انطلقت في 7 يناير 1978، الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، والتي أدت إلى مغادرة الشاه يوم 16 يناير 1979 البلاد إلى منفاه الأخير، وتكللت بوصول آية الله روح الله الخميني إلى العاصمة الإيرانية طهران في الأول من فبراير من العام نفسه، قادمًا من منفاه في فرنسا. منذ تلك اللحظة، شهدت إيران- ومن خلفها المنطقة- عدة متغيرات عميقة، كان أبرزها قطع العلاقات الإيرانية مع حليفها الرئيس قبل الثورة (الولايات المتحدة)، وحليفها الإقليمي الأبرز (إسرائيل)، وتحويل السفارة الإسرائيلية إلى سفارة فلسطينية، وتبني الثورة خطابًا متشددًا معاديًا لكلا البلدين وداعمًا للثورة الفلسطينية.
ورغم ذلك، وعلى مدار 46 سنة، ظل الصراع بين إسرائيل وإيران عبر حلفاء ووكلاء الأخيرة في المنطقة دون مواجهة مباشرة، حتى وقع الصدام المباشر الأول عبر ما سُمِّي “حرب الـ 12 يومًا”، التي بدأت في 13 يونيو 2025، وأدت إلى تدخل أمريكي لأول مرة منذ محاولة واشنطن تحرير الرهائن عبر عملية عسكرية فاشلة في 24 أبريل 1980.
وقد شنت الولايات المتحدة في فجر 22 يونيو ضربات جوية عبر مقاتلات بي-2 سبيرت (B-2 Spirit)، وإف-22 (F-22)، وإف-35 (F-35)، بالإضافة إلى صواريخ كروز “توماهوك” أطلقتها غواصة أمريكية في الخليج، استهدفت منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، ومحطة نطنز النووية، ومركز أصفهان للتكنولوجيا والأبحاث النووية.
وأُثير جدل واسع حول مدى تأثير هذه الضربات؛ فمن ناحية أكد الرئيس الأمريكي “ترامب”، ووزير دفاعه أنها دمرت المنشآت النووية وأخرجتها من الخدمة، فيما نقلت شبكة سي إن إن (CNN) تقارير تدَّعي عكس ذلك. وردًّا على هذه الضربات، قررت إيران وقف تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتبني إستراتيجية “الغموض النووي”.
تتناول هذه المقالة الجذور التاريخية للأزمة الإيرانية، وعلاقاتها المتوترة مع جوارها العربي، وصراعات الثورة التي لم تتحول بعدُ إلى دولة، ودوافعها، وما يترتب على انتقالها إلى هذه الإستراتيجية من تداعيات إقليمية ودولية.
المعضلة التاريخية للعلاقة الفارسية – العربية.
إن فهم إيران الحالية يتطلب بالضرورة إضاءة تاريخها، ولو على نحو موجز؛ إذ يشكِّل هذا التاريخ مدخلًا أساسيًّا لفهم بنيتها النفسية التي انعكست بعمق على سياساتها الداخلية والخارجية، وأسهمت في تكريس حالة أزمات متكررة على مستوى الدولة والمجتمع. وقد عبَّر نظام الثورة الإيرانية بقيادة الخميني، ومن بعده آية الله علي خامنئي، عن مختلف أزمات ومعضلات ومظالم إيران التاريخية المتصوَّرة، التي تعود جذورها إلى الفتح العربي لبلاد فارس وما وراءها من بلاد خراسان وما وراء النهر، وهي المناطق التي كانت تاريخيًّا خاضعة للإمبراطوريات الفارسية: الأخمينية، ثم البارثية، وصولًا إلى الساسانية التي سقطت على يد العرب عام 651 م.
تخيَّل الفرس أن العرب مجرد غزاة سيكتفون بالحصول على الغنائم، ثم يرحلون من حيث أتوا، ورأت بعض النخب الفارسية في إسقاطهم للحكم الساساني – الذي كانت شعبيته منهارة نتيجة الصراعات والحروب الأهلية التي لا تنتهي – أمرًا مفيدًا؛ لأنه سيتيح لهم إعادة بناء الإمبراطورية على أسس جديدة، لكن الصدمة الأولى كانت في إدراكهم لاحقًا أن العرب جاؤوا فاتحين مستقرين، لا غزاة طارئين زائلين، وأن لديهم رسالة حضارية، لا مجرد باحثين عن مغانم سريعة. ومع توسعهم شرقًا وصولًا إلى فتح مدينة كاشغر عام 714م، تبيَّن للفرس أن الرسالة التي يحملها العرب ممثلة في الإسلام قادرة على تحقيق ما عجز عنه ملوك بني ساسان، وأنه يمكنهم بالإسلام أن يكسبوا كما كسب العرب، أو على الأقل أن يشاركوهم في هذا الحكم الإمبراطوري الذي امتد حينذاك غربًا إلى سبتمانية (الريفيرا جنوب شرق فرنسا حاليًّا)، وشرقًا إلى تركستان الشرقية (شمال غرب الصين حاليًّا)، وذلك خلال ستين عامًا فقط من فتح بلاد فارس.
وبالفعل أقبل الفرس على الدخول في الإسلام، وكانوا من أسرع الأمم غير العربية التي انضمت إليه مبكرًا، وتعلموا العربية، وبرز منهم في نهاية الحكم الأموي بعض العلماء، لكن نظرية الحكم القائمة على العصبية القبلية، وتغذية الصراعات بين قبائل العرب لضمان التحكم فيها- التي اتبعها خلفاء بني أمية- أخرجت الفرس من معادلة السلطة والثروة، وجعلتهم مجرد موالٍ في أحسن الأحوال، وفي غالب الأحيان أجبرهم الولاة الأمويون على دفع الجزية رغم إسلامهم لزيادة موارد خزانة الدولة.
وقد تنبَّه في ذلك الوقت إمام الدعوة العباسية الأول “محمد بن علي بن عبد الله بن العباس” إلى هذه الأوضاع، ورأى أن الفرس هم أكبر أمة غير عربية في عدد معتنقي الإسلام، وأكثرهم معرفة باللغة العربية، مع شعورهم بالمهانة والغضب، ورغبتهم في أن يكونوا متساوين مع العرب في المراتب والمنزلة، وهنا استخدم كل هذه العوامل ليجعل من خراسان مركزًا لدعوته السرية؛ ولمنحها مزيدًا من المصداقية، عيَّن الإمام الثاني “إبراهيم بن محمد” أحد مواليه الفرس قائدًا لها، وكنّاه بـ”أبي مسلم الخراساني”. وبالفعل، بعقول العرب من بني العباس وسواعد الفرس الناقمين على حكم بني أمية، نجحت الثورة العباسية لتتحول إلى خلافة عام 750م، وبدا أن الفرس ولأول مرة منذ دخولهم الإسلام قد أصبحوا شركاء في السلطة.
لكن شهر العسل لم يدم طويلًا؛ إذ تخلَّص الخليفة الثاني “أبو جعفر المنصور” من أبي مسلم، ثم صعدت أسرة البرامكة، التي كانت بمثابة الشريك الفارسي للحكم العربي حتى نكبتهم عام 803 م على يد هارون الرشيد. وكان الصعود الثالث والأخير لأسرة سرخس، عندما منح الخليفة المأمون منصب “ذو الرياستين” لفضل بن سهل السرخسي، لكنه قضى عليه بعدما تعاظم نفوذه، ثم أنهى الخليفة “المتوكل على الله العباسي” كل ما تبقى من نفوذ للفرس، وحلَّ الترك محلهم، وحدث الطلاق النهائي بين العرب والفرس منذ تلك اللحظة.
إيران بين ضيق الحدود وغياب العمق الإستراتيجي.
خاض الفرس عدة صراعات منذ القطيعة مع العرب في العصر العباسي الثاني، وتعاقبت عليهم عدة ممالك وإمبراطوريات خارجية وصولًا إلى إيران الحالية، التي تبلغ مساحتها (1,648,000 كم²). وقد خلقت حدودها الراهنة معضلة جغرافية تحدُّ من قدرتها على تجاوزها.
خارج إيران، يقتصر انتشار الفارسية على طاجيكستان وبعض الأقليات الطاجكية في (أوزبكستان، وأفغانستان)، ما يحدّ من امتدادها اللغوي والثقافي. وعلى المستوى المذهبي، لا تشترك معها إلا أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، غير أن الانتماء القومي فيها يعلو على الرابط المذهبي، ما يجعل التقارب محدودًا. أما في العالم العربي، فلا توجد دولة ذات أغلبية شيعية صافية؛ إذ يتميز الشيعة العرب بإرث وثقافة وهوية وطنية خاصة بهم، ما يعمّق الفجوة مع إيران ويجعل أي تقاطع مذهبي محصورًا في إطار أحزاب أو جماعات مسلحة أكثر من كونه امتدادًا شعبيًّا طبيعيًّا.
وبحسب الواقع الجغرافي، تجد إيران نفسها محاصرة من كل جانب، ولا عمقًا إستراتيجيًّا لها، وهو ما يجعلها أشبه بجزيرة معزولة عن جيرانها، وبحاجة إلى أيديولوجية عابرة للحدود (القومية، والدينية، والمذهبية)؛ لتشق لنفسها طريقًا يمكِّنها من الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، فهذا البحر يمثِّل عقيدة أمن قومي لدى حكام الهضبة الفارسية منذ عهد كورش الكبير عام 456 ق.م؛ إذ سعى كل من جاء بعده إلى فتح منفذ بحري على المتوسط لإيران، إمّا عبر الغزو المباشر أو من خلال التحالفات. على هذا النحو، أقام الشاه تحالفًا مع إسرائيل، ثم اتجه الخميني إلى التحالف مع سوريا وتأسيس حزب الله في جنوب لبنان، وأخيرًا تمكَّن خامنئي من السيطرة على العراق لتأمين طريق بري يربط طهران بدمشق وبيروت بصورة مباشرة.
الهوية المأزومة والبحث عن المكانة: قراءة في الشخصية السياسية الإيرانية.
تتميز الشخصية السياسية الإيرانية بخصائص فريدة؛ فهي- خلافًا لغيرها- مسكونة بالتاريخ وأحداثه، ومشحونة بشعور بالفخر يصل إلى حد الشوفينية، مقرونًا بإحساس دائم بالخطر، وفقدان الثقة بجميع جيرانها، والريبة تجاه مختلف القوى المحيطة بها، مع اعتقاد راسخ بأن الآخرين يحسدونها ويطمعون في أرضها ويسعون للقضاء عليها.
أما الدول التي شكَّلت هوية إيران الحديثة منذ عهد الدولة الصفوية، فقد تعرَّضت لغزوات متكررة من جيرانها: الأفغان، والأوزبك، والعثمانيين (في أكثر من 16 حربًا)، وكذلك مع إمبراطورية مغول الهند، ثم مع الإمبراطورية الروسية في ست حروب، إضافة إلى حربين مع الاتحاد السوفيتي، وحروب أخرى مع القوى الغربية ممثلة في الإمبراطورية البرتغالية، وصولًا إلى الحرب مع العراق بعد الثورة. وقد أسفرت هذه الحروب جميعًا عن تقليص مساحة إيران ونفوذها، وحصرها داخل حدودها الراهنة من دون عمق إستراتيجي.
هذا الإرث الثقيل شكَّل وعي الشخصية السياسية الإيرانية، التي ترى نفسها متفوِّقة على جميع جيرانها، فيما تتغذى على مظالم متصوَّرة تجاه العرب والمسلمين، ويضاف إلى ذلك شعورها بالخذلان من أن قيادة العالم الإسلامي تاريخيًّا لم تكن لها، بينما ترى إيران نفسها صاحبة المساهمة الأبرز في صنع الحضارة العربية الإسلامية من دون أن تنال القيادة التي تعتبرها “حقًا مستحقًّا”.
إن هذا المزيج المتفجر من الفخر والخوف والشك والريبة والمظالم المتصوَّرة والشعور بالخذلان، أفرز شخصية سياسية مضطربة، كثيرًا ما تتسم بالعدائية، تسعى بإصرار لنيل مكانة متخيَّلة مع خشية دائمة من استثنائها أو إقصائها من معادلات القوى في المنطقة، وهذا ما يدفعها إلى تعطيل أي مشاريع لا تراها في صالحها، وفرض رؤيتها باعتبارها حقًّا تاريخيًّا. وهي الإستراتيجية التي تبنَّاها النظام الثوري منذ عام 1979، وصولًا إلى مسعاه الراهن لامتلاك التقنية النووية الكاملة.
استثناء إيران من النظام العالمي الجديد وميلاد محور المقاومة.
قبيل تفكك الاتحاد السوفيتي، وما سبقه من توحيد ألمانيا وتفكيك حلف وارسو العسكري الشرقي، وبعد نجاح عملية “عاصفة الصحراء”، دعت الولايات المتحدة إلى عقد مؤتمر مدريد للسلام في الفترة من (30 أكتوبر – 1 نوفمبر1991). وقد بدا في هذه الأجواء أن نظامًا عالميًّا جديدًا يُعلن عن نفسه، ويرتب أوضاع الشرق الأوسط وفق المعايير الأمريكية، من دون أن تكون إيران جزءًا منه.
أدرك النظام الإيراني هذه “الحقائق” سريعًا، واستبق مؤتمر مدريد بتنظيم “المؤتمر الدولي لدعم الثورة الإسلامية للشعب الفلسطيني” في طهران، في الفترة من (20 – 22) أكتوبر 1991. أصدر المؤتمر 28 بندًا في نصه الختامي، لعل أهمها ما جاء في البند الحادي عشر، الذي نصَّ على: “يعتبر المشاركون في المؤتمر المساعي الأمريكية الهادفة إلى عقد ما يسمى بمؤتمر السلام في الشرق الأوسط، استمرارًا لمعاهدة كامب ديفيد الذليلة، وأنها مؤامرة مشؤومة وخطر عظيم يستهدف القضاء على الثورة الفلسطينية، ويدعو المؤتمر البلدان الإسلامية والعربية والقوى الثورية والإسلامية إلى النهوض ضد هذه المساعي، ويدين المؤتمر الخطوات الاستسلامية التي تتخذ في طريق الاعتراف رسميًّا بالكيان الصهيوني المحتل لفلسطين”.
في هذا المؤتمر طرحت إيران لأول مرة فكرة ما سيسمى لاحقًا “محور المقاومة”، ونظرية “وحدة الساحات”، عبر فتح علاقات مباشرة مع حركتي (حماس، والجهاد) الفلسطينيتين، وربطهما بمحور طهران، حزب الله، ولاحقًا سوريا. وكان المؤتمر بمثابة “صرخة” من إيران لبلدان الإقليم والولايات المتحدة بأنها لن تقبل بشرق أوسط جديد لا تكون جزءًا لا يتجزأ منه، و”إعلانًا” عن قدرتها على تعطيل أي مشروعات تهدف إلى استثنائها منه.
تمكنت حماس- عبر الدعم الإيراني- من تعطيل مسار السلام من خلال تفجيرات الحافلات على طريق يافا، وغيرها من العمليات الانتحارية العنيفة في 3 مارس 1996. وقد أدى ذلك إلى إجراء انتخابات إسرائيلية مبكرة، وصل على إثرها بنيامين نتنياهو لأول مرة إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في الأول من مايو 1996، وبدأ معها أفول نجم حزب العمل ومعسكر السلام داخل إسرائيل، وصولًا إلى تفجُّر الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.
الفشل الإسرائيلي في لبنان، وما أعقبه من انسحاب إسرائيل من دون اتفاق أمني أو معاهدة سلام عام 2000 – وفق حسابات تبيَّن فيما بعد أنها “خاطئة” من إيهود باراك – مع تفجُّر الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وفشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية، وتصاعد هجمات تنظيم القاعدة، وصولًا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، كلُّها أحداث صبَّت في صالح الإستراتيجية الإيرانية. وقد أسهمت الولايات المتحدة، بمحدودية أفق القائمين على سياساتها الخارجية، في خدمتها عندما غزت أفغانستان وأسقطت نظام طالبان، الذي كان يشكِّل عامل ضغط على إيران من حدودها الشرقية، مع إشغال باكستان في تداعيات هذا الغزو وما نتج عنه من تنامي القوى المتطرفة وعملياتها الإرهابية. ثم جاء غزو العراق وإسقاط الدولة العراقية عام 2003؛ ليفتح أمام طهران الباب على مصراعيه لتحقيق أهدافها الإستراتيجية بشكل عملي، عبر الاستحواذ على العراق وفتح طريق بري يربطها بسوريا، ومنها إلى لبنان وساحل البحر المتوسط.
من التحالف إلى التحدي: مسارات إيران في البحث عن المكانة الإقليمية.
درس النظام الإيراني فيما يبدو- بشكل جيد- تجارب المواجهة والتفاوض التي سبقته بها قوى في المنطقة سعت نحو الاستقلالية ومواجهة مساعي الهيمنة الأمريكية – الإسرائيلية، وخلص إلى أن نجاح مشروعه في فرض نفسه كقوة إقليمية معترف بها من القوى الدولية، وعلى رأسها واشنطن وبقية دول المنطقة، يكمن في قدرته على ردع إسرائيل من القيام بأي عمليات عسكرية ضده، وتعطيل أي مسار للسلام أو التسوية يؤدي إلى إنهاء التوترات في المنطقة، وبالتالي فقدان القوى التي يمكن أن يحشدها خلف شعارات المقاومة. لذلك، عمل على تطويق إسرائيل عبر شبكة من الوكلاء والحلفاء: في لبنان من خلال حزب الله، وفي سوريا عبر نظام الأسد (الأبِ، والابنَ)، وفي غزة بدعم حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وصولًا إلى جماعة الحوثيين “أنصار الله” في اليمن. وبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، أنشأ عدة ميليشيات تدين له بالولاء في كلا البلدين لتشكِّل عامل ردعٍ إضافي ضد الولايات المتحدة من خلال تهديد قواتها المتواجدة على الأرض، وبذلك أرسل رسالة واضحة مفادها أن أي ضربة تتعرض لها إيران أو منشآتها النووية سيقابلها رد جاهز عبر هذه الشبكة من الوكلاء والحلفاء، بما في ذلك توجيه ضربات إلى دول الخليج العربية في حال استخدمت الولايات المتحدة أراضيها لمهاجمتها.
وعلى جانب آخر، عمل النظام بدأب على تطوير برنامج نووي شديد التعقيد، موزع على مناطق شاسعة من الجغرافيا الإيرانية، مع إصراره على حق التخصيب الكامل، وهو ما يمنحه إمكانية تحويل البرنامج النووي السلمي إلى عسكري في أي وقت، بعدما تجاوز عائق المعرفة التقنية؛ ليصبح الحاجز بينه وبين القنبلة النووية مجردَ قرار سياسي. ويهدف هذا البرنامج، إلى جانب فوائده الاقتصادية، إلى تأمين النظام في مواجهة “أعدائه” في الداخل والخارج، والحصول على ضمانات قطعية بأن أحدًا لن يسعى لإسقاطه. كما يشكِّل أداة ردع من خلال إمكانية امتلاك السلاح النووي، مدعومًا بقدرات صاروخية متقدمة، تسمح له بالمطالبة برفع العقوبات المفروضة منذ عام 1979، والتفاوض من موقع قوة في ظل وضع جيوسياسي تشعر فيه طهران بالتفوق بفضل شبكة وكلائها وحلفائها، وبما يمكِّنها من الحصول على المكانة التي ترى أنها تستحقها. وهي تراهن على لحظة انشغال أو تداعٍ في النظام العالمي لتضع العالم أمام أمر واقع بامتلاكها السلاح النووي، وبذلك تكون قد حققت ما تعتبره شروط القوة الإقليمية الكبرى، لتتحول الثورة بعدها إلى دولة آمنة على بقائها ومصالحها، وقادرة على تحقيق مفهوم “الأمن الشامل” من خارج حدودها، بل وحتى التعاون مع الولايات المتحدة وربما الوصول إلى تفاهم مع إسرائيل، ولكن فقط بعد حصولها على نصيبها الذي تعتقد أنه حق لها.
الغموض النووي الإيراني: رافعة بديلة بعد الانكشاف الإقليمي.
تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن الحد الأدنى لصنع قنبلة ذرية يبلغ نحو 42 كجم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، بينما أظهر تقريرها الأخير -قبل الضربات الإسرائيلية- أن إيران تمتلك 121 كجم، مع تكهنات بامتلاكها ما يصل إلى 408.6 كجم من اليورانيوم عالي التخصيب. هذا الوضع شكَّل دافعًا مباشرًا لإسرائيل للتدخل، مستندة إلى الدعم الأمريكي غير المحدود، فبدأت بعمليات عسكرية مكثفة ضد حزب الله وسوريا، ما أدى إلى سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024، ثم انتقلت لاحقًا لضرب إيران مباشرة.
في هذه المرحلة، فقدت طهران معظم عناصر شبكتها الإقليمية: إضعاف حماس والجهاد في غزة، تدمير القدرات المركزية لحزب الله واغتيال قادته، وقطع الممر الإيراني–اللبناني عبر سوريا، إضافة إلى محدودية قدرة الحوثيين على الردع. أمام هذا الانكشاف، تبنَّت إيران إستراتيجية “الغموض النووي”.
تهدف هذه الإستراتيجية إلى تحقيق ثلاثة مستويات: داخليًّا، امتصاص الانتقادات عقب الهزائم وإظهار صورة متماسكة للنظام عبر ردٍّ متَّحدٍ يوحي بالقوة. خارجيًّا، تشتيت المجتمع الدولي بعدما كانت القدرات الإيرانية تحت الرقابة، وتحويل حالة الغموض إلى ورقة تفاوضية للحصول على مكاسب كرفع العقوبات أو الإفراج عن الأموال المجمدة. إقليميًّا، إعادة بناء ميزان ردع نسبي مع إسرائيل ودول الخليج عبر إدخال عنصر عدم اليقين في الحسابات الإستراتيجية. وهكذا يصبح الغموض النووي رافعة بديلة لتعويض الخسائر الإقليمية وتعزيز أوراق الضغط الإيرانية.
تشير د.غدي قنديل، مديرة قسم شؤون إيران وتركيا وآسيا الوسطى في مركز الدراسات العربية الأوراسية، إلى أن “إيران منذ انكشاف برنامجها النووي مطلع الألفية تبنّت سياسة مركبة قوامها الغموض المحسوب، باعتباره أداة مركزية لإدارة ملفها النووي”، موضحة أن هذا الغموض “مكَّنها من تحقيق مكاسب ردعية وتفاوضية وسياسية، دون الوصول إلى العتبة التي تجعل المواجهة مع القوى الكبرى حتمية”.
وترى قنديل أن النظام الإيراني وظَّف “فتوى المرشد التي تحرِّم إنتاج أو استخدام السلاح النووي كغطاء أخلاقي”، لكنه بعد الهجمات الإسرائيلية حوَّلها إلى أساس فقهي لتبنِّي قدرة نووية دفاعية تحت مسمى “القوة النووية غير العدوانية”. كما استغلت طهران الثغرات في معاهدة عدم الانتشار، مؤكدة أن التخصيب بدرجات مرتفعة لا يشكِّل خرقًا طالما لم يُحوَّل لأغراض عسكرية، وتعاملت مع البروتوكول الإضافي كأداة تفاوضية، تقبله حينًا وتجمّده حينًا آخر، ما منحها وقتًا لبناء بنية تحتية نووية أعمق.
وتضيف قنديل أن الغموض النووي “ورقة تفاوضية أساسية”؛ إذ يرفع منسوب عدم اليقين لدى الغرب، ويضاعف القيمة التبادلية لأي خطوة تهدئة، سواء في المساومة على العقوبات أو الإفراج عن الأموال، كما يوظف داخليًّا لتعزيز شرعية النظام، وإقليميًّا لمعادلة التفوق التسليحي الخليجي وردع إسرائيل. وتختم بأن الغموض لم يعد “تكتيكًا سياسيًّا مؤقتًا، بل أصبح جزءًا من بنية البرنامج ذاته”، مانحًا إيران قدرة على تعظيم مكاسبها الردعية والإستراتيجية عبر إدارة الإدراك وفرض حالة دائمة من عدم اليقين.
يرى الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية “أحمد فاروق” أن “تبنِّي إيران لإستراتيجية الغموض النووي يأتي كردٍّ مباشر على الضغوط الأمريكية والإسرائيلية والضربات العسكرية الأخيرة، إضافة إلى ما تعتبره انحيازًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية”. ويشير إلى أن “طهران تسعى، عبر هذه الإستراتيجية، إلى خلق حالة من عدم اليقين بشأن حجم قدراتها النووية، خصوصًا بعد توقف كاميرات المراقبة التابعة للوكالة عقب الهجمات، الأمر الذي دفع الأخيرة إلى محاولة تنظيم زيارة لإيران لتقييم الوضع، وهو ما رفضته طهران بدعوى أن الوكالة ليست سوى أداة بيد الولايات المتحدة”.
ويضيف فاروق أن “إيران تحافظ على هذا الغموض باعتباره وسيلة مزدوجة؛ فمن ناحية يتيح لها مقاومة الضغوط الخارجية، ومن ناحية أخرى يمكن أن يُوظف في سياق تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تؤكد تدمير البرنامج النووي، بحيث يُستثمر الموقف لإثارة جدل حول جدوى استمرار العقوبات. وبهذا الشكل، تحاول إيران استخدام حالة الالتباس لصالحها كورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات مقبلة”.
الخاتمة:
فقدت إيران الجزء الأكبر من جدار الحماية الإقليمي الصُّلب الذي استثمرت فيه على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وسقطت بذلك نظرية “الدفاع المتقدِّم” التي عوَّلت عليها طويلًا لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن شنِّ أي هجوم على منشآتها النووية. وفي لحظة المواجهة الأخيرة، لم تجد طهران العون المأمول من روسيا أو الصين، وبدا وكأنها وحيدة في الميدان. وقد يكون هذا الانكشاف ما دفعها، تحت ضغط الواقع، إلى انتهاج إستراتيجية “الغموض النووي” دون أن يعني ذلك امتلاكها قدرة عملية على تصنيع أسلحة نووية، نظرًا لصعوبة إنجاز هذه المهمة في ظل الانكشاف الأمني، والتحديات اللوجستية، والحاجة إلى نواقل إستراتيجية متطورة لنقل الأسلحة النووية عبر قوة صاروخية مهيأة لذلك، فضلًا عن شرط إجراء التجربة النووية الفعلية.
لكن من الناحية النظرية، تملك إيران مقومات قوة نووية قابلة للتطور، ويبدو أنها تهدف أساسًا إلى خلق وضع تفاوضي ضاغط عبر التمسك بحق التخصيب، وتطوير المعرفة التقنية، والإبقاء على مساحة من الغموض بشأن مستوى برنامجها النووي. وبذلك، توظِّف هذا الغموض كأداة ضغط في أي مفاوضات قادمة لتعويض خسائرها الجيوسياسية، وصولًا إلى العودة للتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والقبول بمستويات تخصيب محدودة تكون مقبولة للولايات المتحدة والقوى الدولية والإقليمية، مقابل رفع كامل للعقوبات.
غير أن هذه السياسة تنطوي على مخاطر جمَّة؛ فإذا لم تستجب واشنطن لمطالب طهران وأصرَّت على منعها من التخصيب بأي نسبة، فقد تدفع الضغوط إيران إلى تسريع خطوات تطوير برنامجها النووي، الأمر الذي قد يستدعي ضربة إسرائيلية أو أمريكية – أو كليهما – لإحباط المحاولة في مهدها، وهو سيناريو يحمل انعكاسات خطيرة على قدرة النظام الإيراني على البقاء، في ظل هشاشة الوضع الداخلي أمنيًّا واقتصاديًّا، وسعي أطراف أمريكية وإسرائيلية لإسقاطه. وتطرح هذه الاحتمالات تحديات جادة أمام صانع القرار العربي، تفرض ضرورة وضع مختلف السيناريوهات على الطاولة لتحديد كيفية التعامل مع تداعياتها المحتملة، بما يجنب المنطقة مخاطر تبدو وشيكة.
إيران باقية جارًا للعرب بحكم الجغرافيا، ولا سبيل لنهضة عربية أو أمن مستدام دون مقاربة جماعية موحدة تجاهها، والمبادرات السعودية والإماراتية والقطرية، مع استعداد مصر للانفتاح، تفتح الطريق أمام صيغة تفاوضية عربية مشتركة توازن بين الموقف الجماعي وخصوصيات كل دولة.




