في 1934، بدأ تاريخ العرب الكروي مع المونديال حين شاركت مصر لأول مرة في مونديال إيطاليا تلك السنة. وبعد غياب عربي طال 26 سنة، كتب المغرب الفصل الثاني حين شارك في مونديال 1970 في المكسيك، لكن لم يبدأ تاريخ العرب الاجتماعي والاقتصادي مع نفس المونديال إلا حين استضافته الأرجنتين 1978. ففي مونديالي (1934 و1970) كانت المشاركة المصرية أو المغربية مجرد أخبار نشرتها الصحافة ولم يهتم بها معظم المصريين، واعتز المغاربة قليلًا بتعادل منتخبهم مع بلغاريا الذي جاء بالنقطة الأولى للعرب في تاريخ المونديال، ثم تغير كل شيء بداية من مونديال 1978 في الأرجنتين؛ وكان السبب هو التليفزيون، فبعد أن بدأ التليفزيون البث المحدود لمباريات المونديال 1954 في سويسرا، وشاهدها جمهور الكرة في سبعة بلدان فقط، وبعد اختراع أجهزة تسجيل الفيديو، شهد النقل التليفزيوني لمباريات مونديال 1966 في إنجلترا- لأول مرة- تقنية الإعادة، ثم كانت ثورة التليفزيون الكروية حين تم نقل مباريات مونديال المكسيك، لأول مرة للعالم على الهواء مباشرة عبر الأقمار الصناعية تسجيل مباريات مونديال. وقبل أي حديث عن أول مونديال يشاهد العرب مبارياته ووقائعه وتأثير ونتائج ذلك، لابد من التوقف أولًا أمام من قام بإتاحة هذه الفرصة للعرب، وهو اتحاد الإذاعات والتليفزيونات العربية الذي أسسته جامعة الدول العربية في أثناء اجتماع مسؤولي الإذاعة والتليفزيون العرب في الخرطوم 1969، ونجح الاتحاد بعد ذلك في التعاقد مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وشراء حقوق البث التليفزيوني للمونديال لمدة 20 سنة من مونديال الأرجنتين 1978 حتى مونديال فرنسا 1998.
وهكذا شاهد العرب لأول مرة مباريات مونديال 1978 على الهواء ليبدؤوا تاريخهم (الاجتماعي، والاقتصادي) مع المونديال، فأن يقرأ العرب عن مباراة ليس كمثل الفرجة عليها، وأن يعرف العرب نتيجة مباراة ليس كمثل معرفة كيف تحققت هذه النتيجة وأسباب الفوز والخسارة، ولم تكن مجرد فرجة كروية على شاشة تليفزيون إنما بدأ المونديال يتسلل للعقول والبيوت العربية بكل ما يعنيه ذلك؛ فالعرب في 1978 لم يشاهدوا فقط مباريات كرة، لكنهم شاهدوا نجومًا كانوا فقط يقرؤون ويسمعون عنهم، شاهدوا ملاعب كرة بمدرجاتها وجماهيرها، فكان ذلك بداية لأن ينظر العرب كرويًّا لما هو أبعد من حدودهم الجغرافية، ومثلما اكتشفوا أنهم يلعبون كرة تشبه لعبة أخرى يمارسها العالم حولهم وأن هناك خطط وفلسفة كروية جديدة ومدارس مختلفة، اكتشفوا أيضًا أن الكرة الجميلة تحتاج أولًا إلى ملاعب جميلة، وتزداد هذه الملاعب جمالًا بجماهير في مدرجاتها تتعامل مع المباريات باعتبارها نزهة واستمتاعًا وترفيهًا حقيقيًّا وليس مجرد فرجة على اللعب. ولم يكن العرب قبل هذا المونديال قد رأوا أعلام البلدان الكثيرة في المدرجات، وتعلموا كيف بعد ذلك يذهبون لمباريات منتخبهم وهم يحملون أعلام بلدانهم، ورغم أن العرب كانوا يعرفون قبل هذا المونديال أن كرة القدم ليست مجرد لعبة للتسلية والترفيه لكنهم تأكدوا من ذلك في هذا المونديال، ورأوا أيضًا رؤساءً وملوكًا ووزراء ومسؤولين كبارًا يتعاملون بحماس مع منتخبات بلدانهم ونتائجها. وهكذا، لم يكن المونديال الأرجنتيني فقط بداية لأن يشاهد العرب كرة القدم العالمية ويتعلمون منها ومعها الكثير، إنما كان البداية الحقيقية لتغييرات اجتماعية واقتصادية بدأت، بعضها كانت سريعة ومباشرة والبعض الآخر كانت تغييرات احتاجت سنوات لتكتمل مع كل مونديال بعد مونديال الأرجنتين.
وفي نفس هذا المونديال الأرجنتيني، كانت تونس صاحبة المنتخب العربي الوحيد الذي شارك ولعب، ورغم أن مصر والمغرب سبقتا تونس في المشاركة المونديالية لكن تونس كانت الدولة الأولى التي يشاهد العرب منتخبها يلعب مع الكبار في المونديال. وفي بداية درامية للمشاركة التونسية، فاجأ المنتخب التونسي الجميع بالفوز بأولى مبارياته على المكسيك ليصبح أول منتخب عربي يفوز بإحدى مباريات المونديال، ولم تكن فرحة تونسية فقط، إنما فرحة عربية عامة؛ حيث كانت هذه قاعدة عربية جميلة قبل أن تنتقص الكثير منها السوشيال ميديا بعد سنين بحروبها وتعليقاتها. ورغم أن تونس تأهلت للمونديال أصلًا على حساب المغرب ثم مصر، لكن لم تتأثر مشاعر المغاربة والمصريين ولم تقل فرحتهم بانتصار التوانسة، وردد العرب أسماء: عبد المجيد شتالي (المدرب التونسي) والنجوم: طارق دياب، والعقربي، وتميم، وعقيد، وابن عزيزة. وبعد الفوز على المكسيك، خسرت تونس مباراتها الثانية أمام بولندا، لكنها نجحت في التعادل مع ألمانيا الفائزة بمونديال 1974؛ لتغادر المونديال بعد دور المجموعات، وعاد المنتخب التونسي إلى بلده ليستقبله الرئيس الحبيب “بورقيبة”، ويخبر اللاعبين ومدربهم بأنهم أنجزوا مهمة لم يكن يستطيع تحقيقها خمسون سفيرًا، وحكى لاعبو تونس أن أحد أهم عوامل الفوز كان حين دخل عبد المجيد شتالي إليهم بين شوطي المباراة غرفة الملابس يحمل علمًا تونسيًّا كبيرًا وطالبهم بالدفاع عن هذا العلم. ورغم الفرحة العربية بالنتائج وأداء تونسي كان أحد العوامل الأساسية لزيادة حصة إفريقيا إلى منتخبين في كل مونديال، إلا أن العرب بدأوا ينتبهون للمونديال واللعب مع الكبار، ويرون أن الانتصار ولو في مباراة واحدة في أي مونديال يكاد يوازي أو تزيد فرحته عن أي بطولة قارية، وأصبح العرب يرون تونس وقتها الدولة العربية الأقوى كرويًّا، رغم أنها لم تفز أبدًا ببطولة إفريقيا التي فازت بها مصر مرتين والمغرب مرة واحدة، ولم تكن أية دولة عربية قد فازت بعد ببطولة آسيا، وبدأ التعلق العربي بالمونديال والحلم الدائم بالتأهل لنهائياته باعتبار ذلك هو النجاح الكروي الحقيقي الأكبر والأجمل.
وبعد المونديال الأرجنتيني 1978، لم يغب العرب عن المونديال بعد ذلك؛ ففي مونديال 1982 في إسبانيا، كان التأهل الأول للجزائر والكويت، والعراق في مونديال المكسيك 1986، والإمارات في مونديال إيطاليا 1990، والسعودية في مونديال الولايات المتحدة 1994. وبعدما كان المونديال الفرنسي 1998، هو نهاية تعاقد اتحاد الإذاعات والتليفزيونات العربية مع الاتحاد الدولي لكرة القدم، جاء مونديال 2002 في كوريا الجنوبية واليابان كأول مونديال بعد بدء عصر تشفير البث التليفزيوني لكرة القدم وشراء مجموعة “إيه آر تي” لحقوق البث الذي لم يعد مجانيًّا ومتاحًا للجميع، وأدى ذلك لظاهرتين كرويتين جديدتين: الأولى، كانت اقتصادية تخص تجارة الفرجة على كرة القدم، التي أصبحت عبئًا اقتصاديًّا إضافيًّا على بيوت وعائلات عربية كثيرة، خاصة أن بداية التشفير تزامنت مع تعلق العرب بالمونديال ومبارياته وتصفياته ونهائياته، ونتيجة للظاهرة الأولى كانت الظاهرة الثانية، التي هي اجتماعية؛ حيث بدأ كثيرون يتجمعون في مقاهِ مختلف المدن العربية للفرجة على مباريات المونديال، وكانت المرة الأولى التي تتجمع فيها الجماهير العربية الكروية خارج الملاعب. ونتيجة لتحول المقاهي العربية لمدرجات كروية مؤقتة، زادت الحماسة الجماعية؛ حيث أثبت علم النفس أن تشجيع الإنسان الكروي يختلف تمامًا حين يشاهد أية مباراة بمفرده أو يشاهدها وسط زحام الوجوه، ومع الحماسة الجماعية كان هناك صدام واختلاف وجهات النظر والآراء والأحكام بشأن لاعب أو مدرب أو منتخب أو حكم أو نتيجة، وساعد ذلك على مزيد من الثقافة الكروية الجماعية، بعد هذا الانفتاح على اللعبة وأبطالها ونجومها في العالم.
وقبل استكمال الحديث عن حكايات العرب والمونديال والنتائج الاقتصادية والاجتماعية للمشاركات العربية، وقبل التوقف أمام أهم النتائج الإيجابية، يمكن التوقف أولًا أمام نتائج وظواهر سلبية صاحبت المشاركة المونديالية العربية، وأهم تلك النتائج والظواهر كان زيادة الحساسيات العربية (الاجتماعية، والسياسية)؛ بسبب نتائج المونديال، خاصة حين يفشل منتخب عربي في الوصول للنهائيات بعد خسارة مباراة فاصلة أمام منتخب عربي آخر، مثلما الأزمة التي صاحبت فوز الجزائر وخسارة مصر في تصفيات مونديال 2010 في جنوب إفريقيا. ولم تكن الأزمة العربية الوحيدة في التصفيات المونديالية، والحساسية أيضًا حين يلتقى منتخبان عربيان في النهائيات نفسها، وقد حدث ذلك لأول مرة في المونديال الأمريكي 1994، حين أسفرت القرعة عن وقوع منتخبي (المغرب، والسعودية) في مجموعة واحدة، وكانت مباراة المنتخبين معًا هي أول مواجهة عربية في تاريخ المونديال، ورغم فوز السعودية على المغرب، ورغم الحزن والإحباط المغربي الطبيعي والمتوقع مقابل فرحة سعودية كبرى بالتأهل لدور الـ 16 في مشاركتها المونديالية الأولى، إلا أن النتيجة لم تشعل أية حرائق كروية واجتماعية بعكس ما جرى حين تكررت هذه المواجهات العربية مرتين أخريين؛ ففي مونديال 2006 في ألمانيا، كانت المواجهة العربية الثانية بين (السعودية، وتونس) التي انتهت بتعادل المنتخبين، أما المواجهة الثالثة فكانت في مونديال روسيا 2018 بين (السعودية، ومصر). ومن المفارقات أن الثلاث مواجهات عربية، في المونديال حتى 2022، كانت السعودية طرفًا فيها، وفي المواجهة الثالثة فازت السعودية على مصر ولم تخلُ المواجهة هذه المرة من حرائق اجتماعية نتيجة السوشيال ميديا، التي بات يعتاد عليها ويستخدمها العرب بداية من 2005 عبر منصتي (فيس بوك، وتويتر) وخلافًا للإنترنت الذي انتشر عربيًّا منذ 1991، كانت منصات السوشيال ميديا ساحات مفتوحة للجميع سمحت بكل شيء و أي تجاوز ومبالغات وأكاذيب أيضًا.
وكانت الظاهرة السلبية الثانية، هي التي بدأت بعد التشفير والفرجة الكروية التي لم تعد مجانية، وظلت كذلك بعد انتقال الحقوق من مجموعة “إيه آر تي” إلى الجزيرة الرياضية، التي حملت فيما بعد اسم شبكة “بي إن”. ومع رواج وزيادة استخدام العرب لمختلف منصات السوشيال ميديا، مثل: (فيس بوك، وتويتر، ويوتيوب) بدأ البعض يحترف التحايل على أصحاب حقوق البث التليفزيوني وإذاعة المباريات المشفرة عبر هذه المنصات بوسائل غير مشروعة أو قانونية، وباتت بيوت عربية كثيرة تملك فرصة الفرجة على المباريات المشفرة سواء في المونديال أو مختلف بطولات أوروبا عن طريق أجهزة خاصة ينجح أصحابها في سرقة الحقوق، وباتت الفرجة العربية على أي مونديال تضم ثلاث مجموعات: الأولى، تملك حق الفرجة عن طريق الاشتراك مع أصحاب الحقوق. والثانية، التي تواصل الفرجة في البيوت عن طريق الوسائل غير الشرعية والقانونية. والثالثة، هي التي ظلت تهوى الفرجة في المقاهي، بعد أن أسعدها البقاء وسط زحام الناس، وبعد أدوار جديدة للمقاهي العربية التي امتزجت على طاولاتها وبين جدرانها أحاديث الكرة مع حكايات وهموم اجتماعية وإنسانية.
وإذا كانت منصات السوشيال ميديا قد تحولت في أحيان كثيرة إلى ساحات سمحت بالسخرية والتحريض على الكراهية، فإنها في أوقات أخرى كانت ساحات للتباهي والفخر بالإنجازات وانتصارات المونديال، مثل: سعادة الجزائريين بفوزهم الكبير على ألمانيا في مونديال 1982 في إسبانيا؛ لتكون أول دولة عربية تفوز في المونديال على دولة أوروبية، ولم تتأهل الجزائر للدور التالي بعد تواطؤ فاضح بين (ألمانيا، والنمسا)، وتحدث العالم كله عما جرى، واضطر الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد هذه البطولة إلى تعديل جدول مباريات البطولات التالية لتقام المباراتان الأخيرتان في كل مجموعة في توقيت واحد تلافيًا لأي خداع وتحايل وتلاعب بالنتائج. وكذلك يعتز السعوديون بأنهم وحدهم الذين شاركوا في نهائيات المونديال أربع مرات متتالية في (1994 و1998 و2002 و2006)، واعتزاز المغاربة وفخرهم بأنهم الدولة العربية الوحيدة التي تأهلت في مونديال 2002 في قطر لقبل النهائي، وسعادة القطريون بعدما أصبحت بلدهم أول دولة عربية تستضيف نهائيات المونديال وشهادات الثناء والاحترام والإعجاب العالمية على نجاح قطر في ذلك.
أما أهم النتائج والظواهر الإيجابية للمشاركة العربية المونديالية فكانت حرص مختلف الحكومات العربية على مزيد من الإنفاق لامتلاك ملاعب كروية جميلة وليست مجرد ساحات للعب؛ فالعرب منذ مونديال 1978 في الأرجنتين، بدأوا يشاهدون ملاعب العالم حولهم، ولم يعد ممكنًا إقناعهم بقبول ملاعبهم على حالها القديم، فتوالت وزادت الاستثمارات العربية رغبة في امتلاك الملاعب اللائقة. ولم يكن الهدف من ذلك في البداية استضافة نهائيات المونديال، إنما كان اقتناعًا عربيًّا بأن امتلاك ملاعب وساحات كروية ورياضية لا يقل في أهميته عن طريق ومنشآت ومطارات ومشروعات اقتصادية أخرى، وبعد نجاح بلدان عربية كثيرة في استضافة بطولات كروية قارية ودولية أهمها كانت استضافة كل من (تونس، والسعودية، وقطر، والإمارات، ومصر) لمونديال تحت 20 سنة، واستضافة كل من (مصر، والإمارات) لمونديال تحت 17، ونجاح قطر في الاتفاق على استضافة هذا المونديال لخمس دورات مقبلة متتالية_ بدأ الحلم باستضافة نهائيات الكبار، وكانت البداية في المغرب، لكن نجحت قطر في استضافة مونديال 2022 الذي كانت أهم نتائجه غير الكروية هي تصحيح الكثير من الصور الخاطئة عن العرب في عيون العالم، وستشارك المغرب في استضافة مونديال 2030، وستستضيف السعودية مونديال 2034
ولم تقتصر النتائج الاقتصادية الإيجابية للمشاركة العربية المونديالية على الاستثمار الإنشائي وبناء العديد من الملاعب في مختلف المدن العربية، فقد كان هناك تغيير جذري في النقل التليفزيوني لمباريات الكرة وبطولاتها في بلدان عربية كثيرة، وحرصت حكومات مختلفة على شراء حقوق بث مبارياتها المونديالية لعرضها مجانًا لأهلها، وتزايدت أعداد المشجعين العرب التي تحرص على السفر خلف منتخباتها لأي مونديال إلى جانب رحلات جماعية تكفلت بنفقاتها حكومات وشركات ومؤسسات عربية. وفي بعض البلدان العربية، أسهمت المشاركة المونديالية في تطوير الإعلانات الكروية التليفزيونية، وبدأت المنتخبات وبعدها الأندية العربية تلتفت وتهتم أكثر بالزي الخاص بلاعبيها، وراجت وزادت مبيعات منتجات الشركات الراعية للاتحاد الدولي لكرة القدم. وفي المقابل، لم تقتصر النتائج الإيجابية الاجتماعية على زيادة الالتفاف الوطني ورفع أعلام البلد في المدرجات -سواء في مباريات المونديال أو مختلف البطولات الكروية – لكن كان هناك مع الأعلام في المدرجات والشوارع والميادين سلوك في المدرجات اقتداء بما يحدث في مدرجات كل مونديال، وهناك أيضًا أغانٍ ورقصات تم اقتباسها من كل مونديال، وأدت المتابعة العربية للمونديال ودوراته ومبارياته ومنتخباته إلى مزيد من الثقافة (السياسية، والجغرافية، والفنية) الخاصة ببلدان كثيرة في العالم لم تكن لتصل إلى العرب لولا مشاركتها في أي مونديال.




