مقدمة: حرب بلا سقف سياسي وتوازنات دولية عاجزة.
تتجه الحرب السودانية، التي دخلت عامها الثالث دون مؤشرات جدَّية لانحسارها، نحو مرحلة من التعقيد غير المسبوق؛ حيث تتداخل المعطيات (العسكرية، والاجتماعية، والسياسية، والإقليمية)؛ لتنتج نموذجًا لصراع يصعب احتواؤه أو دفع أطرافه نحو تسوية قابلة للحياة؛ فالدولة السودانية التي كانت تقف على حافة هشاشة بنيوية منذ سنوات طويلة انهارت مؤسساتها أمام سطوة السلاح، فيما تحوَّلت الجغرافيا السودانية إلى مسارات نفوذ مفتوحة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بينما ضاعت القوى المدنية بين الانقسام والتشتت والملاحقات. وفي ظل هذا الانفجار الداخلي، ظهر الدور الأمريكي محكومًا بحدود واضحة، فهو قادر على التأثير عبر الدبلوماسية والعقوبات والضغط الدولي، لكنه غير قادر، أو غير راغب، في ممارسة نفوذ مباشر يكسر توازنات القوى ويحدث تحولًا نوعيًّا في مسار النزاع.
وتعد ديناميات التصعيد العسكري مفتاح فهم التطورات المقبلة؛ إذ إن استمرار الحرب بهذا الإيقاع يعيد تشكيل السودان (ديموغرافيًّا، وسياسيًّا، واقتصاديَّا)، ويفتح الباب أمام تدخلات إقليمية تتجاوز طموحات الفاعلين السودانيين أنفسهم. في الوقت ذاته، تواصل اللجنة الرباعية، التي تضم (الولايات المتحدة، والسعودية، مصر، والإمارات)، محاولاتها لإنتاج صيغة تفاوضية، لكنها تصطدم ببنية صراع لا تسمح لأي مسار سياسي بأن يصبح فاعلًا قبل أن تتغير معادلات الميدان.
تقدم هذه الدراسة قراءة لآفاق التصعيد العسكري في السودان، ولحدود الدور الأمريكي ضمن الإطار الرباعي أو عبر المبادرات الأحادية، عبر دمج التحليل البنيوي للصراع مع تقدير اتجاهاته المستقبلية بِناءً على تطورات الميدان والبنية الاجتماعية والسياسية المنهارة.
أولًا: ديناميات التصعيد العسكري في السودان (الحرب).
يظهر مسار الحرب أن السودان دخل مرحلة “التصعيد الذاتي”؛ حيث تتفاعل العوامل البنيوية بطريقة تجعل الحرب قادرة على إنتاج نفسها دون الحاجة إلى محفزات خارجية. وقد أصبحت هذه الديناميات أكثر وضوحًا مع تبلور أربعة مسارات مركزية تشكل قوة الدفع الرئيسة للصراع:
- تماسك الدعم السريع وقدرته على إعادة إنتاج القوة.
أحد أهم أسباب استمرار الحرب هو قدرة قوات الدعم السريع على الحفاظ على حدٍ أدنى من التماسك التنظيمي رغم الخسائر والضربات، ويعود ذلك إلى طبيعة القيادة داخل هذه القوات؛ حيث يقوم محمد حمدان دقلو (حميدتي) وشقيقه عبد الرحيم بخلق شبكة قيادية قائمة على المركزية المرنة؛ إذ تحتفظ القيادة العليا باتخاذ القرار الإستراتيجي بينما تمنح القادة الميدانيين حرية واسعة في إدارة الجبهات. هذا النموذج، الممزوج بارتباطات قبلية قوية، يمنح الدعم السريع قدرة على الالتفاف على ضربات الجيش وإعادة توزيع قواته بسرعة.
وتعتمد هذه القوة على مصادر تمويل متعددة صنعت “اقتصاد حرب” مستدامًا، بدءًا من السيطرة على الذهب، مرورًا بشبكات التهريب عبر (تشاد، وليبيا، وإفريقيا الوسطى)، وصولًا إلى الدعم الخارجي غير المباشر. هذه الموارد تمكنه من توفير السلاح والذخيرة والرواتب، ومن الحفاظ على شبكة واسعة من الحلفاء القبَليين الذين يشكلون عنصرًا مركزيًّا في إعادة إنتاج القوة.
وتأتي قدرته على التجنيد من بيئات اجتماعية هشة؛ حيث الفقر والإقصاء يشكلان بنية خصبة لتجنيد مقاتلين شباب من دارفور والمناطق الريفية في الغرب، فضلًا عن أحزمة الخرطوم الفقيرة. ومع امتلاكه خبرات متراكمة في حرب المدن؛ حيث أصبح الدعم السريع قادرًا على إدارة عمليات معقدة داخل مناطق مأهولة، ما يمنحه تفوقًا تكتيكيًّا يوازن تفوق الجيش في القوة النارية.
- إعادة بناء الجيش وتمركزه في جبهات طويلة الأمد.
خرج الجيش من صدمة انهيارات الشهور الأولى ليعيد تموضعه بصورة إستراتيجية في مناطق ذات عمق دفاعي، مكنته من الحفاظ على بقاء الدولة المركزية، ومع اعتماد الجيش على سلاح الطيران والمسيرات، تمكن من الحد من قدرة الدعم السريع على التوسع، كما أعاد توزيع وحداته ودمج قوات الاحتياط وتفعيل شبكات التحالف المحلي، ما أعاد له مستوى من التماسك المؤسسي.
واختار الجيش تثبيت خطوطه الدفاعية في (مروي، ودنقلا، وشرق ووسط السودان)، وهي مناطق تتيح له خوض حرب استنزاف طويلة دون انهيار شامل. وجاءت المساندة الإقليمية(السياسية، والعسكرية المحدودة) كعامل مكمل ساعده على مواجهة الدعم السريع رغم النزيف المستمر في الموارد والبنية.
- تفكك المجال السياسي وانعدام الوسطاء الوطنيين.
يعمِّق الصراع غياب أي قوة سياسية قادرة على تشكيل سقف تفاوضي؛ فالقوى المدنية انهارت بفعل الانقسامات والهجرة والملاحقات، ومع غياب البرلمان والحكومة الموحدة والقضاء المستقل، اختفت أدوات إدارة النزاع غير المسلحة.
وتحوَّل الفراغ السياسي إلى مساحة لصعود القبيلة كفاعل سياسي وعسكري، ما خلق صراعات فرعية، خاصة في دارفور، لا تخضع لمنطق الصراع الأساسي، بل تغذي دينامياته بفتح جبهات جديدة وزيادة الطلب على السلاح والمقاتلين، كما فشلت المبادرات المحلية بسبب غياب البيئة الآمنة أو انعدام قبول الأطراف، ما جعل الحرب بلا وسيط قادر على كسر دوامة العنف
يتضح في مسار الحرب السودانية أن للنظام السابق- بشبكاته الأمنية والعقائدية والتنظيمية- دورًا محوريًّا في تغذية ديناميات التصعيد؛ إذ تحركت كوادر الحركة الإسلامية وقياداتها العسكرية السابقة منذ الأسابيع الأولى للصراع لإعادة إنتاج نفوذها داخل المؤسسة العسكرية، واستعادة حضورها السياسي الذي تراجع بعد ثورة ديسمبر. وتظهر مؤشرات عديدة أن عناصر النظام المعزول عملت على توظيف الانقسام بين الجيش والدعم السريع كفرصة لإعادة التموضع داخل بنية الدولة، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع بعض الوحدات العسكرية، ومستخدمة شبكاتها الاجتماعية في الولايات لإعادة الحشد والتجنيد بصورة غير رسمية. وقد أدت البيانات المتتالية لرموز النظام السابق، إضافة إلى نشاطهم الواسع على المنصّات الإعلامية والرقمية، إلى تعزيز خطاب يدفع باتجاه “معركة وجود” تستهدف استعادة الدولة من خصومهم السياسيين، بما في ذلك القوى المدنية التي أطاحت بهم عام 2019.
ويتقاطع هذا السلوك مع تقارير أممية وغربية أشارت إلى رصد تحركات لعناصر مرتبطة بالنظام السابق في جبهات القتال داخل الخرطوم والجزيرة، بالإضافة إلى معلومات عن دعم لوجستي وفني قدمته بعض شبكات الإسلاميين للجيش خلال لحظات الارتباك الأولى. كما اندمجت مجموعات من كتائب الظل والتنظيمات الطلابية المسلحة سابقًا في مشهد الحرب، سواءٌ عبر التنسيق مع وحدات محلية أو من خلال أنشطة تدريبية في ولايات الشمال والشرق. وإلى جانب ذلك، عملت واجهات اقتصادية مرتبطة بالإسلاميين- خاصة شبكات التجارة والتهريب في الذهب والوقود- على توفير مصادر تمويل لمجموعات عسكرية تصطف مع الجيش، ما أسهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية. وتؤكد هذه المعطيات مجتمعة أن الصراع الراهن لا يختزل في تنازع بين الجيش والدعم السريع فقط، بل يشمل محاولة مضادة من النظام السابق لاستعادة نفوذه عبر صبِّ الزيت على نار الحرب، واستثمار الفوضى لإعادة تشكيل المجال السياسي على نحو يعيد تموضعه في مركز السلطة.
وفي موازاة الدور التصعيدي الذي تلعبه الحركات المسلحة، يظهر الضعف البنيوي للقوى المدنية والكتل الحزبية التي كان يفترض أن تشكِّل رافعة مركزية لجهود وقف الحرب، إلا أن انقساماتها الداخلية، وتشتت مواقفها، جعلتها عاجزة عن توليد ضغط سياسي فعَّال يوازن القوى العسكرية المتصارعة؛ فقد فشلت هذه القوى، منذ الأيام الأولى للحرب، في تقديم موقف موحد أو برنامج سياسي جامع، وتحوَّل بعضها إلى مجموعات متنافسة تتراشق الاتهامات بشأن المسؤولية عن إخفاق المرحلة الانتقالية، فيما تبنت أطراف أخرى خطابًا يلامس التحيز لصالح طرف عسكري ضد آخر، الأمر الذي أفقدها قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول أو صانع التوافق الوطني. وإلى جانب ذلك، فقد أدت موجات النزوح الواسعة، وتفكك المؤسسات المدنية، وتآكل الهياكل الحزبية خارج العاصمة، إلى محدودية قدرة هذه القوى على التعبئة الشعبية أو فرض تكلفة سياسية على استمرار الحرب، وهو ما أفسح المجال أمام النخب العسكرية والجهوية لتحديد مسار الصراع دون رقيب. وفي ظل هذا الغياب، تآكلت فكرة “المركز السياسي المدني” الذي كان يعوِّل عليه المجتمع الدولي لتوفير مظلة تفاوضية، وأصبح المشهد مفتوحًا أمام القوى العسكرية وحدها لرسم مستقبل البلاد، بينما تراجع صوت الكتل المدنية إلى ما يشبه الهامش التحليلي، لا الفاعل السياسي القادر على توجيه المسار أو تغيير موازين القوى على الأرض.
يشكِّل دور الحركات المسلحة السودانية، وعلى رأسها حركة العدل والمساواة وحركة جيش تحرير السودان بقيادة “مني أركو مناوي”، عاملًا إضافيًّا يساهم في إدامة الحرب وتوسيع نطاقها؛ إذ تتحرك هذه القوى بدوافع مركبة تجمع بين الرغبة في تحسين مواقعها التفاوضية، والحفاظ على نفوذها العسكري في دارفور، وإعادة تشكيل الخريطة السياسية المستقبلية على نحو يضمن لها موقعًا متقدِّمًا في أي ترتيبات قادمة. فمنذ اندلاع الحرب، لم تظهر هذه الحركات استعدادًا واضحًا للانخراط في عملية سياسية شاملة، بل تعاملت مع الحرب بوصفها فرصة لإعادة تثبيت حضورها بعد سنوات من التراجع والتهميش في هياكل السلطة الانتقالية السابقة. وقد اندفعت هذه القوى إلى دعم الجيش السوداني عسكريًّا في لحظة حرجة، ليس فقط بدافع الخصومة التاريخية مع قوات الدعم السريع، وإنما أيضًا لاعتقادها بأن هزيمة الدعم السريع ستفتح أمامها مجالًا للعودة إلى طاولة الحكم، وتصفية حسابات جهوية ممتدة، وبالقدر نفسه منع ظهور ترتيبات سياسية جديدة قد تهمشها. وعلى الرغم من أن هذه الحركات تبرِّر مشاركتها العسكرية بأنها دفاع عن وحدة السودان، إلا أن ممارساتها على الأرض أظهرت على نحو واضح انغماسها في الصراع الأهلي المحلي، ودخولها في شبكات تحالفات قبلية ومناطقية تضعها في قلب ديناميات الحرب الجهوية، بما يعمِّق حالة التشظي، ويجعل أي وقف لإطلاق النار هشًّا بطبيعته؛ نظرًا لتعدد أطراف السلاح وتضارب مصالحها، وامتلاك كلٍّ منها حسابات مختلفة حول مستقبل السلطة وبنية الإقليم. ومن خلال هذا التموضع، تسهم هذه القوى المسلحة في خلق معوّقات إضافية أمام جهود اللجنة الرباعية، خصوصًا أن التمويل الإقليمي الذي تحصل عليه بعض فصائل الحركات يمنحها هامشَ مناورة يتيح لها الاستمرار في العمليات القتالية دون تحمل كلفة سياسية داخلية أو خارجية، وهو ما يطيل أمد الصراع ويعيد إنتاجه في أشكال أكثر تعقيدًا تتجاوز ثنائية الجيش والدعم السريع إلى صراع متعدد الطبقات بين فصائل محلية تتنافس على الموارد والنفوذ والتمثيل في المستقبل السياسي للسودان.
- الانهيار الإنساني كوقود لاستمرار الحرب.
مع تجاوز عدد النازحين 10 ملايين، أصبح الانهيار الإنساني بنية جديدة للصراع؛ فقد خلق النزوح اقتصادًا موازيًا تستَخدم فيه المعونات كأداة للنفوذ، بينما يستقطب الشباب إلى القتال بوصفه وسيلة للعيش في ظل انهيار التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
كما أحدث النزوح تحولات ديموغرافية عميقة أعادت تشكيل ملكية الأراضي وموازين القوى القبلية، ما يخلق بؤرًا جديدة للصراع، ويجعل أي عملية سياسية عاجزة عن احتواء مشاكل تنمو بسرعة وتغذي الحرب بدلًا من الحد منها.
ثانيًا: حدود الدور الأمريكي داخل اللجنة الرباعية.
على الرغم من أن الولايات المتحدة شكَّلت القوة الأكثر تأثيرًا داخل الرباعية الدولية المعنية بالسودان، فإن قدرتها على إحداث تحول جذري في مسار الحرب بقيت محدودة. ويمكن قراءة هذا الدور عبر ثلاثة مسارات:
- غياب الإرادة للتدخل المباشر.
لم تبدِ واشنطن استعدادًا للانخراط في تدخل مباشر، سواء عبر فرض تسوية أو عبر الضغط العسكري أو اللوجستي المكثف؛ إذ ترى الإدارة الأمريكية أن السودان لا يمثل أولوية إستراتيجية مقارنة بأزمات (أوكرانيا، والشرق الأوسط، والصين)، كما أن أي تدخل مباشر قد يورِّطها في صراع مفتوح لا تملك أدوات السيطرة عليه.
- العقوبات بلا أدوات تنفيذية قوية.
فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شخصيات مرتبطة بالطرفين، لكنها لم تحدث أثرًا ملموسًا على مسار الحرب؛ لأن اقتصاد الحرب معتمد على الذهب والتهريب، وليس على النظام المصرفي الرسمي، كما أن اللاعبين الإقليميين يمتلكون قنوات تتجاوز الضغوط الأمريكية، ما جعل العقوبات أداة رمزية أكثر منها عملية.
- التباين داخل الرباعية.
لم تستطع واشنطن خلق تناغم كامل بين مصالح الأطراف الإقليمية داخل الرباعية؛ فلكل طرفٍ حساباته الخاصة، ما أدى إلى تباين في السياسات أضعف قدرة الرباعية على إنتاج موقف موحد، كما أن الخلافات بين مصر والرياض من جهة وأبوظبي من جهة أخري حول دعم الأطراف المتصارعة أثر على وحدة الموقف.
ثالثًا: الدور الأمريكي خارج إطار الرباعية – محاولات بلا قوة دفع.
حاولت واشنطن توظيف أدوات أخرى لخلق مسار سياسي، مثل:
- الضغط عبر مجلس الأمن.
- تعيين مبعوثين خاصين.
- التواصل مع الفاعلين الإقليميين.
- دعم منظمات الإغاثة.
- محاولة هندسة وقف إطلاق نار إنساني.
إلا أن هذه الجهود افتقرت للقوة الإلزامية حتي الآن، ولم تُدعم بآليات مراقبة أو ضغوط ميدانية، وبقيت مرتبطة برغبة الأطراف في القبول بالتفاوض، وهو ما لا يتحقق في ظل ديناميات التصعيد القائمة.
يبدو الدور الأمريكي في الأزمة السودانية محكومًا بمعوقات تحدُّ من قدرته على تحقيق اختراق ملموس في مسار الحرب، رغم الخطاب الدبلوماسي المكثف ومحاولات الضغط عبر اللجنة الرباعية. فخلال العامين الماضيين، انخرطت واشنطن في إدارة الحرب بدلًا من السعي الحقيقي لإنهائها، نتيجة لتراجع السودان في سُلَّم الأولويات الإستراتيجية الأمريكية في ظل تشظي ساحات الأزمات الكبرى التي تتعامل معها الإدارة، لاسيما الحرب في أوكرانيا، وصعود التوترات في بحر الصين الجنوبي، وتصاعد الصراع في غزة والبحر الأحمر. وفي هذا السياق، خلقت واشنطن لنفسها مساحة مناورة ضيقة؛ إذ تفتقر إلى أدوات ضغط مباشرة على طرفي الحرب، كما تدرك أن نفوذها التقليدي-العقوبات، الضغوط الدبلوماسية، وإدارة المفاوضات- لم يعد كافيًا للتأثير في طرفين يمتلك كل منهما مصادر دعم إقليمية لا تستطيع الولايات المتحدة تحييدها بالكامل.
إلا أن واشنطن باتت تعتبر أن الجيش السوداني يستمد قوته من شبكة دعم عسكرية وسياسية تمتد من مصر إلى بعض دول الخليج، فيما يعتمد الدعم السريع على شبكة أوسع وأكثر مرونة تضم أطرافًا في الساحل الإفريقي ودعمًا لوجستيًّا وماليًّا غير مباشر يصعب تتبعه. هذا التشبيك الإقليمي جعل الضغط على أي طرف أمرًا غير مضمون النتائج، وحتى عند فرض العقوبات ضد مسؤولين في الدعم السريع أو قيادات في الجيش، فإن التأثير ظل محدودًا بسبب قدرتهم على استخدام قنوات مالية بديلة مرتبطة بتجارة الذهب وحركة الحدود، وهو ما وثَّقته تقارير بشأن توسُّع الاقتصاد غير الرسمي ليصبح أكبر ممول للحرب، خارج نطاق الرقابة الأمريكية.
أما على المستوى الميداني، فتعترف تقارير أمريكية بأن واشنطن لم تستطع تقدير هشاشة الدولة السودانية قبل اندلاع الحرب، وبالتالي لم تتمكن من بناء مسار تفاوضي واقعي بعد انهيار الخرطوم. فمع تحوُّل بورتسودان إلى مركز سياسي وإداري بديل، ومع سيطرة الدعم السريع على مساحات واسعة من الخرطوم والجزيرة ثم سيطرتها الكاملة علي إقليم دارفور، باتت الولايات المتحدة تتعامل مع جغرافيا حرب متحركة يصعب ضبطها دبلوماسيًّا. وقد فشلت محاولات جمع الطرفين بسبب غياب أي قدرة أمريكية على إلزامهما بتنازلات حقيقية، إضافة إلى التباين داخل الإدارة الأمريكية نفسها بين خطاب وزارة الخارجية الذي يدعو للضغط على الطرفين، وبين تقديرات “البنتاغون” التي ترى ضرورة تجنب الانحياز في ساحة سريعة الاشتعال وقابلة للتدويل.
إلا أن واشنطن تواجه عجزًا مضاعفًا؛ فهي لا تستطيع فرض وقف إطلاق النار ولا تملك رؤية واضحة لما بعده، فرغم إعلان متكرر عن ضرورة وقف القتال، لم تستطع الولايات المتحدة منع التصاعد العملياتي العسكري، ما يؤكد أن دورها بقي وصفيًّا أكثر منه توجيهيًّا. وفي المحصلة، فإن الدور الأمريكي-كما يظهر في الأدبيات الغربية-أصبح محصورًا في إدارة الكارثة الإنسانية وتخفيف حدة الانهيار، دون امتلاك القدرة على تغيير ديناميات الحرب أو فرض مسار سياسي مستدام.
رابعًا: السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الحرب.
السيناريو الأول: استمرار الحرب مع توسع رقعة القتال.
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا؛ حيث تستمر الجبهات في الاتساع مع تفكك الخرطوم واشتداد صراعات دارفور وامتداد العمليات إلى مناطق جديدة. هذا السيناريو يعزز منطق الحرب الدائمة ويقوِّض أي إمكانية لتسوية شاملة.
السيناريو الثاني: مبادرة أمريكية نوعية.
قد تلجأ الولايات المتحدة إلى استخدام أدوات أقوى، مثل ضغوط اقتصادية على الأطراف الإقليمية، لكن هذا الاحتمال ضعيف في ظل أولويات السياسة الخارجية الحالية.
السيناريو الثالث: تسوية محلية جزئية.
قد ينتهي الصراع إلى اتفاقات محلية في بعض المناطق دون الوصول إلى تسوية وطنية، ما يعني استمرار الحرب بشكل آخر.
تكشف قراءة مسار الحرب السودانية أن البلاد عالقة في بنية صراع معقدة لا تسمح بانفراج سريع؛ فتماسك الدعم السريع، مقابل تموضع الجيش، وانهيار المجال السياسي، وانفجار الأزمة الإنسانية، كلها عناصر تجعل الحرب بيئة تعيد إنتاج نفسها. وفي مقابل ذلك، يظهر الدور الأمريكي- داخل الرباعية أو خارجها- محدودًا وغير قادر على فرض أي تسوية ما دام لا يستند إلى إرادة سياسية قوية ولا إلى أدوات ضغط فعَّالة في الأطراف الإقليمية.
وبذلك، فإن آفاق التصعيد العسكري تبقى مفتوحة، وتدفع السودان نحو مزيد من التفكك، ما لم تحدث مبادرة دولية أكثر جدية تتجاوز الأدوات الدبلوماسية التقليدية، وتفرض سقفًا سياسيًّا للصراع يمنع تحوله إلى حرب طويلة تعيد رسم خريطة السودان وربما الإقليم بأكمله.




