2026العدد 205ملف دولى

حصار المصالح البعيدة والتحولات الإستراتيجية الأمريكية تجاه الصين

مقدمة:

شهد النظام الدولي في مطلع عام 2026، أحد أكثر تحولاته دلالة؛ مع تنفيذ الولايات المتحدة عملية عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، أسفرت عن اعتقال الرئيس “نيكولاس مادورو” وزوجته في الثالث من يناير، والسيطرة على مراكز سيادية وأمنية في العاصمة كاراكاس خلال ساعات محدودة. وقد مثلت هذه العملية -التي نُفذت عبر قوات خاصة مدعومة بغطاء استخباراتي وتكنولوجي متطور- نقطة تحول حاسمة في السياسات الأمريكية تجاه القارة اللاتينية. ولم تأتِ تلك التطورات بمعزل عن السياق الدولي الأوسع، الذي يتسم بتصاعد التنافس الإستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، وتنامي مظاهر الاستقطاب البنيوي بين القوى الكبرى، وتراجع فاعلية المؤسسات الدولية. وفي هذا السياق، اكتسبت فنزويلا -بما تملكه من احتياطيات نفطية وبما تمثله من نقطة ارتكاز رئيسة للنفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية- أهمية متزايدة في الحسابات الإستراتيجية الأمريكية؛ باعتبارها إحدى الساحات المركزية لإدارة الصراع الجيوسياسي مع بكين.

وعليه، وجَّه اعتقال “مادورو” من ناحية، والسيطرة اللاحقة على أصول نفطية وبحرية مرتبطة بفنزويلا من ناحية ثانية، وتحويل مسارات صادرات فنزويلا النفطية من ناحية ثالثة، رسائل سياسية وأمنية متعددة المستويات، استهدفت -في جوهرها- إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية، وتقويض الحضور الصيني المتنامي في المنطقة. وفي هذا الإطار، تجاوزت العملية العسكرية في فنزويلا كونها أزمة سياسية طارئة، لتغدو جزءًا من مقاربة أمريكية شاملة، تكشف عن تحولات إستراتيجية جذرية في مواجهة الصين؛ بالتوازي مع إعادة هندسة شبكات الطاقة، وإضعاف الشراكات الاقتصادية المنافسة، وإعادة توجيه التدفقات التجارية والمالية بما يخدم المصالح الأمريكية.

أولًا: “القرصنة البحرية” الأمريكية.

كشفت الممارسات الأمريكية الأخيرة تجاه فنزويلا عن تبني واشنطن لإستراتيجية أشمل لإعادة ترسيخ هيمنتها في المنطقة واحتواء التمدد الصيني المتنامي في أمريكا اللاتينية من خلال أدوات ومجالات عدة. وفي هذا الإطار، يبرز البعد البحري بوصفه أداةً مركزية في تلك الإستراتيجية، وهو ما تجلى في: توظيف آليات الحصار، واعتراض السفن، والاستيلاء على الناقلات في المياه الدولية أو الإقليمية، في ممارسات وصفها “مادورو” بأنها “قرصنة بحرية إجرامية” في منطقة البحر الكاريبي، في إشارة إلى ما اعتبره انتهاكًا لمبادئ حرية الملاحة والقانون الدولي للبحار.

وفي هذا السياق، كثفت الولايات المتحدة من عملياتها البحرية تحت ذريعة تنفيذ نظام العقوبات ومكافحة الاتِّجار غير المشروع؛ حيث تكرر احتجازها لناقلات نفط وحمولاتها بالقرب من المياه الفنزويلية بدعوى مخالفتها للقيود المفروضة، وذلك بقيادة خفر السواحل الأمريكي، ما يُظهر طابعها العسكري الخالص، وهو ما أكدته بعض التسجيلات المصورة التي أظهرت قوات مسلحة وهي تقوم بعمليات إنزال جوي سريع على متن السفن المستهدفة. وقد اكتسبت تلك الإجراءات بُعدًا إستراتيجيًّا إضافيًّا في ضوء تقارير صادرة عن بعض لجان مجلس النواب الأمريكي المعنية بالمنافسة مع الصين، والتي أشارت إلى وجود روابط مباشرة بين بعض الناقلات المحتجزة وشركات أو شبكات مرتبطة ببكين، فضلًا عن اتهامات باستخدام أنظمة تتبع خادعة للالتفاف على الرقابة الدولية([1]).

وتعكس تلك الممارسات تصاعدًا في توظيف المجال البحري كفضاء رئيسٍ للصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين؛ فلم تقتصر العمليات الأمريكية على معاقبة فنزويلا اقتصاديًّا، بل هدفت أيضًا إلى تعطيل خطوط الإمداد والطاقة المرتبطة بالمصالح الصينية، وإرسال رسائل ردعية مباشرة إلى بكين بشأن حدود تمددها في “الفناء الخلفي” التقليدي لواشنطن، واستعادة التفوق الأمريكي في المجالين (البري، والبحري) وتأمين الممرات الإستراتيجية، وتقليص النفوذين (الصيني، والروسي) في المنطقة. وتحت غطاء مكافحة تهريب المخدرات والجريمة العابرة للحدود، واصلت الولايات المتحدة تعزيز حضورها العسكري في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، من خلال نشر حاملات طائرات ومدمرات ومقاتلات متقدمة، ونفذت عشرات العمليات الهجومية في المياه الدولية. ويُفهم هذا الانتشار بوصفه جزءًا من إستراتيجية ردع مركبة، جمعت بين الضغط (العسكري، والاقتصادي، والبحري) واستهدفت بالأساس شبكات التجارة والطاقة، التي تشكل إحدى ركائز النفوذ الصيني في المنطقة.

ويشير ما سبق إلى أن الساحة البحرية في أمريكا اللاتينية باتت أحد المحاور الرئيسة للتنافس الإستراتيجي المحتدم بين واشنطن وبكين؛ حيث تسعى الأولى إلى إعادة هندسة المجال الجيوسياسي الإقليمي عبر أدوات الحصار البحري، والتحكم في تدفقات الطاقة والتجارة، فيما تعمل الثانية على ترسيخ حضورها من خلال الاستثمارات والتمويل والتعاون العسكري المحدود. وعليه، يمكن القول إن السياسات الأمريكية تجاه فنزويلا لا تُفهم بمعزل عن إستراتيجية الاحتواء البحري الأوسع الموجهة ضد الصين، والتي تقوم على توظيف العقوبات والقوة البحرية لإعادة فرض السيطرة على الممرات الحيوية، وتقييد حركة الشركاء المرتبطين ببكين. ويمثل هذا النمط من “عسكرة المجال البحري” -إن جاز التعبير- أحد أبرز مظاهر التحول في أدوات الصراع الدولي المعاصر؛ حيث تُستبدل المواجهة المباشرة بأساليب ضغط مركبة تُعيد تعريف مفهومي (السيادة، وحرية الملاحة) في النظام الدولي([2]).

ثانيًا: التحول من الضغط المتدرج إلى التدخل العسكري المباشر.

شكَّل اعتقال “مادورو” تحولًا نوعيًّا في السياسة الخارجية الأمريكية؛ إذ عكس انتقال واشنطن من سياسة الضغط المتدرج إلى التدخل العسكري المباشر، في سياق دولي يتسم بتصاعد الاستقطاب بين القوى الكبرى من ناحية، وفي ظل تراجع فاعلية الضوابط التقليدية الحاكمة لسلوكها من ناحية ثانية. وقد برر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” تلك العملية بإحياء مبدأ “مونرو” بصيغته المُعدَّلة، المعروفة بـاسم “وثيقة دونرو” التي تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي ومنع تمدد القوى المنافسة، ولا سيما الصين. وقد انعكس هذا التوجه في إستراتيجية الأمن القومي التي أتاحت التدخل في أمريكا اللاتينية لحماية الأصول الإستراتيجية ومواجهة التهديدات الأمنية، مع تبني خطاب أقل حدة تجاه بكين مقارنة بالمراحل السابقة.

ولا يقتصر اعتقال “مادورو” على كونه إجراءً ردعيًّا موجهًا للأنظمة الإقليمية، بل يمثل أيضًا محاولة لإعادة تأكيد النفوذ الأمريكي وإعادة صياغة التوازنات الإستراتيجية في المنطقة. وقد أكدت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي وإجراءات واشنطن اللاحقة ذلك التوجه الرامي إلى استبعاد القوى المناوئة عن محيطها الإقليمي المباشر؛ لتعكس تلك التطورات انتقال الولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة من توظيف القوة لإسقاط الأنظمة وإعادة تشكيل البيئات الإقليمية في ظل سعي واشنطن لإعادة توزيع أولوياتها الإستراتيجية بما يعزز حضورها في محيطها الجغرافي الحيوي.([3])

فقد كان من بين الأهداف الرئيسة للعملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا توجيه رسالة إستراتيجية واضحة إلى الصين مفادها ضرورة الابتعاد عن المجال الجيوسياسي للأمريكتين. فعلى مدى العقدين الماضيين، سعت بكين إلى ترسيخ نفوذها في أمريكا اللاتينية، ليس فقط من خلال توسيع حضورها الاقتصادي، بل أيضًا عبر بناء موطئ قدم إستراتيجي في محيط أقرب منافسيها الدوليين، وقد مثَّل تغلغل النفوذ الصيني في المنطقة مصدرَ قلق متزايد للإدارات الأمريكية المتعاقبة بما في ذلك إدارة “ترامب”. وفي هذا السياق، استهدفت العملية ضد “مادورو” تقويض الطموحات الصينية، وإنهاء استفادة بكين من آليات الديون مقابل النفط بأسعار تفضيلية. وقد عبر “ترامب” بوضوح عن هذا التوجه من خلال تصريحاته الرافضة للوجود الصيني، بل والروسي في نصف الكرة الغربي، مؤكدًا استعداد بلاده لتزويد الصين باحتياجاتها النفطية من مصادر بديلة. كما شكل نجاح العملية العسكرية في فنزويلا ضربة مباشرة لمصالح الصين وهيبتها الإقليمية، خاصة في ظل تعطيل أنظمة دفاع جوي وفرتها بكين وموسكو، وتحويل مسارات صادرات النفط الفنزويلي نحو السوق الأمريكية.

في المحصلة، تعكس تلك التطورات تحولًا جوهريًّا في المقاربة الأمريكية تجاه الصين في نصف الكرة الغربي، من التركيز على أطر القانون الدولي والتعددية إلى تبنِّي منطق “مناطق النفوذ الصلبة” إن جاز التعبير، كما تشير أيضًا إلى إعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية الأمريكية بما يهدف إلى احتواء التمدد الصيني وإعادة ترسيخ الهيمنة الإقليمية في الأمريكتين، رغم التحذيرات من أن استمرار عدم الاستقرار في فنزويلا قد يتيح لبكين فرصًا مستقبلية لإعادة توسيع نفوذها([4]).

ثالثًا: تقويض المصالح الاقتصادية الصينية.

يمكن الدفع بأن العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا هدفت -في جانب منها- إلى استعراض قوة الولايات المتحدة في المنطقة من ناحية، وحصار مصالح الصين في أمريكا اللاتينية من ناحية ثانية([5])؛ إذ تتمتع الصين ودول أمريكا اللاتينية بعلاقات اقتصادية قوية في ظل انخراط الصين وبقوة في مشروعات البنية التحتية من ناحية، وحاجة الصين المتنامية إلى الموارد الطبيعية، مثل: النحاس، والليثيوم، المتوفرة بكثرة في القارة اللاتينية من ناحية ثانية. وعليه، تتمتع الصين بحضور قوي في مجال التعدين في بيرو، كما افتتحت شركة “كوسكو”  الصينية (المملوكة للدولة) مؤخرًا ميناء “تشانكاي” في بيرو أيضًا. وبشكل عام، أصبحت الصين ثاني أكبر شريك تجاري في القارة اللاتينية بعد الولايات المتحدة([6]).

وعلى صعيد فنزويلا، ووفقًا لتصنيف “ستاندرد آند بورز غلوبال”، تُعد الصين الوجهة الرئيسة لصادرات النفط الخام الفنزويلية؛ حيث استثمرت شركات صينية -معظمها مملوكة للدولة- 4.8 مليار دولار في فنزويلا على مدى العقدين الماضيين. وخلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق “هوجو تشافيز”، ركزت الصين على مشروعات الطاقة، وتمتلك شركة النفط الوطنية الصينية العملاقة المملوكة للدولة “بتروليوس دي فنزويلا” مشروعات مشتركة مع نظيرتها الفنزويلية، كما أعلنت شركة “تشاينا كونكورد ريسورسز” الخاصة عن خطط لاستثمار أكثر من مليار دولار في مشروع فنزويلي يهدف إلى إنتاج 60 ألف برميل من النفط الخام يوميًّا بنهاية عام 2026([7]).

بيد أن الاستثمارات الصينية في فنزويلا تجاوزت بكثير قطاع الطاقة إلى حد وصف العلاقات الثنائية بالشراكة الإستراتيجية الشاملة؛ إذ تُعد فنزويلا حليفًا دبلوماسيًّا رئيسًا لبكين في المنطقة، وإن كانت مدينة لها بحوالي 20 مليار دولار بموجب عقود نفط لم يتم الوفاء بها. فلم تستثمر الصين في النفط الفنزويلي فحسب، بل استثمرت أيضًا في الاتصالات السلكية واللاسلكية والقطاعات الإستراتيجية الأخرى([8])، كما باعت الصين أسلحة لفنزويلا بقيمة 615 مليون دولار (526 مليون يورو) بين عامي (2009 و2019)، كما قدمت الصين لفنزويلا قروضًا تُقدر بمليارات الدولارات. ووفقًا لتقديرات مركز الأبحاث الأمريكي (AidData)، تبلغ إجمالي القروض الصينية لفنزويلا نحو 105.5 مليار دولار، منها ما يتراوح بين (17-19) مليار دولار قروضًا مستحقة من برنامج “النفط مقابل القروض” التابع لبنك التنمية الصيني، كما قدمت المؤسسات المالية الصينية ما يقدر بنحو 303 مليارات دولار لمختلف دول المنطقة بين عامي (2000 و2023) وهو ما يفوق بكثير حجم قروض المؤسسات الأمريكية([9]).

وبحلول عام 2013، كانت الصين هي أولى وأكبر الدول إقراضًا لفنزويلا، وفي المقابل باتت هي المتلقي الأكبر للغالبية العظمى من النفط الفنزويلي. وبحلول عام 2024، نمت التجارة الصينية مع المنطقة إلى مستوى قياسي بلغ 518 مليار دولار، وتوقع بعض الاقتصاديين أنها قد تتجاوز 700 مليار دولار بحلول عام 2035. وفي اجتماع عام 2025، لمنتدى الصين- مجموعة دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهي هيئة تقودها بكين وتجمع 33 دولة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي- أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينج” عن خط ائتمان جديد يزيد على 9 مليارات دولار للمنطقة. وقد كان من المقرر اعتماد العملة الصينية لتلك التعاملات، ما يدل على جهود بكين لتحويل برامج الإقراض الدولي بعيدًا عن الدولار الأمريكي.

وتتأسس المصالح السابقة على رؤية صينية مفادها أن أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ليست “الفناء الخلفي” لأحد، وهو ما يجد جذوره فيما يُعرف باسم ورقة السياسة الثالثة للصين بشأن أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي التي تُعرَّف رسميًّا على أنها “خارطة طريق” و”دليل إرشادي” لعلاقات الصين مع المنطقة؛ إذ تتعهد مرارًا وتكرارًا بمعارضة “الهيمنة” و”السلوك الأحادي” و”سياسات القوة”، هذا إلى جانب الدفاع عن العدالة والإنصاف الدوليين ودعم النظام التجاري متعدد الأطراف، وحماية استقرار سلاسل التوريد العالمية. كما تتكرر إشارتها إلى أهمية وضرورة “توجيه العولمة الاقتصادية نحو الاتجاه الصحيح”([10]).

ورغم تأكيد الصين على استمرار شراكاتها مع دول المنطقة، فإن العملية كشفت محدودية قدرتها على حماية حلفائها وأصولها الإستراتيجية عندما تصاعدت الضغوط الأمريكية. كما عززت تلك التطورات إدراك بعض شركاء بكين في أمريكا اللاتينية لقيود المظلة الصينية في مواجهة القوة الأمريكية المباشرة، فقد اكتفت الصين بالتنديد بالعملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا؛ لكونها انتهاك صريح لمبادئ القانون الدولي وسيادة فنزويلا([11])، معتبرةً إياها أعمالًا استفزازية نموذجية، وتجسيدًا لسياسة الهيمنة الأحادية تحت شعار “أمريكا أولًا”، ووسيلة غير مشروعة للسيطرة على الموارد النفطية الفنزويلية، واستخدامًا سافرًا للقوة ضد دولة ذات سيادة([12]). وبالتوازي لذلك، دعت الصين دول الإقليم إلى تعزيز التضامن والتنسيق لمواجهة التحولات المتسارعة في النظام الدولي. ورغم الطابع الرمزي لغضبها المعلن، سعت الصين إلى توظيف تلك الأزمة لتعزيز صورتها بوصفها قوة عالمية مسؤولة، تهدف إلى حماية مصالحها الاقتصادية، ولا سيما استثماراتها النفطية والمالية في فنزويلا؛ ضمانًا لاسترداد مستحقاتها المالية واستمرار تدفق النفط Top of Form([13]).

رابعًا: تشديد الحسابات الأمنية للصين.

لم تكترث الولايات المتحدة بتداعيات ما يمكن تسميته “المنعطف غير الليبرالي” الذي اتخذته في سياساتها الخارجية، وهو المنعطف الذي يحيد بها عن النظام القائم على القواعد، ويوجهها صوب استعراض القوة الغاشمة، في ظل تآكل القانون الدولي وتراجع أهمية الأعراف الدولية، وهو ما يدفع المحللين الصينيين إلى تحديث تقييماتهم للقدرات العسكرية الأمريكية من ناحية، وتقييم مدى استعداد “ترامب” لنشرها من ناحية ثانية. ولعل تلك التقييمات تدور حول حقيقة مفادها أن التفوق الأمريكي الكاسح في مواجهة خصم أضعف هو ما سمح لواشنطن بتنفيذ عمليتها العسكرية في فنزويلا، وهو ما يعني انعدام احتمالات إعمال الأداة العسكرية في مواجهة الصين. وإن استخلصت الأخيرة أن النظام الدولي الراهن -حيث تتبنى القوى الكبرى مبدأ “القوة تصنع الصواب”- يدفع الصين إلى إعطاء الأولوية إلى تعظيم القوة ورفع جاهزيتها، ويُعمِّق التنافس والصراع بين الصين والولايات المتحدة.

وبعبارة ثانية، تكشف طريقة تعامل الولايات المتحدة مع فنزويلا، والتي قوضت -إلى حد كبير- المصالح الصينية المباشرة وغير المباشرة عن تحول لافت في نمط إدارتها للتنافس الإستراتيجي مع بكين؛ فقد عكست تلك المقاربة استعدادًا متزايدًا لدى واشنطن لاستخدام أدوات القوة الصلبة في مناطق تُعد تقليديًّا ضمن نطاق نفوذها، دون إيلاء اعتبار يُذكر لتداعيات ذلك على التوازنات مع القوى الكبرى المنافسة. ويُنظر إلى هذا السلوك في بكين بوصفه مؤشرًا على تراجع القيود السياسية والمعيارية التي كانت تكبح جماح التدخلات الأمريكية، الأمر الذي يدفع القيادة الصينية إلى تشديد حساباتها الأمنية، وإعادة تقييم افتراضاتها السابقة بشأن حدود استخدامات القوة العسكرية الأمريكية.

وفي هذا السياق، يكتسب ملف تايوان أهمية مركزية في التفكير الإستراتيجي الصيني؛ فقد شهدت السياسة الصينية تجاه تايوان تحولًا تدريجًا من التركيز على منع الاستقلال الرسمي إلى السعي النشط نحو تحقيق التوحيد. وعلى الرغم من تكثيف الاستعدادات العسكرية، تظل ردود الأفعال الدولية عنصرًا حاسمًا في حسابات بكين، التي لا تعتبر أي تحرك عسكري محتمل تجاه تايوان انتهاكًا للقانون الدولي؛ كونها تنظر إلى القضية بوصفها شأنًا داخليًّا سياديًّا. غير أن ردود أفعال المجتمع الدولي تجاه التدخل الأمريكي في فنزويلا من شأنها أن تعزز قناعة صانعي القرار الصينيين بأن اللجوء إلى أدوات الإكراه في حالة تايوان قد يكون أكثر قابلية للتبرير سياسيًّا مقارنة بالتدخل الأمريكي.

ويمثل الموقف الدولي المحتمل عاملًا محددًا في تشكيل الخيارات العسكرية والسياسية لبكين؛ إذ إن استجابة منسقة وقوية تقودها الولايات المتحدة، وتحظى بدعم قوى رئيسة في الجنوب العالمي، من شأنها أن تفرض على الصين تكاليفَ اقتصادية ودبلوماسية مرتفعة، وتقيد قدرتها على خوض صراع ممتد. وحتى في حال تحقيق نصر عسكري سريع، فإن غياب القبول الدولي سيقوض قدرة بكين على إدارة مرحلة ما بعد النزاع، واحتواء المقاومة الداخلية، والحفاظ على بيئة خارجية مستقرة. ومن ثَمَّ، فإن التوحيد لا يُنظر إليه كغاية عسكرية بحتة، بل كوسيلة لخدمة المشروع الأوسع للتجديد الوطني الذي حدده الرئيس الصيني أفقًا إستراتيجيًّا لعام 2049. والجدير بالذكر -في هذا السياق- أن “بينج” سبق أن أعلن في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني في أكتوبر 2022، أن الصين يجب أن تصبح دولة رائدة على مستوى العالم من حيث القوة الوطنية المركبة والنفوذ الدولي بحلول منتصف القرن([14]).

في المقابل، تراهن واشنطن -في ظل غياب تحالف دولي متماسك قائم على مبادئ مشتركة- على قدرتها على ردع الصين بصورة شبه منفردة. وفي هذا الإطار، يفاقم عدم الاستقرار في فنزويلا ومحيطها الإقليمي من مخاطر تشتيت الموارد والاهتمام الإستراتيجي الأمريكي، بما قد يحد من قدرة الولايات المتحدة على التدخل الحاسم في تايوان عند الضرورة. وقد تفسر بكين هذا النهج بوصفه فرصة لاختبار حدود الالتزام الأمريكي، من خلال استكشاف ما إذا كانت تايوان قابلة للمساومة من عدمه في التصور الإستراتيجي لواشنطن. وفي المقابل، قد تدفع قراءة بديلة للتجربة الفنزويلية القيادة الصينية إلى تبني قدر أكبر من ضبط النفس إن خلصت إلى أن مساعي الولايات المتحدة لإعادة فرض هيمنتها الإقليمية مرشحة لاستنزاف مواردها وتقويض قدرتها التنافسية على المدى الطويل. ومن ثَمَّ، فإن طبيعة الانخراط الصيني المستقبلي في نصف الكرة الغربي قد تمثل مؤشرًا كاشفًا على تقييم بكين لمسار التنافس الدولي، ومدى ثقتها في أن التحولات البنيوية في النظام العالمي تصب في صالحها. وفي المحصلة، يُرجح أن يؤدي هذا المسار إلى تعميق فجوة انعدام الثقة المتبادل حتى في ظل استمرار التفاعلات الاقتصادية والدبلوماسية، كما ستتزايد حدة الخطابات المتشددة، في مقابل تراجع فرص التعاون المستدام. ومع تصاعد النزعات اللاليبرالية والنزعة التبريرية الذاتية في كلا المعسكرين، يرتفع خطر سوء التقدير الإستراتيجي، بما يضاعف احتمالات الانزلاق نحو أزمات كبرى غير مقصودة([15]).

ختامًا، يمكن النظر إلى الحالة الفنزويلية بوصفها نموذجًا عمليًّا لإستراتيجية “الاحتواء المتقدم” التي تستهدف المصالح الصينية خارج نطاقها الإقليمي المباشر؛ إذ لم تكتفِ واشنطن بإضعاف شريك رئيس لبكين في أمريكا اللاتينية، بل سعت -في الوقت ذاته- إلى اختبار قدرة الصين على حماية شبكاتها الاقتصادية والطاقوية العابرة للقارات. وقد أسهم هذا النمط من السلوك في تعزيز إدراك صانعي القرار الصينيين لطبيعة التهديدات غير التقليدية التي قد تواجه مصالحهم الخارجية، ودفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم الأمنية بالربط المتزايد بين أمن الأطراف الجغرافية البعيدة وأمن المجال الإستراتيجي الداخلي وفي مقدمته تايوان. وفي المحصلة النهائية، لا شك أن التنافس الأمريكي-الصيني بات يتجه نحو مستوى أكثر تعقيدًا وتداخلًا، تتقاطع فيه الاعتبارات (العسكرية، والاقتصادية، والقانونية) ضمن إطار صراعي محتدم. وعليه، فإن استمرار توظيف القوة كأداة مركزية لحصار المصالح البعيدة لا يهدد فقط بتعميق الاستقطاب العالمي، بل قد يُفضي كذلك إلى تقويض الأسس التوافقية للنظام الدولي، بما يجعل الأزمات الإقليمية مستقبلًا أكثر قابلية للتحول إلى بؤر مواجهة واسعة النطاق.


([1]) Sim Tze Wei, Has Venezuela become a test of US power — and China’s resolve?, Think China, December 18, 2025, Available at: https://www.thinkchina.sg/politics/has-venezuela-become-test-us-power-and-chinas-resolve, Access date: January 26, 2026.

([2]) I Bid, Electronic resource.

([3]) إسلام المنسي، اختبار المقايضة: حسابات روسيا والصين بشأن الهجوم الأمريكي على فنزويلا، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 13يناير 2026، متاح على: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10730، تاريخ الاطلاع 25 يناير 2026.

([4]) Michael Martina, Trevor Hunnicutt and David Brunnstrom, With Venezuela raid, US tells China to keep away from the Americas, Reuters, January 12, 2026, Available at: https://www.reuters.com/world/china/with-venezuela-raid-us-tells-china-keep-away-americas-2026-01-11/, Access date: January 28, 2026.

([5]) Yuchen Li, Maduro’s downfall deals China new cards in US rivalry, Deutsche Welle, January 8, 2026, Available at: https://www.dw.com/en/maduros-downfall-deals-china-new-cards-in-us-rivalry/a-75422605, Access date: January 25, 2026.

([6]) Kerry E. Ratigan, How Is China Viewing U.S. Actions in Venezuela – an Affront, an Opportunity, or a Blueprint?, China Global South Project (CGSP), January 19, 2026, Available at: https://chinaglobalsouth.com/analysis/china-us-venezuela-intervention-latin-america/, Access date: January 27, 2026.

([7]) Evelyn Cheng, China decries U.S. action in Venezuela — even as it guards billions at stake, CNBC, January 5, 2026, Available at: https://www.cnbc.com/2026/01/05/china-response-us-venezuela-strike-economic-interests.html, Access date: January 25, 2026.

([8]) Patricio Giusto, What the US Intervention in Venezuela Means for China’s Presence in Latin America, The Diplomat, January 10, 2026, Available at: https://thediplomat.com/2026/01/what-the-us-intervention-in-venezuela-means-for-chinas-presence-in-latin-america/, Access date: January 24, 2026.

([9]) Yuchen Li, Op.cit, Electronic resource.

([10]) James Kynge, Attack on Venezuela highlights growing US–China rivalry in Latin America, Chatham House, January 16, 2026, Available at: https://www.chathamhouse.org/2026/01/attack-venezuela-highlights-growing-us-china-rivalry-latin-america, Access date: January 23, 2026.

([11]) Vanessa Cai, Why China may want to avoid direct confrontation with US after Venezuela raid, SCMP, January 7, 2026, Available at: https://www.scmp.com/news/china/diplomacy/article/3339069/why-china-may-want-avoid-direct-confrontation-us-after-venezuela-raid, Access date: January 25, 2026.

([12]) Cornelia Li, America’s raid on Venezuela reveals the limits of China’s reach, The Economist, January 5, 2026, Available at: https://www.economist.com/china/2026/01/05/americas-raid-on-venezuela-reveals-the-limits-of-chinas-reach, Access date: January 25, 2026.

([13]) Yuchen Li, Op.cit, Electronic resource.

([14]) Liza Tobin and Addis Goldman, How America Can Stop Getting Played by China Breaking Beijing’s Hold on the Global Economy, Foreign Affairs, January 19, 2026, Available at: https://www.foreignaffairs.com/united-states/how-america-can-stop-getting-played-china, Access date: January 24, 2026.

 ([15])Tong Zhao, The U.S. Venezuela Operation Will Harden China’s Security Calculation, Carnegie Endowment, January 7, 2026, Available at: https://carnegieendowment.org/emissary/2026/01/china-venezuela-taiwan-trump-security?lang=en, Access date: January 23, 2026.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى