا سلميًّا بين شعوب المنطقة، لاسيما بعد التداعيات (السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية) الكبيرة للتصعيد الإقليمي الذي نتج عن العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وعلى المستوى الدولي، تسببت شدة موجة العنف الجديدة إلى زيادة اليقين لدى أغلب دول العالم أن مسألة الاستقرار في الشرق الأوسط ضرورة عالمية وليس طموحًا إقليميًّا فقط، مما أفضى إلى تشكيل تحالف دولي غير رسمي واسع وضاغط على رافضي الاستقرار والسلام في المنطقة للخروج من حالة العنف المزمن في الشرق الأوسط.
وتحرك العرب بطرح مخارج سلمية لبناء الأمن والاستقرار المشترك في الشرق الأوسط بمقاربة جديدة تدعو إلى إقامة منظومة تعاون عربية- إقليمية تحترم القانون الدولي وترتكز على التعاون وتراعي الوضع الإقليمي.
ويأتي صدور قرار من مجلس جامعة الدول العربية حول “الرؤية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة” في سبتمبر 2025؛ ليؤكد هذا التوجه العربي المشترك ويشدد على التوافق العربي على بلورة إطار حاكم للأمن والتعاون في المنطقة.
ولتذليل الصعوبات في مسار بناء هذا الإطار الحاكم للأمن والتعاون في المنطقة، سيستدعي الأمر تجاوز التباين في المقاربات بشأن التفاعل المشترك الفعَّال مع دول الإقليم (أولًا)، وفهم الاختلافات بين المبادئ التي كرسها قرار مجلس الجامعة المشار إليه والمبادئ التي تستند إليها باقي الأطراف في المنطقة (ثانيًا)، وضمان دعم القوى الكبرى لهذا المسار (ثالثًا)، فضلًا عن أهمية الاستفادة من بعض التجارب الإقليمية في مجال الأمن والتعاون المشترك(رابعًا).
أولًا: تذليل تباين الرؤى لبناء إطار حاكم للأمن والتعاون في الشرق الأوسط.
تبرز أربعُ رؤى متباينة بشأن الطريقة الفعَّالة للتعامل المشترك مع (إيران، وإسرائيل، وتركيا) لشق الطريق نحو بناء إطار حاكم للأمن والتعاون في المنطقة: رؤية تدعو إلى التقارب مع القوى الإقليمية السابقة من خلال التعاون بدلًا من التباعد والعزل والإقصاء والمعادلات الصفرية، ورؤية ترتكز إلى الردع وتوازن القوى والتحالفات البعيدة، ورؤية ترتكز إلى بناء التعايش السلمي، ورؤية تعدو إلى بناء نظام أمني إقليمي جماعي في المنطقة.
من منظور أصحاب الرؤية الأولى، إذا كانت مقولة أن “التاريخ يعيد نفسه” صحيحة، فقد يجلب التعاون والانفتاح العربي على دول الجوار السلام والاستقرار، فسياسة “Ostpolitik” أو سياسة “التغيير من خلال التقارب”، التي تبنتها ألمانيا الغربية لتطبيع العلاقات مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية بشكل عام خلال الحرب الباردة، نجحت في بناء الثقة بحلول براغماتية بدلًا من المواجهة، ونجحت في تخفيف التوتر وفي إعادة توحيد ألمانيا.
وتستند الرؤية الثانية إلى أن السلام في الشرق الأوسط يحتاج إلى قوة تحميه، ويشكل الحفاظ على توازن القوة في المنطقة ورفض هيمنة أي دولة حجر الأساس لبناء الأمن والاستقرار المستدامين؛ فقد يجلب التعاون مع إيران أو مع إسرائيل الاستقرار على المدى القصير، لكن مع احتمال تعاظم القوة الاقتصادية مستقبلًا للبلدين قد تتحرك أطماعها في التمدد وفرض الهيمنة.
وتشدد الرؤية الثالثة على أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يحتاج بالضرورة إلى توازن القوة والردع، بل هو خيار يُبنى اجتماعيًّا بين شعوب المنطقة بالتدرُّج. ويمكن تحقيقه من خلال: التفاعلات البشرية الإيجابية في المنطقة، وتغيير الأفكار المتطرفة، والبناء على المعايير والقيم المشتركة وتدابير بناء الثقة، ومن خلال الاعتراف أن المنطقة متنوعة (ثقافيًّا، ودينيًّا، وطائفيًّا) تتعايش فيما بينها، والحوار بين الأديان والثقافات، والتسامح وحماية الأقليات.
وتؤكد أن العنف في الشرق الأوسط ليس قدرًا محتومًا، بل هو نتاج التفاعلات العدائية التي كرست فكرة العداء المتبادل بين العرب وإسرائيل وبين إسرائيل وإيران…. وأنه يتعين الانتقال من ثقافة “العدو الحتمي” إلى ثقافة “الشريك المحتمل”، وأن الوضع الأمني غير المستقر حاليًّا في الشرق الأوسط هو نتيجة اختياراتنا وتفاعلاتنا وتفسيراتنا البشرية وليس نتيجة لقوى مادية خارجة عن إرادتنا.
فيما تركز الرؤية الرابعة على أن الأمن في الشرق الأوسط مركب ومتداخل إقليميًّا؛ فأيةُ حادثة أمنية صغيرة قادرة على إشعال فتيل مواجهة إقليمية شاملة، لذلك يقترحون التعاون لبناء “مجمع أمني إقليمي” وفهم كل التفاعلات التي تحدث في إطاره، فلا يمكن لأية دولة تحقيق الأمن بمعزل عن جيرانها.
ورغم بعض التناقضات الأساسية بين المقاربات والخصوصيات الجيوسياسية للمنطقة إلا أن الهدف مشترك، وهو البحث عن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. ويمكن بناء إطار أمني جماعي مشترك هجين في الشرق الأوسط من خلال: وضع آليات للتعاون لتقليل حدة النزاعات، وتعزيز الترابط الاقتصادي، والتوافق على مفهوم شامل للأمن الإقليمي بالتوازي مع وضع ترتيبات لضمان عدم هيمنة أي طرف في المنطقة، وإعادة البناء الاجتماعي للمنطقة.
وإضافة إلى اختلاف الرؤى، يظهر التباين في مسألة من يهدد أمن واستقرار الشرق الأوسط بشكل أساسي إيران أم إسرائيل، وفي هذا الصدد ثمة من يرى أن إسرائيل هي المصدر الرئيس لعدم الاستقرار وليس إيران، وأنه ينبغي العمل على بناء ترتيبات إقليمية في الخليج بعيدًا عن إسرائيل تشمل (دول مجلس التعاون الخليجي، والعراق، واليمن، وإيران) لضمان أمن واستقرار منطقة الخليج وأن علاقة الجوار تحتم التعاون وعدم التعويل على التحالفات البعيدة. كما أن رؤية دول مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي التي صدرت في مارس 2024، تتقارب مع “مبادرة هرمز للسلام” التي أطلقتها إيران في سبتمبر 2019؛ لتعزيز الأمن الجماعي والتعاون بين دول الخليج باستثناء اشتراط إيران خروج القوات الأجنبية من منطقة الخليج.
وبالمقابل، ترى بعض الدول أنه في ظل نظام إقليمي شرق أوسطي فوضوي، أولوية أمن الدول تفرض الحاجة إلى الاصطفاف مع الأقوى مما يستدعي الانسجام مع سياسة الحليف الأمريكي في المنطقة، خصوصًا أن أغلب دول الشرق الأوسط حليفة أو شريكة لواشنطن. وأنه مادامت إيران تصنف عدوةً للولايات المتحدة، فمن المهم التريث في الانضمام إلى أي ترتيبات أمنية مشتركة معها قد تكون لها نتائج عكسية.
ويُظهِر التباين في الرؤى والسرديات حول مسألة الأمن والتعاون في المنطقة مدى أهمية قرار من مجلس جامعة الدول العربية حول “الرؤية المشتركة للأمن والتعاون في المنطقة” (سبتمبر 2025) كإطار عربي موحد للتفاعل كتكتل عربي واحد في أية مسائل تخص الأمن والتعاون الإقليميين في الشرق الأوسط لمنع إضعاف أو تفكيك الهوية العربية إلى هوية شرق أوسطية ببعض العرب أو هوية خليجية بالفرس وبعض العرب. وأيضًا يساعد التفاعل كتكتل واحد على التفاوض من موقع قوة، ويضمن عدم الالتزام العربي بأية ترتيبات أمنية في المنطقة لا تراعي الرؤية العربية الواردة في قرارات جامعة الدول العربية.
ثانيًا: معالجة الاختلاف في المبادئ التي تؤسس لتحقيق استدامة السلام والأمن في الشرق الأوسط.
لا يسعى العرب إلى فرض نموذج أمني إقليمي -على صعوبة ذلك- من جانب واحد، لكن يؤكدون أن أية مبادرات لإرساء تعاون أمني إقليمي، يتعين أن تستند إلى المبادئ الأساسية للقانون الدولي على غرار: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والالتزام بثوابت حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بقواعد القانون الدولي وبالتسوية السلمية للنزاعات في المنطقة، والامتناع عن استخدام القوة العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية ، ومكافحة الإرهاب بلا هوادة، والحفاظ على مفهوم الدول الوطنية، وتوفير ضمانات أمنية ومصالح مشتركة للجميع.
وتبرز الحاجة إلى تذليل حالة التباين المستمرة بين المبادئ العربية للأمن والتعاون في المنطقة مع المبادئ الإسرائيلية والإيرانية؛ فبالنسبة للعرب، يمثل المدخل الأساسي لأي ترتيبات أمنية إقليمية مشتركة في استكمال تحرير الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل في المنطقة، وأيضًا تحرير الجزر الإماراتية الثلاث التي احتلتها إيران إلا أن إسرائيل وإيران ترفضان ذلك. وتتقارب مبادئ الرؤية التركية مع مبادئ الرؤية العربية للأمن والتعاون في المنطقة باستثناء سياسة تركيا في استخدام القوة العسكرية المباشرة في بعض الحالات.
ويعد مبدأ توازن القوة أساسيًّا لضمان استقرار مستدام في المنطقة، الأمر الذي يستدعي موافقة إسرائيل على الانضمام لأية ترتيبات أمنية إقليمية مشتركة في الشرق الأوسط تعيد -على الأقل- التوازن الهش السابق وتكبح محاولات إسرائيل التفرد والتفوق الأمني المطلق في المنطقة، ويستدعي ذلك ممارسة ضغط دولي (أمريكي بشكل أساسي) على إسرائيل؛ فأمن واستقرار الشرق الأوسط ليس طموحًا إقليميًّا فقط بل ضرورة عالمية لضمان إمدادات الطاقة وسلامة الملاحة البحرية، وسلاسل الإمداد فضلًا عن الدور المحوري المتزايد للمنطقة في الاقتصاد العالمي الإنسان.
ولا استقرارًا في الشرق الأوسط دون توازن القوة بين العرب وغير العرب في المنطقة أو دون خلق التوافق اللازم بين نظام الأمن القومي العربي ونظام الأمن الاقليمي في الشرق الأوسط. لكن، عمليًّا قد لا يتحقق هذا التوازن في ظل القانون الأمريكي لسنة 2008، والذي ينص على أن الولايات المتحدة تضمن التفوق العسكري النوعي لإسرائيل (QME) في الشرق الأوسط، مما يظهر الدور الحاسم للولايات المتحدة في دعم أية مبادرة لتشكيل ترتيبات أمنية إقليمية شاملة ومشتركة في الشرق الأوسط لإرساء الأمن والاستقرار المستدام للجميع.
وللتخفيف من تداعيات اختلال توازن القوة العسكرية وكبح سياسات إسرائيل في المنطقة، تفرض الضرورة بناء توازن سياسي في الشرق الأوسط لإدارة الديناميكيات الإقليمية من خلال: تسوية أكبر قدر ممكن من الأزمات في المنطقة على غرار جهود تنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية، وأيضًا معالجة الديناميكيات الجيوسياسية الإقليمية الأوسع، كالمساعدة في إيجاد حلول لأزمة ملف إيران النووي، والدفع بمسار خفض التصعيد مع إيران.
ويمثل رفض سياسات (الإكراه، وسياسة الأمر الواقع، والتطرف، والكراهية، والعنف) مسارات مهمة تساعد على بناء نموذج أمني إقليمي لضمان استقرار مستدام وتعايش سلمي في الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، يتحسب العرب من مظاهر سياسات التطرف الإسرائيلية في المنطقة، والتي بلغت حد التهديد باستعمال السلاح النووي، فضلًا عن مخاطر تحول خرافة ما يُسمى “إسرائيل الكبرى” من خيال إيديولوجي رجعي وهامشي إلى مشروع سياسي يستغله المسؤولون السياسيون المتطرفون الإسرائيليون علنًا؛ لكسب التأييد، ودعم القاعدة الشعبية التي بدأت تتسع وتدعم هذا التوجه التصادمي مع شعوب المنطقة.
ومن المبادئ أيضًا: جعل منطقة الشرق خالية من الأسلحة النووية وباقي أسلحة الدمار الشامل، وإخضاع كافة المنشآت النووية في المنطقة إلى رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واحترام حق الدول في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتجنب وقوع المنطقة في سباق تسلح نووي من خلال بذل جهود الوساطة لإيجاد مخرج سلمي للملف النووي الإيراني، وتشجيع انضمام كل دول الشرق الأوسط إلى معاهدة عدم الانتشار والالتزام بكل القرارات الدولية المتعلقة بذلك.
ويعد التوافق على تقسيم المصالح بين دول الشرق الأوسط بما يضمن عدم التصادم مستقبلًا، من العوامل التي ستساعد على بناء استقرار مستدام في المنطقة، لاسيما تنسيق السياسات في مجال الطاقة.
ثالثًا: مدى الحاجة لدعم القوى الكبرى في مسار بناء إطار حاكم للأمن الإقليمي.
يتفق عدد من المحللين على أنه إذا كان الشرق الأوسط غير مستقر فلأن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط غير مستقرة أو غير صحيحة؛ لذلك عند البحث عن نموذج أمنى إقليمي مشترك وشامل لضمان استقرار مستدام بالشرق الأوسط، تبرز أهمية الانطلاق من حقيقة أن الشرق الأوسط لا يزال تحت التأثير الأمريكي بشكل أساسي؛ إذ تتميز ستُّ دول عربية في المنطقة بعلاقة “حليف رئيس خارج الناتو” مع الولايات المتحدة، إضافة إلى تركيا الحليفة في إطار الناتو والعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وعلاقات “الشراكة” أو “الشراكة الإستراتيجية” مع باقي الدول في الشرق الأوسط، باستثناء إيران التي تصنف دولة معادية في القوانين الأمريكية وتفرض عليها عقوبات مختلفة، أربعة عقود ونصف.
ويمكن الاستفادة من المراجعة الأخيرة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط في عهد الرئيس “دونالد ترامب”، والتي تعترف بفشل النهج الأمريكي السابق في المنطقة. وترى إدارة ترامب أن التدخل الأمريكي في عدد من النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط كان غير موفق، ولم تكن تلك النزاعات مفهومة بالقدر الكافي في واشنطن مما تسبب في الخروج بأعداء أكثر من الحلفاء وخلق تهديدات أكبر للولايات المتحدة. وأيضًا، تقر إدارة الرئيس ترامب بفشل سياسة تغيير الأنظمة وبناء الدول في المنطقة وفقًا لنهج المقياس الواحد وفرض النظام السياسي الأمريكي على دول أخرى.
ويتيح التوجه الجديد للسياسة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط فرصًا كبيرة في مسار بناء شرق أوسط مستقر؛ فالاعتماد أكثر على الشراكات الإقليمية مع الحلفاء في المنطقة للمساعدة في إدارة بعض ملفات الشرق الأوسط وتقليل المواجهة المباشرة، من شأنه يوفر حلولًا إقليمية للمشاكل الإقليمية في الشرق الأوسط صادرة من دول على دراية عميقة بتفاصيل التفاعلات الأمنية العابرة للحدود في المنطقة.
كما يوفر المسار الأمريكي الجديد في السياسة الخارجية، الذي يستند إلى المصالح وعقد الصفقات السريعة وكسر المسارات الطويلة المرحلية التقليدية لتسوية الأزمات، وعدم إعطاء أهمية كبيرة للتراكمات التاريخية وتعقيدات القانون الدولي والبحث عن الحلول رابح-رابح لكل الأطراف _ مرونة كبيرة ضرورية ومفيدة لحلحلة الأزمات المزمنة وكانت تعد “مستحيلة الحل” في الشرق الأوسط.
ومن مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية مساعدة دول الشرق الأوسط في بناء نموذج أمني إقليمي مشترك يكون فيه كل العرب طرفًا وباقي الدول الإقليمية في المنطقة أطرافًا أخرى، بما يوفر استقرارًا مستدامًا ويحفظ المصالح، الأمر الذي من شأنه أن يخفف أعباء الالتزامات الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط لصالح التركيز على المصالح في مناطق أخرى من العالم.
ويعد دعم العرب للوصول لاتفاق شامل ومستقر بشأن برنامج إيران النووي عامل مساعد لاستقرار الشرق الأوسط، خصوصًا أن إدارة ترامب لا تعطي أهمية كبيرة لطبيعة أنظمة الحكم في الشرق الأوسط بما في ذلك النظام السياسي الإيراني، ولا تركز كثيرًا على مسائل حقوق الإنسان والقيم الديمقراطية.
ويحتاج العالم وليس العرب فقط إلى دعم الولايات المتحدة؛ لتجسيد وتنفيذ حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية، وهو أمر وارد في ظل العلاقات المتميزة التي تجمع عددًا من الرؤساء العرب مع الرئيس الأمريكي، إضافة إلى قوة تأثير الرئيس ترامب على الحكومة الإسرائيلية الحالية وتطلعه إلى توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية لتعزيز طموحاته في نيل جائزة نوبل للسلام وتخليده كرئيس أمريكي عظيم.
ومع ذلك، من الخطأ التعويل أكثر من اللازم على أطراف أجنبية لتسوية قضايا الشرق الأوسط، بل يمكن الاستفادة من التنافس الأمريكي-الصيني للضغط للحصول على دعم مسار استقرار مستدام في الشرق الأوسط وبمساعدة الدول التي يهمها استقرار المنطقة، خصوصًا أن منطقة الشرق الأوسط هي من سيرجح الكفة في الأخير بين بكين وواشنطن.
رابعًا: مدى ملاءمة الاستفادة من بعض التجارب الإقليمية في مجال الأمن والتعاون المشترك.
في السنوات الأخيرة، تزايدت الرؤى والمفاهيم حول التعاون الأمني الإقليمي في الشرق الأوسط، وبرزت مقترحات لاستكشاف مدى إمكانية الاستفادة من بعض تجارب التعاون الأمني الإقليمي في مناطق مختلفة من العالم؛ ففي ختام مؤتمر “حل الدولتين” في نيويورك أواخر شهر سبتمبر 2025، ورد في النقطة 14 من البيان المشترك السعودي-الفرنسي: “… نرحِّب بالالتزام باستكشاف فرص إنشاء منظومة أمنية إقليمية تضمن الأمن للجميع، بالاستفادة من تجارب رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN) ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، بما يمهِّد لشرق أوسط أكثر استقرارًا…”.
وفي مايو 2019، أطلقت النسخة المحدثة من المفهوم الروسي لأمن الخليج بهدف مركزي طويل الأجل يتمثل في إنشاء منظمة الأمن والتعاون في منطقة الخليج (GSCO). ولم تتفاعل أغلب الدول المعنية مع الرؤية الروسية بمبرر أنه جارٍ إعداد تصور محلي لمفهوم الأمن الإقليمي في المنطقة، كما تدرك الدول المعنية أن أية مبادرة روسية أو صينية في هذا الشأن ستلقى اعتراضًا أمريكيًّا، كما تتحسب الدول العربية من تأثير تلك المبادرات على الوحدة العربية.
فيما ترى الصين أن “مبادرة الأمن العالمي” (GSI) التي طرحتها في أبريل 2022، والتي تتبنى مفهوم “الأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام” هي من أسهمت في نجاح الوساطة الصينية في استئناف العلاقات بين السعودية وإيران، في مارس 2023.
ولا تزال مبادرة الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية “عمرو موسى” لإنشاء “رابطة دول الجوار العربي” لسنة 2010 محل نقاش بين أوساط الخبراء. ولم يؤخذ بالمبادرة؛ بسبب التحسب العربي من إنشاء ترتيبات إقليمية جديدة يكون فيها الموقف العربي أقل قوة من مواقف باقي الأطراف الإقليمية في الشرق الأوسط.
ويمكن الاستفادة من بعض تجارب المنظمات الإقليمية المذكورة آنفًا؛ على غرار النهج الشامل لبناء الأمن الذي تتبناه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والتي تعد المنتدى الأمني الشامل الوحيد الذي يضم دولًا مختلفة التفكير كـ (روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والدول الأوروبية، وتركيا، ودول الفضاء السوفييتي السابق). ومع ذلك، يتميز الوضع في الشرق الأوسط بخصوصية إقليمية فريدة، وأزمات مزمنة وتضارب عميق في المصالح، فضلًا عن اختلاف السياقات (الثقافية، والاجتماعية، والدينية) للمنطقتين، كما أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لم تنجح في الوقاية من نشوب الحروب، كالحرب الحالية بين روسيا وأوكرانيا، ولم تنجح في إنهائها حتى الآن.
ويظهر أن بعض تجارب رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) أكثر قابلية للتطبيق في الشرق الأوسط مقارنة بنهج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا؛ فقد نجحت سياسة “آسيان” في جلب الاستقرار والتماسك لمنطقة كانت تعيش حروبًا طاحنة في خمسينيات القرن الماضي، واستمرت لعقود فضلًا عن صراع الأقليات والحروب الأهلية من خلال سياسة “الوحدة في التنوع”. كما تضم منطقة جنوب شرق آسيا مزيجًا معقدًا من الأعراق والإثنيات مشابهةً للوضع في الشرق الأوسط.
خاتمة:
تتطلب البيئة الأمنية الهشة في الشرق الأوسط والترابط الأمني المعقد بين أمن الدول حلولًا إقليمية متكاملة شاملة للتحديات الإقليمية بقيادة إقليمية لبناء نموذج أمني إقليمي مشترك يضمن أمنًا مستدامًا. ولا يكفي الاعتماد على التعاون وقواعد القانون الدولي فقط، بل ينبغي كذلك إعادة بناء توازن القوة في المنطقة أو -على الأقل- ضمانُ توازن سياسي. وعلى المدى الطويل، لابد من تغيير ديناميكية البناء الاجتماعي للواقع السياسي في المنطقة بما يساعد على التعايش السلمي ويرسخ الأمن والاستقرار المستدامين.
وفي إطار المسارات السابقة، من المهم التحسب وتجنب تعريض الهوية العربية ومؤسساتها للتفكك أو للإضعاف، فضلًا عن ضرورة التحرك العربي المشترك كتكتل واحد، وعدم ترك القوى الإقليمية الأجنبية في الشرق الأوسط تتفرد بجزء من العرب.
وسيتطلب تشكيل أي إطار أمني إقليمي مشترك البدء بتسوية العديد من القضايا في المنطقة، بما في ذلك استكمال تحرير ما تبقى من الأراضي العربية من الاحتلال الأجنبي، وتبنِّي مقاربة على ثلاثة مستويات (محلي، وإقليمي، ودولي). على المستوى المحلي، يستلزم بناء الدولة الوطنية في الشرق الأوسط، وتحسين وضعها الاقتصادي واستكمال إنشاء الدولة الناقصة في الشرق الأوسط وهي فلسطين.
وعلى المستوى الإقليمي، تساعد بعض الديناميكيات الإقليمية الجديدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك تزايد قوة تأثير القوى المتوسطة في السياق الإقليمي، على حلحلة أزمات المنطقة. ويمكن الاستفادة من تجربة “سياسة الجوار الأوروبية” (ENP) للاتحاد الأوروبي لبناء “سياسة الجوار العربية” كلبنة أولى في مسار بناء إطار أمنى إقليمي فعَّال في المنطقة تقوده جامعة الدول العربية.
ومن المنظور الدولي الأوسع، تبرز الحاجة إلى تخفيف استقطاب القوى الكبرى في الشرق الأوسط، ومرافقتها لمسار بناء دعائم الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط.




