2025العدد 204ملف ثقافي

اللايقين التاريخي والصراع العالمي

غالبًا ما تفضي لحظات الصراع الكثيف إلى السير في اتجاهات غير متوقعه وربما غير مقصودة، حتى إن مقولات من قبيل المابعد كثيرًا ما أفضت إلى مواقف تنتمي جوهريًّا إلى عالم الماقبل، فمثلًا: أدت فلسفات ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف الدين بعد أن كانت التيارات المادية في فلسفات الحداثة قد أنكرته، وأقامت علاقة ضدية معه. وفيما بدا القرن الممتد بين منتصف التاسع عشر، ومنتصف العشرين، وكأنه يخلو من الدين، شهد الربع الأخير من القرن الأخير عودته المحمومة، حدث ذلك في العالم العربي الإسلامي. وحدث ما يوازيه في أقصى الشرق، بإحياء هندوسي متطرف، وإحياء بوذي أكثر عمقًا وأقل صخبًا، بل حدث ما يقاربه في الولايات المتحدة؛ حيث عبر الإحياء الإنجيلي عن نفسه في تيار ديني متشدد وفي اتجاه سياسيي محافظ. بالطبع لم يكن التدين الجديد هو نفسه الإيمان القديم، المفعم بالروحانية التقليدية، بل تدين عنيف قلق ينطوي على شعور بالهزيمة في مواجهة الحداثة، ورغبة عارمة في الثأر منها، وكذلك على طموح لاستعادة الأرض التي يعتقد الأصوليون إنها اُغتصبت منهم، ولو اُضطروا إلى حرقها.

تكرر الأمر مع مفهوم العولمة، الذي انبثق من نهاية الحرب الباردة، وارتبط بمقولة نهاية التاريخ، بمعني نهاية صراعاته الكبرى (الطبقية، والإيديولوجية، والقومية)، وهيمنة الرأسمالية تحت لافتة خطاب يدَّعي الكونية والإنسانية كي لا يستفز المعسكر المفترض أنه قد هُزم، ولكن وقعت المفارقة مجددًا؛ فالعولمة التي استهدفت غزو أسواق الدول الفقيرة والنامية، ونقل التكنولوجيا البدائية والمصانع كثيفة الإنتاج إليها للاستفادة من عمالتها الرخيصة، والإثراء على حسابهم، هي نفسها التي أدت الدور المحوري في إعادة توزيع الموارد، وانتشار التكنولوجيا، وتمدد خرائط التحديث، وبدلًا من دورها المنتظر في تأكيد النصر النهائي للمراكز الرأسمالية على الدول الطرفية في النظام العالمي، فإنها أفضت إلى نهوض أسواق الدول النامية، الأكثر يقظة واستعدادًا لاحتضان التكنولوجية، خصوصًا في العالم الآسيوي. الأمر الذي ضيق بالتدرُّج هامش الحركة لدى المراكز الرأسمالية إلى الحد الأدنى، وعرضها لهجمات اقتصادية مرتدة بلغت قوتها حدًا دفع بها إلى التنكر للعولمة ومبادئ التجارة الحرة، وإلى تبني سياسات حمائية واضحة، على النحو المشهود لدى الولايات المتحدة الأمريكية، قاطرة العولمة، ورائدة الخطاب الكوكبي. فمع وصوله مجددًا إلى سُدة السلطة فاجأ الرئيس ترامب العالم كله بفرض رسوم جمركية ضخمة، حتى على أقرب حلفاء أمريكا في (أوروبا، وآسيا، وأستراليا، وإسرائيل)، وكذلك على جيرانها، مثل: كندا، والمكسيك، ناهيك عن الصين. الأمر الذي شكل حربًا تِجارية تراجعت معها بورصات عدة وتذبذبت أخرى، ضجَّ خلالها رجال المال الكبار من خسائر بالغة، واندلعت تظاهرات منددة في عشرات المدن الأمريكية؛ خوفًا من التضخم والبطالة وتداعي مستويات المعيشة.

أمريكا في مواجهة الصين.   

أسهمت الولايات المتحدة بنصيب كبير في صياغة عالمنا الحديث؛ فمن منظور إيجابي لا يمكن إنكار دورها في ترسيخ مفهوم الديمقراطية بفعل نشأتها كدولة ليبرالية في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، قبيل الثورة الفرنسية، حين لم يكن للديمقراطية وجود سوى في إنجلترا، ولا دورها في تدشين هيئة الأمم المتحدة، وما يتبعها من هيئات ووكالات متخصصة في شتى المجالات، ولا في تكريس القيم التحررية منذ طرح الرئيس وودرو ويلسون مبادئه الأربعة عشر الشهيرة، وأهمها: مبدأ الحق في تقرير المصير، الذي ألهم عصر التحرر الوطني وأسهم تاليًا في تصفية الحقبة الاستعمارية، وكذلك الحريات الأربع التي أعلنها روزفلت إبان الحرب العالمية الثانية، ولا في التأسيس لنظام “بريتون وودز” الاقتصادي، ولمبادئ التجارة الحرة وصولًا إلى العولمة.

ومن منظور سلبي يتبدَّى الدور الأمريكي واضحًا في سياسات الهيمنة الإمبريالية؛ حيث استمرت في توسعها داخل القارة الأمريكية طوال القرن التاسع عشر، سواء غربًا أو جنوبًا، انطلاقًا من مبدأ مونرو، على حساب (إسبانيا، وفرنسا، وكوبا). أما القرن العشرين، ورغم سيادة المفاهيم الرافضة للاستعمار التقليدي، فقد عانى من نزعتها التدخلية في عشرات الصراعات والحروب، فهي التي استعملت السلاح النووي للمرة الأولى والأخيرة في تدمير مدينتي (هيروشيما، ونجازاكي)، وتدخلت في الحرب الكورية، ثم الفيتنامية، التي شهدت مئات المجازر على مدى خمسة عشر عامًا. ناهيك عن تورطها في حروب عديدة بالوكالة، وفي إسقاط عشرات النظم الحاكمة في (إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية)، كان بعضها ديمقراطيًّا، لمجرد أنها ليست نظم تابعة. وهي من جندت عربًا ومسلمين لمحاربة السوفييت، فخلقت للعرب أنفسِهم مشكلة مزمنة، قبل أن تعود لاحتلال أفغانستان مع العراق، فضلًا عن دعمها الدائم لإسرائيل في استيطان فلسطين وتوسعها في سوريا ولبنان.

بإغواء أوكرانيا ودفعها إلى الانضمام للناتو، وتضييقها الخناق على روسيا، دفعت أمريكا – بايدن، البلدين إلى حرب تجاوزت السنوات الثلاث، أدخلت عالمنا، الذي كان لا يزال يتعافى من وباء كورونا، في موجة جديدة من الأزمات الاقتصادية والقلاقل التجارية، أقلها: اضطراب سلاسل الإمداد والتموين، وارتفاع أسعار الطاقة، خصوصًا الغاز الطبيعي. ورغم أن الكثيرين توقعوا نشوب خلافات تجارية بين أمريكا والصين مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض، بدافع الصراع المكتوم على النفوذ بين قطب عالمي راهن بدأ رحلة الهبوط التاريخي، وقطب آخر صاعد، يرى أن الأوان قد آن للإعلان عن نفسه، كانت المفاجأة ماثلةً في حجم الرسوم الذي بلغ درجة الجنون؛ إذ تجاوز المئة وخمس وثلاثون بالمئة، ما يَشي برغبة عارمة في الانتقام وليس في المنافسة الاقتصادية. لم تصمت الصين بدورها بل اتخذت قرارات مضادة، مكافئِةً وحاسمة، تجاوزت رفع قيمة التعريفة الجمركية إلى حظر شركات أمريكية كبرى من العمل على أراضيها، وتجميد صفقات استيراد ضخمة، وإيقاف تصدير معادن نادرة وضرورية للصناعات الأمريكية.

وهنا نلمس جوهر المفارقة الثالثة؛ فالسعي الأمريكي المحموم لتعطيل صعود الصين على الصعيدين (الاقتصادي، والتقني) بات دافعًا لفقدان السبق الأمريكي على الصعيدين (السياسي، والإستراتيجي) أيضًا؛ فالرئيس ترامب، بتكوينه الشخصي الذي لا مجال هنا للتفصيل فيه، وبذريعة السعي لاستعادة عظمة أمريكا من خلال دحر الصين، أخذ يسير على طريق الشمولية بخطىً حثيثة؛ حيث الانفراد بالسلطة ومركزية القرار، والتغول على حكام الولايات المختلفة، وعلى الكونجرس والمحكمة العليا، ضد منطق الدستور، وكذلك  الإمعان في حصار البؤر الحية داخل المجتمع، وعلى رأسها المراكز الإعلامية والمؤسسات البحثية، والجامعات الكبرى، خصوصًا هارفارد بكل رمزيتها العالمية، والتي جرت مساومتها على حريتها الأكاديمية في مقابل الدعم المالي الفيدرالي المقدر بأكثر من مليارين من الدولارات سنويًّا، فضلًا عن التورط في سياسات داخلية غير مدروسة أضرت بقطاع واسع من الأمريكيين، وباتت مصدرًا متصاعدًا لتهديد المهاجرين رغم أن الولايات المتحدة في الأصل ليست سوى أمة مهاجرين، وجميعها خيارات لا تمت بصلة إلى ما كان يُسمى بالحُلم الأمريكي، تقلل ليس فقط من جاذبية الولايات المتحدة، بحضورها المألوف، بل تعكس أيضًا مظاهر تخلف سياسي تمت بصلة لدول الجنوب، وتزيد من حالة الانقسام داخل المجتمع الأمريكي حول كل شيء تقريبًا: الاقتصاد، والتجارة، ناهيك عن الديمقراطية، والحرية الشخصية، وحكم القانون. 

والأخطر من ذلك، أن تلك التراجعات في الداخل تتواكب مع فقدان متزايد للنفوذ الخارجي؛ حيث تتفكك روابط أمريكا مع حلفائها التقليديين، فيما تكتسب الصين المزيد من الحلفاء الذين كانوا في خانة غير الأصدقاء. فالهند والبرازيل، من القوى التي يمكن وصفها بالعالمية، كانتا حليفتين لأمريكا، وقد باتتا أبعد عنها وأقرب إلى الصين منها. وحتى دول أوروبا نفسها بدأت تفكر في علاقات بنَّاءة مع الصين؛ حيث تتوافر فرص التبادل التجاري بلا حدود، ومن ثم فإنها ترفض السير خلف الولايات المتحدة نحو الصراع مع الصين، لا حول حرية التجارة العالمية التي يبدو موقف أوروبا منها الآن أقرب إلى الموقف الصيني منه إلى الموقف الأمريكي، ولا حول مشكلة تايوان التي لا ناقة لأوروبا فيها ولا جمل. وهي الحال نفسها بالنسبة لروسيا، الحليف التاريخي للصين وشريكها في المعسكر الاشتراكي المناوئ للمعسكر الرأسمالي إبان الحرب الباردة؛ ولذا فإن اعتقاد ترامب في قدرته على احتواء روسيا وعزلها عن الصين بوعد إنهاء الحرب في أوكرانيا لا يعدو أن يكون وهمًا كبيرًا، سرعان ما سيتأكد زيفه؛ لأن ما يجمع بين روسيا وأمريكا أقل كثيرًا مما يجمع بين روسيا والصين على صعيد المصالح المتبادلة كـ(الطاقة، والتكنولوجيا)، وكذلك على صعيد الهُوية الجيوسياسية؛ حيث الشراكة في حدود تزيد عن أربعة آلاف من الكيلو مترات، والانتماء إلى النطاق الإستراتيجي الأوراسي، فضلًا عن الإرث الإيديولوجي المعادي للمركزية الغربية؛ إذ ينتمي كلاهما بدرجة أو بأخرى لما يمكن تسميته بـ “الشرق الحضاري”. وهكذا تثور هواجس واحتمالات أن تتحول الحرب التجارية بين أمريكا والصين إلى حرب باردة جديدة، تؤدي فيها القومية الدور نفسه الذي لعبته الإيديولوجية في الصراع بين المعسكرين (الشيوعي، والرأسمالي)، بل إن الحرب الساخنة قد تصبح خيارًا ممكنًا لحسم التناقضات المتزايدة، بقوة دفع من أمرين أساسيين:

أولهما: هو تضاؤل النفوذ الأمريكي في العالم بفعل سياسات ترامب الانعزالية وقراراته المتغطرسة، وضمنها إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية. لقد تصور أن هذا القرار سوف يسهم في تقليص الدين الأمريكي لمجرد أنه سيوفر بضع عشرات من المليارات، لكن ما لم يتحسب له الرجل أن مثل هذا القرار سوف يقضي على جزء كبير من نفوذ أمريكا، الذي جعلها حاضرة ومؤثرة في كل بقاع الدنيا دون جهد عسكري يذكر، فعندما تفقد أمريكا هذا النفوذ، وتشعر ببرودة حضورها وتضاؤل تأثيرها، لابد وأن تسعى إلى تعويض ذلك بمستويات متصاعدة من ممارسة القوة في محاولة لاستعادة الهيبة المتراجعة. يدعم ذلك التطور قدرة الصين المتنامية على سد الفراغ الذي تتركه أمريكا على خريطة المنح الاقتصادية والناجم عن إلغاء الوكالة الأمريكية للتنمية، وإن بطرق مختلفة، كمبادرة الحزام والطريق، فالصين لا تقدم مساعدات مالية بقدر ما تنشئ بنية أساسية كالموانئ التجارية والمصانع، التي تنطوي على الحد الأدنى من التقنية، وحتى ملاعب الكرة، بنظام حق الانتفاع. كما تقوم أحيانًا بمهمة تشغيل تلك المرافق، ما يعني استثمارًا مباشرًا من دون اقتراض وديون تُفقِر الدول الفقيرة أصلًا، أو تُفسد نخبها. في العرض العسكري الأخير بميدانها الأشهر “تيان آن من” احتفالًا بذكرى الحرب العالمية الثانية، عبرت الصين عن نفسها بقوة؛ حيث السلاح والتقنية موجودان بغزارة فائقة، والحلفاء الدوليون حاضرون بوفرة طاغية، وكأنها تقول لنا ببلاغة صامتة أنها باتت جاهزة للتحدي المنتظر، ولكنها تنتظر المناسبة الضرورية، لحظة تهور أمريكي، خطأ ما في الحساب، كي تصرخ باللغة السياسية الجديدة والصاخبة.

   وثانيهما: هو صحوة القوميات، التي وُلدت منها الظاهرة الاستعمارية في القرن التاسع عشر، بفعل احتدام المنافسة على الأسواق في إفريقيا وآسيا بين القوميات الأوروبية الصاعدة آنذاك، والتي بلغت لحظتها الانفجارية في الحرب العالمية الأولى. فمع تفجر الحروب التجارية، تتفكك شبكات التفاعل المعولم، وتتراجع حالة الاعتماد المتبادل، ويتصاعد عنف الخطاب السياسي. والشاهد أن جل دول الاتحاد الأوروبي قررت، أو اضطرت تحت ضغط الرئيس ترامب، إلى رفع مستوى إنفاقها العسكري بالتدرج وعبر السنوات الخمس القادمة إلى 5 % من ناتجها القومي، وهي نسبة غير مسبوقة منذ الحرب الثانية على الأقل، الأغلب أن تفجر لديها أزمات اقتصادية واجتماعية كبيرة، ناهيك عن بعض الدول التي اندفعت إلى التخلي عن حيادها التاريخي والانضمام للناتو كـ(السويد، وفنلندا)، أما البعض الآخر فعاد إلى انتهاج سياسة التسلح الكثيف كـ(ألمانيا)، ومن ثم تبدأ الحدود في الزوال تدريجًا بين الصراعات الاقتصادية والعسكرية، خصوصًا في ظل توافر آليات التفجير وبؤر الالتهاب.

 أمريكا وأوروبا.. صراع داخل الرحم الغربي.

يعرف التاريخ نماذجَ كثيرةً لما يمكن تسميته بالعلاقة المعقدة بين مركز ثقافي تراجعت قوته العسكرية وقدراته الشاملة نسبيًّا، وبين طرف ثقافي ازداد ثقله العسكري وقدراته الشاملة تدريجًا. إنها العلاقة التي قامت في العصر المحوري بين اليونان (أمة الفلسفة، والأدب)، والرومان (أمة القانون، والسياسة)؛ حيث فاق الرومان أسلافهم اليونان في القوة العسكرية، وشيدوا إمبراطورية فرضت سلامها على نصف المعمور الأرضي آنذاك. ولكن بقى العالم اليوناني مركز احترام واستمرت الفلسفة اليونانية مصدر إلهام، وأصبح الطرفان معًا بمثابة أحد جذرين أساسيين، مع الجذر اليهو – مسيحي، في تكوين الغرب التاريخي. وهي العلاقة نفسها بين أوروبا وأمريكا الشمالية في العصر الحديث؛ فالأولى اكتشفت واستوطنت الثانية في واحدة من أوسع الحركات الجغرافية وأكثرها تأثيرًا في التاريخ. أما الثانية، القارة الغنية بالموارد الطبيعية، فصارت أقوى جسدًا من مستعمريها بعد أربعة قرون من اكتشافها وقرن ونصف القرن من استقلالها. في البداية، لم يستطع الرحم الأوروبي/ الإنجليزي قبول انفصال الطفل العملاق، فجرت وقائع الحرب التي انتهت بتأسيس الاتحاد الأمريكي عام 1776م. استمرت أوروبا، بتقاليدها الثقافية، هي القارة الأم، فيما صارت أمريكا، بقدراتها الشاملة، الدولة القطب.

شكَّلت هذه العلاقة التكاملية ظاهرة الغرب الحضاري، وظهرت أهميتها الإستراتيجية مرارا، خصوصًا في القرن العشرين؛ فبعد الحرب الأولى، وما رافقها من دمار اقتصادي وخسائر بشرية، نمت الأفكار التشاؤمية حول انهيار القارة العجوز، وفقدانها للحيوية الدافقة، كما نظَّر المفكر الألماني “أوزوالد اشبنجلر” في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. وبعد الحرب الثانية وما رافقها من دمار أشد وخسائر بشرية أكبر، ازدهرت مدارس العبث واللامعقول في الأدب والفن، والوجودية الملحدة في الفلسفة، وُطرح سؤال الهوية مشوبًا بنوع من الشك طال كل المستويات، إلى الحد الذي دفع المفكر صامويل ويلسون إلى الكتابة عن سقوط الحضارة، ودفع كثيرين غيره إلى الكتابة عن نهاية المعنى وضياع الإنسان.

احتاجت أوروبا لعقدين تقريبًا للخروج من أزمتها الوجودية، استنادًا إلى ركيزتين: أولاهما هي أمريكا، الدولة القطب التي كرست طاقتها لإعادة إعمار القارة الأم بمشروع مارشال، ثم لحمايتها بحلف الناتو من الخطر السوفييتي، وكذلك من التحالفات العدوانية التي كانت ورطتها في الحربين الكبريين. وثانيتهما: الإرث الثقافي العميق والتقاليد التاريخية الراسخة لديها، كونها القارة التي جسدت لقرون عدة جلَّ التقاليد الغربية، المعرفية والسياسية، وتمكنت بفضلها من ارتياد قمة الحضارة الإنسانية، وصياغة مسميات الزمن الثقافي الحديث من عصر النهضة إلى التنوير إلى الحداثة. ومن ثم استقر لديها شعور عميق بالجدارة التاريخية، والقدرة على استعادة المسار الواعي لتاريخها.

على تلك الأرضية التاريخية والإستراتيجية دارت وقائع الحرب الباردة بين الكتلتين (الشرقية، والغربية) ومن أسفلهما دول الجنوب الأكثر فقرًا وتخلفًا، ومع انتصار الكتلة الرأسمالية، بدت الولايات المتحدة قائدًا لجيش فقد عدوَّه الواضح. ومن ثم يمكن فهم بعض الأفكار النظرية والسياسات العملية الشاردة: أفكار من قبيل نظرية صدام الحضارات، التي تعكس في جوهرها رغبة أمريكا الحارقة في استمرار تكتل أوروبا خلفها، عبر زيادة مخاوفها من مجهول تاريخي يتمثل في الصراع الثقافي/ الديني القادم. وسياسات هجومية من قبيل توسيع حلف الناتو بغض النظر عن نتيجة ذلك، الأمر الذي أدى إلى حصار روسيا وتضييق الخناق عليها، فاندفعت إلى غزو أوكرانيا، وعندها قدمت الولايات المتحدة دعمًا شاملًا (اقتصاديًّا، وعسكريًّا) للأخيرة بهدف استنزاف طاقة الأولي، في محاولة لاستنساخ التجربة الأفغانية، دون إدراك لحدود الاختلاف بين أفغانستان وأوكرانيا بالنسبة إلى روسيا، كما فرضت الكثير من العقوبات على روسيا. اضطرت أوروبا إلى مجاراتها، بتقديم أقصى دعم ممكن لأوكرانيا، كانت النتيجة النهائية تورط أوروبا في حرب غير ضرورية، فقدت معها أفضل مورد للغاز الطبيعي ممثَّلًا في خطي نورد ستريم، واحد واثنين، ودخولها في أزمة تضخم نالت من رفاهتها. ومع مجيء ترامب ثم هيمنة الجمهوريين على الكونجرس، مال المزاج الأمريكي نحو التوافق مع روسيا وتلبية طلباتها الأساسية لإيقاف الحرب، خصوصًا تثبيت سيادتها على جزيرة القرم التي احتلتها منذ عام 2014، وكذلك المقاطعات الأربع التي احتلتها في الحرب الراهنة، دونما اكتراث بسيادة أوكرانيا أو بموقف ومصالح الأوروبيين.

      والحق أن توجه ترامب لإنهاء الحرب في أوكرانيا يمثل سياسة فعالة وعقلانية في الوقت نفسه، تحقق مصالح أمريكا وتصب في خانة الاستقرار العالمي، بل يمكن اعتباره أفضل توجهات الرجل منذ بداية حكمه حتى اليوم، لكن أخطاء ثلاثة ظاهرة تقلل من جاذبية ذلك التوجه: أولها، هو خضوعه للحسابات اللصيقة بمزاج ترامب الشخصي، وليس للمصلحة الوطنية الأمريكية، التي تقتضي الحفاظ على إرث الثقة الكبير في الولايات المتحدة من قبل أصدقائها وحلفائها. لقد تبين ذلك في سرعة انقلاب ترامب على أوكرانيا، ومساومته الفجة لرئيسها على ثروة بلاده من المعادن النفيسة مقابل مساعدات عسكرية قدمت لها طوعًا، في إطار حرب دُفعت إليها من قبل أمريكا بالذات، بل وجرى تحريضها على الاستمرار فيها، حتى لو كانت تلك السياسة لرئيس سابق؛ لأن الانقلاب المفاجئ عليها دون خطة خروج منها، إنما يدمر سمعة أمريكا، ويدعو الجميع إلى عدم الثقة بها. وثانيها، هو افتقاده للاتساق السياسي والأخلاقي مع جل المواقف الأمريكية من الصراعات الأخرى، خصوصًا بين العرب وإسرائيل، فرغبة ترامب العارمة في إيقاف حرب مكلفة لبلاده، وفي أن يبدو كرجل سلام يطفئ حرائق العالم، تتعارض بالكلية مع دعمه اللامحدود لإسرائيل في عدوانها الجامح على أهل غزة والذي بلغ حد الإبادة الجماعية، رغم أن حربًا كهذه كلفت أمريكا ما يفوق الثلاثين مليارًا من الدولارات، واستنزفت الكثير من سمعتها الأخلاقية، المفترض توافر الحد الأدنى الضروري منها لدولة قطبية يفترض أنها تقود النظام العالمي. فإذا كان ترامب يرى أن خياراته مطلقة، وليس لأحد الحق في معارضتها رغم افتقادها للاتساق الأخلاقي، فإنه يصبح أقرب إلى رجل كاوبوي منه إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وثالثها، هو عدم استيعابه للأبعاد التاريخية والثقافية للعلاقة بين الولايات المتحدة ورحمها الأوروبي، وهو ما أدى إلى التنكر لدور أوروبا ومصالحها، والتصرف المنفرد إزاء روسيا وأوكرانيا، يمثل خذلانًا لشريك حضاري وإستراتيجي، تورط في تلك الحرب وفاءً للصديق الأمريكي بالأساس، فإذا بأمريكا تتخلى عن الشريك الأوروبي، وتطالبه بتحمل نفقات الدفاع عن نفسه ضد التحدي الذي أثارته هي بنفسها. فعندما يقول ترامب أن أوروبا صارت عالة علي بلاده فهو لا يهين القارة العجوز، بل يكشف عن جهله بطبيعة الرحم الثقافي لبلاده. وعندما يتنكر لأهمية حلف الناتو، فلا شك أنه يجهل أهمية البنية التحتية لدور أمريكا العالمي.

روسيا والصراع على أوروبا.

طالما اتسمت علاقات روسيا مع الغرب بقدر كبير من التعقيد، بفعل وقوعها على حواف المكونات الأساسية للهُوية الأوروبية، سواء على صعيد الجغرافيا؛ إذ تقع في منطقة التماس مع القلب الأوراسي، أو على صعيد المذهب الأرثوذكسي السائد في شرق أوروبا، لكنه مذهب الأقلية في غرب أوروبا والولايات المتحدة، أو على صعيد الجذور العرقية؛ فالعرق السلافي لروسيا يكاد يرتبط بالمذهب الأرثوذكسي ويمتد بمحاذاته، وأخيرًا على صعيد التجربة التاريخية؛ فالتشكيل الحضاري الروسي ولد من رحم الثقافة البيزنطية، قلب الإمبراطورية الرومانية الشرقية، فيما خرجت التحولات الكبرى التي صاغت ملامح أوروبا الحديثة من رحم الإمبراطورية الرومانية المقدسة، من قبيل: حركة النهضة، المذهب الإنساني، الإصلاح الديني، حركة الكشوف الجغرافية، عصر التنوير، الثورة الصناعية، والنزعة الكولونيالية، ولذا ظلت تلك التحولات بعيدة عن التطور الحضاري لروسيا، التي استمرت جغرافيتها حتى مطلع القرن الخامس عشر مسرحًا لحركة الدول المغولية. كما ظلت العاصمتان التاريخيتان لروسيا “كيفان روسي” التي باتت عاصمة لأوكرانيا، ثم “موسكو” العاصمة الحالية، بمعزل عن تأثيرات الحداثة الغربية، فلم تعرفا العلمانية حيث الفصل بين الدولة والكنيسة، أو الديمقراطية حيث توارت مفاهيم كالنزعة الفردية، وحكم القانون، والتمثيل البرلماني.

استمرت هذه الحال حتى حكم القيصر المتنور “بطرس الأكبر” نهاية القرن السابع عشر (1689-1725)، والذي أدرك من خلال جولة طويلة في ربوع القارة الأوروبية كيف باتت روسيا متخلفة كثيرًا عن الغرب، وبمجرد عودته إلى موسكو شرع في عملية تحديث كبرى. وعلى منوال الباشا/ محمد على في مصر، كان أول شيء قام به هو تطوير الجيش الروسي، فأنشأ القوات البحرية، وأدخل التجنيد الإجباري، وشيد الصناعات الدفاعية، والمدارس الفنية، كما أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا، خاصة فرنسا، للتعرف على أحدث المعارف الخاصة بالإدارة الحديثة والتصنيع والتسليح، خصوصًا بناء السفن. ولكي ينفق على كل تلك الإصلاحات قام بتطوير وتوسيع النظام الضريبي، وقرب نهاية عهده ترك موسكو وانتقل إلى العاصمة الجديدة “سان بطرسبورج”. وليعلن عن حضور روسيا الجديد كقوة مهيمنة في بحر البلطيق شن حربًا ضد السويد. وفي خضم الحروب النابليونية ضد الملكيات الأوروبية، كان دور روسيا الدفاعي حاسمًا في هزيمة نابليون وانكفائه تاليًا.

لم يتوقف الجدل حول هوية روسيا منذ عصر بطرس الأكبر وحتى مطلع القرن العشرين، خصوصًا لدى أدبائها الكبار: نيقولاي جوجول، وألكسندر بوشكين، فيودور ديستوفيسكي، وليف تولستوى. فثمة من تحمس لتحديث روسيا والسير الحثيث على طريق أوروبا، ولو اقتضى ذلك التخلي عن الروح الروسية، مثل جوجول المتأثر بثقافته الفرنسية. وثمة من نادوا بضرورة استمرار روحها المتميزة، المترعة بالحس الأخلاقي، وإن أبطأ ذلك من مسيرة تحديثها، مثل ديستوفيسكي، وهو ما حدث تقريبًا، فظل نظامها السياسي يتسم بالملامح الآسيوية؛ حيث النزعة الاستبدادية، ومركزية القرار، ومجتمعها المدني يخلو من التعددية الحقيقية. والحق أن الثورة البلشفية كانت بمثابة هدنة سعيدة لكن مؤقتة لهذا الجدل؛ إذ حوَّلت روسيا إلى الإتحاد السوفيتي، وجعلت منه قائدًا لمعسكر (شرق الغرب)، تتسم علاقته بالمعسكر الأورو- أمريكي، أي (غرب الغرب)، بالندية الكاملة، رغم أنه تأسس على قاعدة أيديولوجية ماركسية ولدت داخل الغرب نفسه (ألمانيا، وانجلترا)، لكنها وجدت تجسيدها الأبرز في أوروبا الشرقية؛ حيث يسود العرق السلافي والمذهب الأرثوذكسي. هكذا صارت روسيا السوفيتية مختلفة عن الغرب وفي الوقت ذاته نِدًا له، خصوصًا على الصعيد الفضائي والعسكري، كما على الصعيد الأيديولوجي، وتحول الجدل حول مستقبلها من ثنائية محلية طرفاها (السلافية، والتغريب)، إلى ثنائية كوكبية طرفاها (الشرق والغرب، اليسار واليمين).       

في هذا السياق التاريخي الطويل، لم تكن روسيا القيصرية عدوًا مطلقًا لأوروبا الغربية، فلم تحارب سوى السويد، وتركيا العثمانية في القرم، أما حربها مع فرنسا النابليونية فكانت دفاعًا عن نفسها وعن عموم الملكيات الأوروبية المحافظة. وهو الدور نفسه، تقريبًا، الذي أداه الاتحاد السوفييتي دفاعًا عن الحلفاء ضد دول المحور في الحربين العالميتين. اليوم، فقدت روسيا الاتحادية في آن الهيلمان السوفييتي والأيديولوجية الشيوعية، ولم تعد قطبًا عالميًّا قادرًا على منازلة القطب الأمريكي، وإن ظلت قوة إقليمية عظمى، قطبًا كبيرًا في أوروبا، تحتاج إلى علاقات ودية مع دولها، مثلما تحتاج الدول الأوروبية إلى علاقات ودية معها، أقله لتأمين نفطها وغازها. ومن ثم فإن الشعور بالخطر الروسي على أوروبا ينطوي على تهويل كبير صنعته الولايات المتحدة، لتدجين القارة العجوز، وفرض شروطها عليها. والحق أن أوروبا، بمعيار الواقعية السياسية نفسه، ليست عالة إستراتيجيه على أمريكا كما يتصور ترامب، وإن بدت كذلك فلأنها غير واعية بممكناتها، تتلقى لكمات الرجل الاقتصادية والأمنية، وتحاول الرد عليها بلكمات من النوع نفسه، سواء فيما يتعلق برفع التعريفة الجمركية، أو بمحاولة إنشاء مظلة أمنية/ نووية مستقلة تشمل كل دول الاتحاد، وهي ردود غير صحيحة تدفع بها إلى الدخول في مبارزة عبثية مع رجل يميني شعبوي على ملعبه نفسه، أي الملعب الجيوسياسي؛ حيث الصراعات التقليدية الموروثة عن الحرب الباردة، فيما الإجابة الصحيحة على تحدي ترامب تتمثل في مغادرة ذلك الملعب نهائيًّا إلى ملعب الجغرافيا الاقتصادية الذي لا يزال قائمًا وممهدًا منذ نهاية الحرب الباردة وصعود خطاب العولمة. فأوروبا، اليوم، هي الطرف المدعو أكثر من غيره للدفاع عن قيم (التعايش، والحوار، والسلام)، والمعني أكثر من غيره برعاية منظور الجغرافيا الاقتصادية أو قيم ما بعد الحداثة؛ حيث تسود أنماط التنافس التكنولوجي، وتنمو سياسات الاندماج الاقتصادي، والتبادل التجاري، على حساب منظور الجغرافيا السياسية أو قيم الحداثة؛ حيث الانشغال المحوري بقضايا: السيادة، والأمن، وتوازنات القوة، والتحالفات العسكرية. وهي، إذ تفعل ذلك تلبي مطلبين أساسيين: المطلب الأول، هو تأمين نفسها؛ إذ تبقى عاجزة عن الدفاع عن نفسها ضد روسيا، ليس لعجز في تسليحها؛ فالدول الأربع الكبرى (فرنسا، ألمانيا، إنجلترا، وإيطاليا) تملك من القوة المسلحة التقليدية ضعف ما تملكه روسيا على الصعيد البري والبحري والجوي، لكن لعجزها  أسباب أخرى، يأتي على رأسها الطبيعة الجغرافية التي لا تعمل في صالحها، فالأرض الروسية ممتدة تسمح بالمناورة والغواية، وقاسية تعمل في صالح أصحابها ضد أعدائها على نحو ما كان الأمر في حروب روسيا ضد الجنرال “نابليون”، ثم النازي “أدولف هتلر”. أما الدول الأربع فجغرافيتها محدودة نصف مليونية فأقل، أو حتى جذرية، كثيفة السكان إلى درجة لا تسمح بالمناورة. ناهيك عن العامل الديمغرافي، كونها دول تتسم بالشيخوخة، نسبة الشباب فيها محدودة بالقياس إلى الكهول والشيوخ؛ ولذا فإنها لا تملك القدرة على الدخول في نشاط عسكري واسع أو طويل المدى وإلا خسرت الكثير. أما المطلب الثاني، فهو إنقاذ أمريكا من نفسها، ولجمها عن صراعاتها العبثية، المهجوسة بمخاطر الأفول، والتي تجعل منها أسدًا جريحًا يندفع نحو مصيره الدرامي كبطل ملحمي في أسطورة إغريقية، يحاول جر الآخرين خلفه، وهو الواقع الذي استسلمت له أوروبا منذ عقود، بكل أسف، غير مدركة لقدرتها على تصويب مسارها. فأوروبا العبء على أمريكا هي فقط أوروبا التابعة، المحكومة بمنطق الحرب الباردة، لكنها ما إن توسع دائرة نظرها فسوف تدرك للتو أنها ليست بحاجة ملحة للعداء مع روسيا أو للسير خلف أمريكا، فما تحتاج إليه حقًا هو أن تعي رسالتها الحضارية، وأن تستعيد قيمها التنويرية، أن تدعو للسلام والتعاون، أن تنفخ روحًا جديدة في الخطاب الكوكبي المتراجع، تمنحه القدرة على هزيمة الخطاب الترامبي الشعبوي المتصاعد.

اظهر المزيد

صلاح سالم

كــاتب ومفــكر بجريدة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى