2026العدد 205ملف إقليمي

تغيير بوصلة المشاكل الإيرانيةمن النووي والباليستي إلى الأحداث الداخلية

مدخل تاريخي:

لفهم الموقع الجيوسياسي الذي تسعى إيران لتكريسه، قد يكون من المنطقي التوقف عند بعدين أساسيين يمتدان في التاريخ (البعيد، والقريب) ويتحكمان في وعي ولاوعي السلطة، بالإضافة إلى ما يفرضه حكم الجغرافيا التي وضعت إيران وسط عقد جيوإستراتيجية، جعلتها محط اهتمام لكل الدول التوسعية قديمًا وحديثًا؛ لما تشكله من نقطة وصل ضرورية للممرات التجارية والاقتصادية وحتى السياسية التي تصل بين القارات، بين الشرق والغرب وبين الشمال والجنوب، وعزز من أهميتها أيضًا إطلالها وإشرافها على المياه الدافئة، وسيطرتها على أهم الممرات البحرية التي تشكل عنق الزجاجة التي يمر من خلالها الجزء الأكبر من مصادر الطاقة والنقل التجاري البحري، سواء في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، من خلال نفوذها وطموحاتها التوسعية وشبكة تحالفاتها.

وهذه الأهمية التي يكتسبها الموقع الجيوسياسي لإيران، لا علاقة له بطبيعة السلطة الحاكمة وصفتها- سواء كانت ملكية أو ثيوقراطية- بل فرضتها أهمية الموقع الجيوسياسي، أجبر كل سلطة حاكمة في إيران العمل لتكريس وجودها وموقعها ضمن المعادلات الإقليمية داخل منطقة غرب آسيا، أو ضمن المعادلات الدولية.

وبناء على إدراك أهمية الموقع الجيوسياسي لإيران، ورسوخه لدى رجالات السلطة فيها تاريخيًّا، جعل أي حكم يضع إستراتيجيات توسعية، وخلق مساحات نفوذ في المحيط الجغرافي وخارجه؛ إنطلاقًا من عقدية سياسية وإستراتيجية ترى بأن التوسع في النفوذ وإيجاد مناطق سيطرة خارج الجغرافيا الإيرانية يشكل العنصر الأساس في تحصين الداخل والسلطة، ويعزز دورها ضمن المعادلات الإقليمية والدولية، كشريك فاعل وعامل استقرار بدلَ أن يكون عنصرًا معطِّلًا ومخرِّبًا ومزعزعًا للاستقرار.

من هنا، يمكن القول أن الطموحات الإستراتيجية والجيوسياسية لأي سلطة أو حكم في إيران، لا تختلف مع تبدل طبيعية هذه السلطة -سواء كانت ملكية أو ثيوقراطية دينية. وكلا السلطتين داخل البنية الفكرية والتاريخية للمجتمع الإيراني، تأتيان من بُعد غيبي إلهي؛ فالملكية منذ أيام كورش الكبير، وكما تؤكد آثار الحقبة الساسانية، هي امتداد لحكم الإله، تقوم فيه الملائكة بوضع التاج على رأس الملك، وهو ما ارتكز عليه الشاه السابق “محمد رضا بهلوي” لإعلان نفسه “ظل الله ” على الأرض، وصاحب السلطة المطلقة التي تتحكم بالبلاد والعباد من دون محاسبة أو مساءلة من أية جهة، لاغيًا بذلك كل حقوق الشعب في المشاركة والتعبير وحق الاختلاف أو المعارضة.

أما في الجمهورية الإسلامية التي قامت بعد انتصار الثورة عام 1979 على أنقاض الحكم الملكي، فإن تضمين الدستور لمادة تنص على “ولي الفقيه” (المادة الخامسة)، أضفى على سلطة هذا الموقع طابعًا غيبيًّا و إلهيًّا، أو بمعنى آخر، تشكل تجليًّا لمفهوم الحاكمية الخاصة بالخالق، الذي يملك السلطة والسيادة العليا وحصرية التشريع والأمر والنهي وتطبيق الشريعة في كافة شؤون الحياة، وصولًا إلى سلطته في تعطيل الأحكام الشرعية والدينية.

وقد أدت هذه القراءة للسلطة الدينية المنبثقة عن قراءة مختلفة لفقه السلطة في المذهب الاثنا عشري الإمامي، إلى إنتاج ما يعرف في الأدبيات السياسية المعاصرة بالنظام الإسلامي، وهي صفة تعتبر من وجهة نظر السلطة الحاكمة ذات بعد إيجابي على عكس الاستخدام السائد الذي يحمل جانبًا سلبيًّا، خاصة وأن هذا المصطلح أو التعبير يعادل مفهوم الحكومة الإسلامية أو سلطة التمكين وحتى الإمارة الإسلامية. وبالتالي، فإن التطبيق العملي لولاية الفقيه أصبح مساويًّا لمفهوم حاكمية الخالق في عصر غيبة الإمام المعصوم الثاني عشر في المذهب الشيعي الإمامي.

إرساء موقع ولي الفقيه المطلق في الدستور، أطاح بفرصة تاريخية أمام الفقه السياسي الشيعي للخروج من حالة التعليق التي دخل فيها تاريخيًّا عندما ربط أية سلطة دينية بوجود الإمام المعصوم، وأن يقدم تجربة مختلفة من حيث اعتماد الآليات الديمقراطية والحديثة في الحكم، خاصة مع القدرة على تكييف الأحكام من خلال سلطة ولي الفقيه المستمدة من الخالق والرسول والأئمة المعصومين الشيعة وامتدادًا لهم. وتحول صندوق الاقتراع ورأي الشعب والانتخابات إلى مجرد آلية أو وسيلة مهمتها الكشف عن الإرادة الإلهية والشارع المقدس، الذي اختار من يتولى السلطة ويحكم باسمه، وبالتالي لا يخضع لقانون المساءلة والحساب والعقاب من قبل البشر، ما أسس لما تشهده الحياة السياسية والاجتماعية في إيران الإسلامية من انفصام عميق بين السلطة والشعب، وبين الحاكم والمحكومين (سياسيًّا، ودينيًّا، وثقافيًّا، واجتماعيًّا).

إشكالية السلطة والانتماء.

الانفصام بين السلطة والشعب، وبين السلطة والمكونات السياسية والثقافية، لم يعد مجرد ترفٍ فكري، بل تحول إلى شرخ بنيوي، تمظهر من خلال محطات الاعتراضات والاحتجاجات الشعبية، مرة ذات منطلقات الدفاع عن الحريات، كما حصل عام 1996، والمواجهات التي حصلت بين الأجهزة الأمنية وطلاب الجامعات، وبعدها في الحراك الشعبي المطالب بأصواته بعد الانتخابات الرئاسية عام 2009، والتي تُعرف في الأدبيات السياسية بالحركة الخضراء، وبعدها عام 2019 الاحتجاجات المطلبية نتيجة رفع أسعار المشتقات النفطية وانهيار مؤسسات مالية وتبخر مدخرات واستثمارات شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة. ومن ثم، حراك “المرأة والحياة والحرية” عام 2022 على أثر مقتل الفتاة مهسا أميني، والتي تحولت إلى انقسام هوياتي عمودي واضح ولا إمكانية لترميمه بين شرائح واسعة من المجتمع الإيراني والسلطة الدينية على خلفية الموقف من إلزامية الحجاب والخطاب الديني. وصولًا إلى حركة الاحتجاجات الأخيرة نهاية عام 2025 وبداية عام 2026، والتي بدأت اعتراضًا على الانهيار المالي وتحولت إلى تظاهرات معادية للنظام ومطالبة بإسقاطه.

وقد فشل النظام الإيراني في استغلال الفرصة التي أتاحها العدوان الإسرائيلي – الأمريكي المشترك في حزيران 2025، والالتفاف الشعبي حول إيران والعلم الوطني ووحدة الأراضي وسيادة الدولة عليها، وفتح مسار لترميم وتجسير الهوة الفاصلة بينه وبين القواعد الشعبية، وترك العنان للجماعات المتشددة في ممارسة أدوار تخريبية تستهدف تفكيك وتهشيم الحالة الشعبية التي أنتجتها الانتخابات الرئاسية التي أوصلت مسعود بزشكيان إلى رئاسة الجمهورية؛ انطلاقًا من خوفها العميق من قدرة الحالة الشعبية على تغيير المعادلة السياسية التي يمسكون بها من خلال صناديق الاقتراع، خاصة وإن إستراتيجيتهم تقوم على خلق شرخ بين الشعب وصناديق الاقتراع، بما يتيح لهم التحكم بما يتبقى من صور العملية الديمقراطية والانتخابات من خلال أقلية مؤيدة لهم، وإيهام السلطة والنظام والمرشد بأنهم الدرع الوحيد المدافع عنه وعن إسلامية الدولة والنظام والمجتمع والجماعة الدينية.

ولا يمكن حصر أسباب الانفصام أو الانقسام بين السلطة والشعب في جزئية واحدة ترتبط بأداء وإدارة الجماعات المتشددة فيما يتعلق بالمسائل الداخلية؛ لأن النظام ذهب بعيدًا في التركيز على الأبعاد الإستراتيجية وما يدور في فلكها إقليميًّا ودوليًّا على حساب المسائل الداخلية والمطالب المعيشية للمواطن الإيراني، وهي التي أسهمت في تعميق الشرخ بين المصالح التي يؤكد عليها النظام في إطار تعزيز عمقه الإستراتيجي والموقف الشعبي الذي أعلن موقفًا سلبيًّا واضحًا منها لما لها من تكاليف (مادية، ومعنوية، وسياسية) على حساب مصالحه اليومية والحياتية.

المظلة النووية.

يمكن القول هنا، أن المشروع النووي، يشكل أبزر المحطات الإستراتيجية للنظام والسلطة الإيرانية، وهذا البرنامج لا تقتصر أهميته على تحديد أطر علاقات إيران مع المجتمع الدولي، بل أيضًا يلبي بعدًا داخليًّا على علاقته بالجانب النفسي للسلطة التي تسعى لبناء عظمة إيرانية، ونقل إيران من دولة عادية تعتمد في نفوذها ودورها الإقليمي على العامل الخارجي (الأمريكي) -كما كان الحال في عهد الشاه السابق- إلى قوة إقليمية أو كبرى بقدراتها الذاتية.

وانطلاقًا من هذا البعد النفسي، سعى النظام لجعل البرنامج النووي موازيًا ومساويًا للكرامة الوطنية، وأن التحول إلى قوة كبرى يشكل تعويضًا عن التكاليف (المادية، والمعنوية، والمعيشية) وما تركته من آثار سلبية على الحياة اليومية للشعب من خلال سلسلة العقوبات الاقتصادية والحصار الذي فُرض على إيران خلال العقود الأربعة الماضية.

أما في البعد الخارجي، فإن عامل القلق الأول وهاجس التهديد الدائم الذي تعيشه السلطة والنظام، نتيجة عامل مزدوج: الأول، يتعامل مع تحديات الوسط الجغرافي الذي تعيشه إيران والحلقة النووية التي تحاصرها في المحيط المباشر في باكستان والهند، أو المحيط الذي يليه في روسيا والصين، فضلًا عن حلقة الوجود العسكري الأمريكي وما يملكه من ترسانة نووية في بعض قواعده في منطقة غرب آسيا. كل ذلك لعب دورًا في دفع طهران للعمل على تعزيز برنامجها النووي والدفع به إلى حافة النووية العسكرية من دون اللجوء إلى الخطوة الأخيرة، وأن هذا البرنامج وامتلاك التقنية النووية يساعد في تعزيز جهودها للتحول إلى قوة كبرى إقليمية.

أما العامل الثاني للقلق: يمكن القول أنه مستجد على الإستراتيجية الإيرانية، وقد برز بشكل واضح ما بعد عام 1991، والتحولات السياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط نتيجة مؤتمر مدريد للسلام، وبعدها التوقيع على معاهدة أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993، والتي جعلت السلطة الإيرانية تشعر بمحاولة محاصرتها وإخراجها من المعادلات الإقليمية. وبالتالي، بات عليها إعادة تعريف موقفها من إسرائيل من خلال استعادة الخطاب الأيديولوجي والعقائدي لمؤسسة النظام السيد “روح الله الخميني” الذي وصفها بالغدة السرطانية ووجوب استئصالها، كما بات عليها إعادة تعريف مشروعها الإقليمي الذي يعزز عمقها الإستراتيجي في الشرق الأوسط انطلاقًا من رفع مستوى العداء مع تل أبيب والصراع على مساحات النفوذ في الإقليم. وما يتطلبه ذلك من الإصرار على التمسك بمشروعها النووي الذي بات ضرورة وحاجة مع دخول العامل الإسرائيلي والتهديد الذي يشكله للنفوذ الإيراني، بالإضافة إلى ما يملكه من قدرات عسكرية نووية وعدم وجود أي رادع لتل أبيب من استخدامه في حال الشعور بأي تهديد وجودي لكيانها. وقد كشفت بعض التسريبات غير المؤكدة عن الإدارة الأمريكية، أن أحد أسباب قرار الرئيس دونالد ترامب بالمشاركة في الهجوم على إيران في حزيران 2025، كان نتيجة التهديد الذي مارسه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستخدام النووي لضرب إيران.

حلقة النار.

وإذا ما كان البرنامج النووي يشكل أحد أبرز أعمدة ومكونات الإستراتيجية الإيرانية في العلاقة مع إسرائيل وإقليم الشرق الأوسط ومن ورائهم الولايات المتحدة الأمريكية، فإن طهران عمدت أيضًا إلى إعادة تعريف موقعها ونفوذها ودورها في هذا الإقليم، من بوابة إعادة تعريف موقفها من القضية الفلسطينية وجهود مصادرتها من الأطراف العربية، وتكريس نفسها كمدافع أول عن هذه القضية بناء على الشعار الذي ترفعه كمدافع عن القضايا الإسلامية، وتعمل من أجل استعادة الحقوق الفلسطينية في الأرض والمصير.

التعريف الجديد للدور الإقليمي لإيران، كان يعني تحويل القضية الفلسطينية إلى محور أهدافه الإستراتيجية في العداء مع إسرائيل، إلا أن هذا العداء لا يعني بالضرورة للقيادة الإيرانية الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع تل أبيب، والتي قد تعني مواجهة وجودية، بل الهدف هو تكريس الدور الإقليمي والدخول على المعادلات الإقليمية كشريك أساسي باعتراف دولي وأمريكي يضفي على هذا الدور شرعية سياسية وإستراتيجية.

من هنا، يمكن فهم الاستثمارات التي قام بها النظام الإيراني في مجموعة الأذرع التي أنشأها في الإقليم، في الداخل الفلسطيني، من خلال التحالف مع حركتي (حماس، والجهاد الإسلامي) مرورًا بلبنان من خلال التركيز على محورية حزب الله، وتوظيف الفراغ الحاصل في السلطة العراقية بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003؛ لبناء منظومة من القوى الموالية لها ساعدتها في ملء الفراغ وتحويل العراق إلى ساحة نفوذ على حساب المصالح العربية وحتى الأمريكية، وصولًا إلى اليمن الذي تحول إلى ذراع إيرانية للإشراف والسيطرة على أحد أهم الممرات المائية في باب المندب وساحة للعب بالخاصرة الجنوبية للمملكة العربية السعودية، وتهديد المصالح الاقتصادية للدول الواقعة على امتداد البحر الأحمر، خصوصًا الجمهورية المصرية، بالإضافة إلى ما يشكله من إدارة لخنق الإمدادات البحرية لإسرائيل، كما حصل في حرب الإسناد البحري التي خاضها الحوثيون لدعم قطاع عزة وحماس.

وقد شكلت سوريا والنظام بقيادة الرئيس “بشار الأسد” الجسر الإستراتيجي الذي وفر الحماية والأرضية لاستكمال حلقة النار التي بنتها طهران لمحاصرة تل أبيب ورفع مستوى الإشغال الأمني والعسكري في مواجهة التهديدات التي تحيط بها من هذه الساحات. وقد أدت هذه الأذرع دورًا رئيسًا وأساسيًّا في خلق حالة من القلق الوجودي لإسرائيل، وساعد طهران في إفشال أية جهود ومحاولات إسرائيلية لنقل المعركة إلى الحدود الإيرانية، وصولًا إلى عام 2025، عندما انهارت جميع هذه الحلقات بضربات إسرائيلية متوالية، ما جعل النظام في طهران في مواجهة مباشرة مع حلقة نار إسرائيلية -سواء من الغرب المفتوح على العمق العربي أو الشمالي المفتوح على العمق القوقازي- من خلال التحالف مع دولة (أذربيجان، وتركمنستان، وأرمينيا)، والتي أدت دورًا محوريًّا في الضربات التي تعرض لها النظام في حزيران الماضي.

الصاروخي.. آخر الملاذات.

يدرك النظام الإيراني أن أي إعلان عن تجربة تفجير نووي، تعني أنه سيكون في مواجهة عسكرية مفتوحة ليس مع الولايات المتحدة فقط، بل مع كل المجتمع الدولي، الناتو والدول الأوروبية، وحتى مع الدول، مثل: روسيا والصين، التي تصنف في خانة الحلفاء. والقيادة الإيرانية لمست هذه الإشكالية بوضوح من خلال أربعة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بين شهري يونيو وأغسطس (تموز، وآب) عام 2006، بموافقة روسية وصينية، والتي لم يكن الهدف منها معاقبة إيران فقط على أنشطتها النووية، بل لدورها الداعم لحزب الله في حربه مع إسرائيل في تلك الفترة من تلك السنة.

لذلك كان على النظام البحث عن أداة ردع أخرى، إلى جانب التكنولوجيا النووية وامتلاك دورة تخصيب اليورانيوم بقدرات محلية ووطنية، وإن امتلاك قدرات صاروخية هو العامل الوحيد الذي قد يوفر حلقة الردع الفعالة للتعويض عن النقص الكبير في القدرات الجوية.

هذه القناعة بانتقال الثقل العسكري والردع إلى العمل لبناء برنامج صاروخي، تبلورت بشكل واضح بعد  انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988. وإن هذا الانتقال يساعد في سد النقص والعجز العسكري الذي تعاني منه نتيجة العقوبات التي فُرضت على بيع الأسلحة.

وقد كان صيف عام 1997، وتحديدًا بعد إعلان فوز محمد خاتمي برئاسة الجمهورية، تاريخًا مفصليًّا وإعلانًا واضحًا من طهران بأنها انتقلت إلى مستوى جديد في عملية تعزيز أمنها وتوفر قدرات ردع لحماية استقرارها ومواجهة أية تهديدات قد تتعرض لها؛ وذلك من خلال إطلاق نحو 110 صواريخ من نوع سكود المطور داخليًّا عبر تقنية الهندسة العسكرية على معسكر أشرف لجماعة مجاهدي خلق المعارضة في محافظة ديالى داخل الأراضي العراقية، وهي عملية اعتبرتها طهران بمثابة رسالة لكل دول المنطقة، خاصة الخليجية، وأنها على استعداد لمهاجمة واستهداف أي طرف يحاول المساس أو تهديد مصالحها الإستراتيجية والقومية.

وقد لا يكون غائبًا عن الدوائر الإستراتيجية المتابعة بدقة لتطور القدرات الصاروخية الإيرانية، إن الهدف الإستراتيجي لطهران لا يقف عند تطوير القدرات التدميرية أو المدَيات الجغرافية، بل يتعدى ذلك إلى محاولة الوصول إلى تكنولوجيا تحميل رؤوس نووية على هذه الصواريخ؛ لتكون جاهزة في اللحظة التي تتمكن فيها من اختراق الخطوط الحمراء والانتقال إلى التصنيع النووي العسكري. إلا أن هذا الهدف البعيد لم يلغِ الحاجة لامتلاك قدرات عسكرية تشكل درعًا فعالًا وعمليًّا أمام أي تهديد، وقد برزت أهمية هذه القدرات في الرد الذي قامت به طهران على الاعتداء الإسرائيلي بإرسال نحو 600 صاروخ من أنواع مختلفة تقليدية وفوق صوتية إلى العمق الإسرائيلي ردًا على الهجوم الذي قامت به تل أبيب.

وأهمية القدرات الصاروخية في منظومة الدفاع والردع الإيرانية تظهر بشكل جلي وواضح في سياق المفاوضات التي جرت وتجري مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ فالنظام الإيراني، وإن كان على استعداد  لتقديم الكثير من التنازلات في الموضوع النووي، بحيث لا تمس الخطوط الحمراء ولا تدخل في إطار النيل من العنفوان والكرامة الوطنية، إلا أنه لا يبدي أي استعداد أو ليونة في التفاوض حول القدرات الصاروخية، التي تتضمن سلاح الطيران المسير؛ انطلاقًا من معادلة واضحة وبسيطة، تنظر إلى هذه القدرات باعتبارها السد الأخير للدفاع والرد ومواجهة أي اعتداء قد تتعرض له من قبل تل أبيب أو حتى من واشنطن.

وقد لا يكون من السهل الفصل بين البرنامجين (النووي، والصاروخي) عن إستراتيجية النفوذ الإقليمي لإيران، فهما يوفران لها مظلة إستراتيجية تدعم هذا النفوذ وتعززه، بالإضافة إلى دورهما في تثبيت مواقع إيران في المعادلات الدولية كقوة كبرى صاعدة وإمكانية خلق توازن وردع ضد أي لاعب إقليمي وحتى دولي قد يهدد استقرار النظام وسيادته.

إلا أن هذه الإستراتيجية جاءت على حساب الداخل والحياة اليومية للمواطن الإيراني، الذي تحمل وحده تداعيات العقوبات والحصار الذي يتعرض له النظام نتيجة هذه الطموحات وهذه الإستراتيجيات، خاصة وإن منظومة السلطة ومن أجل تعزيز موقع هذه الإستراتيجيات وتوفير حاضنة شعبية وطنية لها في الحالات التي لم تكن فيها بمعرض التهديد المباشر، لم تلجأ إلى سياسات عملية وفاعلة لحل الأزمات المتراكمة (الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية) التي تثقل كاهل المواطن، الذي من المفترض أن يكون الحامل الأساس لهذه الطموحات والمدافع عنها والمتمسك بها.

فعقيدة النظام كانت تقول بأن استقرار مواقعه واستمرار نفوذه الإقليمي وتكريس قوته من خلال التحول النووي وامتلاك قدرات ردعية صاروخية يساعدانه على الإمساك بالداخل والتعامل مع أي اضطراب أو خلل أو تحدٍ قد يواجهه نتيجة حراك شعبي اعتراضي. إلا أن لحظة الحقيقة الصادمة التي تكشفت عنها الأحداث الإقليمية والانهيارات السريعة التي حصلت داخل أضلع نفوذه الإقليمي وأذرعه، أدت جميعها إلى انكشاف النظام أمام سلسلة من التهديدات الدولية والإقليمية، ودخوله في دائرة الخطر المباشر؛ نتيجة خسارته لحلقة النار التي عمل على بنائها خلال العقود الماضية، وبات في مرمى الاستهداف الإسرائيلي المباشر.

ولعل الأحداث الأخيرة التي شهدتها المدن الإيرانية، ولجوء النظام وأجهزته إلى استخدام القوة المفرطة لقمع حركة الاحتجاج، وما أدت له من سقوط نحو 3117 قتيلًا، حسب الإعلان الرسمي لرئاسة الجمهورية، أجبرت النظام على التراجع قليلًا إلى الوراء والتريث في استكمال المسار الذي بدأ بالظهور بعد هجوم حزيران في الخطاب الرسمي، خاصة خطاب المرشد الأعلى الذي ذهب للتركيز على البعد الوطني والشعبي في الحفاظ على إيران وتدعيم الساحة الداخلية أمام التهديد الوجودي الذي تعرضت له إيران وليس النظام. فالموقف الحاسم الذي اتخذه المرشد في الأيام الأخيرة للاحتجاجات، والذي كان بمثابة الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية لممارسة أقصى عمليات القمع، من خلال رسمه للحدود الفاصلة بين الاحتجاج والتخريب_ قد يدفع منظومة السلطة لإعادة النظر في موقفها في التعامل مع بعض المستويات الداخلية، وتحديدًا مع القوى السياسية المصنفة في خانة المعارضة أو الإصلاح، في مقابل إطلاق الحريات الاجتماعية والفردية التي أنتجها حراك رفض الحجاب، وهو يراهن في إعادة القراءة لآليات تعامله هذه على ما قد يحققه من انفراجة اقتصادية في حال نجحت جولة التفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي قد تسمح له في التشدد مع بؤر الاعتراض السياسي وقمعها وإنهائها دفاعًا عن استقراره وبقائه واستمرارية سلطته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى