2025العدد 204ملف دولى

هل أضعفت سياسة ترامب مكانة الاتحاد الأوروبي باعتباره كيانًا جيوسياسيًّا مؤثرًا؟

في عهد الرئيس ترامب لم نعد، كالسابق، نكرر استخدام مصطلح “الإدارة الأمريكية” أو “السياسة الخارجية الأمريكية” وإنما “سياسة ترامب” كما هو في العنوان، أو مستشارو ترامب أو إدارة ترامب. اختزلت الإدارة الأمريكية والسياسة الأمريكية في شخص الرئيس ترامب، وأصبحنا نتحدث عن “التيار الترامبي” أو الظاهرة الترامبية، وهي خليط من نسبة عالية من الشعبوية ونسبة قليلة من الديكتاتورية في وعاء ديمقراطي، وأقصد بلد الولايات المتحدة الأمريكية.

لم نبالغ في وصف خلطة سياسة ترامب (شعبوية، وديكتاتورية): التظاهرات الشعبية، التي ضمت آلاف الأمريكيين وفي مئات المدن، بتاريخ 18/10/2025، تحت شعار “لا ملوك” (No Kings) هي احتجاج على تركيز السلطة في يد إدارة ترامب، رسالة مباشرة إلى رئيسٍ يقول المحتجون إنه يرى نفسه “فوق القانون”. تظاهرات ضمت مختلف فئات المجتمع، اعتبر المتظاهرون أن سياسات البيت الأبيض في مجالات (الهجرة، والميزانية، وتقييد حق التصويت) علامات على استبدادٍ زاحف يهدد روح النظام الجمهوري. ويرى المحللون أن هذه الموجة الجديدة من الاحتجاجات تعبِّر عن تشكُّل حركة مدنية تسعى لمواجهة تآكل المؤسسات الديمقراطية.

شواهد أخرى على وصفنا لسياسة ترامب (خليط من الشعبوية والديكتاتورية) هي آراء وتحليلات نخب فكرية وصحفية ودبلوماسية. وأستشهد هنا، على ما أقول، بالكتاب الذي أصدره عام 2019 السفير “ويليام بيرنز” رئيس الـ CIA السابق، وعنوانه “القناة الخلفية” (The Back Channel)، والذي انتقد فيه حالة التردِّي الدبلوماسي والسياسي التي وصلت إليها أمريكا في العهد الأول للرئيس ترامب للفترة من (2017-2021)، ويستنتج القارئ عند مطالعته الكتاب أن ترامب لا يؤمن بالدبلوماسية ولا بالقوانين الدولية، ويميل إلى سياسة القرارات الارتجالية والمواقف غير المتوقعة. وقرارات ترامب تجاه منظمات كـالأونروا ودولٍ وقضاة دوليين وحقوق وسيادة شعوب، والتي اتخذها في عهده الأول وعهده الحالي، هي مصداقٌ للوصف والموصوف.

سياسة الرئيس ترامب، اليوم وفي دورته الرئاسية الثانية، ما هي إلا امتدادٌ زمني وموضوعي لدورته الرئاسية الأولى التي ابتدأت عام 2017، وبداية الرئاسة “الترامبية” انتقلت سياسة أمريكا من طورها الكلاسيكي إلى طورها “الترامبي” إن صحَّ التعبير. فرقٌ كبير، ملموس لدى كل متابع، بين الطورين: الطور الكلاسيكي أو النهج الكلاسيكي في السياسة الأمريكية والقائم على شعارات ترويجية وتسويقية، وغالبًا ما يكون هدفها الخداع والتضليل، مثل: “القوة الناعمة”، “الدبلوماسية”، “أمن واستقرار المنطقة”، “حقوق الإنسان والديمقراطية”… إلخ،  والطور أو النهج الترامبي في السياسة الخارجية والقائم على خليط من المتناقضات: “السلام بالقوة”، و”التهديد”، و”الوضوح”، و”الصدمة”، و”صعوبة التنبؤ بسلوكية الرئيس ترامب”، و”سرعة واحتكار اتخاذ القرار”.

كانت أمريكا، وفي عهود الرؤساء السابقين لترامب، ولعقود، تدَّعي توظيفها القوة الناعمة في سياستها الخارجية من أجل إحلال الأمن والاستقرار، ولكن عمليًّا لجأت إلى خوض حروب إبان فترات حكم الرؤساء السابقين؛ حيث تم استخدام السلاح والاحتلال، وليس القوة الناعمة، في تسوية النزاعات الدولية وفرض الإرادة الأمريكية. ما فعله الرئيس ترامب هو تخلِّيه عن رفع وتوظيف شعار القوة الناعمة؛ لأنه ليس في نيته شنُّ حرب؛ قد يهدد بالقوة من أجل إحلال السلام، ولكن ليس من أجل شنِّ حرب، هكذا نعتقد ونتمنى أن نكون على صواب.

الرئيس ترامب معتدٌّ كثيرًا، وأكثر من المطلوب، بقدراته وبمواهبه الشعبوية، يعتقد أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية السابقة ومدارسها الفكرية لم تعد صالحة الاستخدام لمواجهة تحديات المستقبل والحفاظ على أمريكا قوية ومهيمنة. لا يوجد في قاموس العمل السياسي للرئيس ترامب مصطلح “القوة الناعمة”، لا شعارًا ولا تطبيقًا، تخلَّى كليًّا عن نظرية القوة الناعمة التي وضع أسسها وأركانها المفكر الأمريكي “جوزيف ناي”، والذي رحل قبل شهور عن عمر يناهز 88 عامًا.

هناك مشتركات أساسية، واختلافات تفصيلية بين سياسة ترامب في عهده الأول (من سنة 2017 إلى 2021) وسياسة ترامب في الوقت الحاضر؛ المشتركات لا تخرج عن شخص ترامب، سلوكه، مزاجه، تقلباته، التي تصنع منه شخصية خارجة عن المألوف وغير خاضعة لمعايير وحسابات التنبؤ والتوقع إلا لقرَّاء الكفِّ أو قارئة الفنجان. تصريحات ترامب المتلفزة والصحفية، والمتناقضة أحيانًا، هي خير كاشف لسياسته ولِما يريده، قد تكون تصريحات ومواقف وبيانات مستشاريه أو أحد وزرائه مفيدة ودالَّة، لكن لن تكون للآخرين (حكومات، مؤسسات) مصدر ثقة واطمئنان وتبيانًا لموقف الرئيس ترامب، ما يصدر عنه هو المعوَّل عليه.

من بين المشتركات أيضًا الأولوية لمصلحة إسرائيل وإبرام الصفقات التي تعود بمنفعة لأمريكا فقط. أمَّا الاختلافات، فهي في التفصيلات التي تفرضها تجدُّد وتبدُّل الأحداث والوقائع، وما أكثرها وأعقدها في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط. وإزاء هذه التفصيلات، التي تشكِّل الوعاء للسياسة الخارجية الأمريكية في جميع روافدها (الاقتصادية، والأمنية، والعسكرية)، نجد سياسة ترامب ترتكز على ثلاثة مقومات: أمريكا أولًا، والسلام بالقوة، والإذعان، وتخطي التشريعات والقوانين الدولية التي يراها الرئيس ترامب عائقًا ومعرقلًا لقراراته وتوجهاته.

المقوم الأول: أمريكا أولًا.

تبنَّاه وطبَّقه الرئيس ترامب في عهده الأول، وحقق نتائج ملموسة سواء على صعيد الاقتصاد والاستثمار والبطالة أو على صعيد ترجيح مصالح أمريكا الخارجية. ومن أهم مصالح أمريكا الخارجية والإستراتيجية (مصلحة إسرائيل)، التي حظيت برعاية وعناية الرئيس ترامب؛ حيث اعترف لها بالقدس عاصمة، وبضمِّها للجولان، وبالسلام الإبراهيمي، وتشجيع دول عربية على التطبيع مع إسرائيل، وغيرها.

المبدأ الثاني: السلام بالقوة.

وهو باكورة مشوار عهده الثاني، ويقصد به إنهاء الحروب في الشرق الأوسط (لبنان، وغزة)، والضغط على إيران بما يضمن مصالح إسرائيل ومصلحة ترامب، وإنهاء الحرب في أوكرانيا بما يضمن مصلحة أمريكا. كان للرئيس ترامب مصلحة في إنهاء حرب الإبادة في غزة؛ حيث تابع وشاهد ردود فعل الجامعات الأمريكية والشعب الأمريكي والرأي العام الدولي المناهض للجرائم التي ارتكبتها إسرائيل، وراهن في حملته الانتخابية بالتزامه أمام الرأي العام الأمريكي بإنهاء هذه الحرب عند فوزه. وهو يرى أن لإسرائيل مصلحة في نهاية الحرب التي كلَّفت إسرائيل وأمريكا والغرب ثمنًا باهظًا في كل شيء، وفضحتهم بزيف التزاماتهم وادعاءاتهم بحقوق الإنسان والقيم الإنسانية والعدالة والحرية. السلام بالقوة عند الرئيس ترامب لا يعني ذلك على حساب مصلحة إسرائيل، بل العكس؛ من أجل مصلحة إسرائيل. السلام بالقوة عند الرئيس ترامب لا يعني سلامًا عادلًا ودائمًا، بل يعني سلامًا على حساب مصلحة الشعب الفلسطيني وحقوقه، وعلى حساب حقوق وسيادة بعض دول المنطقة كسوريا (الجولان)، ولبنان، والأردن. السلام بالقوة يعني سلامًا يضمن هيمنة إسرائيل في المنطقة، وهذا هو الهدف الإستراتيجي لأمريكا في المنطقة. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن معيار سياسة أمريكا في المنطقة وعلاقاتها بدولها هو مصلحة إسرائيل.

المبدأ الثالث: التهديد والإذعان.

حيث يتوجه الرئيس ترامب إلى الجميع، وخاصة إلى حلفائه وأصدقائه، بالتهديد وبانتظار إذعانهم لمطالبه، أصبح حلفاء وأصدقاء ترامب يخشونه أكثر مما يخشاه خصومه وأعداؤه. ومن الملاحظ أيضًا على سياسة الرئيس ترامب، أنه حذرٌ من الأقوياء (الخصوم والأعداء: الصين، روسيا، إيران)، وقويٌّ ويشترط على الضعفاء والأصدقاء والحلفاء، ومن بين هؤلاء الحلفاء الأوروبيون كدول وكاتحاد أوروبي وكأعضاء في حلف الناتو.

وهذا ما ينقلنا إلى الإجابة عن سؤال عنوان الدراسة: “هل أضعفت سياسة ترامب الاتحاد الأوروبي ككيان جيوسياسي مؤثر؟”

  • نقول، وبصراحة: نعم، سياسة الرئيس ترامب أنهكت أوروبا دولًا واتحادًا وشعوبًا، وجعلت أوروبا في حالة ضعف جيوسياسي.
  • ساهمت سياسة الرئيس ترامب إلى حدٍّ كبير في أن تفقد أوروبا، أو الاتحاد الأوروبي، مساحة كبيرة من دورها وتأثيرها السياسي الدولي، سواء في الملفات الدولية الشائكة أو فيما يجري في عقر دارها أو في نفوذها ومكانتها وهيبتها، خاصة في القارة الإفريقية.

سنذكر الأسباب التي جعلت أوروبا تتأثر إلى هذه الدرجة بسياسة الرئيس ترامب:

السبب الأول: اعتماد أوروبا، ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على أمريكا في جميع الجوانب (سياسيًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا) اعتمادٌ واسع وطويل الأمد جعل من أوروبا تابعًا وليس حليفًا لأمريكا، أو جعلها حليفًا لأمريكا ولكن باتجاه واحد حيث المصلحة الأمريكية. لم يتوقع الأوروبيون أن يأتيهم يوم تكون أحوالهم تحت رحمة سياسة الرئيس ترامب، وغير قادرين على معارضة ما يريده ويطلبه، ولا حتى على المناورة.

اطمئنان وتوكل أوروبا على الأخ الأكبر والحليف الأكبر (أمريكا) أفقدهما الاستقلالية والمناعة في مواجهة التحديات (السياسية، والعسكرية، والاقتصادية) بمفردهما أو بالتحالف أو بالتعاون مع قوى أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية.

السبب الثاني: تعدد وقوة المفاتيح التي بحوزة أمريكا للدخول والتحكم في البيت الأوروبي. بعد الحرب العالمية الثانية قدمت الولايات المتحدة مساعدات مالية ضخمة لأوروبا لإعادة الإعمار من خلال خطة مارشال، ما ربط الاقتصاد الأوروبي بالاقتصاد الأمريكي والدولار، كما أن التفوق الاقتصادي والتكنولوجي الأمريكي جعل أوروبا تعتمد بشكل كبير على الإمكانات والتقنيات الأمريكية، وكذلك الهيمنة الإعلامية والثقافية والفكرية الأمريكية، التي تديرها لوبيات مؤدلجة ومتحكمة على الساحة الأوروبية، ومؤثرة حتى في توجهات السياسة الأمريكية.

السبب الثالث: الانسياق الأوروبي وراء أجندات السياسة الدولية الأمريكية، وانخراط أوروبا (اتحادًا، ودولًا) في تنفيذ هذه الأجندات دون التفكير في تداعيات ذلك على المصالح الإستراتيجية الأوروبية، انسياق وانخراط إلى درجة السذاجة؛ لأنه ببساطة كان أجدر بالأوروبيين اتخاذ الحيطة والحذر تجاه سياسة ترامب منذ عهده الأول عام 2017؛ إذ لم يخفِ عداءه للاتحاد الأوروبي وسعيه لتفكيكه، ولم يتردد في تبني مواقفًا وتصريحات غير ودِّية، بل عدائية تجاه أوروبا والاتحاد، والحرب الدائرة في أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات شاهدةٌ على هذا الانسياق والانخراط.

كيف أضعفت سياسة ترامب الاتحاد الأوروبي ودوله؟

لن أبالغ إن قلت إن سياسة الرئيس ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي مشوبة بعدم الارتياح وبنية الابتزاز، وعندما يكون مصدر عدم الارتياح والابتزاز صديقًا وحليفًا إستراتيجيًّا وهي أمريكا، والأوروبيون في حالة استسلام كامل لهذا الحليف، يصعب عليهم تصديق أو قبول سوء نوايا حليفهم، وسأبيِّن تجليات سوء النوايا والابتزاز.

كان الرئيس ترامب صريحًا وواضحًا، ومنذ عهده الأول، في استيائه وعدائه للاتحاد الأوروبي، وعمل على تفكيكه وإثارة الفتن بين أعضائه والسخرية من قادته، أولم يقل للرئيس الفرنسي ماكرون: “لولا نحن لكنتم الآن تتكلمون الألمانية”، وذلك خلال زيارته لباريس عام 2019 لإحياء ذكرى الحرب العالمية الثانية؟

 سعى الرئيس ترامب إلى إضعاف أوروبا (ماليًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا) بهدف تفكيك الاتحاد، الذي يجده خصمًا ومنافسًا قويًّا ومعارضًا لسياسة ترامب الانعزالية، سعى أيضًا إلى الحيلولة دون استقلال أوروبا وقوتها دولًا واتحادًا، ومن خلال شعار “أمريكا أولًا” إلى بناء المجد الأمريكي على إضعاف الاتحاد الأوروبي وغيرِه. وهو بهذه المساعي يلتقي بتوافق تام وتعاون مع نتنياهو! تعاونٌ على الإثم والعدوان ولا يزال قائمًا وفاعلًا ليس فقط في الملف الأوروبي وإنما في ملفات منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

نتذكر كيف عمل الرئيس ترامب، ومنذ تسلُّمه السلطة عام 2017، على دعم وتشجيع الأحزاب الشعبوية في كل من (إيطاليا، وهنغاريا، وهولندا)، وكيف دعم احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا، كما حرَّض رئيسة الوزراء البريطانية “تيريزا ماي” على الخروج من عضوية الاتحاد الأوروبي دون ترتيبات تجارية، وأغراها باستعداده لتوقيع اتفاق تجاري حر ضخم مع بريطانيا في حال خرجت من أوروبا دون اتفاق. ونتذكر كيف وظَّف ترامب “ستيف بانون” الزعيم اليميني المتطرف، الذي شغل منصب كبير المستشارين الإستراتيجيين؛ لتأسيس منظمة يمينية متطرفة في أوروبا تستهدف الربط (السياسي، والمالي، والاقتصادي) لدول أوروبا.

أما أوجه الابتزاز التي مارسها ويمارسها الرئيس ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي فتتجلى بوضوح من خلال الرسوم الجمركية التي يفرضها على الصناعات الأوروبية، ومن خلال الاتفاقات التجارية التي يبرمها مع الاتحاد الأوروبي، وخير مثال على ذلك: الاتفاق التجاري الموقَّع بين الرئيس ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية بتاريخ 27/6/2025، وهو اتفاق بين طرف في موقف ضعيف (وأقصد الاتحاد الأوروبي) وطرفٍ قوي (وأقصد أمريكا)؛ لأسباب أهمها قدرته على تجاوز المعقول والمنطق. بدت على مُحيَّا من يمثل الطرف الضعيف، وأقصد السيدة “أورسولا”، الابتسامات مصحوبة بالتصفيق، لكن خلف هذا الاتفاق-جوهره-خدعة أدواتها (الجمارك، والاستثمارات، والذكاء الاصطناعي، والطاقة). بموجب هذا الاتفاق تعهَّدت أوروبا بضخ 600 مليار يورو استثمارات على مدار ولاية ترامب الثانية، على شكل مصانع وشركات ومقارٍ رئيسة- باختصار نقل تدرُّجي لقدرات القارة العجوز إلى الداخل الأمريكي، أمريكا ربحت الوظائف والضرائب والهيمنة، بينما تحولت أوروبا إلى مجرد مُنتِج لرأس المال يصب في السوق الأمريكي. وبموجب الاتفاق التزمت أوروبا باستيراد ما مقداره 750 مليار يورو من نفط وغاز وطاقة نووية وشرائح إلكترونية. رفض الرئيس الفرنسي التعليق على الاتفاق، وفُسِّر موقفه بأنه تحفُّظ ضمني على مضمونه.

ومن أوجه الابتزاز أيضًا مطالبة الرئيس ترامب لدول أوروبا، كأعضاء في حلف الناتو، بمشاركة مالية لا تقل عن 5% من ناتجهم القومي، وهم في ظروف اقتصادية سيئة؛ حيث فقدت أغلب الدول الأوروبية النفط والغاز بأسعار زهيدة من روسيا، وستفقد بضائع وسلعًا صينية بأسعار رخيصة من الصين لصالح أمريكا، التي تهددهم بحرمانهم من حمايتها في مواجهة الخطر الروسي.

الحرب في أوكرانيا، التي أضعفت الاتحاد ودوله وشعوبه، هي في الحقيقة حرب على أوروبا، وتستهدف أمن واستقرار واقتصاد وثروة القارة، حرب دخلت عامها الثالث، ويومًا بعد يوم تتوسع وتكبر وتتجلى تداعياتها على كل جوانب الحياة في أوروبا. أصبح العالم الغربي يتحدث اليوم عن بوادر ومؤشرات توسع الحرب وليس عن مؤشرات إنهائها؛ حيث تعيش أوروبا موجة من الهجمات الغامضة والمتعددة الأوجه: طائرات مسيَّرة فوق بولندا، اختراق مقاتلات “ميغ” للأجواء الإستونية، أضرار في الكابلات البحرية في بحر البلطيق، شلل في المطارات بسبب هجمات إلكترونية، وانفجارات مجهولة في مواقع. كذلك خروقات أمنية أخرى في بلجيكا وهولندا لم تُعلنها السلطات الرسمية ولم تتحدث بها الصحافة أو وسائل الإعلام، مثل: العثور على طائرات مسيَّرة مجهولة الهوية في بلجيكا وهولندا.

 لا تشكّل هذه الأحداث سببًا للحرب، لكنها مجتمعة تشير إلى نمط جديد، ما يُطلق عليه “الحرب الرمادية” التي تُشنُّ ضد الناتو، وهي حرب خفية لا تُدار بالجيوش، بل بأدوات هجينة منخفضة الكلفة وقابلة للإنكار، ومن المتوقع استمرارها بوتيرة أسرع. وتكرار رصد طائرات مسيَّرة مجهولة فوق أنحاء مختلفة من أوروبا-حتى بدون أضرار مادية حتى الآن- يشكِّل “نوبة قلق جماعية”، وشعورًا بفقدان الأمن لدى مواطنين اعتادوا على مستويات أعلى من الطمأنينة. لم يُحسم بعد مصدر الطائرات، ولكن، بكل تأكيد، يميل الرأي العام في دول الشمال الأوروبي إلى إرجاع المسؤولية إلى موسكو، هذا الغموض نفسه يضاعف التأثير النفسي ويحوِّل حادثة تقنية إلى أداة ضغط ذهنية وإستراتيجية. الهدف واضح وهو “إثارة القلق” أكثر من شنِّ عدوان؛ استدراج شعور الضعف لدى المدنيين من دون بلوغ عتبة الحرب التقليدية، وكذلك إنهاك تماسك الناتو الداخلي وإضعاف الإرادة السياسية الأوروبية دون تجاوز عتبة المواجهة المباشرة. الرئيس بوتين، بهذه الطريقة، يختبر قوة تماسك وحدة الناتو؛ فإذا فشل أعضاؤه في الردِّ الموحد على التهديدات التدرُّجِيَّة وغير المباشرة، فإن الردع الجماعي سيتفكك.

الحرب في أوكرانيا جعلت أوروبا تتأرجح بين ثلاث مصائب: خوفٍ من روسيا، وعدم ثقة بأمريكا، وتذمُّرٍ من الشعوب الأوروبية بسبب التداعيات الكارثية للحرب في أوكرانيا. الاجتماعات واللقاءات وما يتمخض عنها من قرارات وإجراءات سياسية وعسكرية ونقدية لدعم أوكرانيا أسهمت، حتى اليوم، في استمرار أوكرانيا في القتال؛ تارة صمود وتارة تقهقر، من دون إنجازات حقيقية تشير-من قريب أو بعيد-إلى هزيمة عسكرية لروسيا، بل العكس تمامًا؛ أغلب التقارير العسكرية من الميدان تؤكد إنجازاتٍ للقوات الروسية واستمرارها باحتلال قرى ومدن. حتى على الصعيد السياسي، لم يُخفِ الأوروبيون قلقهم من اتفاق روسي–أمريكي لوقف الحرب على حساب مصالحهم وأمنهم، يدرك الأوروبيون جيدًا أنهم، حتى اليوم، يقاتلون الجيش الروسي المتوغل في أوكرانيا، ولا يقاتلون موسكو أو على الأراضي الروسية.

يعاني الأوروبيون، في مواجهتهم مع روسيا، من تحديات أخرى: انقسامهم تجاه الموقف المطلوب في أوكرانيا ومع روسيا، ليست جميع الدول الأوروبية توافق على وقف استيراد الطاقة من روسيا كليًا وفي الزمن المحدد؛ لم توافق بلجيكا مثلًا على آلية “قرض التعويضات” لاستخدام الأصول الروسية المودعة في مؤسسة يوروكلير البلجيكية، وقد طرح رئيس وزراء بلجيكا شروطًا محددة مقابل موافقته على المشروع. تمثلت مخاوفه في احتمال انتقام روسي إذا طالبت روسيا استعادة أصولها في حالة رفع العقوبات عنها، وأكد أنه لن يتحمَّل وحده التبعات القانونية والمالية. التحدي الآخر هو دعم الصين وغيرِها لروسيا: يأمل الأوروبيون تراجعًا ملموسًا في الموارد والقدرات الروسية التي تموِّل ماكينة الحرب، ولم يتردد قادة الاتحاد الأوروبي في الطلب من الصين، عند لقاءاتهم مع المسؤولين الصينيين، الامتناع عن دعم روسيا عسكريًّا واقتصاديًّا. في البيان الصادر عن اجتماع القادة الأوروبيين بتاريخ 24/10/2025، برئاسة مشتركة بين رئيس وزراء المملكة المتحدة “كير ستارمر” والرئيس الفرنسي والرئيس الأوكراني وآخرين، أكدوا أهمية زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا حتى يتم التوصل إلى سلام عادل ودائم، واتفقوا على اتخاذ خطوات أخرى من أجل إخراج النفط والغاز الروسيين من الأسواق العالمية، وكذلك ردع الدول الثلاثة عن التجارة في الطاقة الروسية.

صراحةً، ما يطمح إليه الأوروبيون هو إيقاف الحرب واتفاق سلام يريدونه “سلامًا عادلًا ودائمًا ويحترم الحدود الدولية”، وهذا ما يكررونه في البيانات الصادرة عن اجتماعاتهم ولقاءاتهم الدورية والاستثنائية. سلامٌ دائم ممكن، ولكن عادل ويحترم الحدود الدولية غير ممكن، كما أعتقد؛ لاسيما والرئيس ترامب على استعداد لمقايضة روسيا بأراضٍ أوكرانية مقابل وقف الحرب واتفاق سلام. واليوم، شروط اتفاق سلام بين أوكرانيا وروسيا بيد روسيا وأمريكا، ويحاول الرئيس الأوكراني وكذلك الأوروبيون أن يحجزوا لهم مقعدًا للحضور في المفاوضات (إن تمت) بين الرئيس بوتين والرئيس ترامب في بودابست. وتجدر الإشارة، ونحن نتحدث عن الاجتماع (والمشكوك في أمره) في بودابست، إلى أن الأوروبيين غير راضين عنه ويتمنون فشله لأسباب جوهرية وشكلية: جوهرية؛ حيث يرون ضرورة أن يكون الاجتماع بين الرئيس الأوكراني والرئيس بوتين برعاية أمريكية؛ وشكلية تتعلق بمكان الاجتماع (بودابست)؛ حيث رئيس دولة أوروبية له علاقات جيدة مع بوتين، الذي سيكون في دولة أوروبية رغم كونه مطلوبًا دوليًّا للعدالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى