شهد الإقليم الممتد من الخليج إلى وادي النيل، في الفترة الأخيرة، متغيرًا مركزيًّا ممثلًا في انتباه سعودي لأزمة الحرب السودانية، واعتبارها محركًا لتفاعلات إقليمية مهددة للأمن القومي السعودي تحت مظلة تقدير أن الصراع في السودان لم يعد ظاهرة داخلية معزولة، بل يمثل امتدادًا هيكليًّا لمسارات إعادة تشكيل النظام الأمني في البحر الأحمر التي أفرزتها حرب اليمن. وطبقًا لذلك، فقد أسهمت زيارة الأمير “محمد بن سلمان” ولي العهد السعودي إلى واشنطن خلال شهر في بلورة تدخل أمريكي في الأزمة السودانية أكثر فاعلية وتأثير، كما شهدت المنطقة تحولات إستراتيجية شملت إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، والتي ترتب عليها تشكيل تحالفات عربية إقليمية تملك رؤى متقاطعة بشأن توازنات القوة في كل من (اليمن، والسودان) بما جعل السودان ساحة اختبار لاحتواء الفواعل غير الرسمية المسلحة من الميليشيات في محاولة لمنع تكرار النموذج اليمني على الضفة الإفريقية، وذلك تحت مظلة تموضع مصري يهدف إلى منع تفكك الدولة السودانية بوصفه تهديدًا مباشرًا للأمن القومي لكل من (مصر، والسودان).
في هذا السياق نتعرض للمحاور الآتية:
التأثير اليمني على مسارات تشكيل القوة في السودان، وكذلك التنافس الإقليمي وأثره على تشكيل الأوزان الجيوسياسية في الإقليم، أما ثالثًا فسوف نتعرض لتأثير هذه التفاعلات الإقليمية على مشهد الأمن الإقليمي بشكل عام وأمن البحر الأحمر على نحو خاص.
أولًا: تداعيات الحرب اليمينة في السودان.
لم يكن انخراط السودان في الحرب اليمنية منذ عام 2015، قرارًا عسكريًّا عابرًا في سياق اصطفاف إقليمي، بل كان نقطة تحوُّل بنيوية في مسار الدولة السودانية ذاتها؛ فالحرب اليمنية لم تكتفِ بإعادة تعريف معادلات القوة في شبه الجزيرة العربية بل امتدت إلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر، وقامت بهندسة المجال الأمني الإقليمي عبر انتقال أنماط الصراع والتمويل والعسكرة عبر البحر الأحمر.
في هذا السياق، تمثل إعادة تشكيل القوة في السودان استجابة ثلاثة مستويات متداخلة:
- التغيرات البنيوية داخل المؤسسة العسكرية السودانية نتيجة الانخراط في صراعات خارجية.
- التنافس الإقليمي المبني على تكوين تحالفات ودعم فواعل محلية.
- تأثيرات البحار الإستراتيجية كـ (البحر الأحمر) في منطقة الصراع وتدفق الموارد والسلاح.
لقد دخل السودان الحرب اليمنية في لحظة إعادة تموضع إقليمي، ساعيًا إلى فك العزلة التي فرضتها سنوات ما قبل 2015، وإعادة بناء علاقاته الخليجية، وتأمين دعم اقتصادي في ظل أزمة داخلية متصاعدة. غير أن طبيعة المشاركة السودانية حملت دلالات أعمق مما بدا في حينه؛ إذ إن القوة البرية الأساسية التي أُرسلت إلى اليمن لم تكن وحدات تقليدية من الجيش السوداني، بل عناصر كبيرة من قوات الدعم السريع التي تم تكوينها من جانب رأس السلطة في الخرطوم لحماية نظام حكمه من تهديد مزدوج: الأول، في إقليم دارفور كمحصلة لصراع ممتد تأسس عام 2003 بين الإقليم والسلطة المركزية في الخرطوم. أما التهديد الثاني، فهو مرتبط بتحركات ما أطلق عليه ” الربيع العربي” ؛ إذ اندلعت مظاهرات في السودان ضد نظام الحكم عام 2013 تم قمعها بضراوة، وتزايد معها إمكانية انقلاب الجيش ضد الرئيس السابق “عمر البشير”، الذي أصر على الاستمرار في الحكم في انتخابات 2015، على الرغم من الرفض الداخلي والإقليمي لهذه الخطوة.
هذه اللحظة التأسيسية غيرت موقع تلك القوة داخل المعادلة العسكرية والسياسية السودانية؛ فقبل اليمن، كانت قوات الدعم السريع قوة شبه نظامية نشأت في سياق الصراعات المسلحة الداخلية في دافور، وتعمل تحت مظلة الدولة لكنها خارج البنية الكلاسيكية للمؤسسة العسكرية. أما بعد اليمن، فقد تحولت إلى فاعل يمتلك خبرة قتالية خارجية، وعلاقات مباشرة مع أطراف إقليمية، وموارد مالية مستقلة نسبيًّا، وهو ما أعاد توزيع عناصر القوة داخل الدولة.
ويمكن القول أن أبرز مخرجات المشاركة السودانية في اليمن تمثل في إعادة تشكيل اقتصاد القوة؛ حيث وفرت المشاركة العسكرية عوائد مالية مباشرة وغير مباشرة لقوات الدعم السريع، إلى جانب تعميق شبكات اقتصادية موازية، لا سيما في قطاع الذهب. هذه الاستقلالية المالية لم تكن مجرد تفصيل اقتصادي، بل كانت عاملًا سياسيًّا حاسمًا؛ لأنها قلَّصت من احتكار الجيش السوداني التقليدي لمصادر التمويل الخارجي، وسمحت بتبلور مركز قوة عسكري يمتلك قدرة ذاتية على الحركة. هذه الاستقلالية المالية المؤسسة علي مورد الذهب، وفرت أيضًا للدعم السريع حليف إقليمي مهتم بهذا المورد، كما أمتلك الدعم السريع قنوات لعلاقات دولية، خصوصًا مع فرنسا التي تهتم بإقليم دافور، خصوصًا باعتباره مكون من إقليم غرب إفريقيا متاخمًا لتشاد، نقطة ارتكاز نفوذها([1])، وهو ما حول الدعم السريع إلى فاعل مؤثر في معادلات السلطة الداخلية في زمن الرئيس السابق “عمر البشير”، بل أن تحولات الولاء السياسي لزعيمه محمد حمدان دقلو من البشير إلى قوى الثورة المندلعة ضده عام 2018، أسهم بشكل مباشر في نهاية فترة حكم البشير نفسه ونجاح الثورة السودانية في إزاحته عن الحكم في أبريل 2019.
الحرب اليمينة أيضًا، أعادت تعريف البحر الأحمر بوصفه وحدة أمنية متكاملة، لا مجرد فاصل جغرافي بين مسرحين منفصلين؛ فقد أظهرت هذه الحرب أن السيطرة على الضفة الآسيوية لا تكتمل دون استقرار الضفة الإفريقية، وأن أي اختلال في إحدى الضفتين ينعكس على الأخرى. هذا الإدراك دفع القوى الإقليمية إلى توسيع اهتمامها بالسودان، بوصفه دولة محورية في معادلة أمن الملاحة في البحر الأحمر؛ إذ ذهبت كل التقديرات الإستراتيجية حول العالم إلى أن انهيار السودان سيخلق فراغًا أمنيًّا على الساحل الغربي للبحر الأحمر، بما يفتح المجال أمام شبكات تهريب السلاح والجريمة المنظمة ويضاعف من هشاشة المنظومة الأمنية للبحر الأحمر.([2])
عندما سقط نظام البشير عام 2019، بدا أن الفرصة مواتية لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس مدنية، غير أن البنية العسكرية كانت قد تغيرت بالفعل؛ فالدعم السريع لم يعد قوة تابعة قابلة للدمج، بل أصبح فاعلًا يمتلك موارد وخبرة وعلاقات إقليمية مستقلة؛ إذ إن محاولة دمجه في الجيش تحت مظلة الاتفاق الإطاري الذي تم التوصل إليه بين القوي السياسية (في ديسمبر 2022) والمكون العسكري السوداني، لم تكن عملية تقنية، بل كانت صراعًا على تعريف من يحتكر العنف المشروع، وهكذا تحطم برتوكول الترتيبات الأمنية المنبثق عن الاتفاق الإطاري وحلِّ التوتر بين طرفي المكون (العسكري، والسوداني) إلى صدام مسلح ممتد منذ أبريل 2023.
ولا يمكن فهم هذا الانفجار دون إدراك أن حرب اليمن أسهمت في رفع سقف طموحات “محمد حمدان دقلو” قائد الدعم السريع داخل السودان؛ فالخبرة الخارجية، والشرعية الإقليمية، والموارد المالية، كلها عناصر أعادت تعريف توازنات القوة. غير أن هذه العناصر لم تكن لتؤدي وحدها إلى الحرب لولا هشاشة الدولة السودانية وضعف القوى السياسية. ومن ثم، فإن حرب اليمن لم تكن سببًا مباشرًا للصراع، لكنها كانت عاملًا مسرِّعا أعاد توزيع الموارد والشرعية والقدرة داخل المؤسسة العسكرية في السودان.
في هذه السياقات، يكون التحول السعودي في إدارة الحرب اليمنية مؤثرًا بالضرورة على التفاعلات الداخلية في السودان وعلى التفاعلات الإقليمية والدولية بشأن السودان. فمع انتقال الرياض إلى إستراتيجية الحسم العسكري، أعادت تعريف أولوياتها في البحر الأحمر فلم تعد المسألة دعم فاعل ضد آخر، بل منع تفكك الدول المطلة على الممرات الحيوية. هذا التحول انعكس في طرح محادثات جدة من جديد كرافعة للتوافق السوداني، ومحاولة احتواء الصراع السوداني عبر صياغة تفاهمات إقليمية مع قوى ودول تنحاز لوحدة دولة السودان، وكانت مصر على رأس هؤلاء؛ حيث تم بلورة إدراكًا إقليميًّا يجمع (القاهرة، والرياض، وإسطنبول، والدوحة) بأن نموذج الفاعل المسلح ذا الامتداد الإقليمي – الذي برز في اليمن – لا يمكن السماح بتكراره على الضفة الإفريقية.
في هذا الإطار، يصبح استهداف شبكات الإمداد العسكري العابرة للحدود، من أرض الصومال عبورًا إلى كردفان ودارفور أو من كل من (ليبيا، وتشاد) إلى السودان، والتي رصدها في تقارير خبراء الأمم المتحدة جزءًا من منطق احتواء أوسع؛ حيث أظهرت تجربة اليمن أن تدفق السلاح عبر مسارات غير رسمية يمكن أن يطيل أمد الصراعات علي ضفتي البحر الأحمر إلى مالانهاية، ومن ثم قطع هذه الشبكات في الحالة السودانية لا يقرأ فقط بوصفه إجراءً تكتيكيًّا بل بوصفه تطبيقًا لدروس مستفادة من ساحة أخرى في الإقليم ذاته.([3])
ثانيًا: تقاطع الإستراتيجيات والمصالح.
البعد المصري يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد اليمني السوداني المشترك؛ فمصر تنظر إلى السودان باعتباره عمقًا إستراتيجيًّا مباشرًا، لا سيما في ظل التحديات المرتبطة بسد النهضة. في اليمن، اكتفت القاهرة بدور محدود يركز على حماية الملاحة في باب المندب عبر الآليات العسكرية المنفردة أو المتعاونة مع تشكيلات دولية([4]). أما في السودان، فقد اتخذت موقفًا أكثر وضوحًا في دعم مؤسسات الدولة الممثلة في القوات المسلحة. هذا الفارق يعكس اختلافًا في تعريف التهديد: اليمن يمثل تهديدًا بحريًّا محتملًا، بينما يمثل السودان تهديدًا وجوديًّا مرتبطًا بأمن وادي النيل. ومن ثم، فإن القاهرة ترى في تعددية مراكز القوة العسكرية داخل السودان خطرًا يذكر بتجربة اليمن؛ حيث أدى ترسخ فاعل مسلح قوي إلى إطالة أمد الصراع وتعقيد مسارات التسوية([5]).
وقد تعددت آليات التعامل المصري السعودي المشترك في مواجهة الفواعل غير الرسمية في كل من (اليمن، والسودان)؛ حيث تم استهداف خطوط الإمداد والتمويل للفواعل المسلحة عبر الحدود، وذلك بعد فترة من تدفق الأسلحة والدعم إلى الحوثيين أو الجماعات الانفصالية، وهو ما عزز قدرة الجماعة على مواصلة التهديد للملاحة الدولية عبر البحر الأحمر منطلقين من شبكة إمداد دولية معقدة. بحسب تقرير حديث، تحولت أنصار الله إلى فاعل قادر على تنظيم أنماط توريد متقدمة للأسلحة والمعدات عبر شبكات بحرية وبرية متعددة([6]).
في السودان، مع استمرار الحرب منذ 2023، ظهرت أيضًا شواهد على تدفق سلاح متقدم، من صواريخ مضادة للطائرات إلى طائرات بدون طيار عبر شبكات إقليمية معقدة تمتد إلى دول إفريقية وغير إفريقية، وهو ما أشارت إليها تقارير غربية مستقلة ويعكس تحول النزاع إلى صراع إقليمي متعدد الأذرع.
استهداف هذه الإمدادات- سواء عبر عقوبات أو مراقبة طرق الإمداد- أصبح عنصرًا أساسيًّا في جهود إدارة الصراع المصرية؛ لأنه يعوق قدرة الفواعل الشبه نظامية على الاستمرار في النزاع، ويضعف من قدرتها على امتلاك أدوات الضغط العسكري على الدول المركزية.
وهكذا، فإن التعاون بين (السعودية، ومصر) في قضايا كثيرة، مثل: حماية الأمن البحري، وإدارة أزمات السودان واليمن، يعكس تحالفًا إقليميًّا مرنًا يسعى لاحتواء أوسع للصراعات. في يناير 2026، أكدت القاهرة والرياض تطابق مواقعهما في دعم سيادة ووحدة السودان واليمن، وهو موقف دلالي يعكس إدراكًا مشتركًا لضرورة منع انهيار مؤسسة الدولة في ضفتي البحر الأحمر.([7])
لكن هذه العلاقة في العمق تحمل تفاعلات معقدة أيضًا، خصوصًا مع تزايد التنافس بين قوى خليجية أخرى قد تكون داعمة لفواعل غير رسمية وميلشيات في كل من (اليمن، والسودان) وهو الأمر الذي يعكس تناقضات بين رؤى متنافسة حول كيفية إدارة الأمن الإقليمي؛ حيث تبرز الحاجة إلى رؤية إستراتيجية عربية موحدة أكثر وبناء مؤسسات صلبة لإدارة التحالفات؛ حيث كشفت تجربة اليمن أن ترك الفواعل المسلحة تتجذر خارج إطار الدولة يفضي إلى صراع ممتد يصعب احتواؤه، وتجربة السودان تؤكد أن تصدير القوات إلى الخارج دون إصلاح داخلي موازٍ قد يعيد تشكيل موازين القوة بطريقة تنعكس لاحقًا في الداخل. بين التجربتين، تتضح حقيقة أن المجال الممتد من باب المندب إلى وادي النيل لم يعد مجموعة أزمات متجاورة، بل منظومة واحدة تتفاعل عناصرها بصورة مستمرة وتؤثر في بعضها البعض.
ثالثًا: أمن البحر الأحمر في سياق الصراعين (اليمني، والسوداني).
لم تعد الحرب في اليمن حدثًا وطنيًّا معزولًا، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مسارات صراعات ممتدة من باب المندب إلى وادي النيل، وإذا كانت حرب اليمن قد أعادت هندسة خرائط النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي خلال العقد الماضي، فإن تداعياتها البنيوية (سياسيًّا، وعسكريًّا، واقتصاديًّا) أسهمت في تشكيل البيئة التي انفجرت داخلها الحرب السودانية. ومن ثم، فإن استشراف السيناريوهات المستقبلية للصراع في السودان لا يمكن أن يتم بمعزل عن قراءة عميقة لمسارات اليمن، ولا عن توازنات الإستراتيجيات الخليجية والمصرية، ولا عن إدارة القوى الدولية للبحر الأحمر بوصفه مسرحًا مركزيًّا للتنافس العالمي.
إذًا حرب اليمن لم تكن مجرد ساحة قتال خارجية للسودانيين، بل شكلت مختبرًا لإعادة توزيع القوة داخل السودان، وأداة لإعادة تموضع الفاعلين الإقليميين على ضفتي البحر الأحمر، بما انعكس لاحقًا على مسار الصراع السوداني ذاته. وفي ضوء هذه الفرضية، يمكن بلورة ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل التفاعلات بين الحربين، تتراوح بين: التفكيك الإقليمي، وإعادة الضبط الإستراتيجي، وبناء ترتيبات أمن جماعي للبحر الأحمر، مع تفرعات داخل كل منها.
- سيناريو التفكيك المتوازي: من مسرحين للحرب إلى نظام إقليمي هش.
يقوم هذا السيناريو على استمرار الصراع في السودان بوتيرة مرتفعة، مع بقاء اليمن ساحة توتر منخفض الشدة ولكن عالي التأثير على أمن الملاحة والتموضع العسكري. في هذا الإطار، يصبح البحر الأحمر فضاءً مفتوحًا لتنافس القوى الإقليمية والدولية، دون قدرة على بلورة ترتيبات استقرار طويلة الأمد، وهو الأمر الذي يسفر عن تعميق عسكرة البحر الأحمر مع تصاعد تهديدات الملاحة من جماعات الحوثي مع وجود فرص لوجود جماعات مماثلة علي الساحل السوداني، مع وجود تنافس بين القوى الإقليمية والدولية للحصول علي نقط ارتكاز على هذا الساحل، وذلك تحت مظلة استمرار الحرب الأهلية السودانية.
هذا السيناريو، يعيد إنتاج منطق الدولة الهشة ذات الساحل الحيوي؛ حيث يتحول السودان إلى ساحة عبور أو تمركز لقوى خارجية، ما يعيد تشكيل توازناته الداخلية. فالقوى المتصارعة في الخرطوم قد تسعى للحصول على دعم خارجي مقابل تسهيلات بحرية، بما يربط مصيرها مباشرة بخرائط التنافس في اليمن.
في هذا السيناريو، تجد مصر نفسها أمام معادلة مركبة: أمن وادي النيل من جهة، وأمن البحر الأحمر من جهة أخرى؛ فاستمرار الحرب في السودان يهدد حدودها الجنوبية واستقرارها الإستراتيجي، بينما استمرار التوتر في اليمن يهدد قناة السويس، أحد أهم مصادر دخلها القومي.
في هذه الحالة قد تميل إلى توسيع حضورها البحري في البحر الأحمر، بالتوازي مع دعمها للجيش السوداني بوصفه المؤسسة القادرة- من منظورها- على منع تفكك الدولة السودانية، لكن هذا الانخراط قد يضعها في تقاطعات مع إستراتيجيات خليجية تسعى لإدارة مختلفة للملف السوداني، ما يعمق التنافس غير المعلن حول هندسة السلطة في الخرطوم.
في ظل استمرار الحربين، سيزداد دور القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في إدارة أمن البحر الأحمر، سواء عبر مبادرات بحرية مشتركة أو عبر ضغوط سياسية على أطراف النزاع. وقد أشار عدد من مراكز الأبحاث الغربية، مثل: تشاتام هاوس، والمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إلى أن تداخل أزمات اليمن والسودان يهدد سلاسل الإمداد العالمية، ما يبرر مقاربات أكثر تداخلًا.
غير أن هذا التدخل قد يبقى أمنيًّا تقنيًّا، دون معالجة الجذور السياسية للصراعين، ما يكرس حالة الصراع الممتدة بكل آثارها السلبية.
- سيناريو إعادة الضبط الإستراتيجي.
يفترض هذا السيناريو حدوث اختراق سياسي في اليمن، نتيجة حوار سعودي–حوثي مباشر، أو تفاهمات إقليمية أوسع، ما يؤدي إلى خفض مستوى العسكرة في البحر الأحمر. هذا التحول سيكون له تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على السودان.
إذا نجحت المملكة العربية السعودية- بوصفها الفاعل المركزي في الملف اليمني -في تثبيت تسوية مستدامة، فإن البحر الأحمر قد يتحول من ساحة صراع إلى مجال تعاون. هذا التحول سيقلص من قيمة الورقة البحرية في حسابات القوى السودانية المتصارعة، ويضعف قدرة أي طرف على توظيف الساحل السوداني أو منطقة الفشقة على الحدود الإثيوبية إلى أداة مقايضة.
كما أن تراجع التوتر البحري سيخفف من الضغوط الاقتصادية على مصر، ويمنحها هامشًا أوسع للتركيز على تسوية سياسية في السودان، بالتنسيق مع شركاء إقليميين.
هذا التحول قد يفتح المجال لإعادة بناء المؤسسة العسكرية السودانية على أسس أكثر مهنية، بما يفتح المجال أمام استقرار ممتد في السودان سيكون مشروطًا بالضرورة على معادلات سياسية داخلية متوافق عليها ويقودها المكون المدني السوداني.
في هذا السياق، فإن تسوية يمنية ناجحة قد تفتح الباب أمام تنسيق أعمق بين (الرياض، وباقي العواصم الخليجية، والقاهرة) بشأن السودان، في إطار رؤية مشتركة لأمن البحر الأحمر. غير أن هذا التنسيق سيظل مشروطًا بتوافق إقليمي حول طبيعة السلطة المستقبلية في الخرطوم.
- سيناريو بناء نظام أمن إقليمي للبحر الأحمر.
يمثل هذا السيناريو الأكثر طموحًا، ويقوم على بلورة إطار مؤسسي لأمن البحر الأحمر يضم الدول المطلة عليه، مع دعم دولي. وقد طُرحت مبادرات سابقة في هذا الاتجاه، لكنها ظلت محدودة الفاعلية.
إذا أدركت الدول العربية أن استمرار التنافس المفتوح يهدد مصالحها الجماعية، فقد تسعى إلى إنشاء آلية تنسيق أمني تشمل: السعودية، ومصر، والسودان، واليمن، ودول القرن الإفريقي. مثل هذا الإطار قد يحد من عسكرة الموانئ، ويضع ضوابط للتواجد العسكري الأجنبي.
غير أن نجاح هذا السيناريو يتطلب وجود دولة سودانية مستقرة وقادرة على الالتزام بتعهداتها في السياقات الداخلية والخارجية، وهو ما يرتبط مباشرة بمآلات الصراع الداخلي السوداني.
إعادة إدماج السودان في منظومة إقليمية فاعلة، قد تشكل حافزًا للنخب السودانية للقبول بتسوية سياسية؛ فالمكاسب الاقتصادية المرتبطة بالاستقرار البحري- من موانئ واستثمارات – قد تتفوق على عوائد الحرب.
كما أن مصر، بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها المؤسسية، قد تؤدي دورًا بما يحقق توازنًا بين أمن وادي النيل وأمن البحر الأحمر.
وبطبيعة الحال مطلوب من القوى الدولية أن تدعم هذا الإطار عبر ضمانات مالية وأمنية، دون فرض ترتيبات فوقية؛ فالتجارب السابقة في اليمن أظهرت أن المقاربات التي تتجاهل التوازنات المحلية تفشل في إنتاج استقرار دائم.
([1]) د. راوية توفيق، السياسية الفرنسية في إفريقيا، موقع قراءات إفريقية متاح على،
([2]) مهمَّة أسبيدس الأوروبية ومخاطر التوقعات المتدنِّية في اليمن، مركز كارينجي للدراسات متاحة على: https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/research/2024/12/operation-aspides-or-the-peril-of-low-expectations-in-yemen
([3]) United Nations Panel of Experts on Sudan, Security Council ،17\4\2025,Avalible on https://www.ecoi.net/en/file/local/2124824/n2442101.pd
جريدة آل مصر في تحالف بحري دولي لحماية أمن البحر الأحمر وباب المندب، وشاركت في قيادته مرتين وهو تحالف قوة المهام. CTF153.
([4]) https://2u.pw/B5Nil
([5]) بيان صادر عن الرئاسة المصرية بمناسبة زيارة رئيس المجلس السيادي السوداني متاح على:
([6])From Smugglers to Supply Chains: How Yemen’s Houthi Movement Became a Global Threat,Avilible on: https://tcf.org/content/report/from-smugglers-to-supply-chains-how-yemens-houthi-movement-became-a-global-threat/?utm_source=chatgpt.com
([7]) https://www.washingtonpost.com/world/2025/09/29/sudan-war-weapons-rsf- darfur/?utm_source=chatgpt.com “Surface-to-air missiles and deadly drones spread on Sudan’s battlefields”




