2026العدد 205ملف دولى

“أمريكا أولًا” وإحياء تعدد الأقطاب

عقب انتهاء الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي، واعتقاد النخبة الأمريكية بانتصار نموذجها (السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي) هيمن ما أصبح يعرف باسم “إجماع واشنطن Washington Consensus ” وهو الإيمان المطلق بدعم عولمة اقتصادية وديمقراطية سياسية استنادًا على هيكل أمني عسكري قوي على صانعي القرار الأمريكي. وتعامل البيت الأبيض، سواء حكمه الديمقراطيون في عهد الرئيس بيل كلنتون وباراك أوباما وجو بايدن، أو الجمهوريون في عهد رونالد ريجان وجورج بوش (الأب، والابن) _من منطلق هيمنة القطب الأمريكي الأوحد على النظام العالمي.

ومثل صعود دونالد ترامب، بما يحمله من تصور مغاير للعالم ووصوله للبيت الأبيض عقب انتخابات 2016، هزة عنيفة لإجماع واشنطن، وللاعتقاد بهيمنة القطب الأمريكي الأوحد على المشهد العالمي. ومثلت عودة ترامب الثانية والأخيرة للبيت الأبيض عقب انتخابات 2024، إيذانًا عمليًّا بانتهاء “إجماع واشنطن” مع رفض إدارة ترامب، كما ظهر في إستراتيجيتها للأمن القومي، والتي صدرت في ديسمبر الماضي عن البيت الأبيض، وما أعقبها من صدور إستراتيجية البنتاجون للأمن القومي.

حطم انتخاب دونالد ترامب (الأول، والثاني) وسيطرته اللاحقة على الحزب الجمهوري، وتبنيه لأجندة “أمريكا أولًا” تحديًّا كبيرًا لإجماع واشنطن، ولا يعرف بوضوح ما سيحل محل إجماع واشنطن، أو متى يمكن إعلان ذلك مع وجود رئيس وإدارة شعبوية متمردة على ثوابت النظام العالمي القائم على قواعد رسَّخت لها واشنطن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية منتصف أربعينيات القرن الماضي؟

ورغم هيمنة ترامب وقراراته وسياساته على المشهد العالمي، نحن لسنا أمام نظام أحادي القطبية، على الرغم من تحرك واشنطن أحيانًا في هذا الاتجاه (نموذج مجلس السلام الخاص بغزة). ورغم صعود الصين وتحديها للقوة الأمريكية، إلا أنه من المبكر الحديث عن ثنائية قطبية في ضوء التزام الصين الصارم- حتى الآن- بعدم تمديد نفوذها العسكري خارج نطاقها الإقليمي الضيق. ويبقى السؤال، هل يعني ذلك أننا أمام نظام متعددة الأقطاب حيث تتوزع مناطق النفوذ بعدد من اللاعبين الرئيسين في مختلف أقاليم العالم؟ ليس الإجابة بالضرورة نعم؛ حيث إن هناك تداخلات معقدة بين القوة الاقتصادية، وحجم الإنفاق العسكري، والنفوذ والمشاركة في المنظمات الدولية، لكن الأكثر دقة أننا في مرحلة سيرورة تشكيل لنظام عالمي لم تتحدد ولم تنتهِ بعد.

تكلفة حمل راية القطب الواحد.

أدت الولايات المتحدة دورًا قياديًّا في تشكيل النظام العالمي قبل 80 عامًا، بعد الانتصار في حرب عالمية، واليوم تؤدي مرة أخرى دورًا قياديًّا في تشكيل نظام عالمي جديد من خلال سيرها في مسار بطيء من التراجع النسبي بعد عقود كقائدة عالمية بلا منازع.

ومن المفارقات، أن أفعال الولايات المتحدة نفسها تسرع هذا التحول نحو التعددية القطبية. وقد كانت السياسات الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية مصممة للتضحية ببعض القوة الأمريكية قصيرة الأجل من أجل تثبيت النفوذ الأمريكي على المدى الطويل. بَنت واشنطن مؤسسات دولية، منها: منظمة الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومنظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومؤسسات أخرى، أسهمت كلها في تثبت القوة الأمريكية لفترة طويلة. وقللت هذه الشبكة من السلوك العدواني بين الدول الكبرى، وحفزت الدول الكبرى، مثل: الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، على الاستمرار في التعاون مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك كانت الولايات المتحدة نفسها هي من تجاهل قيمة هذه المؤسسات، بل سعت بنشاط لتقويض بعضها، وبذلك سرعت من التوازن في سلوك العديد من حلفائها التقليديين. على الرغم من أن منع التعددية القطبية كان من المستحيل على أرض الواقع، إلا أن ظهوره كان يمكن أن يتباطأ لو أقنع القادة الأمريكيون نظراءهم الأجانب بأن النظام العالمي الذي أسست له أمريكا لا يزال مفيد لهم.

وفي أوج الحرب البادرة، كانت النخبة الأمريكية ترى نفسها قائدة للعالم، ومحل غيرة من عواصمه الكبرى.

وقالت وزيرة الخارجية السابقة “مادلين أولبرايت”: “القوة الأمريكية لا غنى عنها، نقف شامخين ونحن نرى المستقبل، ويمكننا استخدام قدراتنا الفريدة لتحويل العالم بطرق غير مسبوقة”.

وهكذا تشكلت السياسة الخارجية الأمريكية على أساس افتراض غير معلن مفاده أن الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة بلا منازع، وأن من حقها – بل من واجبها – إدارة النظام الدولي، وضبط إيقاعه، والتدخل عسكريًّا متى رأت أن مصالحها أو القيم الليبرالية مهددة. غير أن التحولات (الجيوسياسية، والاقتصادية، والتكنولوجية) خلال العقود الثلاثة الماضية، إضافة إلى الإرهاق الداخلي من “الحروب الأبدية في الشرق الأوسط”_ دفعت صناع القرار في واشنطن إلى مراجعة عميقة لهذه الفرضيات.

من ناحية ثانية، اعتقدت مدرسة السياسة الخارجية الأمريكية، أن تدفقات رأس المال والعولمة الاقتصادية، ستحرر الصين وتمهد لتحول ديمقراطي داخلي مع تطور المستوى المعيشي لمئات الملايين من أبناء الطبقة المتوسطة الصينية، بما يحمل معه هدوء في العلاقات الثنائية بين أكبر قوتين في العالم. كما توقع المفكرون الأمريكيون أن روسيا ستتحول بسرعة إلى ديمقراطية ليبرالية ولاقتصاد السوق الحرة. كما سيحول الناتو تركيزه من حماية أوروبا الغربية إلى إصلاح ودمج وتكامل العلاقة بين دوله وبين روسيا، دون قلق كبير من احتمال أن يُضطر للدفاع عن أعضاء جدد، وأن الجيش الأمريكي سيعمل كشرطي خيري في العالم، ويمكن للأمريكيين إعادة هندسة الدول ومجتمعاتها في (العراق، وليبيا، وسوريا، وأفغانستان).

وانتهت هذه الحقبة إلى صعود صيني صاروخي اقتصاديًّا وتكنولوجيًّا دون أن تهتز سيطرة الحزب الشيوعي الواحد على النظام السياسي داخل الصين، مع هيمنة كبيرة على دول جوارها الجغرافي.

ولم تتحول روسيا إلى شريك وديع لواشنطن ولحلف الناتو، بل كشرت موسكو عن أنيابها وغزت جورجيا وضمت شبة جزيرة القرم قبل أن تغزو أوكرانيا في فبراير 2022. من ناحية أخري، وبعد إهدار واشنطن لعدة تريليونات من الدولارات في غزواتها لدول شرق أوسطية، وهو ما نتج عنه مقتل أكثر من مليون شخص في العراق وأفغانستان، ومقتل ما يقترب من ثمانية آلاف جندي أمريكي، اضطرت الجيوش الأمريكية إلى الانسحاب من العراق وأفغانستان معلنة فشل فكرة بناء الدول، وعادت حركة طالبان للحكم في أفغانستان، ووقع العراق فريسة تنافسات سياسية داخلية لم تتوقف بعد.

“أمريكا أولًا” والقطبية الدولية.

تعطي إستراتيجية “أمريكا أولًا” السياسة الخارجية المصالح الوطنية الأمريكية وأمنها وازدهارها الاقتصادي فوق الالتزامات العالمية متعددة الأطراف. يركز على “السلام من خلال القوة”، والتجارة الحمائية، وتقاسم الأعباء مع الحلفاء، وتجنب “الحروب التي لا تنتهي”. يهدف هذا النهج إلى تأمين السيادة الأمريكية مع التعامل مع العالم على أساس المعاملات المتبادلة.

ودعت إستراتيجية الأمن القومي الجديدة للرئيس ترامب، والتي نشرت في ديسمبر 2025، التفكير التقليدي في ضرورة قيادة أمريكا للنظام العالمي، وبدأت بمقدمة واضحة تتعارض بشدة مع الإستراتيجيات السابقة “الولايات المتحدة لا تملك موارد وقدرات لا نهائية، لذا يجب أن تعطي الأولوية لما تسعى لتحقيقه في سياستها الخارجية”. ونؤكد أن هذه الأولويات يجب أن تنبع من تقييم ما هو الأهم لأمن وازدهار وحرية الشعب الأمريكي. وجادل بأنه “رغم تغير العالم بطرق مهمة، إلا أن الجغرافيا لم تتغير؛ فالتهديدات والفرص في جوار أمريكا المباشر تهم أمننا القومي أكثر من الأحداث في أماكن بعيدة”.

وكان هذا الطرح نادرًا في كل إستراتيجيات الأمن القومي التي سبق نشرها خلال السنوات الماضية، وعكس ذلك تسريع وتركيز إدارة ترامب على تطبيق مبدأ “أمريكا أولًا” خارجيًّا من خلال تقاسم الأعباء بين الحلفاء بشكل كبير، ودعم قدرة الحلفاء التقليديين على تطوير قدرات مستقلة وأن يصبحوا لاعبين مستقلين في النظام الدولي.

في الوقت ذاته، يعتمد نهج أمريكا أولًا في السياسة الخارجية على فكرة أن أمريكا هي الأفضل في موقع القيادة في العالم، والحفاظ على السلام والاستقرار عندما تضع سلامة وازدهار ورفاهية الشعب الأمريكي في المقام الأول. هذا المبدأ يختلف عن النهج الذي ساد في واشنطن، والذي يعطي الأولوية للحفاظ على آلية دولية متعددة الجنسيات على حماية المصالح الأمريكية. للتوضيح، أمريكا أولًا لا تعني أمريكا وحدها، ولا تعني العودة إلى العزلة، نهج أمريكا أولًا في السياسة الخارجية يعترف بواقع العالم كما هو والدول الأخرى على حقيقتها، وليس كما تريدها مؤسسة السياسة الخارجية. تقدم هذه الفرضية الطريق الأفضل للعمل بشكل منتج مع الدول الأخرى بطريقة تعزز مصالح وأمن الأمريكيين مع تجنب التجاوز الاقتصادي والصراعات العسكرية غير الضرورية. يتطلب هذا النهج استخدامًا مركزًا وحكيمًا للقوة العسكرية ليس فقط لردع الأعداء، بل إذا فشل الردع، للقتال والانتصار في أي مواجهات عسكرية. استخدام الجيش الأمريكي لهدفه المقصود يضمن ألا تتورط أمريكا في جهود طويلة مثل بناء الأمة في الخارج.

واعتبرت الإستراتيجية أن ذلك قد يكون مفيدًا للولايات المتحدة؛ من خلال توزيع مسؤوليات اللاعبين الدوليين بشكل يرونه أكثر عدالة على المدى القصير. ومع ذلك، فعلى المدى الطويل، سيقوض هذا فعليًّا قوة ونفوذ الولايات المتحدة، مما يؤدي إلى نظام دولي أكثر تعقيدًا وأقل انتظامًا.

ومكن نهج أمريكا أولًا في السياسة الخارجية الولايات المتحدة من تعزيز العلاقات مع الحلفاء حول العالم مع خلق فرص جديدة للعمل معهم، كما يتضح من الترتيبات الجديدة التي يشهدها الشرق الأوسط، إضافة لتغير نمط علاقة واشنطن بدول الأمريكتين. وتسلط جهود إدارة ترامب -بشأن الناتو- الضوء على أهمية تقاسم العبء بشكل واضح وعادل بين أمريكا وحلفائنا (ماليًّا، وعسكريًّا). لم يكن تقاسم الأعباء عادلًا فحسب، بل كان ضروريًّا لضمان التوافق بين الحلفاء بشأن الأمن الجماعي. هذه التطورات حدثت لأن ترامب رفض مواقف مؤسسة السياسة الخارجية التقليدية؛ ولأنه كذلك أوضح المصالح الأمريكية في الخارج والتهديدات التي تواجه الأمريكيين.

من جانبه، نشر البنتاجون إستراتيجيته الدفاعية، والتي تضمنت تحوله نحو إستراتيجية متعددة الأقطاب تعطي الأولوية للدفاع عن الوطن واستقرار نصف الكرة الغربي على حساب الأولوية العالمية، مبتعدًا عن تركيزه الرئيس السابق حول ردع الصين فقط.

لعدة أشهر، كان مسؤولو البنتاجون يعملون على إستراتيجية جديدة للأمن القومي تقترح أن تعطي إدارة ترامب الأولوية لحماية الوطن ونصف الكرة الغربي على حساب “تهديد الصين”، ويعد ذلك انقلاب لافت عن تفويض الجيش الذي استمر لسنوات في التركيز على “التهديد من الصين”، منذ “التحول إلى آسيا” منذ عهد باراك أوباما. الإستراتيجية الوطنية الجديدة تقلب إلى حد كبير تركيز إستراتيجية الدفاع الوطني لإدارة ترامب الأولى، والتي صدرت عام 2018، التي وضعت ردع الصين في مقدمة جهود البنتاجون.

يركز نظام الأمن القومي على المنافسة بين القوى العظمى والتجديد الداخلي، بدلًا من تعزيز الديمقراطية أو المؤسسات العالمية أو دور الولايات المتحدة الواسع في بناء الأمة.

يتبنى هذا النهج رؤية “واقعية” لعالم متعدد الأقطاب، مع التركيز على تقاسم الأعباء مع الحلفاء. وأعطت إستراتيجية البنتاجون، والتي نشرت بعد عدة أسابيع من نشر البيت الأبيض إستراتيجية الأمن القومي، الأولوية لتأمين الولايات المتحدة ونصف الكرة الغربي، بدلًا من محاولة الحفاظ على هيمنة عالمية بلا منازع. وعكست الإستراتيجية كذلك ضرورة تقاسم الأعباء بين الحلفاء، سواء في أوروبا أو منطقة المحيطين (الهندي، والهادي)؛ حيث يتوقع البنتاجون من الحلفاء تحمل المزيد من المسؤولية عن الأمن الإقليمي ضد روسيا والصين على التوالي.

وفيما يتعلق بالشرق الأوسط، ترفض الإستراتيجية “الحروب الأبدية” وتعترف بأنه في نظام متعدد الأقطاب مع مراكز قوة متعددة، يجب على الولايات المتحدة مواءمة مواردها المحدودة مع المصالح الوطنية الجوهرية. وتعكس هذه الإستراتيجية خروجًا عن “النظام الدولي الليبرالي”، التي تهدف إلى توازن القوى في المسارح الإقليمية بدلًا من الهيمنة العالمية. وتعترف إستراتيجية البنتاجون بوجود منافسين أقوياء، مثل: الصين، وروسيا، وتركز على إدارة المنافسة معهم، وهو ما يتماشى مع الواقع متعدد الأقطاب.

تحولات هيكلية أم تفضيلات شخصية.

غالبًا ما يُنسب إلى الرئيس دونالد ترامب تحريك شكل علاقة بلاده بالعالم من حولها من خلال مبدأ “أمريكا أولًا”. ومع ذلك، فإن مجموعة من التفسيرات الهيكلية توفر تفسيرًا موضوعيًّا لإعادة النظر في الموقف الإستراتيجي الأمريكي بشكل عام، وترى هذه التفسيرات أن هناك ثلاثة عوامل تدفع بقوة إلى تعددية نظام الأقطاب العالمي بعيدًا عن تفضيلات ورغبات ترامب الشخصية، وهي:

أولًا: الولايات المتحدة لم تعد قوة مستمرة في الصعود؛ إذ يبدو أن أمريكا وصلت إلى ذروتها قبل وصول ترامب للحكم في فترة ثانية عام 2024. ويرى هذا العامل أن شعار ترامب “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” يعترف بدرجة من التراجع، حتى وإن كان يحمل في الوقت نفسه أملًا في أن هذا الاتجاه يمكن عكسه. وجادل وزير الخارجية “ماركو روبيو” بالقول: “ليس من الطبيعي أن يكون للعالم قوة أحادية القطب فقط… كان ذلك استثناءً. كان ذلك نتاج نهاية الحرب الباردة، لكن في النهاية كان من المقرر أن تعود إلى نقطة يكون فيها العالم متعدد الأقطاب، وقوى عظمى متعددة في أجزاء مختلفة من الكوكب. سنواجه ذلك الآن”. 

ثانيًا: يشكك العديد من الأمريكيين، خاصة الشباب منهم، في قدرة أمريكا على تحقيق نتائج إيجابية في العالم. أجيال الأمريكيين الذين عاشوا الحرب العالمية الأولى أو الحرب العالمية الثانية أو حتى الحرب الباردة تختفي من الساحة، وحل محلهم جيل نشأ مع إخفاقات أمريكا في أفغانستان والعراق، من بين أماكن أخرى، ويشكك هذه الجيل في قدرة الحكومة الأمريكية على التأثير الإيجابي على قضايا الأمن العالمي.

ثالثًا: الموارد الأمريكية مجهدة في اللحظة التي تتصاعد فيها تهديدات جديدة، من هنا تعهد ترامب مؤخرًا برفع ميزانية البنتاجون من تريليون دولار إلى تريليون و نصف التريليون للعام المقبل.

رابعًا: الصعود السريع لعدد من القوى الجديدة، بما في ذلك (الصين، والهند، وإندونيسيا، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، وتركيا،… وغيرهم).  مع ارتفاع الآفاق الاقتصادية لهذه الدول ذات الكثافة السكانية، فهي تتجاوز العديد من اقتصادات العالم الأكثر رسوخًا خاصة في القارة الأوربية، ويتوقع بعض الخبراء أن (الصين، والهند) ستتجاوزان الولايات المتحدة في الناتج القومي الإجمالي، بينما تتفوق (البرازيل، وإندونيسيا، والمكسيك) على (ألمانيا، واليابان، والمملكة المتحدة) بحلول عام 2050.

هذه العوامل الأربعة عكست موضوعية التحرك نحو تعدد قطبية في النظام العالمي، وهذا بدوره يسبب سلسلة من التحولات الأخرى في السياسة الدولية التي تعيد تشكيل الديناميكيات في المجالات (الاقتصادية، والعسكرية، والتكنولوجية).

إستراتيجيات أمريكية جديدة.

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان الشعب الأمريكي في أغلبه مستعدًا لتحمل عبء القيادة الدولية، لكن اليوم تتغير المواقف، خاصة مع إدراك الأمريكيين تراجع مستوى معيشتهم، في وقت ينعم فيه الأوربيون على عكس الأمريكيين بتعليم جامعي مجاني، ورعاية صحية حكومية تغطي كل المواطنين.

وتظهر استطلاعات حديثة أن 52٪ من الأمريكيين الآن يقولون إن الولايات المتحدة “يجب أن تولي اهتمامًا أقل للمشاكل في الخارج وتركز على المشاكل في الداخل”.  يشمل ذلك 67٪ من الجمهوريين و58٪ من الذين تقل أعمارهم عن 50 عامًا. وفي الوقت نفسه، أفاد 52٪ من الأمريكيين بأن النفوذ الأمريكي في العالم “يزداد ضَعفًا” في السنوات الأخيرة. هذه مجموعة قاسية من التقييمات حول استعداد الولايات المتحدة للمشاركة في العالم.

ومع ذلك، أفاد ثلثا الأمريكيين بأنهم ما زالوا يريدون للولايات المتحدة أن تؤدي دورًا “قياديًّا” أو “رئيسًا” في العالم. هذه ليست أمريكا انعزالية، بل دعوة عامة لزيادة الاهتمام بالقضايا الداخلية بدلًا من الدولية. يبدو أن الجمهور يريد للولايات المتحدة أن تواصل قيادتها الدولية، ولكن بتكلفة أقل، وهذا ما يسمح بتعددية قطبية.

ومع ذلك، هناك اختلافات حزبية متزايدة حول المناطق التي يجب أن تكون مصدر قلق أكبر لواشنطن؛ يحدد الجمهوريون الصين كأكبر تهديد لهم، بفارق كبير. الديمقراطيون أكثر انقسامًا؛ حيث تحتل روسيا حاليًّا مرتبة أعلى قليلًا من الصين في ترتيب اهتماماتهم.

وتشير هذه الاستطلاعات إلى أنه من الآن فصاعدًا، يجب أن يستند منطق المشاركة الأمريكية إلى عدة مبادئ:

أولها: أنه من غير المرجح أن تزداد الموارد الأمريكية للمشاركة الدولية – العسكرية وغير العسكرية – ما لم تحدث أزمة. ثانيًا: يجب على واشنطن أن تطلب من حلفائها وشركائها بذل المزيد؛ لأن الجمهور الأمريكي يتساءل عما إذا كان عبء القيادة العالمية يستحق التكلفة. ثالثًا: سيحتاج القادة الأمريكيون إلى التركيز على إدارة التهديدات من الصين، وبدرجة أقل من روسيا؛ لأن هذه التهديدات تدرج باستمرار كأهم المخاوف الدولية لمعظم الأمريكيين.

مقايضة الشرق الأوسط.

ومنذ وصوله إلى الحكم للمرة الأولى عام 2017 والثانية عام 2025، يحاول الخبراء والمراقبون داخل الولايات المتحدة وخارجها استيضاح طبيعة محركات الرئيس ترامب تجاه قضايا السياسة الخارجية عمومًا، وما يتعلق بالشرق الأوسط خصوصًا.

ويعقد من صعوبة الإجابة غيابُ إطار أيديولوجي يشكل مرجعية لترامب، فبعيدًا عن التزامه العام بمبدأ “أمريكا أولًا”، لا يعرف عنه اتباع نهج محدد تجاه قضايا واشنطن ومصالحها في المنطقة.

وكتب بيت هيجسيث في مقدمة إستراتيجية البنتاجون “نحن ندرك أنه ليس من واجب أمريكا ولا في مصلحة أمتنا أن نتصرف في كل مكان بمفردنا، ولن نعوض أوجه الضعف الأمنية لدى الحلفاء بسبب اختيارات قادتهم غير المسؤولة. بدلًا من ذلك، ستعطي الوزارة الأولوية لأهم التهديدات وأكثرها خطورة لمصالح الأمريكيين”.

وتؤكد الوثيقة هدف إدارة ترامب الذي جرى تفصيله في إستراتيجية البيت الأبيض للأمن القومي التي صدرت الشهر الماضي، وجاء فيها أن تقليل الانخراط الأمريكي في قضايا منطقة الشرق الأوسط سيحدث من خلال تمكين الحلفاء والشركاء هناك من تحمُّل “المسؤولية الأساسية” عن أمن المنطقة، مدعومة بصفقات ضخمة من مبيعات الأسلحة الأمريكية.

وسيعتمد نهج إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط على قيام الشركاء الإقليميين -أي حلفاء واشنطن في المنطقة- بالمزيد، خاصة تجاه احتواء النفوذ الإيراني أو دعم الحكومة السورية الجديدة أو أمن الخليج.

وهكذا ترى الإستراتيجيات الأمريكية الجديدة أن على الولايات المتحدة أن تقلل من أولويات الشرق الأوسط، ولكن لا تتخلى عنه. لما يقرب من قرن، اعتبر الشرق الأوسط واحدًا من ثلاثة مسارح ذات أولوية للأمن الأمريكي، إلى جانب أوروبا وآسيا. كان هذا القرار مدفوعًا إلى حد كبير بالطلب على النفط لتغذية الاقتصاد العالمي والجيش الأمريكي، ولاحقًا بسبب المخاوف من الإرهاب. ومع ذلك، فقد تراجعت مخاوف الجمهور الأمريكي بشأن الإرهاب، وغير ازدهار الإنتاج التكنولوجي الأمريكي للطاقة الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط.  في الواقع، الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط الآن يحمي إمدادات الطاقة التي تتدفق إلى الصين إلى حد كبير. لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون في كل مكان في آن واحد، لذا فإن تعديل وضع القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة أمر مبرر، ينبغي على القادة الأمريكيين بدلًا من ذلك السعي للحفاظ على قوة صغيرة متبقية في المنطقة للحفاظ على التعاون مع الشركاء الرئيسين وتمكين أي عمليات نشر مستقبلية مطلوبة في المنطقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى