بدا أن إقليم الشرق الأوسط على عتبة تطور خطر من الوارد أن يُطوى فصلٌ كاملٌ في الشرق الأوسط ليبدأ فصلٌ جديد، بناء على سابقة التصعيد المباشر بين إسرائيل وإيران، في حين يصعب التنبؤ بما هو قادم في هذه اللحظة الحرجة في الإقليم إلا أنه لا يمكن لمراقب أن يستبعد من بين الاحتمالات ما كان مستبعدًا في السابق، فهناك اتجاهان متعارضان في نمط إدارة العلاقة ما بين إيران وإسرائيل؛ إذ تهدف الأولى إلى تعزيز تمددها الخارجي (الهجومي) أو بصيغة أخرى أحكام طوق النار حول إسرائيل، بينما تهدف الثانية إلى استعادة الردع المفقود بتكسير حلقات الطوق وإعادة إيران إلى حدودها الطبيعية.
وربما تقود هذه المعادلات مرة أخرى إلى فوضى أمنية في الشرق الأوسط، طالما أن هناك قوتان على استعداد لإعادة تشكيل الإقليم بالقوة، على الرغم من أن أول الدروس المستفادة من حالة عدم الاستقرار الإقليمي الممتد منذ عام 2011، وربما قبلها منذ الحرب في أفغانستان والعراق بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، والتي لا تزال آثارها ممتدة حتى الآن_ هو عدم فعالية الحسم العسكري في الأزمات والصراعات.
أما عن الكتاب، فالفصل الأول يأتي تحت عنوان ” لحظة حرجة: إلى أين يتجه الشرق الأوســـــــط؟” يتناول فيه “أحمد عليبة” رئيس وحدة الدراسات الأمنية في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، تشخيص الحالة الأمنية في الشرق الأوسط؛ حيث إن تغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط في ضوء المظاهر الحالية لا يعني رسم خطط مستقيمة لمستقبل الشرق الأوسط، وهو جزء من التركيبة الإقليمية تاريخيًّا، على سبيل المثال: في عام 1979، أبرمت مصر اتفاق سلام جنبها الحروب مع إسرائيل لكن في العام ذاته وفي حالة عكسية تمامًا سقط نظام الشاه في إيران والمهادن لإسرائيل وقام بدلًا منه نظام معادٍ لها، هذا وتُضيف أحدث التفاعلات في الشرق الأوسط والمتمثلة في التصادم بين إسرائيل وإيران، بُعدًا جديدًا في الإقليم، وذلك التصادم الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريس” بأنه يضع الشرق الأوسط على حافة الهاوية.
ومع ذلك، ورغم الصدام الإسرائيلي الإيراني، هناك حذر شديد تجاه سيناريو التصعيد والقاسم المشترك في الحالتين هو أن إسرائيل ربما قد أدركت الخطر الوجودي الذي شكلته هجمات 7 أكتوبر 2023. وفي المقابل، فإن مغامرة إيران بالاستمرار في حلبة التصعيد ضد إسرائيل قد تعرض النظام لهزة عنيفة، خاصة وإن سوابق الخبرة الإيرانية تشير إلى أنها من الوارد أن تخسر الحرب إذا ما اعتمدت فقط على الحد الداخلي، وهو ما يفسر تمدد إيران الخارجي عسكريًّا، لكن من المرجح أن تواجه طهران تهديد تآكل أدواتها الإقليمية التي ستفرض عليها إسرائيل مواجهة مفتوحة.
علاوة على ذلك، فمن الناحية العملية هناك تطوران مهمان: أولهما، أن إسرائيل بدأت في كسر حلقة النار بتدمير غزة وستتجه إلى تكسير بقية الحلقات في (لبنان، سوريا، والعراق) بالتدريج وبأنماط الحروب المختلفة؛ وذلك بهدف دفع إيران إلى العودة إلى حدودها الطبيعية.
التطور الثاني: يتمثل في تشكيل مظلة الدفاع عن إسرائيل من خلال التحالف الطارئ الذي أقدمت عليه (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، والعديد من الدول الإقليمية) بداعي الدفاع عن السيادة الوطنية، وهو تحالف شُكِّل من قوى عالمية وإقليمية، ولن يكون من مصلحة إيران ولا في قدرتها الاستمرار في مواجهة هذه القوى، ويضاف إلى هذه التحالفات التي تشكلت في جنوب البحر الأحمر لإحباط الهجمات الحوثية التي تهدد الملاحة.
على هذا النحو، تتشكل مفاعيل الديناميكية الجديدة في حروب ومعارك الشرق الأوسط والتي ستغير قواعد اللعبة الإقليمية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه القواعد قد تعيد إنتاج نسخة في المستقبل ليست أقل توترًا مما هو عليه الوضع الحالي في الشرق الأوسط.
أما الفصل الثاني فهو بعنوان ” إستراتيجية اللإستراتيجية – سياسات واشنطن تجاه الشرق الأوسط” لهبة القدسي– مدير مكتب صحيفة الشرق الأوسط ( اللندنية – واشنطن)
تقول الكاتبة: إنه بعد مرور أكثر من خمسين عامًا من حرب السادس من أكتوبر 1973، نجد الولايات المتحدة منخرطة مرة أخرى في مواجهة تبعات هجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، ورسم طريق للتوصل إلى خارطة طريق تحقق هدفه لوقف النار، ومسارًا لحل الدولتين، بما يحقق الأمن لإسرائيل ويهدئ التوترات في الشرق الأوسط.
وقد ساد الجدل طويلًا بين تيارات سياسية وفكرية أمريكية تدعو إلى تقليص الوجود والتدخل الأمريكي في المنطقة، وتيارات أخرى تؤكد أهمية الانخراط الأمريكي على اعتبار أن المنطقة تعد من أولويات الأمن القومي الأمريكي في إطار التنافس مع الصين وروسيا، اللذَين تتصادم رؤيتهما للنظام العالمي مع الولايات المتحدة، وما بين خيارات البقاء والرحيل احتفظت الولايات المتحدة دائمًا بشبكة واسعة من القواعد والمنشآت في الشرق الأوسط، وتندفع القوات البرية والبحرية والجوية الأمريكية إلى المنطقة حينما يعتقد صناع السياسة أن ذلك ضروري، وتتراجع حينما تنحسر التهديدات، في كل قضايا الشرق الأوسط تحاول واشنطن دائمًا أن تمسك بكل خيوط اللعبة مع كل الأطراف.
وتنطلق مرتكزات الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط من أمرين: الأول، اتخاذ القرار السليم بعد تجربة جميع الخيارات والبدائل. والثاني، يعتمد على دور المؤسسات الأمنية والاستخباراتية والمراكز البحثية، واتباع سياسة ميكيافيلية براجماتية بكل أدواتها: الاقتصادية، العسكرية، الدبلوماسية والاستخباراتية.
ثم تركز الكاتبة بعد ذلك على الديناميكية التي تشكل مفاهيم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط في أبعادها التاريخية وتحولاتها وتطوراتها وتوجهاتها المستقبلية، وتنطلق إلى طبيعة الانخراط الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط ما بين رد الفعل إلى إدارة الأزمة وأدواتها، ما بين الدبلوماسية والشراكات والمفاوضات إلى التدخل العسكري.
وقد ظلت منطقة الشرق الأوسط محط أنظار القوى العظمى، وتباينت السياسات التي اتبعها الرؤساء الأمريكيون تجاه الشرق الأوسط ما بين الحرص على استقرار المنطقة إلى حماية إسرائيل وتفوقها العسكري وتأمين إمدادات النفط ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وتوسعت مصالح وأهداف الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط لتشمل إقامة علاقات صداقة وروابط اقتصادية مع الدول العربية، وتنظيم تمرينات عسكرية مشتركة وإقامة قواعد عسكرية وهيكل أمني إقليمي تنفرد به الولايات المتحدة مع كل دولة على حدة، إضافة إلى أهداف مكافحة الإرهاب والتطرف والشبكات الإرهابية وسياسات الاحتواء للدول المعادية، واستخدمت واشنطن مِرارًا سلاحَ تقديم المساعدات الاقتصادية لحث دول لتحقيق أهداف محددة، وسلاح فرض العقوبات لإجبار دول على سلوك معين.
أما الفصل الثالث فعنوانه الثابت والمتغير “الإدراك الإسرائيلي لمفهوم الحرب” لسعيد عكاشة – خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية – القاهرة .
يجدر الإشارة إلى أن هذا الفصل لا يتناول نظريات الحرب، بل يقدم تصورًا لكيف أدركت دول مثل إسرائيل معنى الحرب والدوافع لخوضها وأهدافها المرجوة من ورائها في الماضي، وكيف يمكن أن تؤدَّى الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحركة حماس في غزة على إثر هجوم الحركة على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، التي اتسعت لتشمل عدة جبهات إلى تغيرات كبرى في إدراك إسرائيل لمفهوم الحرب مستقبلًا.
فوضع إسرائيل أطلق عليه البعض دولة ” وضع راهن ” وهو تعبير يعني في جوهره أن إسرائيل ما تزال في مرحلة بناء الدولة؛ لأنها بلا حدود معروفة ومعترف بها دوليًّا، ولأن البعد الديموغرافي لها غير مكتمل بدوره بسبب وجود أغلبية كبيرة من اليهود الذين يعيشون خارجها، وهو وضع يتناقض مع تعريف الدولة نفسها بأنها “دولة الشعب اليهودي”، وأيضًا بأنها تعاني بعدم اعتراف جيرانها بحقها في الوجود، ورغم أن هذا الوضع تغير نسبيًّا بعد توقيعها اتفاقات سلام مع مصر والأردن، واتفاقات تطبيع العلاقات وفقًا للسلام الإبراهيمي مع دولة (الإمارات العربية المتحدة، مملكة البحرين، المملكة المغربية، وجمهورية السودان) وأن عددًا من الدول لاتزال تعتبرها عدوًا وتسعى لإنهاء وجودها، مثل: لبنان وسوريا، وبالتالي فإنها دولة تعيش تحت نوع من أنواع التهديد الوجودي المســــــتدام.
التهديد الوجودي حرك إسرائيل نحو تحديد الحروب التي ستخوضها والوسائل التي تحتاجها في مثل هذه الحروب، التي تنوعت تاريخيًّا بين حروب شاملة بين جيشها وجيوش العديد من الدول العربية، وعمليات عسكرية اقتضتها أمام هجمات تقوم بها جيوش الدول المعادية ضدها بشكل محدود، أو منظمات مسلحة تقوم بالتسلل داخل حدودها أو تطلق صواريخ ومقذوفات نحو أراضيها.
ثم يناقش هذا الفصل كيفية إدارة إسرائيل لحروبها مع أعدائها بتوجيه من عقدة الأمن القومي التي حددت العقيدة القتالية للجيش وفق الحروب المتوقع أن يخوضها.
أما الفصل الرابع من الكتاب فهو بعنوان “محركات الفوضى: إستراتيجيات إيران وحلفائها في الشرق الأوسط ” للعميد خليل الحلو – الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية – لبنان .
يقول الكاتب هنا: إن الحرب والمعارك التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط منذ هجمات حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر عام 2023، من غزة إلى البحر الأحمر واليمن، ومن جنوب لبنان إلى العراق مرورًا بسوريا والأردن، وصولًا إلى الهجوم الإيراني والهجوم المضاد الإسرائيلي _لها عوامل إقليمية ودولية وأخرى محلية في كل بلد من البلدان؛ إذ تتشابك هذه العوامل وتجعل من الصعب إيجاد كوابح أو تسويات تحد من الفوضى الممتدة في الشرق الأوسط، واللافت والجديد على مستوى المواجهة هو المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران، والتي تمثلت في الرد من الجانبين. وعلى صعيد أدوات الحرب هو تداخل التكنولوجيا العالية، مثل: المسيرات العسكرية المزودة بالذكاء الاصطناعي التي تبحث عن الأهداف وتدمرها أو تقتلها دون تدخل بشري، وأخرى تستطلع بمفردها وتتعرف على أهداف جديدة غير موجودة في ذاكرتها، مع وسائل بدائية متواضعة، مثل: صواريخ الكاتيوشا، والجراد، … وغير ذلك .
أما العامل المشترك بين كل هذه الحروب هو أن إيران هي المشرف والممول الرئيس بالأسلحة غير المتكافئة للتنظيمات غير الحكومية المتحالفة معها، والتي تعتمد السياسات الهجينة، أي تكون موجودة داخل مؤسسات الدولــــة، في نفس الوقت لديها ميليشيات مسلحة خاصة بها خارج الدولة، وتعتمد أساليب الحرب الغير متكافئة مع جيوش نظامية أكبر عدد وأكثر قدرات، مثل: الجيش الأمريكي، الجيش الإسرائيلي، والجيوش العربية، ذلك ضمن إستراتيجية إيرانية واضحة تتلاقى مع إستراتيجيات محلية في مواجهة إسرائيل الولايات المتحدة والدول العربية.
وفي هذا الفصل، يسلط الكاتب الضوء على هذه الإستراتيجيات السابقة بالعودة إلى جذورها، ويبين الموارد البشرية والتجهيزات العسكرية الموضوعة بتصرف حلفاء إيران لتحقيقها، ولاسيما حزب الله والميليشيات الولائية في العراق والحوثيين في اليمن، ويستعرض أيضًا مختلف المراحل التي استفادت منها طهران جيوسياسيًّا، تلك التي اقتنصت فيها الفرص لتحقيق أهدافها.
والفصل الخامس عنوانه “إدارة التوازن الهش: العراق ومصير الوجود الأمريكي الإيراني” للدكتور إحسان الشمري – أستاذ العلوم السياسية جامعة بغداد ومدير مركز الفكر السياسي.
يذكر الكاتب أن العراق يُنظر لها كفاعل سياسي في إدارة العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في ضوء وجود القوتين وتأثيراتهما الإستراتيجية في السياسة العراقية، وغالبًا ما توقف تأثير العراق في دور الحكومات في إدارة هذه العلاقة ما بين واشنطن وطهران. وفي هذا الإطار، كان لكل حكومة سياساتها في نمط إدارة هذه العلاقة، ومع ذلك لم تكن هذه السياسات مطلقة، بقدر ما ارتكزت على العديد من المحددات السياسية والأمنية، فمرحلة الاحتلال الأمريكي للعراق تختلف عن مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي، خاصة وأن الأخيرة واكبها صعود الدور الإقليمي لإيران بعد أحداث ما سُمي بـ”الربيع العربي” 2011، ومع التحول الأخير في إطار التصادم الإيراني الإسرائيلي المباشر، تزايدت أعباء العراق في معادلة إدارة العلاقة بين طهران وواشنطن.
وبين الحين والآخر، يطرح البيت الأبيض الموقف المعاكس والمتمثل في إنهاء النفوذ الإيراني وسيطرة الجماعات المسلحة على مؤسسات الدولة، ووقف استيراد الطاقة الكهربائية من إيران، فضلًا عن الملفات مع إقليم كردستان، وبعض القضايا الأمنية، وهو ما يسبب حالة من الغضب وربما الانقسام الحاد داخل الإطار الشيعي الحاكم، أو مع شركائه في ائتلاف إدارة الدولة، كذلك فإن إيران تضع السوداني في اختبار، وتظهر غضبها بصورة غير مباشرة، لم يوازن بين الضغط الأمريكي عليه بخصوصها وبين قدرته على الحفاظ على مصالحها ونفوذها في العراق.
وفي الأخير يمكن القول أن العراق محكوم بواقع ومعادلة سياسية خارجية بقرار التصعيد أو التهدئة، وما لم يبادر العراق مدعومًا بالقوى الأساسية التقليدية في الشرق الأوسط في إعداد تصوراتهم المشتركة لمستقبل المنطقة ومستقبل علاقاتها المتبادلة، فإنهم سيكونون مضطرين إلى الدخول في الترتيبات الجديدة بشروط جديدة تفرضها الولايات المتحدة وغيرهما والمتعلقة بفكرة الشرق الأوسط الكبير.
أما الفصل السادس والأخير فعنوانه “قابلية الاشتعال: كيف تتفاعل الساحة اليمنية مع متغيرات الإقليم؟” لحسام رومان – باحث أول في مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية – عدن.
أظهر تسلسل الأحداث الإقليمية التي أعقبت الحرب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية بعد اندلاع هجمات 7 أكتوبر 2023، بُعدًا جديدًا للعلاقة بين اليمن والإقليم، فبقدر ما تأثرت ديناميكيات الأزمة محليًّا بمستجدات الصراع في المنطقة، يبدو كذلك أن التهديدات الأمنية القادمة من اليمن قد اشعلت بصورة معاكسة وتيرة التنافس الإقليمي والدولي المحموم حول التموضع وتحديدًا البحر الأحمر.
ويحاول الكاتب في هذه الدراسة أو هذا الفصل استكشاف أبعاد هذه العلاقة الجدلية من خلال الإجابة عن سؤالين محوريين هما: ما هي العوامل التي سهلت انجراف اليمن في دورة التصعيد الإقليمي الراهن؟ وما هي التداعيات المترتبة على ذلك سواء على المستوى الداخلي المتعلق بمستقبل الأزمة اليمنية ، أم على المستوى الخارجي؟
ففي مارس 2023، جاءت المصالحة بين طهران والرياض لتمنح الدبلوماسية في اليمن قوة دفع إضافية؛ إذ تمت في أبريل في نفس العام أول زيارة رسمية للسفير السعودي في اليمن “محمد آل جابر” إلى صنعاء، وفي سبتمبر من العام نفسه قام الحوثيون بأول زيارة رسمية إلى الرياض والتقوا بالأمير “خالد بن سلمان”، وتمكنت الدبلوماسية السعودية في المرحلة الجديدة تجاه اليمن أن تنجز قدرًا مفيدًا من التراكم السياسي بمساعدة الوسطاء العمانيين، وقد توج ذلك بالتوصل إلى ملامح خارطة الطريق اليمنية للسلام وموافقة الطرفين (الحكومة، والحوثي) عليها.
ولكن ومثلما أدت تفاعلات الإقليم التصالحية دورًا إيجابيًّا في تحقيق جهود السلام، فإن المناخ الاستقطابي في أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة أدى دورًا معاكسًا بتحويل اليمن إلى ساحة جانبية للمواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة، وهو ما تجلى بوضوح في تطورات البحر الأحمر وتهديد الحوثيين للملاحة الدولية، وكذلك إعلان واشنطن ولندن عن التدخل العسكري المحدود في اليمن.
أظهرت الدول العربية استجابة لافتة تجاه تطورات البحر الأحمر، تراوحت بين التغاضي والتحفظ، فخلال الربع الأخير من العام الماضي بدا وإن التصعيد الحوثي يتقاطع تكتيكيًّا مع توجهات الموقف العربي الضاغط على واشنطن وتل أبيب لوقف العمليات العسكرية في غزة، لذا فإن المواقف الرسمية العربية، رغم تشديدها على أمن الملاحة الدولية، تجنبت إدانة الحوثيين وأصرت على ربط التهدئة في البحر الأحمر مع تفاعلات الأحداث في غــــــــــزة. لكن خلال يناير 2024، بدأ الموقف العربي يميل أكثر نحو التحفظ تجاه العمليات الحوثية، ويمكن إرجاع ذلك إلى نجاح الدبلوماسية العربية في إفشال مشروع التهجير الإسرائيلي لسكان غزة وخفض منسوب العمليات العسكرية الإسرائيلية وتحول الموقف الأمريكي نحو الضغط على إسرائيل في محادثات الهدنة.
إلا أنه خلال أزمة البحر الأحمر ظهرت ملامح التصعيد الأولى في الموقف الدولي، ولا سيما مع عجز أطرافه الفاعلة عن انتهاج تدابير مشتركة بخصوص حماية الملاحة الدولية، ومبادرة كل قوة عظمى إلى انتهاج سبيلها الخاص في الوجود وأمام السواحل اليمنية، وأكثر من ذلك فقد باتت تهديدات الملاحة الدولية تنطوي على فرص كامنة لمختلف الجهات الدولية المتنافسة، وقد ينذر هذا باحتمالية الانخراط الدولي التدريجي في إطار عسكرة الصراع.
فبينما بادرت الولايات المتحدة إلى استثمار الوضع لتعزيز حضورها العسكري المباشر أشارت تقارير إعلامية إلى أن روسيا والصين بادرتا إلى تحصين تجارتهما من هجمات الحوثيين عبر تفاهمات ثنائية، وبالتالي تحويل الهجمات إلى فرصة لاستنزاف النفوذ الأمريكي، وذريعة لمزاحمته عسكريًّا في نفس الوقت.
ويحاول الحوثيون وطهران استثمار هذا التجاذب الدولي لتحقيق هدفين: أولهما، استجلاب مزيد من الدعم والمساندة من قبل روسيا والصين. وثانيهما، دفع القوى الغربية للجلوس على طاولة التفاوض حول حماية مصالحها في البحر الأحمر. وفي الحالتين فإن هذا يقوض الاعتراف الدولي بالحكومة الشرعية ويمنح الحوثيين قدرًا من الاعتراف، ومن جهة أخرى فإن تنامي دور طهران كطرف في الأزمة أو حتى كوسيط قوة مع الحوثيين.




