2025العدد 204ملف عربي

آثار التحركات السريعة في الساحة الفلسطينية على الوضع في لبنان

المقدمة:

يُسهم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، الذي تم التوصل إليه يوم 9 أكتوبر 2025 في مدينة شرم الشيخ المصرية، برعاية أمريكية مصرية قطرية في إطار خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للسلام، في إيجاد بيئة دبلوماسية زخمة قد تدفع باتجاه تكرار الجهود الوسيطة ضمن الساحة اللبنانية، التي شهدت سابقًا تجربة مماثلة في 27 نوفمبر 2024؛ وذلك لأجل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.

إلا أن محاولة تعميم “نموذج غزة” على الساحة اللبنانية تستدعي متطلبات تفوق إرادة الوسطاء نحو ضمان التزام الاحتلال الإسرائيلي باتفاق أضحى هشًّا وعُرضة لخروقاته المتواصلة، أسوة باتفاق غزة، وإسقاط أطماعه التوسُّعية وأهدافه الإستراتيجية التي فشل في تحقيقها في أثناء حربه ضد لبنان (سبتمبر 2024)، وسط ملفات خلافية شائكة قد تجعل جهود التهدئة أكثر تعقيدًا، في ظل أزمة (اجتماعية، واقتصادية، ومالية) تعيشها البلاد منذ سنوات وراكمها العدوان الإسرائيلي سوءًا، وتجاذبات داخلية بين القوى السياسية اللبنانية تشكل عائقًا أمام التعاون المشترك المنشود.

أولًا: لبنان بين التهدئة والتصعيد.

أعادت التحركات المتسارعة في الساحة الفلسطينية، عقب اتفاق وقف إطلاق النار بغزة وخطة الرئيس “ترامب” للسلام، رسمَ التوازنات الإقليمية. وبينما بدا الاتفاق خطوةً نحو تهدئة جبهة القطاع، رغم خروقات الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة لتنفيذه منذ سريانه، فإن المشهد في الجنوب اللبناني بقي على النقيض، بما قد يجعل مستوى التأثير ضمن ساحته مزدوجًا؛ إما لجهة التهدئة أو لمزيد من التصعيد، وذلك نتيجة المؤشرات التالية:

أ- التهدئة.

وتتمثل أبرز مؤشرات التهدئة في التالي:

أولًا: قد يفتح اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المجال واسعًا أمام زخم الجهود الأمريكية والفرنسية لاستئناف محاولة معالجة الوضع المتأزم والمتوتر على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، والضغط بوتيرة أقوى من أجل تنفيذ اتفاق وقف النار، الذي تم التوصل إليه في 27 نوفمبر 2024، وقرار مجلس الأمن الدولي 1701* الذي أنهى العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، ووافقت عليه الحكومة اللبنانية، سبيلًا لدعم الاستقرار الإقليمي. ورغم أن الوضع في لبنان قد يكون أكثر تعقيدًا، إلا أن المواقف الإقليمية قد تُسهم في تهدئة الجبهة المشتعلة.

ثانيًا: أوجد اتفاق غزة بيئةً سياسية مواتية لإعادة تحريك الجهود الدبلوماسية الإقليمية والدولية، بحيث قد يشكل الاتفاق مدخلًا لمسار تفاوضي جديد يفتح الباب أمام حل دبلوماسي واستقرار طويل الأمد في جنوب لبنان، بخاصة أن الوسطاء ورُعاة اتفاق غزة متمسكون أيضًا بالملف اللبناني، ويستطيعون استخدام هذا الزخم لتأكيد التزاماتهم نحو تثبيت وقف النار في لبنان وإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذه.

ثالثًا: لن تقتصر خطة السلام التي أعلنها الرئيس “ترامب”، في 29 سبتمبر2025، من 20 بندًا؛ حيث شكل اتفاق غزة لتبادل الأسرى ووقف إطلاق النار المرحلةَ الأولى منها، على قطاع غزة فقط، بل سيمتد تأثيرها إقليميًّا ضمن ترتيبات الأمن والتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي التي تدفع الإدارة الأمريكية بها في المنطقة وتسعى لإدراج لبنان في إطارها. وبالتالي، فإن أيَّ تصعيد يُنذر بمواجهة موسَّعة في الجبهة اللبنانية سيصطدم مع مساعي إيجاد بيئة مُستقرَّة تنشدها الخطة، وتُعد أحد أبرز أدوات تنفيذها.

رابعًا: عطفًا على ما سبق؛ ليس مستبعدًا أن يتوجه الاحتلال الإسرائيلي بشكل أكبر نحو لبنان في المرحلة المقبلة، بوصفه جزءًا مهمًا من التركيبة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية، فيما يتعلق بمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي تسعى لإحيائه على أنقاض حرب الإبادة في غزة والعدوان ضد لبنان، مما يجعل اتفاقيَّ (غزة، ولبنان) لوقف إطلاق النار محطةً ضرورية وأساسية لرعاية الحل السلمي في منطقة الشرق الأوسط، وفق الرؤية الأمريكية، فضلًا عن أهداف الاحتلال الإسرائيلي بعيدة المدى، وأطماعه التوسعيَّة في المنطقة التي يسعى لتحقيقها من خلال ساحة الجنوب اللبناني.

خامسًا: تجلى التأثير الأبرز لاتفاق غزة على الساحة اللبنانية في جزئية تسليم السلاح الفلسطيني داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، والذي بدأ الجيش اللبناني بتسلُّمه منذ 21 أغسطس 2025؛ تطبيقًا لمقررات القمة اللبنانية – الفلسطينية التي عقدت في 21 مايو 2025، بين الرئيسين اللبناني “جوزيف عون” والفلسطيني “محمود عباس”، والتي أكدت سيادة لبنان على كامل أراضيه، وبسط سلطة الدولة، وتطبيق مبدأ حصرية السلاح بيدها. ورغم أن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية باشرت بتسليم سلاحها، إلا أن البت في مصير سلاح حركة “حماس” والفصائل الحليفة لها داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان قد يبدو مؤجلًا بانتظار جلاء المشهد في غزة، بعد رفضها التسليم ما دام الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية مستمرًا؛ حيث من غير المتوقع أن تبادر الدولة اللبنانية بنزع سلاحها بالقوة، لتفادي انفجار الوضع بالداخل اللبناني.

سادسًا: إن تعزيز قوات الجيش اللبناني مؤخرًا بشكل ملحوظ في منطقة جنوبي الليطاني، وتأدية دوره في إطار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن الدولي 1701، بنسبة عالية قد يعزز الموقف اللبناني، ويدفع باتجاه وضع الجانب الأمريكي أمام مسؤولياته، من أجل الضغط على الاحتلال الإسرائيلي للانصراف فعلًا إلى تنفيذ الاتفاق، وليس إلى توسيع العدوان.

سابعًا: إن الواقع العسكري الإستراتيجي المتغير يبين أن قدرة لبنان على حفظ توازن ردع الفاعل يعتمد كليًّا على مستوى التنسيق المشترك بين القوات المسلحة اللبنانية والمقاومة، وحسن استخدام المعلومة الاستخبارية، والتواصل الدبلوماسي المستمر مع الأطراف الإقليمية والدولية لتعزيز التحالفات غير الرسمية، واحتواء أي محاولة إسرائيلية لتصعيد المواجهة، وتجنب أي انزلاق غير محسوب قد يؤدي إلى حرب شاملة، من شأنها إذا اندلعت أن تترك آثارًا كارثية على المشهد الإقليمي، والاقتصاد اللبناني، وقدرة الدولة على حماية سيادتها ومؤسساتها وحفظ الأمن والاستقرار الداخلي.

إلا أن ذلك يرتبط بمدى قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على ضبط الوضع، وتجنب الانفجار المفتوح، وتفعيل المساعي الدبلوماسية والمناورات السياسية، وممارسة دور جوهري في الحفاظ على الهدنة الحالية، والتقليل من أي احتكاك قد يؤدي إلى تصعيد المواجهة، والضغط على الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان والانسحاب من كامل أراضيه، من أجل استتباب ديناميات هذا الوضع المعقد والحساس.

ب- التصعيد.

وتتمثل أبرز مؤشرات التصعيد في التالي:

أولًا: قد يُمثل اتفاق غزة بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي محطة انتقالية لمرحلة أكثر تصعيدًا في لبنان، بحيث يستفيد من حسم جبهة القطاع باتفاق هشٍّ ومُقيد لتوسيع هامش مناوراته ضمن الجنوب اللبناني، عبر مواصلة ضغطه بنيرانه العدوانية حتى تحقيق أهدافه ونزع سلاح “حزب الله” بالقوة؛ لاعتقاده أن ضبط جبهة غزة قد يتيح له فرض شروط أكثر صرامه على الجبهة اللبنانية.

ثانيًا: قد يدفع المشهد الإقليمي الراهن نحو ضغط دولي متزايد على لبنان للانخراط في مسار سلام أو مفاوضات مباشرة لترسيم الحدود وتسوية الملفات العالقة أو نزع سلاح “حزب الله”، وقد يُنظر إلى هذا التحرك بوصفه جزءًا من إعادة بناء “الاستقرار الإقليمي الشامل”. وفي ظل استمرار الأوضاع السياسية والاقتصادية غير المحمودة وغياب مظلة الدعم الخارجية، فقد يجعل لبنان عرضة لضغوط غير مباشرة نحو التفاوض، لاسيما إذا ارتبطت بتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي 1701 أو بملف الحدود البرية، وسط التذرع الإسرائيلي به لاستكمال الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية.

   إلا أن هذا المسار ليس حتميًّا، إزاء الوعي المجتمعي وصمود المقاومة الإسلامية وإدراك القوى السياسية اللبنانية لأبعاد المخطط الإسرائيلي في لبنان، والتي من شأنها أن تشكل سدًّا منيعًا أمام إنفاذه.

ثالثًا: يواصل الاحتلال الإسرائيلي خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، عبر التوغل البري وشنِّ الغارات ضد الأراضي اللبنانية، والمماطلة في استكمال الانسحاب من جنوب لبنان باحتلال خمسة مواقع إستراتيجية تمنحه نقاط مراقبة مهمة، ضمن مناطق احتلها في أثناء عدوانه الأخير، وكان من المفترض انسحابه منها بحلول 26 يناير 2025، وفق مهلة محددة بـ 60 يومًا، تزامنًا مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وقوة الأمم المتحدة المؤقتة “يونيفيل”، إلا أنه لم يلتزم بها، فجرى تمديدها حتى 18 فبراير 2025، ومع اقتراب الموعد الجديد، عاد للتنصل وطلب التمديد مجددًا حتى باتت المماطلة في التنفيذ سمةً ملازمة لموقفه، وهو ما ترفضه بيروت.

   ورغم التزام لبنان ببنود الاتفاق، إلا أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي بخرقه، حتى بعد اتفاق غزة، من شأنه أن يُقوِّض الثقة به، ويشي بمحاولته توسيع نطاق التصعيد، وربما مسعى تضمين غزة والجنوب اللبناني بترتيبات أمنية تسمح له بسياسة اليد الطويلة، التي تُبقي التوتر قائمًا دون الوصول إلى مواجهة شاملة، بحيث تمنحه مساحة أكبر للتحرك في الجنوب اللبناني تحت حجة استكمال الأمن.

رابعًا: قد يستمر الاحتلال الإسرائيلي في إبقاء العدوان على لبنان مفتوحًا ليحقق عبره أهدافَه، من خلال توسيع عملياته العسكرية ورفع وتيرة اعتداءاته؛ لإجبار الداخل اللبناني بالقبول باتفاق معين يضمن تسليم المقاومة اللبنانية سلاحها، ولكن من دون تحمل الكلفة السياسية والعسكرية، وربما الاقتصادية لتداعيات حرب واسعة ضد لبنان كتلك التي اندلعت في سبتمبر 2024؛ ولأن العدوان الواسع على لبنان قد لا يضمن نتائج محسومة لصالحه، فضلًا عن كونه يُهدد بإعادة خلط الأوراق إقليميًّا، ويؤثر سلبًا على خطة الرئيس “ترامب” في المنطقة.

خامسًا: إن تذرع حكومة “بنيامين نتنياهو” بحجَّة “الانتشار المؤقت” لقواتها من أجل تبرير البقاء في مناطق حدودية إستراتيجية بجنوب لبنان، يمثل احتلالًا للأراضي اللبنانية، ويُفرِّغ اتفاق وقف إطلاق النار من محتواه السيادي وينتهك جوهره الحقيقي الذي ينص بالانسحاب الكامل؛ إذ لا يمكن تثبيت هدنة فعلية بينما يبقى الاحتلال قائمًا، كما أنه يعطي الاحتلال الإسرائيلي أوراق ضغط إضافية لتوظيفها في التفاوض، إما للابتزاز أو لفرض شروط أمنية جديدة، بما يُعقِّد أي مسار سياسي، ويُبقي الجيش اللبناني و”حزب الله” في حالة تأهب دائم، ما يرفع من احتمال انهيار التهدئة في أي لحظة.

سادسًا: مما سبق، يبدو أن الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي باتفاق يضمن منطقة خالية من عناصر “حزب الله” وسلاحه جنوبي الليطاني فقط، بل يسعى لأكثر من تطبيق القرار الدولي رقم 1701، وربما إعادة الأوضاع لما كانت عليه باحتلال مطوَّل لأجزاء أكبر من جنوب لبنان، قبل الانسحاب عام 2002، أو على الأقل إيجاد ترتيبات أمنية تضمن البقاء على مقربة من الحدود إن لم يكن داخل مساحات منها، عبر فرض واقع أمني جديد على الأرض وإنشاء حزام أمني فعلي جنوب الليطاني، بما يشكل تغييرًا جغرافيًّا جذريًّا فيها، وتهديدًا لسيادة الدولة اللبنانية على تلك المنطقة، ومحاولة لإعادة رسم الحدود بالقوة.

   وبالتالي، تبقى هناك خشية من تحوُّل أي خطأٍ ميداني إلى تصعيد واسع ضد لبنان، خصوصًا إذا وجد الاحتلال الإسرائيلي في المواجهة وسيلةً لإعادة رسم قواعد الاشتباك على نحو جديد.

سابعًا: يسعى الجيش الإسرائيلي، من وراء خروقاته المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، إلى تغيير الخارطة الجغرافية في جنوب لبنان، وتثبيتها لاحقًا في محاولة فرض واقع جغرافي وأمني جديد، وتفريغ (الجنوب، البقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت) من معظم سكانها، وخلخلة التوازن المجتمعي جغرافيًّا؛ حيث تعتبر منطقة الجنوب اللبناني، ذات الموقع الإستراتيجي المهم، مطمعًا دائمًا للاحتلال الإسرائيلي ومركزًا للصراع معه منذ سنوات طويلة؛ إذ تشكل حدودها مثلثًا مع الحدود السورية والفلسطينية، وتضم 5 مخيمات للاجئين الفلسطينيين.

ثامنًا: إن تذرُّع الاحتلال الإسرائيلي الدائم بأن الحرب لم تنتهِ بعدُ، وأن “حزب الله” يعيد بناء قدراته ويسجل ارتفاعًا ملحوظًا في تعزيز قاعدته الشعبية ونفوذه السياسي بالداخل اللبناني، يعكس توجهًا نحو التصعيد ضد لبنان في ظل ضغوط داخلية تدفع بهذا الاتجاه، والذي قد يشكل مخرجًا لـ”نتنياهو” من أزماته السياسية والقضائية.

تاسعًا: يأتي ذلك كله وسط شكوك متزايدة في قدرة الأطراف الدولية على تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان وإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذه.

ثانيًا: التفاوض بين (الأمني الجزئي، والشامل).

عادت قضية المفاوضات بين الجانبين (اللبناني، والإسرائيلي) إلى صدارة مشهد الجهود السياسية الإقليمية والدولية، عقب اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وعلى وقع تهديدات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة للأراضي اللبنانية، إلا أن هذا المسار الشائك يشوبه العديد من التحديات:

أولًا: الضغوط الدولية، تتجاوز الضغوط الدولية ناصية دعوة لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي صوب خطابٍ أمريكي يربط المسار التفاوضي الثنائي بمطلبيِّ نزع سلاح “حزب الله” وتنفيذ بنود القرار الدولي 1701، في إطار مساعي إدراج لبنان ضمن ترتيبات الأمن والتسوية السلمية التي تدفع الإدارة الأمريكية بها في المنطقة.

ثانيًا: البيئة المتوترة، إن خروقات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان ورفض تنفيذ بنوده، بما في ذلك الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، لا يسمح بإيجاد البيئة المواتية لمسار تفاوضي جاد.

ثالثًا: المواقف المتباينة، يُحاصّر المسار التفاوضي المُحتمل بثلاثة سقوف متناقضة، مما يجعل محاولة تحقيق تقدم حقيقي في نطاقه أمرًا بالغ التعقيد.

فمن جهة، لا يعدُّ الموقف اللبناني من التفاوض جديدًا؛ إذ سبق قبوله بمفاوضات غير مباشرة مع الجانب الإسرائيلي لترسيم الحدود البحرية بوساطة أمريكية حتى وقع الطرفان “اتفاق ترسيم الحدود البحرية” في 27 أكتوبر 2022، كما أن لجنة “الميكانيزم” الخماسية، التي تضم: الولايات المتحدة الأمريكية، ولبنان، والاحتلال الإسرائيلي، وفرنسا، وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة “اليونيفيل”، أُنشئت كآلية مراقبة لتنفيذ اتفاق الهدنة وتثبيته، فضلًا عن تصريح الرئيس اللبناني “جوزيف عون” في 1/11/2025، باستعداد بلاده لدخول مفاوضات تهدف لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، باعتباره “خيارًا وطنيًّا لبنانيًّا جامعًا” في 4/11/2025، لكنه طلب من المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية: الضغطَ على الاحتلال الإسرائيلي لجهة الالتزام بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، ووقف الأعمال العدائية، وإطلاق سراح الأسرى، وتثبيت السيادة على الحدود، وضمان سيادة لبنان على كامل أراضيه، والذي يشكل بالنسبة للبنان الرسميِّ شرطًا أساسيًّا لتهيئة مناخ تفاوضي متوازن.

وبذلك، فإن الرئاسة اللبنانية لا ترى مانعًا من استمرار المسار التفاوضي غير المباشر ومن خلال آلية “الميكانيزم” مع إمكانية تطعيمها بخبراء تقنيين غير سياسيين، طالما ظل محصورًا في الإطار الأمني والعسكري ولا يتعداه إلى أي شكل من أشكال التطبيع؛ إذ إن حديث الرئيس اللبناني عن تجربة ترسيم الحدود البحرية التي أُنجزت برعاية أمريكية وأممية، باعتبارها نموذجًا لإمكان تحقيق تفاهمات تحفظ السيادة والمصالح الوطنية، تضع المسار التفاوضي ضمن إطار سياسي وقانوني محدود وواضح.

إلا أن قدرة الدولة اللبنانية على فرض الموقف المُطالب بانسحاب إسرائيلي كامل غير مشروط وباحترام القرار 1701، تبقى محكومة بتوازنات القوة الداخلية والتجاذبات السياسية بين أطراف المعادلة السياسية اللبنانية وإستراتيجية دفاعية وطنية شاملة، وبموازين القوى الدولية والمشهد الإقليمي المضطرب.

أما “حزب الله”، فيرى أن تقديم تنازل في ظل بقاء الاحتلال الإسرائيلي بالأراضي اللبنانية واستمرار خروقاته وهجماته العدوانية ليس خيارًا منطقيًّا. ورغم التزام الحزب بمضمون القرار الدولي 1701 منذ صدوره، إلا أن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بالنسبة إليه يجب أن يكون غير مشروط، وأن أي تسوية يجب أن تمر عبر تفاهمات إستراتيجية، لا من خلال الضغط العسكري.

وفي الجهة الثالثة، يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى ربط انسحابه من الجنوب اللبناني بترتيبات أمنية إضافية أوسع تحقق له أهدافه في لبنان، وبضمانات دولية متقدمة، وبمطلب نزع سلاح “حزب الله” وضبط نشاطه، وربما تعديل دور “اليونيفيل” بما ينسجم مع مصالحه الاستعمارية في المنطقة، مما يجعل الانسحاب مشروطًا وليس مرتبطًا بالاتفاق الأساسي.

ثالثًا: “نزع السلاح” إلى الواجهة مجددًا.

تُعد مسألة تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، ونشر الجيش اللبناني في جنوب لبنان، التحديَّ الأكبر أمام الحكومة اللبنانية عند الاصطدام بسلاح المقاومة اللبنانية عقب إقرارها، في 5 أغسطس 2025، حصر السلاح بيد الدولة، وتكليف الجيش اللبناني بوضع خطة لإتمام التنفيذ قبل نهاية العام، عملًا بنص اتفاق وقف إطلاق النار، مقابل رفض “حزب الله” تسليم السلاح الذي ينطبق قرار نزعه بحسبه على جنوب لبنان فقط، وفقًا للاتفاق نفسه طالما بقي الاحتلال الإسرائيلي بالأراضي اللبنانية، إلا أن التفاهمات بين الأقطاب الرئيسة وتأكيد التزامها بما يجب تنفيذه في جنوب نهر الليطاني قد يُبعد التصادم جانبًا.

وتزداد الإشكالية عمقًا في ظل الضغوط الدولية ودعوة الإدارة الأمريكية لالتزام الحكومة اللبنانية بتطبيق القرار الدولي القاضي بحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية اللبنانية، أسوة بمخططها حيال نزع سلاح حركة “حماس” ضمن ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب في غزة، إلا أن الدولة اللبنانية تطالب من جانبها بضغط المجتمع الدولي على الاحتلال الإسرائيلي للالتزام بنص الاتفاق، لجهة الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات والهجمات المتواترة، والتي تشكل عائقًا أمام عمل الجيش اللبناني وتمكنه من الانتشار حتى الحدود الجنوبية الدولية، وتنفيذ خطة حصرية السلاح، في ظل غياب الضمانات الدولية اللازمة. 

ويدرك لبنان الرسمي جيدًا مخططَ الاحتلال الإسرائيلي من وراء تمسُّكه بشرط نزع سلاح المقاومة اللبنانية لإتمام انسحابه كذريعة لأهدافه الإستراتيجية في لبنان، مما يجعل مهمته صعبة في محاولة تثبيت الاستقرار بالجنوب اللبناني دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، تزامنًا مع إدارة التوازنات الدقيقة بين مقتضيات الأمن الداخلي وحسابات الدور الإقليمي؛ لتجنب أي مواجهة مع “حزب الله” سيكون لها تداعيات سياسية وأمنية سلبية قد تهدد السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في البلاد.

وبذلك، فإن مسألة حصر السلاح بيَد الدولة اللبنانية لا تزال عقبة أمام أي تطبيق عملي؛ بسبب غياب الضمانات الدولية الكفيلة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي على أراضٍ لبنانية.

وفي المحصلة؛ يضحى المشهد اللبناني أكثر حساسية، لا باعتباره امتدادًا لغزة في جوانب عديدة؛ بل لأنه الجبهة الأكثر قابلية لإعادة الاشتعال، إزاء خروقات الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، ورفضه الانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، وغياب الضمانات الدولية الكفيلة بالتزامه به. وفي حال استمرت تلك المعطيات الطاردة لتهدئة طويلة الأمد، فإن الجنوب اللبناني سيكون عالقًا بين هدنة هشَّة قابلة للانهيار عند أي احتكاك، وتصعيد إسرائيلي لفرض واقعٍ أمني جديد دون المواجهة الشاملة، مما يُهدد أمن واستقرار لبنان ويُبقي التوتر قائمًا في المنطقة([1]).


* صدر القرار 1701 عن مجلس الأمن الدولي في 11 أغسطس 2006، بهدف إنهاء الحرب بين الجانب الإسرائيلي و”حزب الله” في جنوب لبنان بعد 34 يومًا من الصراع، ويتضمن بنودًا عدة من أبرزها: وقف إطلاق النار، ومطالبة الحكومة اللبنانية وقوات الأمم المتحدة “اليونيفيل” بنشر قواتهما في مناطق الجنوب، وبشكل موازٍ، مطالبة حكومة إسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان، وبسط سيطرة الحكومة اللبنانية على جميع الأراضي اللبنانية وممارسة سيادتها عليها، واحترام الخط الأزرق، وهو الحدود المعترف بها دوليًّا بين إسرائيل ولبنان، وإنشاء منطقة بينه وبين نهر الليطاني خالية من أي أفراد مسلحين أو معدات أو أسلحة، بخلاف ما يخص حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.

اظهر المزيد

نادية سعد الدين

كاتبة وباحثة في العلوم السياسية -الاردن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى