بعد عامين على حرب الإبادة الوحشية التي شنتها إسرائيل ضد فلسطينيي قطاع غزة، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، طرح الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” خطة للتهدئة ووقف الحرب من ثلاث مراحل: الأولى، تتضمن تخليص واستعادة كل الأسرى الإسرائيليين من قطاع غزة، ووقف الأعمال القتالية. المرحلة الثانية، تتضمن نزع سلاح “حماس”، وفتح المعابر أمام حركة الأشخاص والبضائع، وإتاحة المساعدات الإنسانية لسكان غزة. المرحلة الثالثة، تفترض الشروع بإعادة إعمار قطاع غزة، وخلق الظروف التي تمكن الفلسطينيين فيه من العيش.
بيد أن خطة ترامب تلك، تتجاوز كل ذلك، فهي تأسست على تجهيل القضية الأساسية، أي قضية الاحتلال الإسرائيلي، والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع تحويل قضيتهم إلى مجرد قضية عقارية، ونوع عمراني، وسكان يحتاجون المساعدة، باقتراحها تحويل غزة إلى “ريفيرا”، وإنشاء مناطق اقتصادية وسياحية فيها، مثلما تأسست على تغطية مسؤولية إسرائيل عن حرب الإبادة الجماعية التي شنتها ضد الفلسطينيين، إلى درجة أنها اعتبرت أن إسرائيل ضحية ومعتدى عليها، وأنها وحدها تمتلك حق الدفاع عن النفس.
بيد أن أهم ما في هذه الخطة يتعلق بطرح فكرة “الوصاية الدولية” على قطاع غزة باعتبارها البديل المتاح للفلسطينيين، وبمثابة المنجاة لهم من حرب الإبادة التي تشنَّها إسرائيل ضدهم منذ أكثر من عامين، والتي تمتد في بعض مظاهرها إلى المس بوجود الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتعزيز هيمنتها عليهم من النهر إلى البحر، علمًا بأن كل ذلك يرتبط بسعي إسرائيل، المدعوم أمريكيًّا؛ لخلق واقع في منطقة المشرق العربي، لا سيما في (سوريا، ولبنان، وصولًا لإيران) لا يسمح بتوجيه أي تهديد لإسرائيل مستقبلًا.
الموقف الإسرائيلي.
بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح- على ضوء تلك الخطة- يتعلق بما إذا كان “بنيامين نتنياهو” رئيس الحكومة الإسرائيلية، سيسمح بتمرير خطة ترامب تلك، أم إنه سيعمل كعادته على إجهاضها تبعًا لتجربته منذ تحكَّم بخيارات السياسة في إسرائيل، عندما جاء إلى رئاسة حكومتها، في حقبته الأولى (1996 – 1999) كما في حقبتيه الثانية (2009- 2021) والثالثة (2022 – حتى الآن).
مثلًا، ففي حقبته الأولى، التي أتت في أعقاب اغتيال إسحق رابين (أواخر 1995)، الذي كان من أهم المحرضين ضده، على خلفية توقيعه اتفاق أوسلو للتسوية مع الفلسطينيين 1993، كرَّس نتنياهو نفسه لتقويض ذلك الاتفاق، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ووأد فكرة الدولة الفلسطينية نهائيًّا، وترسيخ هيمنة إسرائيل من النهر إلى البحر، وهو ما فعله في حقبتيه التاليتين، وضمنها شن حرب إبادة وحشية جماعية، نجم عنها خراب قطاع غزة، وتحويله إلى مكان غير صالح لعيش أكثر من مليوني فلسطيني.
يستنتج من ذلك أننا نتحدث عن شخص يحمل أيدلوجية صهيونية صلبة، يمينية متطرفة، ليس إزاء الفلسطينيين فقط، وإنما إزاء فهمه لإسرائيل ذاتها، فهو الشخص الذي أسهم في صعود اليمين القومي والديني في إسرائيل، والذي يعمل من أجل تحويل إسرائيل من دولة يهودية ديمقراطية (للإسرائيليين اليهود) إلى كونها دولة قومية لليهود، أي بتغيير طبيعتها من دولة ديمقراطية ليبرالية إلى دولة قومية – دينية، عنصرية، يتحكم بها اليمين القومي والديني، مع تكريس سيطرته على كل السلطات (القضائية، والتشريعية، والتنفيذية).
لنلاحظ أن نتنياهو يتبنى إزاء الفلسطينيين عقيدة تتأسس على شعارات: “الأمن أولًا”، باعتباره أن أمن إسرائيل أهم من السلام، وهذا ينطبق على السوريين أيضًا؛ إذ يرى أن إسرائيل في الجولان أهم من إسرائيل بدون الجولان، ولو بسلام مع سوريا. أيضًا، هو صاحب شعار “السلام بالقوة”، بتأكيده أن إسرائيل لديها القوة والمقدرة على فرض السلام الذي يخدم مصلحتها بطريقتها ومن دون أي تنازل للأطراف الأخرى. ثمة أيضًا، شعاره بشأن “السلام الاقتصادي”، الذي يرى من خلاله بأن الفلسطينيين ليسوا شعبًا، وإنما مجرد سكان لا يحتاجون إلى تقرير المصير، ولا إلى حقوق سياسية؛ إذ برأيه فهم يحتاجون فقط لتمكينهم من العيش كـ “حطابين و سقائين”، أي كأيدي عاملة، وهي ذات المنطلقات التي ارتكز إليها ترامب في مشروعه لـ “السلام” في غزة.
الآن، نتنياهو لا يطرح، ولا يعلن رفضه خطة ترامب، رغم تماهيها مع أطروحاته الأساسية بالنسبة للفلسطينيين- كما قدمنا- لكنه يطرح بعض تحفظات، سعيًا منه لتجييرها بما يخدم رؤيته لطبيعة إسرائيل ومكانتها في الشرق الأوسط، وفي الإستراتيجية الأمريكية.
التجاذبات الإسرائيلية الأمريكية.
على رغم التماهي بين الإدارتين (الأمريكية، والإسرائيلية) أو بين ترامب ونتنياهو إلا أنه ينبغي تسليط الضوء على بعض المشكلات التي برزت بين الطرفين المذكورين، على خلفية طرح ترامب لخطته، وهو ما يمكن تلخيصه بالآتي:
أولًا: ثمة خشية في إسرائيل من تدخل دولي ووجود دولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر مؤسسات مدنية وقوات دولية، تحسبًا من اعتبار ذلك كأرضية لتوسع مستقبلي، على حساب سعي إسرائيل فرض هيمنتها على تلك الأراضي، من النهر إلى البحر، وخشية من إسناد ذلك الوجود لبقاء الشعب الفلسطيني في المعادلات السياسية.
يلخص جدعون ليفي ذلك في الآتي: “الإسرائيليون والفلسطينيون يمرُّون بعملية متسارعة من تدويل الصراع؛ مجلس الأمن يتخذ قرارًا يحدد اتجاهًا صحيحًا، إسرائيل تعود بسرعة إلى حجمها الحقيقي ومصير الفلسطينيين يُنتزع شيئًا فشيئًا، من سيطرتها الحصرية…القوة العظمى عادت إلى كونها قوة عظمى، والدولة التابعة لها عادت إلى مكانها الطبيعي…لقد انتهى جنون العظمة، وتوقَّف جنون الكبرياء لدى الدولة التي كانت تعتبر نفسها قادرة على كل شيء…هذا انتهى”. (“هآرتس” 20/11/2025)
أما المسألة الثانية: فتتعلق بخشية إسرائيل من تراجع قيمتها، أو مكانتها، في الإستراتيجية الأمريكية مع ظهور شركاء آخرين كـ(المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا) مثلًا؛ إذ ترى أن ثمة تزايدًا في أدوار أطراف عربية وإقليمية في الهندسة الجديدة للمنطقة، بعد أفول دور إيران، في المشرق العربي. وفي الواقع، فقد كان ذلك واضحًا في خطة ترامب بشأن وقف حرب الإبادة في غزة، وبإدخال البعد الفلسطيني في الهندسة المستقبلية للمنطقة، بعد إدخال إصلاحات على السلطة الفلسطينية، وهذا ينطبق على إشراك تركيا في القوات اللازمة لليوم التالي في غزة، وتسليح السعودية، وإقامة علاقات متميزة معها.
وبحسب آنا برسكي، فقد وجدت إسرائيل نفسها إزاء “قواعد لعب في الشرق الأوسط الجديد…الدول العربية المعتدلة تعمق علاقاتها مع الولايات المتحدة وتكيف نفسها مع مبنى أمني إقليمي جديد. وفي الوقت الذي تغرق فيه إسرائيل في أزمات سياسية مستمرة وفي جدالات داخلية…ألا تزال واشنطن ترى في إسرائيل ذخرًا إستراتيجيًّا لا بديل له، أم كدولة مهمة لكنها لم تعد مركز ثقل السياسة الأمريكية في المنطقة؟ في نظر الإدارة الأمريكية الحالية، ربما يعدُّ استقرار السعودية والتعاون معها وكبح أي نفوذ إقليمي آخر، أمرًا مهمًا اليوم…الولايات المتحدة تعمل انطلاقًا من رؤية إستراتيجية شاملة للشرق الأوسط، وليس انطلاقًا من زاوية النظر الإسرائيلية فقط”. (“معاريف” 19/11/2025)
تبقى المسألة الثالثة: وهي تتعلق بحث الولايات المتحدة الأمريكية على توجيه ضربة لإيران؛ لتدمير ترسانتها الصاروخية، وإنهاء أذرعها الميلشياوية في المنطقة، ووصولًا حتى للدفع بتغيير النظام فيها، باعتبار ذلك أولوية (سياسية، وأمنية، ومعنوية) لإسرائيل. ففي حين ترى إسرائيل أن الحل العسكري هو الحل الأنجح لإخضاع إيران، فإن الإدارة الأمريكية تنتهج طرق الضغط الأخرى (الاقتصادية، والسياسية، والأمنية) لتحقيق ذلك، ما أمكن. وبينما تحاول إسرائيل أن يصل الأمر إلى حد إسقاط النظام في إيران فإن الولايات المتحدة لا تفصح عن المستوى الذي تريده أن يصل الأمر في هذا المجال.
ومعلوم أن المطلوب أمريكيًّا وإسرائيليًّا من إيران تقويض محاولاتها امتلاك قوة نووية، وتقليص ترسانتها الصاروخية إلى أقصى حد، والتخلي عن أذرعها الميلشياوية في المشرق العربي واليمن نهائيًّا.
رغم كل ما تقدم، من السذاجة الاعتقاد بأن خطة ترامب تأتي بالضد من خطط نتنياهو، أو على حسابها، في شأن السعي لوأد حقوق الفلسطينيين، وتقويض كياناتهم السياسية، وتفتيت وحدتهم المجتمعية، وتذويب قضيتهم كشعب، رغم بعض التحفظات على بنود في تلك الخطة، التي يُرى فيها بعضٌ من انتقاصٍ لمكانة إسرائيل، أو نوعٌ من إمكان تدويل قضية الفلسطينيين.
تحفظات إسرائيلية.
طبعًا، ثمة تحفظاتٌ أخرى، لكنها تأتي لتعزيز التحفظات الأساسية السابقة، وهي تشمل: عدم إدخال المساعدات، وعدم إنفاذ مشاريع الإعمار إلا بعد نزع سلاح “حماس”، وشطب فكرة الدولة الفلسطينية الموجودة في أحد بنود خطة ترامب، مع لا “حماستان” ولا “فتحستان” في غزة، إضافة إلى رفض وجود عسكري لتركيا وقطر، مع سيطرة عسكرية لإسرائيل بين النهر والبحر، ومجال أمنى لها في سوريا يصل إلى دمشق، وفي لبنان يصل إلى بيروت. وبحسب نتنياهو: “الرئيس ترامب سيقرِّر ما يقرِّره، ودولة إسرائيل ستقرِّر ما تقرِّره”.
ولعل التدخل الأمريكي المتزايد في قطاع غزة، مع أثره على مستقبل الفلسطينيين، أكثر ما يثير القلق لدى إسرائيل؛ إذ بدا الرئيس ترامب كصاحب القرار بوقف حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وإفراج “حماس” عن الأسرى الإسرائيليين في غزة، وكصاحب المبادرة المتعلقة باليوم التالي، المتضمنة وقف الحرب وإدخال المساعدات وإعمار غزة والوعد بدولة فلسطينية، وهو الذي جلب لها موافقة الأطراف (العربية، والإقليمية، والدولية) المعنية، وضمنها (السعودية، ومصر، والأردن، وقطر، وتركيا، وإندونيسيا، والباكستان)، في حين بدت الحكومة الإسرائيلية كطرف ثانوي، رغم تضمين تلك الخطة معظم مطالبها.
بل إن ترامب بات هو المتحكم بهندسة النظام الإقليمي، من دون الصلة تمامًا بحسابات إسرائيل؛ إذ إن وقوف الولايات المتحدة مع إسرائيل هي التي مكنتها من تقويض “حماس”، وحزب الله” في لبنان، وصولًا إلى إضعاف نفوذ إيران في المشرق العربي، وإعادتها خلف حدودها، بتدخلها في الحرب ضدها، وضد منشآتها النووية (حزيران/يونيو 2025)، وهي المعادلات التي أدت إلى انهيار النظام السوري بطريقة مفاجئة (أواخر 2024)؛ بمعنى أن كل تلك التغييرات الإقليمية، وإن تقاطعت في معظمها مع سياسات إسرائيل إلا أنها بينت حدود قوتها، ثم إنها تحققت بقوة الولايات المتحدة (السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية، والاستخباراتية). وكان ترامب صرح مرارًا، متفاخرًا، بأن “ولايته الثانية أعادت تشكيل المنطقة خلال أقل من عام، عبر إضعاف إيران، وضرب قيادة حزب الله، ورحيل بشار الأسد وصعود حكومة سورية جديدة”. (“التايم” 22/10/2025)
وفي التفاصيل أيضًا، بدا أن إسرائيل باتت تفقد السيطرة في غزة، طبعًا لصالح الولايات المتحدة، ومشروعها بشأن “ريفيرا” غزة، ومحاولتها التواجد الميداني في القطاع، بخاصة مع إنشاء واشنطن قاعدة عسكرية ضخمة، باسم “مركز التنسيق المدني – العسكري” فيه، في كريات غات جنوب إسرائيل، بقيادة قائد الجناح البري للقيادة المركزية الأمريكية الفريق “باتريك فرانك”، ومع توالي زيارات الوزراء الأمريكيين ومبعوثي الرئيس ترامب إلى إسرائيل، كنائب الرئيس “جي دي فانس”، ووزير الخارجية “ماركو روبيو”، والمبعوثين “ستيف ويتكوف” و “جاريد كوشنر”؛ لإبقاء الضغط على إسرائيل، والتأكد من التزامها بخطة ترامب. (موقع “معهد القدس للإستراتيجية والأمن” 11/11/2025)
وما يزيد من الطابع الدراماتيكي لهذا التطور إعلان الرئيس ترامب مرارًا، اعتزامه ترؤُّس “مجلس السلام”، المزمع تشكيله قريبًا للإشراف على وضع غزة مستقبلًا. (“التايم” 22/10/2025)
واقع المرحلة الثانية من الخطة.
في الأثناء، أتى الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترامب (مطلع العام 2026) بشأن وقف حرب الإبادة، التي شنَّتها إسرائيل ضد قطاع غزة، في ظروف ضاغطة ومعقَّدة وغير مطمئنة للفلسطينيين، بواقع أن إسرائيل هي الطرف المقرِّر في إنفاذ تلك الخطة، لجهة التهدئة ووقف الحرب، بالامتناع عن القصف وعن إطلاق النار، والانسحاب من الأراضي التي احتلتها، وتاليًا السماح بفتح المعابر، وإدخال المساعدات من الغذاء والحاجات الأساسية لمليوني فلسطيني، وتمكين مشاريع إعادة الإعمار، وصولًا إلى تمكين اللجنة الإدارية /الفلسطينية- المكلفة بإدارة قطاع غزة- من القيام بالمهام الملقاة على عاتقها في المرحلة الانتقالية.
بيد أن إسرائيل هذه لا تلتزم تمامًا- كعادتها- بأي اتفاق أو تعهدات، ولا يوجد ما يلزمها أو من يلزمها بذلك، وهي ترهن كل شيء بما تعتبره أمنها القومي، وحساسيتها الداخلية، ورؤيتها لذاتها كدولة قوية رادعة.
وللتذكير، فإن إسرائيل ظلت تبرِّر حرب الإبادة الوحشية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة بدعوى استعادة أسراها، ونزع سلاح “حماس”، وإنهاء وجودها كسلطة فيه، لكن أهدافها الحقيقية تتجاوز ذلك إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية، في سياق محاولاتها وأد الكيانية السياسية الفلسطينية، وصولًا للتخفُّف من أكبر قدر من الفلسطينيين في القطاع؛ لذا فإن إسرائيل، التي تنصَّلت من اتفاق أوسلو 1993، على مدار أكثر من ثلاثة عقود، لن تعدم الحجة تلو الحجة للتهرب من الاستحقاقات المطلوبة منها، وفرض الأمر الواقع.
معنى ذلك، وفقًا للتجربة الفلسطينية منذ النكبة 1948، أن الوضع المؤقت قد يصبح بمثابة وضع دائم، هذا ما حصل في قضية اللاجئين الفلسطينيين 1948، وتجزئة الشعب الفلسطيني، في أكثر من دولة، وتحت أكثر من سلطة، وهو ما حصل في احتلال إسرائيل للضفة والقطاع 1967؛ إذ باتت المطالبة الفلسطينية والعربية تقتصر على انسحابها من تلك الأراضي، وهذا يشمل إقامة المستوطنات ومصادرة الأراضي في الضفة، وها نحن اليوم إزاء فرض واقع جديد في قطاع غزة، مفصول عن وضع الفلسطينيين في 48، وعن وضع الفلسطينيين في الضفة، دون أن يعرف أحد ما الذي سيبقى من القطاع، أو ما طبيعة الكيان الذي سينشأ فيه، أو ما مصير الكتلة الأكبر من فلسطينيي غزة.
في المقابل، فإن الجانب الفلسطيني- المعني بكل ما يجري- في وضع المغلوب على أمره، فهو لا يستطيع شيئًا- من الناحية العملية- إزاء حرب الإبادة الوحشية، أو إزاء ما تبيته إسرائيل ضده، بقدر ما هو معني بتقليل الخسائر بأقصى ما يمكن، بغض النظر عن بعض الخطابات (الإنشائية، والعنترية) وهذا ينطبق على الموقف الفلسطيني الموافق على خطة ترامب.
هكذا توفر إجماع فلسطيني على التعاطي الإيجابي مع خطة ترامب، على خطورتها، فالقيادة الفلسطينية الرسمية، وهي قيادة المنظمة والسلطة و”فتح”، رحبت بتلك الخطة، وبجهود ترامب لاستكمال تنفيذ خطته للسلام، بما في ذلك تشكيل “مجلس السلام” وهيئاته التنفيذية، وهو ما ينطبق على الفصائل الفلسطينية بما فيها حركة “حماس”.
مرحلة اللاخيار بالنسبة للفلسطينيين.
الآن، وفيما الأنظار تتجه نحو غزة، فإن إسرائيل تحاول إنفاذ خططها في الضفة الغربية أيضًا، عبر إجراءات (سياسية، وقانونية وميدانية) تفيد بترسيخ هيمنتها فيها، وتكريس احتلالها لها، عبر مصادرة الأراضي، وضمن ذلك بالطبع بناء المستوطنات الجديدة، مع تعزيز وتوسيع المستوطنات القديمة، لا سيما في محيط القدس، ما يعني أن الوضع في الضفة ليس أحسن من غزة بكثير.
في هذا الإطار، ثمة تطورات خمس، وهي تشمل:
أولًا: إعلان حكومة المتطرفين في إسرائيل، القطع تمامًا مع اتفاق أوسلو، وتحجيم السلطة الفلسطينية إلى أقصى حد، علمًا أنها سلطة على الفلسطينيين فقط، من دون سيادة على الأرض والموارد والمعابر والمستوطنين.
ثانيًا: إنشاء ميلشيا للمستوطنين، بحيث باتت تشكل جيشًا موازيًا، في مواجهة الفلسطينيين؛ لترسيخ السيطرة الأمنية الإسرائيلية وتغيير الواقع الديمغرافي في الضفة، والتضييق على عيش الفلسطينيين.
ثالثًا: توسيع عمل الإدارة المدنية (الإسرائيلية) للضفة، بمعنى أن إسرائيل بعد أن كانت تنازع السلطة الفلسطينية على الأرض والموارد والمعابر، وتترك لها إدارة “السكان” الفلسطينيين، باتت اليوم تنازع تلك السلطة حتى على إدارة “السكان” أيضًا.
رابعًا: محاولة فرض خيارات أخرى تشتغل بديلًا عن السلطة الفلسطينية، في إدارة الضفة، على نحو يشابه النموذج الذي جرى تشكيله في قطاع غزة، في إطار السعي لفرض وصاية على الشعب الفلسطيني، بما يخدم هدف إسرائيل، فرض سيطرتها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، وشطب البعد الفلسطيني من معادلات التسوية.
خامسًا: القيام بنوع من الضم المتدرج للضفة، سواء مع إبقاء المدن والبلدات الفلسطينية خارج هذا الإطار، كمدن/جزر معزولة، أو من دون ذلك. ولعل هذا مغزى قرار الكنيست الإسرائيلي، الذي صدر مؤخرًا، المتضمن تعزيز صلاحيات إسرائيل في الضفة، ما يسمح بشراء أراضٍ لتوسيع المستوطنات، وتوسيع نطاق إنفاذ القانون الإسرائيلي في المنطقتين “أ” و “ب” فيها، مع إجراءات تُسهِّل على المستوطنين الإسرائيليين شراء الأراضي في الضفة، بما يعني تغيير الواقع السياسي والقانوني لها، أي أن إسرائيل باتت تتعامل مع أراضي الضفة كأنها ليست أراضيَ محتلة تمامًا، مثل: أراضي 48.
يستنتج من ذلك، أنه لم يعد ثمة وظيفة للسلطة الفلسطينية عند إسرائيل سوى إدارة “السكان” الفلسطينيين في الضفة، مع وجود قوة أمنية فلسطينية تصب في خدمة سياسة إسرائيل الأمنية، أي كدريئة عنها، أي إنها تحاول الإبقاء على تلك السلطة كي تحمل عنها عبء المسؤولية (السياسية، والمالية، والأمنية، والأخلاقية) عن السيطرة عن الفلسطينيين تحت الاحتلال، فقط.
مشكلة الفلسطينيين، إزاء كل ذلك، إضافة إلى كونهم يعانون تداعيات حرب إبادة وحشية، إنهم في وضع صعب ومعقَّد، ويفتقدون القدرة والمرجعية والخيارات البديلة، أو الموازية؛ إذ كل ذلك كان بحاجة إلى تدبر منذ التحول إلى سلطة، تحت سلطة الاحتلال، وعلى الأقل منذ تقويض إسرائيل اتفاق أوسلو، في مفاوضات “كامب ديفيد 2” 2000، أو منذ ما بعد الانتفاضة الثانية (2000- 2004)، إلا أن ذلك لم يكن في إدراكات القيادات والفصائل الفلسطينية، ولم تستعد له؛ لذا فإن الفلسطينيين يجدون اليوم أنفسهم في فراغ مهول، إزاء كل ما يحدث أو ما يرتب لهم، مع انكشافهم، من دون سند خارجي.
مشكلة الفلسطينيين أيضًا، تكمن في تضارب خياراتهم، بدل تكاملها أو ترابطها، ففي حين يرى دعاة الخيار العسكري والكفاح المسلح، بأن دعاة الخيار السياسي والتسوية، هم المسؤولون عن تدهور أحوال القضية الفلسطينية، وانحسار حركتها الوطنية، فإن دعاة الخيار السياسي يرون أن دعاة الخيار العسكري هم المسؤولون عن ذلك، بدليل أن عملية “طوفان الأقصى” استجرت حربًا إسرائيلية وحشية أدت إلى تحويل قطاع غزة إلى منطقة غير صالحة للعيش، مع نكبة لمليوني فلسطيني فيه.
في المقابل، فإن الحقيقة تكمن في أن الحركة الوطنية الفلسطينية أخفقت في الخيارات التي انتهجتها؛ لأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة موازين القوى، وغياب الحاضنة العربية والدولية، والدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل. أما الأسباب الذاتية فتكمن في، تشتت الشعب الفلسطيني، وخضوعه لأنظمة سياسية مختلفة، وضعف مبنى الحركة الوطنية الفلسطينية وتقادمها، وتكلس بناها، وافتقادها إستراتيجية سياسية وكفاحية مناسبة، ويمكن الاستثمار فيها.
إذًا، هذه اللحظة الفلسطينية هي لحظة للمراجعة الحكيمة والمسؤولة، وهي لحظة لالتقاط الأنفاس، واستنباط الدروس، في الظروف الراهنة الصعبة؛ إذ لم يبقَ أمام الفلسطينيين، في ضعفهم وتشتتهم ونكبتهم الجديدة، إلا انتهاج السياسات التي ترسِّخ وجودهم كشعب واحد في (الداخل، والخارج) وتعزز صمودهم في أرضهم، وتمكنهم من صد سياسات إسرائيل إزاءهم بالوسائل الممكنة والمتاحة، التي تفوِّت عليها مسعاها تدمير مجتمعهم، أو إزاحتهم من أرضهم، سواء في الضفة أو في غزة، فهذه مرحلة اللاخيارات، بعد كل الخيارات الخائبة أو الخاسرة.




