2025العدد 204عروض كتب

أزمة الدولة السودانية بين الانتقال السياسي المتعثر والصراعات المسلحة

يسعى هذا الكتاب لمعالجة التحولات المختلفة التي شهدتها الساحة السودانية منذ انتهاء حكم نظام الإنقاذ عام 2019، وذلك من خلال أربعة أقسام عنى فيها الكتاب بتقييم شامل لأوجه التقدم والتعثر في المسار الانتقالــــــي، خلال مرحلته المبكرة بما في ذلك توقيع الاتفاق المؤسسي للشراكة المدنية العسكرية ونتيجة المسار المعقد الذي اتخذه المسار الانتقالي في السودان، خاصة بعد الإطاحة بحكومة عبد الله حمدوك في أكتوبر2021، فيتناول الكتاب أيضًا مظاهر الأزمات والمؤشرات المبكرة في الانزلاق للعنف، سواء نتيجة التعثر المتكرر لمبادرات تسوية الأزمة السياسية، أو لبداية تفجر الانشقاقات داخل المكونات المدنية والعسكرية على السودان، ثم مرحلة تفجر الصراع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والذي بدا من منتصف أبريل عام 2023، ولا يزال مستمرًا  دون أفق واضح لوقت الاقتتال؛ ليضع الدولة السودانية أمام تحديات كبيرة.

والكتاب كما ذكرنا مكون من أربعة أقسام: القسم الأول منه فيه موضوع بعنوان “تقاسم السلطة في السودان- إشكاليات النموذج وصعوبات التطبيق” للدكتور أحمد أمل -رئيس وحدة الدراسات الإفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية؛ حيث يشير الكاتب إلى العدد الأكبر من  اتفاقات تقاسم السلطة  كان في إفريقيا، وتشير العديد من التجارب إلى حقيقة أن اتفاقات تقاسم السلطة تتسم بطبيعة غير مستقرة؛ إذ لا تتجاوز نتائجها الإيجابية المدى القصير بحيث تفتقر على تحقيق (فض اشتباك) بالمعنى الحرفي في الحروب الأهلية، والمعنى المجازي في حالة الأزمات السياسية المعقدة. أما على المدى المتوسط والطويل، فقد أثبتت هذه الاتفاقات، أنها غير قابلة للاستدانة والنجاح بدرجة كبيرة، فغالبًا ما تعجز عن تجاوز الأوضاع المؤقتة إلى أوضاع مستدامة ومستقرة.

فرغم اتفاق تقاسم السلطة في السودان، الذي تم في أغسطس 2019، إلا أن مؤسسات الحكم الانتقالي عانت منذ اليوم الأول من مشكلات متعددة، بعضها موروث من سنوات حكم البشير والبعض الآخر جاء نتاج التغيير السياسي الحاد الذي شهدته البلاد، استتبع تغيرات اقتصادية واجتماعية لم تقل عنها حدة، وتتمثل أهم التطورات التي ظهرت في السودان خلال عام من الحكم الانتقالي هو تفاقم المشكلات الأمنية في مناطق عديدة بالإضافة إلى المشكلات الاقتصادية، والتقدم البطيء في ملف تفكيك نظام الإنقاذ، وتعقد مفاوضات السلام وعدم الوصول لاتفاق مع الفصائل المسلحة.

أما الموضوع الآخر في هذا القسم فعنوانه ” السلام الصعب في السودان بين الوثيقة الدستورية واتفاق جوبا ” لنسرين الصباحى – باحثة في وحدة الدراسات الإفريقية؛ حيث تشير إلى أن السلام أصبح هدفًا حاسمًا ومن أولويات المرحلة الانتقالية في السودان لإنهاء الحروب وإنعاش اقتصاد البلاد المثقل بالديون من خلال خفض الإنفاق العسكري، الذي يشغل جزءًا كبيرًا من الميزانية الوطنية في ظل التزام الحكومة الانتقالية بألا تُجرى انتخابات عامة وعدم عقد أي مؤتمر دستوري قبل تحقيق اتفاق سلام، وبذلك تضمنت الوثيقة الدستورية إنشاء لملف السلام كأولوية.

وتتفاوض الحكومة الانتقالية السودانية منذ أشهر مع الحركات المسلحة في جوبا (عاصمة جنوب الســـــودان) وفق خمسة مسارات: دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق، وسط السودان، وشمال شرق الســـــودان؛ حيث يتناول كل مسار قضايا إقليم معين، وذلك حصر للمشكلة في إطارها المكاني وللسيطرة عليها عبر دراساتها وبحث ومناقشة أسبابها الجذرية، وهذه المسارات ليست منفصلة، لكنها سارت في اتجاهات فرعية لكي تعالج القضايا الإقليمية. بالإضافة إلى البدء في فك الاشتباك المباشر من خلال إعادة تقييم ملف الترتيبات الأمنية بين المجلس العسكري والحركات المسلحة، وتحديد الجدول الزمني للمفاوضات مع الحركات المسلحة في الرابع و العشرين من يونيو 2019؛ حيث تم إنشاء لجنة التواصل مع الحركات المسلحة فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلام، مع تأكيد ضرورة التوصل إلى رؤى وتفاهمات مشتركة بما يحقق السلام.

ثم بعد ذلك، اتفاق “جوبا للسلام” في أغسطس 2020، وتم التوقيع رسميًّا على اتفاق السلام بين الحكومة السودانية وأربع حركات مسلحة بعد عشرة أشهر من مفاوضات شاملة بوساطة من حكومة جنوب السودان، وشمل الاتفاق تفاهمات تفصيلية حول: قضايا تقسيم السلطة والترتيبات الأمنية، وتعويض ضحايا الحرب والأمن والعدالة الانتقالية، وتقاسم السلطة وقضية النازحين واللاجئين، ووقف الحرب، واحترام التعدد الديني والثقافي، وما إلى ذلك. وشهد هذا الاتفاق إشادة عالية من الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وبعد ذلك حرص المجتمع الدولي على دعم المرحلة الانتقالية، وإعادة دمج وانخراط السودان مرة أخرى على الصعيدين (الإقليمي، والدولي)، ودعم من الدول ذات العلاقات المباشرة بالحركات المسلحة أيضًا (جنوب السودان، وتشاد، وإريتيريا)، ودول حريصة على الاستقرار في السودان لتجنب تصدير مشكلات أمنية للخارج (مصر، وإثيوبيا)، وقوى إقليمية ذات علاقة وثيقة بالسودان (الإمارات، والسعودية، وقطر).

وعلى كلٍّ، فهذه المرحلة من اتفاق السلام بداية حسم ملف الصراعات الداخلية من أجل تيسير انفتاح السودان وتطبيع العلاقات مع المجتمع الدولي للمساعدة في التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية، وإزالة كافة آثار الحروب والصراعات في البلاد وإعادة ترتيب المشهد السياسي الداخلي في السودان؛ ولذا ينبغي  للحكومة السودانية أن تستخدم اتفاق جوبا للسلام كفرصة لإنهاء جميع النزاعات المسلحة في السودان، ومن ثم التوصل إلى السلام الشامل.

وموضوع آخر في هذا القسم بعنوان “السياسة الخارجية السودانية في المرحلة الانتقالية -مسارات كسر عزلة السودان الدولية” للسيد/عبد المنعم علي، باحث في وحدة الدراسات الإفريقية؛ حيث يقول إن التحولات السياسية الخارجية السودانية شكلت إحدى النتائج الحتمية لتطور المشهد السياسي السوداني الداخلي الناجم عن الحراك الشعبي منذ نهاية عام 2018، وما شهدته البنية السياسية من تغيرات هامة، ترتب عليها عزل الرئيس السابق “عمر البشير” الممتدة ولايته لربع قرن.

وقد شهد ملف العلاقات الخارجية للسودان تطورًا هامًا، وإيجابيًّا وحراكًا ناجحًا، عقب التطورات الداخلية التي غيرت المشهد السياسي الداخلي، هذا التطور الإيجابي لم يعد قاصرًا على دائرة خارجية بعينها، بل يشهد حالة من التنوع الكبير الذي يستهدف تعزيز المصالح السودانية، وهو ما عكسته الزيارات رفيعة المستوى المتتالية بين مسؤولي الخرطوم ونظرائهم بالدول العربية والإفريقية وكذلك الغربية، الأمر الذي يعيد للسودان توازنه ونشاطه مرة أخرى. وعلى كلٍّ، يمكن القول بوجود إستراتيجية سودانية واضحة الملامح تسعى إلى خلق علاقات دبلوماسية قوية مع أطراف متعددة أحدثت قطيعة مع الماضي، وأصبحت أكثر قدرة على دعم الجهود السودانية لاستعادة مكانتها الإقليمية والعالمية في المستقبل.

أما القسم الثاني من الكتاب فعنوانه “أزمات الهامش المتصاعدة”. وفيه موضوع بعنوان ” مسار سلام دارفور- إشكالية النص وعقبات التنفيذ ” لشيماء البكش- باحثة بوحدة الدراسات الإفريقية، وتقول في موضوعها إن مسار دارفور جاء واحدًا من ضمن مسارات متعددة اشتمل عليها اتفاق جوبا للسلام؛ حيث كان لمسار دارفور النصيب الأكبر من الاتفاق، باعتباره الإقليم الأكثر تضررًا من آثار الماضي، وباعتباره الأكثر احتياجًا إلى إنفاذ متطلبات الأمن والتنمية في مرحلة الانتقال الديمقراطي التي تمر بها البلاد؛ فقد اشتمل اتفاق جوبا بالإضافة إلى اتفاق القضايا القومية على خمسة مسارات جهوية، منها: مسار دارفور، الذي اشتمل بدروه على ثمانية بروتوكولات تضمنت: تقاسم السلطة، وتقاسم الثروة، والعدالة الانتقالية، والمعوقات، وما إلى ذلك إلى حد النازحين واللاجئين، والترتيبات الأمنية، إلا أن حالة الأمن هي التي تمثل التحدي الأكبر أمام اتفاق السلام؛ حيث إنه لا تنمية دون تحقيق اتفاق شامل، وهو ما يواجه عقبات وتحديات عديدة، أو يواجه إنفاذ الترتيبات الأمنية؛ فهناك تحديات هيكلية تتعلق بصعوبة الدمج والتسريح وإعادة هيكلة الجيش وفق عقيدة وطنية احترافية، فحتى الآن لم تتشكل القوات المشتركة في دارفور فضلًا عن صعوبة حصر أعداد الحركات المسلحة وهي معضلة لم يعالجها الاتفاق. وعلى كلٍّ، فمشكلات إقليم دارفور المزمنة ترجع إلى عوامل تاريخية وهيكلية مرتبطة بالصراع على اقتسام السلطة، لذلك فإن توقيع اتفاق سلام جوبا، وتراجع العمليات العسكرية التي تشنها الحركات المسلحة، لن يسهما وحدهما في إحلال السلام المجتمعي في دارفور، دون وجود آليات واردة حقيقية لتقاسم الثروة والسلطة على نحو عادل، وتحقيق تنمية متوازنة في الإقليم.

أما الموضوع الثاني فعنوانه “أزمة العلاقات بين المركز والهامش في السودان – قراءة من منظور اقتصادي” لهايدي الشافعي – باحثة بوحدة الدراسات الإفريقية؛ حيث استحوذ المركز لسنوات طويلة في السودان على السلطة والثروة، مما أدى إلى تركيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في وسط السودان، بينما تركزت المناطق الطرفية التي تذخر بثروات هائلة دون تنمية عادلة ما رسخ في أذهان سكانها الشعور بالظلم والتهميش.

وتتناول هذه الورقة “أزمة المركز والهامش”، التي تعاني منها أقاليم السودان، لكن من منظور اقتصادي؛ لتبحث ما إذا كانت الأقاليم الطرفية تعاني بالفعل من أزمة التهميش أم أنها انعكاس لأزمة سياسية وصراع على السلطة، وللتحقق من ذلك تتناول الورقة مدى توافر الثروات في الإقليم الطرفية وملامح التهميش الاقتصادي التي نعاني منه، والأسباب التي رسخت الشعور بالتهميش لدى سكان هذه الأقاليم، ومن ثم أحقيتها في تحقيق التنمية العادلة والمتوازنة.

على كلٍّ، فالثراء الذي تمتاز به أقاليم السودان الطرفية مع الوقت تحول إلى لعنة ضربت سكانها، فمع زيادة التنافس بين القبائل المختلفة على الثروات والسلطة ازدادت الصراعات في ظل الشعور العميق بالظلم والتهميش واستغلال “المركز” مواردهم دون عوائد مرضية، على مدى سنوات طويلة فتحولت الصراعات من اقتصادية إلى صراعات سياسية ومواجهات عسكرية في بعض الأحيان، وصلت هذه المطالبات بالحكم الذاتي وحق تقرير المصير. وعلى الرغم من فشل اتفاق سلام دارفور في تحقيق توافق كامل حوله، فإن الوصول إلى اتفاق أمر لا مفر منه للخروج من الأزمة الحالية في السودان، وتحقيق الاستفادة القصوى من الثروات الهائلة التي تزخر بها البلاد، ومن ثم تحقيق سلام شامل.

أما القسم الثالث، فهو بعنوان “تعاظم الأزمات السياسية والانزلاق للعنف”، وهذا القسم فيه موضوع بعنوان “فرص وتحديات الوساطة الأمريكية السعودية بالسودان” لصلاح خليل – خبير بوحدة الدراسات الإفريقية؛ حيث هدت الوساطة السعودية الأمريكية إلى تقريب وجهات النظر بين المكونين (العسكري، والمدني)، وتشجيع الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات ومساعدة شريكي الحكم في مرحلة الانتقال، ومن ثم إجراء انتخابات نزيهة، فالمبادرة السعودية الأمريكية داعمة لجهود المبادرة الثلاثية المكونة من (الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة الإيجاد)، وبالتالي تقوم كطرف مساعد بالضغط على المكونين (العسكري، والمدني) من أجل تنفيذ مخرجات الحوار، تفاديًا لانهيار البلاد في ظل تردي الأوضاع (الأمنية، والاقتصادية، والاجتماعية) مصحوبة ببنية سياسية هشة.

وقد واجهت المبادرة تحديات عديدة؛ لأن المكون العسكري لا يزال متمسكًا بشمول الحوار دون إقصاء أحـــــــد، وتطلب الحرية والتغيير بشروط شبه تعجيزية، كما تسيطر على قوى التغيير انقسامات كبيرة في الحاجة السياسية للحرية والتغيير، وتآكل كبير لرصيدها في الشارع نتيجة لتدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية، ومما لاشك أن المبادرة السعودية الأمريكية مع المبادرة الثلاثية تمثل ضغوطًا كبيرة على الحرية والتغيير من أجل تشكيل حكومة تصريف أعمال، ولكن الحرية والتغيير ترفع من سقف مطالبها المتمثلة في (لا شراكة، لا تفاوض، لا مساومة)، وذلك رغبة منها في الحصول على أكبر قدر من المكاسب في هذا السياق المعقد.

أما الموضوع الآخر فهو بعنوان ” أحداث النيل الأزرق والأزمة في السودان – تراجع الدولة وعودة القبليـــة ” لصلاح خليل خبير بوحدة الدراسات الإفريقية؛ حيث شهدت منطقة جنوب النيل الأزرق في منتصف يوليو 2022، اشتباكات قبلية بين قبيلتي (الهوسا، والبرتي) في مناطق (الرصيرص، قيسان، ود الماحي) في ولاية النيل الأزرق، واشتباكات أخرى نتيجة خلافات قبلية بينهم في قبائل (الأنقسنا، والهوسا)، ونتيجة لتلك الخلافات تم تهجير نحو 200 ألف شخص من قراهم نتيجة العنف الطائفي والقبلي في ولاية النيل الأزرق. فتقول الكاتبة: إن مستقبل السودان بات مهددًا كدولة في ظل حالة الارتباك الراهن في ظل حالة التأزم الداخلي على خلفية الصراع على السلطة بين مكوناتها (المدنية، والعسكرية)، ومن ثم صعود النزاعات المحلية والقبلية والثورة بدلًا من أن تقدم الخير للبلاد، فإنها تعيد المجتمع إلى مرحلة القبلية التي تنذر باتجاه نحو الفوضى ومزيد من الانقسامات.

أما القسم الرابع، فهو بعنوان تفجر الصراع بين القوات المسلحة والدعم السريع ويبدأ بموضوع “التحديات المعيقة لتوقيع الاتفاق السياسي النهائي في السودان”؛ حيث تم تأجيل التوقيع على الاتفاق السياسي النهائي في السودان عن موعده المحدد سلفًا في السادس من أبريل 2023، وذلك بعد عقد سلسلة من المحادثات والمفاوضات المكثفة برعاية (الاتحاد الإفريقي، ومنظمة الإيجاد، وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية)، وبدعم دولي وإقليمي كبير استهدف النقاط الخلافية المتباينة بين الفرقاء السودانيين بهدف استعادة مسار التحول المدني الديمقراطي، وكان من المقرر بعد التوقيع على الاتفاق النهائي تشكيل هياكل السلطة الانتقالية في الحادي عشر من أبريل 2013.

ومع استمرار الخلافات السياسية تم تأجيل التوقيع للمرة الثانية، ودعت القوات السياسية ولجان المقاومة للمشاركة في المظاهرات السلمية في السادس من أبريل 2023، ورغم ذلك لا يزال من المستهدف في ظل الضغوط المتصاعدة إتمام التوقيع في المستقبل وفق المبادئ المتفق عليها، مما سيسمح بعض الشراكة الحديثة العسكرية في الحكم، وتشكيل حكم انتقالي مدني خالص للمرة الأولى، لكن تبقى عملية تنفيذ الاتفاق السياسي؛ حيث تواجهه مجموعة من التعقيدات والعقبات، أبرزها: عدم انخراط كافة الأطراف الفاعلين في المشهد السياسي، وانسحاب البعض الآخر من الاتفاق الإطاري، وتفاقم أزمة انعدام الثقة بين شركاء الحكم الانتقالي، واتساع نطاق توظيف العنف القبلي في (شرق السودان، ودارفور، والنيل الأزرق)، والمخاطر المترتبة على عملية التسريح غير المنظم للحركات المسلحة.

هذا وقد شهدت السودان مؤخرًا اضطرابات متصاعدة تعكس مستوى متقدم من الاستقطاب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بداية من الثاني عشر من أبريل 2023، بما ينذر بالمزيد من تنافر المواقف السياسية بين الجانبين وظهور احتمالات لوقوع مواجهات عسكرية مسلحة مباشرة بينهما، قد تعصف بما تبقى من استمرار للدولة السودانية. كما تمثل المواجهات المسلحة المباشرة بين القوات السودانية وقوات الدعم السريع المؤشر الأكثر خطورة على انهيار كامل للدولة السودانية، بما تستدعي إلى سلسلة من التفاعلات الصراعية التي ستنخرط فيها كافة الفصائل المسلحة، واللاعبون الإقليميون من جيوش الدول وقوات تابعة لتنظيمات إرهابية. وقد غلب على القوى السياسية السودانية تبني النهج الحذر في التعامل مع الأزمة الحالية، وينتظر رفض القوى السياسية للاشتباكات وسعيها للتهدئة.

وعلى كلٍّ، فنظرًا للوضع غير الطبيعي لقوات الدعم السريع كجيش موازٍ يتمتع باستقلالية كاملة مع القوات المسلحة السودانية، ويؤدي أدوارًا سياسية واقتصادية واسعة كان مآله الطبيعي تفجر الصراعات بينه وبين القوات المسلحة.

أما عن الموقف الأمريكي من المواجهات المسلحة في السودان، فلا تزال الولايات المتحدة تتعامل مع الموقف في السودان من خلال الآلية الرباعية التي شكلتها مع (بريطانيا، والسعودية، والإمارات) خلال أزمة الإطاحة بحكومة عبد الله حمدوك الثانية في أكتوبر 2021، والتي بلورت من خلالها موقفا دوليًّا وإقليميًّا رافضًا الاعتراف بشرعية قرارات البرهان وما ترتب عليها، مما أدى في النهاية إلى تعطيل تشكيل أي حكومة سودانية والاكتفاء بمسؤولين تصريف الأعمال على رأس كل وزارة.

وتتمحور اتجاهات الموقف الأمريكي في المستقبل على منع انتصار حاسم لقوات الدعم السريع عسكريًّا يؤهلها لأداء دور مركزي في حكم السودان في المستقبل من دون أي تدخل مباشر، معتمدة على الفارق الكبير في القدرات بين القوات المسلحة والدعم السريع، والاستفادة من إضعاف القوات المسلحة السودانية واستهلاكها في مواجهات عسكرية شاقة، وتعزيز فرص انتقال عاجل للسلطة الانتقالية وبصورة نهائية لحكومة مدنية، وفرض حالة من الاستقرار الإقليمي في السودان بالتوازي مع إثيوبيا ومن قبلها الصومال بحل غالبية القضايا العالقة، التي تسببت في توترات متكررة على امتداد السنوات الأربع الماضية، والتي خلقت فرصًا للتدخل استغلتها كلٌّ من (روسيا، والصين) بصورة مطردة لتعزيز حضورهما في القرن الإفريقي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى