تواجه دول العالم (الكبرى، والصغرى، والمتوسطة) معضلة كبرى في هذه الآونة تتعلق بالطريقة المُثلى للتعامل مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، ظهرت هذه المعضلة على نحوٍ أقل حدة في ولايته الأولى (2017-2021)، ثم ما لبثت أن برزت على نحو أشد وأكثر إلحاحًا خلال ولايته الثانية التي بدأت في يناير 2025. وأصل المعضلة لا يكمن فقط في الأسلوب غير المُعتاد الذي يُمارس به “ترامب” السياسة على المسرح العالمي، ولا في طبيعة شخصيته التي أفاض المحللون والمعلقون في بيان أوجه الغرابة فيها، وإنما في القوة الهائلة التي تتمتع بها الولايات المتحدة في العلاقات الدولية المعاصرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
إن هذه القوة –متعددة الأوجه والمجالات- هي التي تجعل من الصعب على أية دولة تقريبًا تجاهل الولايات المتحدة، أو تقليص التعامل معها، وتحمِل الدول وقادتها على اجتراح طريقة أو منهج للتعامل مع “ترامب” على نحوٍ يُجنبهم المخاطر المحتملة، وربما يُساعدهم في جني بعض المكاسب. فقد حدث كثيرًا أن مرَّ على مسرح السياسة العالمية شخصياتٌ حملت سماتٍ من غرابة الأطوار وشذوذ التصرف، على أن تبوؤ شخصية من هذا الصنف سدة الحكم في الدولة العُظمى في عالم اليوم يفرض على الجميع تحدياتٍ غير مسبوقة ظهرت تجلياتها واضحة خلال العام الأول من ولاية ترامب الثانية.
أما جوهر المعضلة على وجه التحديد فيكمن في غياب “القابلية للتنبؤ”، ذلك أن السياسة الدولية تقوم -على حد بعيد- على قدر معقول من إمكانية توقع سلوك الطرف الآخر في حالات مختلفة. وعلى أساس من هذا التوقع تُبنى المواقف والسياسات، وتُصاغ الإستراتيجيات وخطط العمل المستقبلية، ومن دون قدر مناسب من القابلية للتنبؤ تضطرب السياسة ويستحيل رسم إستراتيجية متماسكة تصلح كخطة عمل. هذا بالضبط ما يجعل التعامل مع ترامب مشكلة كبرى؛ فهو جعل من “عدم القابلية للتنبؤ” سمةً مميزة لسياسته ومواقفه، وهو يستخدم إظهار “الجنون” كسلاح فعَّال في إرباك الخصوم، ووضعهم في موضع الدفاع وإجبارهم على إعادة الحسابات.
ولا شك أن غياب القدرة على التنبؤ بسلوك زعيم سياسي تمنحه قدرًا لا يُستهان به من القوة والنفوذ؛ لأنها تربك حسابات الأطراف التي تتعامل معه، وتجعلها دائمًا في شكٍ من أمرها؛ إذ لا يصعب الوقوف على وجه اليقين على رد الفعل المحتمل لـ “ترامب”، وثمة مخاطرة لا يُستهان بها في الرهان على أنه “سيفعل كذا أو كيت، إذا فعلنا نحن كذا أو كيت”. ولا شك أن “ترامب” يتعمد وضع الأطراف الذين يتعامل معهم في هذا الموضع الصعب، وتبدو إستراتيجيته في هذا المجال أقرب إلى النمط المتكرر؛ فهو كثيرًا ما يُلقي بقُنبلة كبرى تُحدث دويًّا هائلًا (كالحديث عن كندا بوصفها الولاية الحادية والخمسين، أو عن الرغبة في ضم جرينلاند، أو استعادة بنما، أو تحويل غزة إلى منتجع سياحي وتهجير سكانها)، وهذه القنبلة تشغل الأطراف وتستهلك طاقتهم، رفضًا وهجومًا واشتباكًا، وتجعلهم في حالٍ من خلل التوازن وعدم القدرة على صياغة إستراتيجية فعَّالة للرد والتعامل، قبل أن يُعيد “ترامب” التموضع وطرح موقف جديد أقل حدة، وبما يُغري بالتفاوض، بينما يقوم في نفس الوقت “بإغراق المجال العام” بدفقة مستمرة من التصريحات المُلتبسة والمتناقضة، بما يزيد من حالة الإرباك والاضطراب.
ولا يعتمد الرئيس الأمريكي في هذه الإستراتيجية على أدائه العلني فحسب، وإنما يسندها بقدرٍ مناسب –يبدو لكاتب السطور محسوبًا وليس عشوائيًا- من الأفعال؛ إذ لا يُمكن القول بأن تهديدات “ترامب” فارغة أو ليست سوى “جعجعة بلا طحن”، لو كان الأمر كذلك لما شكَّل معضلة للدول في التعامل معه. المعضلة أن ترامب ينفذ بالفعل بعضًا من تهديداته (ربما بنسبة تقترب من النصف!)، بما يجعل التنبؤ بسلوكه حيال أية قضية من القضايا مستحيلًا. وفي مجال استخدام القوة العسكرية- على سبيل المثال- قام ترامب خلال العام الأول بتوجيه ضرباتٍ عسكرية في (إيران، ونيجريا، وسوريا، وفنزويلا، واليمن، والعراق، والصومال) ، وبواقع 625 قصف جوي بالطائرات والمسيرات خلال عام 2025. ويُعد استخدام القوة العسكرية هو آخر سُلم الإجراءات العقابية العنيفة في قاموس العلاقات الدولية, وقد قام ترامب من جانبٍ آخر، بتنفيذ الكثير مما توعد به في مجال فرض التعريفات الجمركية التي يعتبرها سلاحًا فعالًا من أسلحة سياسته الخارجية.
ويزيد من حالة الإرباك فيما يخص ترامب، أنه لا يصدر في تصرفاته ومواقفه من اعتبارات أيديولوجية أو عقيدة مُحددة على نحو يُمكن أن يُستخلص منه اتجاهٌ عامٌ لسياساته أو تبين منهج رئيس لعلاقاته الخارجية، وإنما هو يجعل من “عقد الصفقات” عقيدة إستراتيجية، وطريقًا لتنفيذ أهداف السياسة الخارجية، وهو من يعلن ذلك بوضوح من دون مواربة أو تجميل. و”الصفقة” يُمكن عقدها مع العدو والصديق على حدٍ سواء، وهو ما يجعل جميع الأطراف على قدم المساواة تقريبًا في التعامل معه؛ فلا مزية خاصة للأصدقاء والحلفاء، ولا شيء يمنع عقد الصفقات مع الأعداء. وقد بدا هذا النهج واضحًا في كافة تحركاته على الساحة العالمية، لا سيما في المسألة الأوكرانية التي سعى من اليوم الأول إلى تأطير حلها في صورة صفقة تعقدها الولايات المتحدة مع الطرف الأقوى في النزاع (الجانب الروسي)، ويتحمل كلفتها –بطبيعة الحال- الجانب الأضعف (أوكرانيا)، بما يُعيد إلى الأذهان عبارة المؤرخ اليوناني الأشهر “ثيوسيديديس” : “للأقوياء أن يفعلوا ما يحلو لهم، وللضعفاء أن يتحملوا ما يجب عليهم تحمله”.
أزمة الحلفاء:
ليس خافيًا أن معضلة التعاطي مع ترامب تواجه خصوم أمريكا وأصدقاءها على حدٍ سواء، وبرغم ما يبدو عليه الأمر للوهلة الأولى من أن الحلفاء والأصدقاء يواجهون مستوى مخففًا من هذه المعضلة مقارنة بالخصوم والأعداء، إلا أن الواقع العملي أثبت العكس، ذلك أن الخصومة والعداء تكون في الغالب علاقات واضحة في أبعادها وما تُثيره من مشكلات وخلافات، والأصل فيها هو التنافس والتشاحن والصراع. أما علاقة التحالف والصداقة فبرغم كونها تفترض مستوى عاليًا من الثقة والفهم المشترك، إلا أنها غالبًا ما تنطوي على تعقيدات وحسابات مركبة، ويصدق في ذلك وصف رئيس وزراء بريطانيا الأشهر “وينستون تشرشل” من أنه “لا يوجد شيء أسوأ من القتال مع الحلفاء سوى القتال من دونهم!”. بما يُشير إلى التعقيدات المعروفة في التعامل بين الحلفاء من الخلاف حول الالتزامات ومستوى تقاسم الأعباء والتضحيات، وكذا اقتسام المنافع والمغانم.
ويزيد من تعقيد أزمة الحلفاء في التعامل مع ترامب كون علاقة التحالف يُفترض فيها -وكمبدأ عام- أن تنطوي على مستوى أعلى من “القابلية للتنبؤ”، فالحلف العسكري –وهو المرتبة العليا في سُلم علاقات الصداقة بين الدول- يفترض درجة استثنائية من الثقة بين الأطراف، ومن ثم القابلية للتنبؤ بسلوك الطرف الآخر، بل إن هذه الثقة وتلك القابلية للتنبؤ بالسلوك المنتظر في موقف معين هما –في واقع الأمر- جوهر أي حلف عسكري. من ذلك مثلًا، ما تُشير إليه المادة الخامسة من ميثاق حلف الأطلنطي (الناتو) الذي أُنشئ عام 1949، من أن الاعتداء على أي طرف هو بمثابة اعتداء على الأطراف جميعًا، وتُعتبر هذه المادة بالذات هي “روح الحلف” والعروة الوثقى التي تربط كل دولة بباقي الدول الأعضاء، وتمنحها الثقة في أن شركاءها في الحلف سيهبُّون لنجدتها في حال التعرض لتهديد أو اعتداء. وها هنا بالتحديد تكمن أزمة الدول الحلفاء للولايات المتحدة، سواء في إطار الناتو أو في غير ذلك من أشكال الالتزام العسكري (بالذات في الباسيفيك والشرق الأوسط) في التعامل مع ترامب الذي ترتكز إستراتيجيته –كما سلف بيانه- على “انعدام القابلية للتنبؤ” واستحالة التوقع برد فعله المحتمل، فضلًا عن تحلله من الالتزام الأيديولوجي، بما يجعل علاقات التحالف والصداقة في هذه الحالة أشد تعقيدًا بكثير مما هي عليه أصلًا في الأحوال العادية.
وقد ظهر هذا التعقيد واضحًا بالفعل كأبلغ ما يكون في حالة علاقة “ترامب” بالدول الأوروبية، سواء في إطار الناتو أو في إطار الاتحاد الأوروبي؛ فقد حظيت هذه الدول (الحليفة للولايات المتحدة) بأكبر قدرٍ من الانتقاد والتقريع، بما في ذلك التقريع العلني، من جانب ترامب ومسؤولين كِبار في إدارته. وعلى سبيل المثال، فإن “إستراتيجية الأمن القومي” الصادرة عن البيت الأبيض في ديسمبر 2025، تضمنت انتقادات واسعة لما سمته أيديولوجيات كارثية تبناها الأوروبيون إزاء قضايا مُحددة، مثل: التغير المناخي، وانتقدت ما اعتبرته “انمحاء حضاري” لأوروبا؛ بسبب الإهمال في شأن الأمن والدفاع وفتح الباب على مصراعيه أمام الهجرة. وكان ذلك بالضبط هو فحوى الخطاب المُزلزِل الذي أدلى به نائب الرئيس الأمريكي “جي دي فانس” أمام مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير 2025، وكذا الخطاب الذي أدلى به وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” -وإن بصورة مخففة وتصالحية بعض الشيء- أمام نفس المؤتمر في فبراير 2026.
ولم يتوقف الأمرُ عند الخطاب والقول؛ إذ وجدت أوروبا نفسها محل هجوم واستهداف لسياسات ترامب، بداية من التعريفات المتصاعدة، ومرورًا بالمواقف الأمريكية الأقرب إلى روسيا في جهود تسوية الأزمة الأوكرانية، وليس انتهاء بمُطالبة الرئيس الأمريكي بالاستحواذ على أراضٍ تابعة لدولة عضو في الناتو (جرينلاند) بحجة متطلبات الأمن القومي. وأمام هذه التحديات المتزايدة وجدت أوروبا، وهي الحليفة التاريخية للولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، في مرمى نيران ترامب أكثر من أي طرف دولي آخر، بما في ذلك خصوم الولايات المتحدة التقليديين، مثل: الصين، وروسيا.
الإنكار والصبر والاسترضاء:
وفي مواجهة هذا التحدي الصعب في العلاقة الأطلسية، وهي ركيزة الأمن الأوروبية، وجدت أوروبا نفسها أمام عدد من البدائل، وترواحت البدائل المخففة بين الإنكار والصبر والاسترضاء.
أما الإنكار: فيذهب إلى عدم الاعتراف بوجود مشكلة كبيرة في العلاقات على نحو ما يصوره البعض، وقد سارت في بعض الدوائر الأوروبية هذه النغمة التي تذهب إلى تبرير بعض سياسات ترامب بوصفها نوعًا من “القسوة بدافع الحب” Tough Love، ومن ذلك مثلًا دعوة ترامب المتكررة منذ ولايته الأولى للدول الأوروبية لرفع انفاقها الدفاعي كنسبة من الناتج القومي الإجمالي (وصولًا إلى 5% مؤخرًا). فقد فسر بعض الأوروبيين ذلك المسعى بأنه يعكس منطلقاتٍ صحيحة من جانب الرئيس الأمريكي، وأن الأوروبيين أهملوا بالفعل في مسائل الأمن والدفاع، وأن هذا الإهمال هو ما أغرى بوتين بالإقدام على غزو أوكرانيا في فبراير 2022، وأن زيادة الإنفاق الدفاعي هو مصلحة أوروبية في الأساس، بغض النظر عن ضغوط الرئيس الأمريكي.
أما الصبر الإستراتيجي: فيتأسس على تصورٍ بأن ترامب لا يعكس المستقر والدائم في السياسة الأمريكية، وإنما هو “عطب مفاجئ أصاب النظام”، ولن تلبث الأمور أن تعود إلى المسار الصحيح بعد غياب ترامب عن المشهد بانتهاء ولايته الثانية، ذلك أن الروابط الأوروبية الأمريكية تنهض على أساس قوي من الشعور الشعبي المؤيد على الناحيتين، والعلاقات المؤسسية والحزبية المستمرة لعقود. ومن هذا المنطلق، فإن السياسة المُثلى للتعامل مع ترامب هي الصبر وانتظار مغادرته للمشهد السياسي بعد سنوات قليلة.
ولا يخفى أن هذا التصور قد تعرض بدوره لانتقادات كثيرة، فهناك دلائل تُشير إلى أن ترامب ليس انحرافًا مفاجئًا في السياسة الأمريكية، بل هو -بشخصه وسياساته- يعكس تحولاتٍ عميقة في الداخل الأمريكي انعكست على منطلقات السياسة الخارجية ودور أمريكا في العالم. وهنا، فإن ترامب ليس هو من صنع هذه التحولات أو أوجدها من العدم، بل هو عمقها وسرع من بزوغها على السطح، وهي بالتأكيد باقيةٌ بعد رحيله، ولا يصح المراهنة على اختفائها كليًّا بمجرد غيابه عن المشهد.
ويرتبط بذلك أيضًا السياسة الأكثر تفضيلًا، للكثير من الأطراف وليس الأوروبيين وحدهم، في التعامل مع الرئيس الأمريكي، وهي سياسة الاسترضاء، وتذهب هذه السياسة إلى تجنب إغضاب الطرف الأقوى، والتجاوب مع رغباته أملًا في تفادي سياساته العدائية. وللاسترضاء رنينٌ سيء الذكر في السياسة الدولية بوجه عام، والتاريخ الأوروبي على وجه الخصوص؛ إذ يرتبط بمحاولة بريطانيا وفرنسا تجنب عدوانية هتلر عبر التوصل إلى اتفاق معه في ميونخ 1938، يحصل بمقتضاه على أحد أقاليم تشيكوسلوفاكيا. وقد اعتُبر هذا الاتفاق نقطة البداية في الانزلاق نحو الحرب العالمية الثانية؛ إذ فتح شهية هتلر للغزو على نحو أكبر بعدما تيقن من أن الأطراف الأخرى تُعاني ضعفًا قاتلًا وتسعى لتجنب الحرب بأية وسيلة ممكنة.
وقد جربت أوروبا، وغيرها من الأطراف على الساحة العالمية، سياسة الاسترضاء مع ترامب، ومن ذلك مثلًا الاتفاق الذي وقعه الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة في شأن التعريفات الجمركية في يوليو 2025، والذي اعتبُر مجحفًا في حق الجانب الأوروبي إلى حد بعيد. على أن الدافع الرئيس لدى أوروبا في إبرام الاتفاق تمثل في الرغبة بالاحتفاظ بالمظلة الأمنية الأمريكية بأية صورة ممكنة، خاصة في وقت تواجه فيه أوروبا أكبر تهديد لأمنها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية (الغزو الروسي لأوكرانيا). ورأى الأوروبيون أن التماشي مع رغبات ترامب في الجانب الاقتصادي والتجاري، قد يُسهل عليهم استعادة الدور الأمريكي المُساند في حرب أوكرانيا، خاصة بعدما أظهر ترامب ميلًا واضحًا للطرف الروسي ومواقفه، وتخليًا -منذ يناير 2025- عن الإسناد العسكري المُباشر لأوكرانيا، بما أثر بوضوح على التوازن العسكري في الميدان. لقد أراد الأوروبيون استعادة الولايات المتحدة بأي ثمن بعدما أدركوا أن لا سبيل لملء الفجوة التي يخلفها غيابها في أي وقت قريب، ورؤوا أن ترامب يربط بوضوح بين السياستين (التجارية، والأمنية) كأسلوب للحصول على التنازلات في إطار إستراتيجيته المُفضلة، التي تستهدف الوصول إلى “صفقة جيدة” بكل الوسائل الممكنة، فقرروا ممارسة الاسترضاء والاحتواء بدلًا من المواجهة العلنية التي لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
والحال أن سياسات الإنكار والصبر والاسترضاء لم يكن لها من أثرٍ يُذكر في تعديل دفة السياسة الخارجية الأمريكية مع أوروبا، بل أن محصلتها كانت -وكما هو متوقع- مطالبة ترامب بالمزيد من التنازلات، على نحو ما ظهر واضحًا في أزمة “جرينلاند” على ما سيرد بيانه لاحقًا.
إستراتيجية المعاملة بالمثل.
تبنت الصين إستراتيجية مُغايرة في التعامل مع سياسات ترامب، خاصة ما يتعلق بفرض التعريفات؛ إذ كانت قد استخلصت بعض النتائج والعِبر من الحرب التجارية التي خاضتها مع ترامب في ولايته الأولى. وفي مواجهة التعريفات التي فرضها ترامب على الصين والتي وصلت إلى 145% في أبريل 2025، قامت الصين بفرض تعريفات مُضادة وصلت إلى 125%، بل وفرضت قيودًا على صادراتها إلى الولايات المتحدة من المعادن النادرة ذات الأهمية الخاصة في العديد من الصناعات المتقدمة، ومنها: السيارات الكهربائية، والمُعدات العسكرية،… وغيرها. وتُسيطر الصين على 90% من السوق العالمي لمُعالجة هذه المواد.
وسُرعان ما تبين نجاعة هذه الإستراتيجية؛ بسبب الوزن الكبير للصين في الاقتصاد العالمي، وما تنطوي التعريفات المتبادلة والحرب التجارية المفتوحة من ضرر مؤكد على الجانبين (الأمريكي، والصيني) معًا. لقد أظهرت الصين استعدادها لتحمل هذا الألم في مقابل عدم التورط في الاسترضاء بلا حدود أو الرضوخ لسياسات ترامب، فما كان من الرئيس الأمريكي إلا أن قرر التراجع عن التعريفات والتوصل إلى “هدنة” في الحرب التجارية، مع السماح بتصدير الرقائق المتقدمة للصين (وهي حيوية في مجال الذكاء الاصطناعي). وتم التوصل إلى اتفاق في يونيو 2025، بتخفيض التعريفات التجارية الأمريكية المفروضة على البضائع الصينية إلى 30%، وتخفيض التعريفات الصينية المقابلة إلى 10%، مع رفع الصين للحظر على تصدير المعادن النادرة.
وما من شكٍ في أن الكثيرين لم يغِب عنهم أن أسلوب ترامب في التعامل مع الصين يختلف جذريًّا عن طريقة تعاطيه مع أطراف أخرى: كـأوروبا، والبرازيل، وجنوب إفريقيا، بل والهند، التي فرض عليها تعريفات قصوى حتى تتوقف عن استيراد النفط الروسي. وقد استخلص المراقبون من ذلك أن سياسة الاسترضاء لا تُفلح مع منطق ترامب الذي لا يعترف سوى بما لدى الطرف الآخر من “أوراق” (كما عبر من دون مواربة خلال جلسة تقريعٍ علنية للرئيس الأوكراني “زالنسكي” خلال استقباله بالبيت الأبيض في فبراير 2025).
ومن هنا، فقد بدأت تظهر أصوات أخرى، حتى من داخل الناتو، تُنادي بضرورة تبني إستراتيجية مختلفة في التعامل مع الرئيس الأمريكي. وقد عبر رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني” عن هذه الرؤية، على نحو بليغ وثاقب، خلال الكلمة التي ألقاها أمام منتدى دافوس العالمي في يناير 2026؛ إذ استخدم مصطلح “القطيعة” Rapture في الإشارة إلى انتهاء النظام الدولي القائم على القواعد الذي أقامته الولايات المتحدة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وعملت على إسناده وتعزيز ركائزه عبر ثمانين عامًا. عبَّر كارني في كلمته عن ضرورة عدم الرضوخ لسياسات القوة، وضرورة تضافر القوى المتوسطة والصغيرة في مواجهة الأقوياء. وحملت كلماته مدلولًا معينًا؛ لأنها جاءت في خضم أزمة كبرى اجتاحت العلاقة الأطلسية منذ عبر الرئيس الأمريكي عن رغبته في ضم جرينلاند، وعدم استبعاده استخدام الأداة العسكرية لتحقيق هذا الغرض، فيما اعتُبر تهديدًا مباشرًا لتكامل التراب الوطني لواحدة من دول الحلف (الدنمارك)، واعتداء على مبدأ مستقر في العلاقات الدولية وهو السيادة الوطنية.
وفي مواجهة هذا التهديد الخطير، فقد اختار الأوروبيون التعبير عن موقف موحد يرفض دعاوى ضم الولايات المتحدة لجرينلاند، وانضم إلى هذا الموقف بعض القوى الأوروبية الأقرب إلى الولايات المتحدة، سواء من الناحية التاريخية (بريطانيا)، أو من ناحية التقارب السياسي بين الحكومتين (إيطاليا ورئيسة وزرائها “ميلوني”). بل وتحدث الأوروبيون- لأول مرة- عن احتمال اللجوء إلى تفعيل “الميكانيزم المضاد للإكراه” (والذي يتضمن فرض تعريفات أوروبية مُضادة وإجراءات أخرى، ويُسمى بـ “البازوكا” من فرط النظر إليه بوصفه إجراءً عنيفًا). وكان أن تراجع ترامب، خلال منتدى دافوس نفسه، عن مواقفه الأولى القصوى بضم جرينلاند، مُستبعدًا استخدام الأداة العسكرية، واعتبر الكثير من الأوروبيين أن هذا يُمثل نوعًا من الانتصار الذي جاء كنتيجة مباشرة للموقف الأوروبي الموحد في مواجهة الرئيس الأمريكي. وربما كانت العِبرة الأهم لـ “موقعة جرينلاند” هي ترسخ الإدراك بأن الاسترضاء بلا حدود لا ينفع في التعامل كإستراتيجية دائمة، وأن المطلوب هو الوقوف عند خطوط حمراء، يكون واضحًا أنه لا يُمكن التراجع عنها أو التفريط فيها.
خلاصة:
تُعيد الكثير من الدول صياغة إستراتيجياتها في مواجهة سياسة أمريكية أبعد ما تكون عن التقليدية، وأقرب لمنطق الصفقة التجارية منها إلى العمل الدبلوماسي والمؤسسي الممتد الذي عُرفت به عبر عقود. ويفرض الرئيس الأمريكي “ترامب” بأسلوبه غير المتوقع والصادم، تحدياتٍ إضافية على الدول في الوصول إلى الإستراتيجية الأنجع في التعامل معه تجنبًا للخسائر المؤكدة في حالة العداء مع القوة الكبرى في عالم اليوم. وليس هناك ما يُشير إلى أن سياسات الاسترضاء من دون حدود تأتي بنتائج فعَّالة في أي موقف دبلوماسي، ناهينا عن هذا الموقف غير التقليدي مع الرئيس ترامب.
على أن سياسات المواجهة أيضًا لها حدود؛ إذ تعتمد على الوزن الحقيقي وأوراق الضغط التي يملكها الطرف الذي يُمارسها. وخلال عام 2025، ظهر واضحًا حجم الانكشاف الأوروبي أمام التهديدات الأمنية، لا سيما في الحرب الأوكرانية، وظهر أن الإسناد الأمريكي العسكري (خاصة في مجال الاستخبارات والاستطلاع وما يُسمى بـ “Real-time data”) لا يُمكن تعويضه أوروبيًّا، وغاية ما فعلته أوروبا هو إنشاء “ميكانيزم” معين لتمويل المشتريات العسكرية الأمريكية، وبحيث تقوم بتمويل التسليح الأمريكي لأوكرانيا، كما رضخت لمطالبات الجانب الأمريكي بتكثيف الاستثمار الأوروبي في شركات التصنيع العسكري الأمريكي. وقد صار واضحًا للجميع أن أوروبا لا تمتلك قاعدة صناعية عسكرية، وأن مثل هذه القاعدة -فضلًا عن الجاهزية العسكرية للمجتمعات الأوروبية- لن تكون حاضرة قبل وقت طويل، يُقدره البعض بعقدٍ من الزمان. ومن هنا، تبدو أفكار كتلك التي يطرحها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” عن “الاستقلالية الإستراتيجية”، أو تلك التي قال بها رئيس الوزراء الكندي حول تحالف القوى المتوسطة والصغيرة في مواجهة الأقوياء_ خالية من المضمون الفعلي، ونظرية أكثر منها عملية في الوقت الآني.
والحال أنه يصعب تصور إستراتيجية ثابتة وجامدة في التعامل مع الرئيس الأمريكي ونهجه الاستثنائي في ممارسة السياسة الخارجية. وسيكون على الدول تنويع إستراتيجياتها بين الاسترضاء حينًا، والتحوط حينًا آخر، ومن ذلك الانفتاح على حلفاء آخرين على ما فعلت دول أوروبية، مثل: بريطانيا، بتعزيز العلاقات مع الصين، أو كما فعل الاتحاد الأوروبي بإنفاذ اتفاقيات مؤجلة ظل التفاوض حولها يُراوح عقودًا مع كل من (الهند، ودول الميركسور). كما ستحتاج الدول إلى الدخول في ائتلافات مؤقتة لغرض بعينه، كتقليل الضرر الواقع من إجراءات عقابية أمريكية. وفي أحيان معينة، لن يكون هناك بديل عن التمسك بالخطوط الحمراء، على نحو ما فعلت مصر والدول العربية فيما يخص رفض تهجير الفلسطينيين من غزة عندما طرحه الرئيس الأمريكي كبديل مفضل لديه في بداية ولايته أو كما فعلت الدول الأوروبية في شأن جرينلاند. ففي مواجهة دبلوماسية مرنة مُـتحللة من الأيديولوجيا والقواعد المُتعارف عليها، تحتاج الدول أيضًا إلى شحذ الخيال الدبلوماسي والتحلي بقدرٍ هائل من المرونة في الحركة واختيار الدبلوماسية الأنسب للتعامل مع كل موقف، وعلى أساس حالة بحالة، عِوضًا عن تبني إستراتيجيات طويلة الأجل أو سياسات راسخة لا تتغير.




