2025العدد 204ملف دولى

تفكيك سياسات ترامب إيجابيًّا

لكل رئيس أمريكي عقيدة في السياسة الخارجية، إلا أنه لم يسبق وجمعَ رئيس أمريكي بين كل هذه المتناقضات التي تميز فترة حكم الرئيس دونالد ترامب الثانية، ويصعب معها تعريف ما يمكن أن يُطلق عليها “عقيدة ترامب”، ولا يمكن تأكيد أي عناصر لمثل هذه العقيدة إلا ربما الصراحة المباشرة بهذا الشكل في احتساب الفائدة المادية والمالية لأمريكا من سياساتها الخارجية المختلفة.

ومنذ وصوله للحكم في يناير الماضي، تعلَّم ترامب درسًا مهمًّا من فترة حكمه الأولى، ومع سيطرته المطلقة على الحزب الجمهوري، ومعرفته وخبرته المتراكمة بتوازنات القوى داخل العاصمة واشنطن، وعلاقة الأجهزة والمؤسسات السياسية والأمنية بالبيت الأبيض وغيره من مراكز صنع القرار_ أصبح ترامب أكثر حنكة في اختيار وزرائه ومستشاريه بصورة تجنبه كل ما شهدته فترة حكمه الأولى من عواصف وزوابع في صورة إقالات واستقالات.

وجمع ترامب فريقًا غريب الأطوار للأمن القومي والسياسة الخارجية، وشمل شخصيات لا يجمع بينها سوى القرب من ترامب والتعهد بتنفيذ رؤيته الفريدة لعلاقات بلادهم بالعالم. وفي الوقت الذي يسعى الرئيس ترامب فيه جاهدًا لترك “إرث مميز” في السياسة الخارجية الأمريكية، وأن يظهر كرجل سلام يسعى لتحقيق إنجازات سريعة، حتى لو كانت زائفة في قضايا، مثل: الحرب في أوكرانيا أو العدوان على قطاع غزة_ دفعت خلفية ترامب، وكونه رجل أعمال يتطلع دومًا للتوصل لصفقات، إلى أن ينظر إلى العلاقات الدولية من منظور رجل الأعمال تارة، ونظرة المطور العقاري تارة أخرى، مع الإيمان بصفقات “البيع والشراء” والضغط لتحقيق أهدافه. ولا يتردد ترامب في الاعتماد على سياسة رفع سقف المطالب واستخدام التهديدات، مثل: فرض التعريفات أو العقوبات، كورقة مساومة للحصول على تنازلات، أو دفع الآخرين لتبني سياسات ترددوا في قبولها لسنوات. ويتجاهل ترامب البروتوكول الرئاسي، ويضفي على منصب الرئيس الأمريكي الكثير من الإثارة، خاصة فيما يتعلق بنهجه التفاوضي. دخل ترامب فترة حكمه الثانية بخبرة كبيرة في إبرام الصفقات في عالم الأعمال، لكن قائمته فارغة في التوقيع على صفقات ذات قيمة، إلى جانب مواقفه المتقلبة بشأن قضايا رئيسة، مثل: التحالفات الدولية أو التعريفات الجمركية، مما يجعل من الطبيعي السؤال عن ماهية أسلوبه في التفاوض. وللتعرف على ذلك، دعونا نعود لعام 1987، حين أراد المطور العقاري -آنذاك- “دونالد ترامب” شراء طائرة خاصة لاستعماله الشخصي، وشعر ترامب أن بائع طائرة بوينج 727 يائسًا في أشد الحاجة للتخلص من الطائرة، عرض ترامب عليه 5 ملايين دولار فقط، وهو ما كان من الواضح أنه مبلغ منخفض يبعث على السخرية، طبقًا لما ذكره في كتابه “فن الصفقات  Art of the Deal”، وافتخر ترامب بعد ذلك بشراء الطائرة بمبلغ 8 ملايين دولار في وقت كانت قيمتها الفعلية تقدر بـ30 مليون دولار، ومنحته ثقة زائدة ما زالت مسيطرة عليه حتى اليوم.

ولفهم الرئيس ترامب بصورة أكثر واقعية، يجب التركيز على الجوانب العملية وغير التقليدية لسياساته الخارجية والاقتصادية، من خلال عدة نقاط رئيسة يمكن تلخيصها كالآتي:

أولًا: تغيير التحالفات والأولويات.

يجادل العديد من النقاد بأن ترامب أضعف تحالفات الولايات المتحدة، لكن الحقائق تظهر بدلًا من ذلك أنه عزز ترتيبات الأمن الجماعي في واشنطن من خلال خلق الإلحاح اللازم لدفع الحلفاء للقيام باستثمارات ملموسة لسياساتهم الدفاعية. وبدلًا من الانسحاب أو إضعاف الناتو، كما حذر المنتقدون، يقود ترامب أكبر عملية إعادة تسلح أوروبية في عصر ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولم يضِع وقتًا في بدء هذه العملية؛ فخلال اجتماعه الأول مع الأمين العام لحلف الناتو “مارك روت” في مارس الماضي، كرر ترامب موقفه بأن الحلفاء يجب أن ينفقوا المزيد على الدفاع وإلا يخاطرون بإعادة تقييم الولايات المتحدة لالتزاماتها تجاه الحلف، وكان الرد سريعًا وكبيرًا. في يونيو، اتفق حلفاء الناتو على رفع هدف الإنفاق الدفاعي للمجموعة إلى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تخصيص 3.5 بالمئة للقدرات الدفاعية الأساسية و1.5 بالمئة لاحتياجات الأمن والصناعة الأخرى، كما أسفل المستوى.

 توسعت الإسهامات الأوروبية في تحمل تكلفة الدفاع عن أوكرانيا، وخصصت أوروبا عشرات المليارات من الدولارات من المساعدات(العسكرية، والإنسانية، والمالية) لأوكرانيا. وكان أحد المكونات الرئيسة لقيام أوروبا بدورها، هو قرار ترامب الاستمرار في تزويد أوكرانيا بالأسلحة الأمريكية المتقدمة، ولكن فقط إذا تم تمويل هذا الدعم من الدول الأوروبية. لقد أثبتت رؤية ترامب لتقاسم الأعباء أنها ليست فقط قابلة للتنفيذ، بل أيضًا مفيدة لمنظومة الأمن الأوروبي، مما عزز التحالف دون أن يكلف دافعي الضرائب الأمريكيين، وتم إسكات النقاد الذين انتقدوا أساليب ترامب التنمرية المباشرة بعد أن أدركوا قيمة نتائجها الإيجابية.

كذلك، ومنذ وصول ترامب الثاني للبيت الأبيض، تحث واشنطن حلفاءها في منطقة المحيطين (الهادي، والهندي) على مواكبة التزامات تشبه تلك التي تلتزم بها دول حلف الناتو، وإنفاق خمسة بالمئة أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع لتطوير قدراتهم الخاصة. وتحت ضغط من الولايات المتحدة، زادت تايوان ميزانية دفاعها بشكل كبير للعام المقبل، وأعلنت نيتها تحقيق هدف خمسة بالمئة بحلول عام 2030، وهي الآن تسعى لشراء مليارات الدولارات من المعدات من الولايات المتحدة، بما في ذلك (صواريخ هيمارس، وصواريخ الدفاع الساحلي، وطائرات متقدمة). واتبعت نفس النهج كل من (اليابان، وكوريا الجنوبية)؛ حيث تعهدتا بالعمل على رفع تدرُّجي كبير للميزانيات العسكرية، والتي يذهب جزء ضخم منها لشراء عتاد عسكري أمريكي بالأساس.

ثانيًا: تحقيق اختراقات دبلوماسية غير تقليدية.

يتعامل ترامب على أنه رجل صفقات يفكر بعقلية رجل الأعمال، وليس رجل دولة بالمعنى الدبلوماسي التقليدي، يظهر ذلك في تعامله مع قضايا، مثل: الرسوم الجمركية، وصفقات السلام في الشرق الأوسط، والحرب الأوكرانية. ولا يبتعد عن ذلك اعتماد ترامب الكبير على مصادر معلومات غير تقليدية، وتشير بعض التحليلات إلى أن ترامب يعتمد بشكل كبير على الأخبار التليفزيونية بالأساس، وما يراه على الشاشة، مما يجعله عرضة للتأثير بسهولة وتفسير التقلبات في سياساته، ويرتبط بذلك اعتماده الكبير على أصدقائه من المليارديرات بدلًا من النخبة السياسية التقليدية في إنجاز أجندته للشؤون الخارجية، وبرز اسم “ستيفن وايتكوف” لإدارته ملفات العدوان على قطاع غزة، والحرب الأوكرانية، وملف إيران النووي. ومثل ترامب، يعد ويتكوف مليارديرًا ورجل أعمال متخصصًا في العقارات، وهو جمهوري يبلغ من العمر 68 عامًا. واعتبر مراقبون أن تعيين مطور عقاري لملف صراع الشرق الأوسط – بدلًا من دبلوماسي أو سياسي- يعمق الشعور بأن ترامب ينظر في النهاية إلى أزمة الشرق الأوسط على أنها مفاوضات عقارية معقدة، ويشاركه الرأي وايتكوف، ويعتبر هذه الأزمة جزئيًّا صفقة عقارية عملاقة واحدة.

ويعكس ذلك، إدراك ترامب لاحتقار النخبة السياسية في واشنطن له، ويبرر له ذلك الاعتماد على رجال الأعمال والمليارديرات في المناصب الحكومية الرئيسة، مما يعكس خلفيته كرجل أعمال وحرصه على تطبيق عقلية الصفقات في إدارة الحكم، كما يعتمد ترامب كذلك على العلاقات الشخصية في التوصل لصفقات مباشرة في علاقات بلاده الخارجية. من هنا، يكرر ترامب كثيرًا الإشارة إلى عدد من قادة الدول بكونهم “أصدقاءً له” أو أنهم “يحبونه كثيرًا”، بدلًا من الاعتماد على القنوات الدبلوماسية الرسمية. ويفضل ترامب عقد صفقات مباشرة وبناء علاقات شخصية مع قادة الدول، وكذلك رؤساء الشركات الكبرى، مثل: إيلون ماسك، ومحمد بن سلمان- على سبيل المثال- مما يمنحه المرونة في اتخاذ قرارات سريعة قد تتجاوز الإجراءات المعتادة.

وخلال أحاديث جمعتني بعددٍ من المسؤولين الأمريكيين (العسكريين، والدبلوماسيين) ممن أقالهم الرئيس دونالد ترامب، أو ممن اُضطروا إلى تقديم استقالاتهم خلال الأسابيع والأشهر الماضية، بدت الصورة لي أكثر وضوحًا في فهم طبيعة تفاعلات إدارة ترامب الثانية مع من تعتبرهم “ممثلي الدولة العميقة” من موظفين عموميين أو عسكريين كبار. وانتهيت إلى خلاصة مفادها أن ترامب الملياردير، وكبار مستشاريه من المليارديرات، يرون كل هؤلاء الذين قضوا حياتهم المهنية في أفرع أجهزة الدولة الأمريكية المختلفة- سواء في وزارة الخارجية، أو البنتاجون، أو أجهزة الاستخبارات – ليسوا سوى مجموعة من الخاسرين الفشلة (Losers)؛ إذ قضوا عقودًا من حياتهم المهنية لينال كل منهم في النهاية أجرًا ثابتًا متواضعًا بمعاييرهم. وبعد كل هذه السنوات، لا يتعدى راتب أي مسؤول كبير 200 ألف دولار سنويًّا قبل حساب الضرائب، أو ما يقارب 10 آلاف دولار شهريًّا بعد خصومات الضرائب، أي إنهم يعيشون على مرتباتهم Paycheck to Paycheck.
يرى ترامب ودائرته المقربة أنفسهم ناجحين بما يمتلكونه من مليارات أو مئات الملايين من الدولارات، ولا يكترثون بطريقة الحصول عليها، سواء أكانت عن طريق الإرث، أو النصب، أو العمل الجاد.

ويتعامل هؤلاء المليارديرات باستعلاءٍ كبيرٍ مع المؤسسات البيروقراطية الراسخة ومراكز صنع القرار التقليدية، ويظهر هذا الأمر بوضوح في إدارة ملفات الشرق الأوسط؛ حيث تم تهميش أولئك الذين عرفوا ثقافات الإقليم وتعلموا لغاته وفهموا مجتمعاته؛ إذ يرونهم مجموعة من الفَشَلة لعدم تمكنهم، على مدار العقود الأخيرة، من حلّ الصراع بأي صورة ممكنة، ولو حتى بتصفيته على حساب الفلسطينيين.

من ناحية أخرى، يعقد هذا النهج من تركيزه كذلك على المصالح الشخصية والوطنية الضيقة؛ إذ يقدم ترامب مصالحه الشخصية، أو مصالح أقاربه وأصدقائه، أو ما يعتبره “المجد الشخصي” على الاعتبارات الدولية المعقدة، خاصة مع اتباعه نهج “أمريكا أولًا” بشكل متطرف.

ويدفع كلُّ ذلك لتناقضات ومواقف متغيرة، فبإمكان ترامب أن يجمع بين مواقف متناقضة تجاه قضية واحدة، مثل: أوكرانيا، أو غزة، ويمكن لخلافاته الشخصية مع قادة آخرين “فلادومير زالينيسكي” رئيس أوكرانيا -على سبيل المثال- أن تؤثر على القرارات السياسية.

وإلى جانب الاعتماد على أهل الثقة، يقوم ترامب عن قصد أو بغير قصد، بإضعاف وتفكيك مؤسسات السياسة الخارجية وتجاوزها، خاصة المؤسسات التقليدية، مثل: الكونجرس، أو وزارة الخارجية، والاعتماد على الدائرة المقربة منه أو حتى على تفضيلاته الشخصية.

ثالثًا: مقاربة “السلام من خلال القوة”.

منذ تولي ترامب منصبه للمرة الثانية في يناير، بدأ الجيش الأمريكي عملية إعادة هيكلة كبيرة، وتم تدعيم ذلك بإنفاق إضافي بقيمة 150 مليار دولار فوق طلب الميزانية العادية للسنة المالية 2026، مما أوصلها لأكثر من تريليون دولار. أقنع ترامب الحلفاء والشركاء الأمريكيين بالالتزام بزيادة إنفاقهم الدفاعي إلى خمسة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتحمل المزيد من أعباء الأمن، سواء في غرب أوروبا أو شرق آسيا.

وظهر نهج “السلام من خلال القوة” واضحًا في فرض نظام صارم لإغلاق الحدود الجنوبية، منع المكسيك ووقف هجرة أكثر من مليوني شخص بطرق غير شرعية للولايات المتحدة. ودعم ترامب إسرائيل في حربها ضد إيران من خلال مشاركتها في ضرب المنشآت النووية الإيرانية، والقضاء عليها كما يدعي ترامب.

ويؤمن ترامب أنه من خلال إجراءات أمريكية رادعة، يمكن فتح عهد جديد من الاستقرار. من هنا، لم يتردد ترامب في إصدار توجيهات إلى البنتاجون ببدء إجراء اختبارات نووية أسوة بدول أخرى تختبر برامجها النووية لتكون الولايات المتحدة على قدم المساواة معها، وأكد ترامب أن الاختبارات النووية الأمريكية ستبدأ بشكل فوري، مشيرًا إلى أن “روسيا تأتي في المرتبة الثانية، والصين في المرتبة الثالثة بفارق كبير، لكنها ستكون على قدم المساواة في غضون خمس سنوات”. وكانت آخر مرة اختبرت فيها الولايات المتحدة سلاحًا نوويًّا في عام 1992.

وفيما يتعلق بالصين، يتخذ ترامب موقفًا أكثر صرامة تجاه الصين في القضايا التجارية والأمنية، بما في ذلك فرض رسوم جمركية والتأكيد على حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، وهو ما اعتبره البعض ضروريًّا لمواجهة نفوذ بكين المتزايد. 

رابعًا: العلاقات الثنائية مقابل المنظمات متعددة الأطراف.

على مدى السنوات الثمانين الماضية، أنشأ الغرب بقيادة واشنطن العديد من المؤسسات لتعزيز أهدافهم المشتركة، ومن أبرزها: حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومجموعة الدول السبع، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وبالقدر نفسه من الأهمية، قام الغرب بتنسيق مواقف السياسات ضمن أطر متعددة الأطراف أكثر شمولًا، مثل: الأمم المتحدة ووكالاتها، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة العشرين. وصمد النظام الدولي أمام أزمات ضخمة على مدار تاريخه، من أبرزها: أزمة السويس عام 1956، وتحدي الرئيس الفرنسي “شارل ديجول” لهيكل القيادة المتكاملة لحلف شمال الأطلسي في الستينيات، وأزمة الصواريخ الكوبية، وإلغاء الرئيس ريتشارد نيكسون مبدأَ الغطاء الذهبي في بنك الاحتياط الفيدرالي عام 1971، وأزمة تجاهل واشنطن للقانون الدولي وغزوها العراق وأفغانستان.

لكن أمام هذه الاختبارات التاريخية، يبدو أن وصول ترامب، مرة أخرى، إلى البيت الأبيض، وتبنيه الكامل لمبدأ “أمريكا أولًا” في السياسة الخارجية والاقتصادية والأمن القومي، أصبحت الاختبار الأصعب وربما الأخير أمام النظام الدولي الحالي.

يعكس انسحاب ترامب من الاتفاقيات الدولية الكبرى، مثل: اتفاقية باريس للمناخ، ميلَه إلى إبرام صفقات ثنائية تضمن مكاسب اقتصادية مباشرة للشركات الأمريكية الكبرى، تماشيا مع شعار “أمريكا أولًا”. ومن خلال التركيز على نهج “أمريكا أولًا” يجادل معلقون أن سياسات ترامب وضعت المصالح الأمريكية في المقام الأول، مما أدى إلى قرارات تهدف إلى حماية الاقتصاد والأمن الداخلي للولايات المتحدة قبل الاعتبارات الدولية الأخرى.

في الوقت ذاته، تبنى ترامب نهجًا حادًا تجاه الأمم المتحدة والنظام متعدد الأطراف بصورة مباشرة دفعت به إلى ما يقرب من الفوضى، وأصدر ترامب أمرًا تنفيذيًّا في 20 يناير الماضي (أول أيام حكمه في دورته الثانية) لانسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية. وبعد أسبوعين، أنهى أمرًا آخر، مشاركة الولايات المتحدة في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وشكك في قيمة اليونسكو والأونروا، ودعا إلى مراجعة داخلية لمدة ستة أشهر لعضوية الولايات المتحدة في مئات المنظمات الحكومية الدولية؛ لتحديد ما إذا كانت تتوافق وكيف تتوافق مع أولوياتها الأمريكية، كما حددتها الإدارة الجديدة، تبع ذلك طلبات ميزانية محدودة لتمويل الأمم المتحدة، وتجميد التمويل الحالي الذي كان قيد الانتظار. يتضح هذا العداء الواسع النطاق تجاه الأمم المتحدة، والنظام متعدد الأطراف بشكل عام، من خلال حقيقة أن ترامب والأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش” لم يتحدثا بشكل مباشر هذا العام حول أي موضوع جوهري. علاوة على ذلك، فإن تهميش الأمم المتحدة بالكامل من قبل البيت الأبيض في دوامة نشاط ترامب الدبلوماسي الشخصي هو أيضًا مؤشر على قلة الاهتمام الذي تكنه واشنطن الآن لدور ووظائف الهيئة العالمية. من ناحية أخرى، فاجأ ترامب العالم بإعلانه عدم المشاركة في قمة العشرين والتي عقدت في جنوب إفريقيا يومي 21 و22 من نوفمبر الجاري. وبعدما كان من المقرر أن يمثل نائب الرئيس جي دي فانس بلاده، فاجأ الرئيس ترامب الجميع، وقال: إن الولايات المتحدة ستقاطع القمة تمامًا، مضيفًا “أنه لعارٌ أن تعقد مجموعة العشرين في جنوب إفريقيا”، وأشار إلى مزاعم كاذبة بأن البيض في جنوب إفريقيا يُقتلون بأعداد كبيرة.”.

وأخيرًا: كيف تتعامل مع ترامب؟

أدرك عدد قليل من الفاعلين الخارجيين ديناميكية إدارة ترامب الثانية فيما يتعلق بصنع السياسة الخارجية، في حين وقف آخرون متجمدين عند رؤيا قديمة، لا تناسب أمريكا ترامب، والتي لا تشبه أمريكا التي عرفوها لعقود. ومن حسن حظ أمريكا أن جغرافيتها لن تتغير، وستبقى واقعة بين المحيطين (الهادي، والأطلنطي)، وبين جيران جيدين، مثل: كندا، والمكسيك، ولن يزول رصيد أمريكا في العالم في المستقبل المنظور، لكن النهج الترامبي غير المسبوق يهز العالم معه، وقد يدفع بالعديد من الدول إلى البحث عن المساعدة من الصين، حتى لو كان ذلك فقط لاكتساب المزيد من النفوذ والمناورة ضد واشنطن.

تشير إحدى النظريات الأكثر ديمومة وقوة في السياسة العالمية إلى أن نهج ترامب الراديكالي في السياسة الخارجية سيأتي بنتائج عكسية، قد يفوز ببعض التنازلات في الأمد القريب، ولكن النتائج الطويلة الأمد سوف تتمثل في مقاومة عالمية أكبر وفرص جديدة لمنافسي أمريكا، لكن ترامب لا يكترث. يجلس ترامب خلف عجلة قيادة السيارة الأمريكية ويقود بكل بلطجة ممكنة، ويسير بسرعة جنونية مخترقًا كل الإشارات الحمراء والصفراء، ولا يكترث بالزحام ولا بالحوادث التي يسببها ويتسبب فيها حتى تلك التي تصيب وتضر ببلاده.

ويبقى التساؤل قائمًا حول هل ما يقوم به ترامب يبشر بطريقة جديدة تبقى بعد رحيله ويقتدي بها الرؤساء القادمون، أم أنها تمثل خروجًا مؤقتًا عن المألوف ينتهي بخروجه من البيت الأبيض وبعدها تعود التقاليد الراسخة للسياسة الأمريكية كما عرفها العالم والأمريكيون؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى