إن أحد الملامح الحاكمة لتفاعلات عام 2025 هو تزايد أثر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في تحولات الشرق الأوسط المستقبلية والاتجاه نحو عقد “صفقات” مع دول الإقليم، ويبرز في هذا السياق احتمال توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية بين دول عربية وإسلامية من جانب وإسرائيل من جانب آخر، وهو ما يتزامن مع قمة الجموح الإسرائيلي سياسيًّا وعسكريًّا في الشرق الأوسط بعد حرب غزة الخامسة؛ حيث ستشمل هذه الاتفاقيات – وَفقًا لتصريحات وتقديرات رسمية وغير رسمية- “اعتراف” سوريا، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، وقطر، وموريتانيا، وربما دول عربية وإسلامية أخرى، مثل (السودان، وإندونيسيا)، بإسرائيل وإقامة علاقات رسمية معها.
وهي الموجة الثانية من الاتفاقيات التي تلت الموجة التي برزت جليًّا عام 2020، وشملت (الإمارات، والبحرين، والمغرب) وتضمنت اتفاقيات في مجالات: الاقتصاد، والطيران، والمياه، والطاقة، والصحة، والسياحة، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، فضلًا عن التعاون في المجال العسكري والأمني. وتقوم فكرة الاتفاقيات على فك الارتباط بين القضية الفلسطينية والدول العربية، وعدم ربط العلاقات مع إسرائيل بأي تقدم في مسار الحل السياسي للقضية الفلسطينية، أو اشتراط قيام دولة فلسطينية قبل عقد أي اتفاقيات سلام مع إسرائيل، وهو ما عبَّر عنه نتنياهو في أعقاب إبرام اتفاقيتي السلام مع الإمارات والبحرين عام 2020، بالقول إن السلام في هذه الحالة مقابل السلام وليس الأرض (فلسطين).
أولًا: المحدِدات الحاكمة لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية في الشرق الأوسط
إن هناك مجموعة من المحددات التي تدفع في اتجاه توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، خلال المرحلة المقبلة، على النحو التالي:
1- محورية توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية كأحد الأهداف الرئيسة لإدارة الرئيس دونالد ترامب: تمَّت الاتفاقيات الإبراهيمية برعاية ودعم من إدارة الرئيس دونالد ترامب، وقد اعتُبرت أحد أبرز إنجازات إدارته على مستوى السياسة الخارجية، ويشير اتجاه في الكتابات إلى محورية تأثير الرئيس ترامب في التحولات التي قد تشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال إدارته الثانية، وصرح ترامب في أكثر من مرة لوسائل إعلام أمريكية إنه سيستفيد من زخم الاتفاق لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، التي أُبرمت خلال ولايته الأولى بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
إذ أوضح مبعوث الرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط “ستيف ويتكوف” في تصريح لشبكة “إن بي سي” الأمريكية بتاريخ 26 يونيو 2025، أن “التوسعة المرتقبة للاتفاقيات الإبراهيمية تندرج ضمن أولويات الإدارة الأمريكية الحالية، ونحن نعمل على ذلك بالتنسيق مع وزارة الخارجية- نعتقد أنه ستكون لدينا أمور كبيرة للإعلان عنها بشأن الاتفاقيات” مؤكدًا أن المنطقة ستشهد قريبًا إعلانات هامة لدول جديدة تنضم إلى هذا المسار. ولم يفصح المبعوث الأمريكي عن أسماء الدول التي تدخل في اتفاقيات تطبيع مع تل أبيب، لكنه ألمح إلى أن هذه الخطوات تجري في إطار سياسي محسوب وتنسيق واسع مع أطراف إقليمية فاعلة.
وتعد سوريا أحد الدول العربية المرشحة للتطبيع مع إسرائيل؛ حيث التقى الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الأربعاء بالرياض الرئيس السوري الانتقالي “أحمد الشرع” في أول اجتماع من نوعه منذ 25 عامًا، في منتصف مايو 2025، غداة إعلانه قرار رفع العقوبات عن دمشق التي رحبت بالخطوة واعتبرتها “نقطة تحول محورية”. فقد برزت في الشهور الأخيرة عديد من الإشارات -المباشرة وغير المباشرة- بخصوص اتجاه دمشق لتهدئة العلاقات وربما إبرام اتفاق سلام مع تل أبيب، لكن دون تأكيدات رسمية أو خطوات عملية تؤكد ذلك.
ويمكن القول إن أبرز الإشارات المباشرة جاء على لسان المبعوث الأمريكي إلى سوريا “توم باراك” يوم 29 يونيو 2025، عندما قال: “إن الرئيس السوري، أحمد الشرع، أوضح أنه لا يكره إسرائيل، وأنه يريد السلام على هذه الحدود”. ويأتي ذلك بعد جملة من التطورات الميدانية في دمشق بعد سقوط نظام الأسد، والتي شملت توغل القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة منزوعة السلاح في هضبة الجولان، وشنَّ مئات الغارات الجوية على مواقع عسكرية سورية؛ لمنع السلطات الجديدة من السيطرة على ترسانة الجيش السوري السابق.
وكذلك هناك إشارات إلى قطر كأحد الدول التي تسعى إدارة ترامب إلى ضمها لاتفاقيات التطبيع مع إسرائيل خلال المرحلة المقبلة؛ إذ قال مبعوث ترامب للشرق الأوسط “ستيف ويتكوف” في مقابلة مع قناة فوكس نيوز، في 22 يناير 2025: إنه يعتقد أن “جميع دول المنطقة يمكن أن تلحق بركب الجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل”، ويعتقد أن “الولايات المتحدة تستطيع إدخال قطر في المسار للتطبيع مع إسرائيل”.
2– المسعى الإسرائيلي لإنهاء العزلة الإقليمية للدولة العبرية، وفتح باب التعايش معها رغم استمرار الاحتلال لعدة أراضٍ عربية، على نحو يؤدي إلى مركزية القضية الفلسطينية، خاصّةً مع إيجاد إسرائيل بدائل تساوم بها، وتخلق أُطرًا للتعاون، مثل: استغلال المخاوف من إيران، وكذلك الحد من تهديدات التنظيمات الإرهابية، وقدمت نفسها حليفًا في مواجهة “التحديات والمخاطر المشتركة”، ملوِّحةً في الوقت ذاته بالفوائد الاقتصادية، وبأنَّها مفتاح حلول المشكلات في مجالات المياه والطاقة ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات في مجالات الزراعة والبيئة والتكنولوجيا، إلى أمن الحدود، بخلاف الترويج لأن تل أبيب هي مفتاح العلاقة مع واشنطن.
3- سعي حكومة نتنياهو إلى تدشين الحقبة الإسرائيلية في الشرق الأوسط: وهو عامل يرتبط بالسبب الثاني؛ حيث شكلت أحداث 7 أكتوبر نقطة تحول إستراتيجية بحيث دفعت إسرائيل إلى إعادة تقييم أولوياتها الإستراتيجية؛ إذ يسود تصور لدى نخبة الحكم في إسرائيل، سواء القيادة السياسية أو المؤسسة العسكرية أو الأجهزة الأمنية والاستخبارية في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023، أنها تواجه “لحظة محورية من الخطر والفرصة، وأي تحولات تحدث الآن من المرجح أن تؤثر على المنطقة بأكملها لعقود من الزمن”، لاسيما بعد زعزعة المبادئ الثلاثة الأساسية من العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي وهي: الإنذار، والردع، والدفاع، فضلًا عن الحسم، الأمر الذي يفسر غطرسة القوة التي تمارسها في الإقليم حتى اللحظة الأخيرة من التوصل لقرار وقف إطلاق النار في جبهة لبنان وغزة. ولعل ذلك يتفق مع تيار رئيس في الكتابات يشير إلى الحقبة الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تعمل إسرائيل على تغيير ملامح الشرق الأوسط ليكون جديدًا، كما أكدت تصريحات مختلفة لرئيس الوزراء “نتنياهو” بعد تبعات حرب غزة؛ إذ دمرت إسرائيل معظم قدرات “حماس” وقيادتها وبنيتها التحتية. كما تكبد “حزب الله” خسائر فادحة في لبنان، بما في ذلك القضاء على قيادته حتى الصف الثالث وتدمير معظم ترسانته الصاروخية. ويمثل انهيار الأسد ضربة قاسية لـ “محور المقاومة” الإيراني، علاوة على استباحة السيادة السورية وتعزيز السيطرة على (هضبة الجولان، وجبل الشيخ، والقنيطرة) وإلغاء اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في عام 1974، والتوغل في المزيد من الأراضي في الجنوب السوري. وتعمل على استكمال القضاء على جزء كبير من القوات الجوية السورية، والدفاعات البحرية الجوية، ومخزونات الأسلحة الكيميائية ومواقع الإنتاج، والصواريخ والدبابات وأصول أخرى. فإسرائيل لن تتسامح مع أي تحدٍ لهيمنتها العسكرية، بل تعمل على توجيه رسائل بقدرتها على الوصول لأي فاعل يهدد أمنها الوطني، فضلًا عن محاولة التحول إلى قوة سياسية مهيمنة في الإقليم.
4- تراجع نسبي لنفوذ إيران ووكلائها في تشكيل مسار التفاعلات الإقليمية: واجهت إيران اختبارات صعبة على المستويين (الداخلي، والخارجي)، خاصة التداعيات التي فرضتها الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة وبعد ذلك في لبنان، فضلًا عن تفاقم أزمة البرنامج النووي، وهو ما قاد إلى مواجهات عسكرية محدودة بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران من جهة أخرى، وعلى الرغم من التأثيرات السلبية التي طالت طهران وتل أبيب من حرب الـ 12 يوم، لكن حدة التأثير لحقت بطهران بدرجة أكبر، على نحو يقود إلى تآكل نفوذ إيران في الإقليم. وهنا، برز اتجاه في الكتابات يشير إلى أنه من المحتمل تكون الحرب بين إيران وإسرائيل قد عجلت بولادة “شرق أوسط جديد” يتوحد فيه الدول العربية وإسرائيل في مواجهة المشروع الإيراني.
وفي ظل هذه التحولات، ستكون الإعلانات المرتقبة بشأن توسع الاتفاقيات الإبراهيمية اختبارًا حقيقيًّا لمدى نضج المسار السياسي الجديد. ولذا، أفصح رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في بيان بتاريخ 27 يونيو 2025، عن فرص جديدة يجب على بلاده ألا تفوِّتها، وتحدث نتنياهو عن انتصار إسرائيل في حربها ضد إيران، وقال: إنه “يتيح فرصة لتوسيع نطاق اتفاقيات السلام بشكل هائل”، مضيفًا: “نعمل بنشاط من أجل تحقيق ذلك”، وأضاف نتنياهو: “لقد كسرنا المحور… هذا تغيير هائل ومكانة إسرائيل آخذة في الارتفاع، ليس فقط في الشرق الأوسط بل في العالم أيضًا، هذا تحول هائل”. ووفقًا لوجهة النظر هذه، يتوقع رئيس الوزراء الإسرائيلي انضمام المزيد من الدول إلى الاتفاقيات الإبراهيمية بعد إضعاف إيران.
5- التحولات الداخلية المتسارعة في دول الإقليم بعد حرب غزة الخامسة: شهدت تفاعلات منطقة الشرق الأوسط عام 2025 تحولات زلزالية، وهي هجمات 7 أكتوبر وما ارتبط بها من حرب غزة الخامسة وغياب قيادات تاريخية لحركة حماس وإضعاف نفوذ حزب الله وسقوط نظام الأسد، ولم يكن أحد يتخيل حجم هذه التحولات وتأثيرها على الأوضاع الداخلية والتفاعلات الإقليمية، وتشير الاتجاهات العامة في 2025 إلى صراعات جيوسياسية أوسع وتوازنات مختلفة في التحالفات الإقليمية، فضلًا عن تبلور تصور رئيس لدى القوى الإقليمية الرئيسة مفاده أن تكلفة السلم والتعاون أقل من تكلفة الحرب والصراع.
التطورات المتسارعة الجديدة التي يشهدها الإقليم بما في ذلك الانكفاء الروسي -وسط الانشغال بحرب أوكرانيا- وكذلك الضغوط الأمريكية والغربية على طهران، فضلًا عن التغير في مقاربات بعض الحكومات العربية تجاه إسرائيل، وسط حسابات تتجاوز الصراع التقليدي_ تدفع في اتجاه توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية؛ فنجاح الاتفاقيات الإبراهيمية في فتح قنوات التواصل العلني بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، قد يشكل ضغطًا إضافيًّا على دول أخرى، ومنها الحكومة السورية؛ لإعادة تقييم مواقفها التقليدية، في ظل معادلات جديدة للنفوذ الإقليمي وشبكات المصالح الإستراتيجية.
ثانيًا: التحديات الضاغطة لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل ودول الإقليم.
هناك مجموعة من التحديات التي قد تعوق توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، على النحو التالي:
1- السعي الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية: لا يزال الصراع المستمر الفلسطيني الإسرائيلي يشكل عقبة رئيسة أمام توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية، وهو ما يتطلب إيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية لضمان مشاركة أوسع للدول العربية في تلك الاتفاقيات، فعلى سبيل المثال: السعودية من بين الدول التي يُنظر إليها على أنها مرشحة محتملة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولكن قيادتها السياسية ووزير خارجيتها أكدت على ضرورة حل القضية الفلسطينية أولًا، وأعرب ولي العهد السعودي في أكثر من تصريح عن أمله أن تؤدي المفاوضات “إلى نتيجة تجعل الحياة أسهل للفلسطينيين”.
وتجدر الإشارة هنا إلي بيان 27 يونيو 2025، للوزير بتسلئيل سموتريتش قائلًا: “سيدي رئيس الوزراء، ليكن الأمر واضحًا، ليس لديك أي تفويض، ولا حتى مجرد تلميح أو كلمة… إذا كانت هناك دول تريد السلام مقابل السلام فمرحبًا بها، لكن إذا أرادت أي دولة إقامة دولة فلسطينية، فعليها أن تنسى هذا الأمر، لن يتحقق ذلك”. وما يشير إلى السعي الإسرائيلي لتصفية القضية الفلسطينية إعلان حكومة تل أبيب احتلال أو السيطرة على ما تبقى من قطاع غزة.
2– الهواجس الأمنية تجاه سلوكيات الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة: لدى بعض الدول العربية مخاوف أمنية بشأن التطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظل استمرار التوترات في المنطقة، وهو ما يتطلب معالجة هذه المخاوف من خلال إجراءات بناء الثقة وتعزيز التعاون الأمني. ولا يبدو أن ذلك سيحدث في ظل استمرار حرب غزة، ومواصلة الضربات الإسرائيلية على معاقل حزب الله في جنوب لبنان، والتأكيد على أن هضبة الجولان السورية المحتلة ستبقى “جزءًا لا يتجزأ” من إسرائيل في أي اتفاق سلام محتمل. كما أن الموجة الأولى من الاتفاقيات الإبراهيمية لم تؤدِّ إلى تعزيز عناصر الاستقرار والتنمية والتعايش وتخفيف التوترات في الإقليم بل زادت حدتها.
3- الرفض الإسرائيلي لاشتراطات الدول العربية للتطبيع مع تل أبيب: على الرغم من توضيح مسؤولي بعض الدول بوجود نية للتطبيع مع إسرائيل؛ حيث صرح ولي العهد الأمير “محمد بن سلمان” في عام 2024، بأن التطبيع بين الرياض وتل أبيب “يقترب كل يوم أكثر فأكثر”. كما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” حينها- من على منبر الأمم المتحدة- أن بلاده على “عتبة” إقامة علاقات مع السعودية، إلا أن إسرائيل ترفض المسعى السعودي لتوقيع اتفاق أمني مع واشنطن ودعم الأخيرة برنامجها النووي المدني. ولدى افتتاحه أعمال السنة الأولى من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، أكد ولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان” في 2024، رفض بلاده تطبيع العلاقات مع إسرائيل دون قيام الدولة الفلسطينية. وكذلك قال الرئيس الجزائري “عبدالمجيد تبون”: “إن الجزائر ستكون على استعداد لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، في اليوم الذي تُقام فيه دولة فلسطينية كاملة”، وذلك في مقابلة مع صحيفة “لوبينيون” الفرنسية بتاريخ 2 فبراير 2025.
4– ازدياد المعارضة الداخلية للتطبيع مع إسرائيل: قد تواجه الدول التي تسعى لتطبيع العلاقات مع إسرائيل معارضة داخلية من قبل القوى السياسية والشعبية التي ترفض الدخول في مسارات التطبيع المختلفة، وترى أنه يتعذر المضي قدمًا في تطبيع العلاقات مع إسرائيل؛ لأنه يعزز من نفوذها ويخصم من رصيد التيارات المناوئة لها، لاسيما في ظل ممارستها تجاه الشعب الفلسطيني؛ فإسرائيل تسعى لتوسيع “الاتفاقيات الإبراهيمية” لتحقيق عدة أهداف إستراتيجية واقتصادية، من بينها تعزيز مكانتها الإقليمية، وتشكيل تحالفات جديدة لمواجهة التحديات المشتركة، خاصة مع تصاعد التهديد الإيراني.
كما تهدف إسرائيل إلى الاستفادة من التعاون الاقتصادي مع الدول العربية، والحصول على دعم إضافي في مواجهة القضية الفلسطينية؛ حيث ترى بعض الأطراف في إسرائيل أن توسيع الاتفاقيات قد يساعد في تخفيف الضغوط الدولية عليها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وقد يؤدي إلى تهميش القضية الفلسطينية في المفاوضات المستقبلية.
5- القضايا العالقة بين إسرائيل والدول العربية المتطلعة للتطبيع: هناك عدد من الملفات العالقة بين إسرائيل وعدد من الدول التي تطمح إسرائيل للتطبيع معها، فعلى سبيل المثال: ثمة خلاف بين تل أبيب ودمشق بشأن تمدد القوات الإسرائيلية خارج خط وقف إطلاق النار لعام 1974؛ إذ إن إسرائيل تستثمر حالة الضعف العسكري والسياسي السوري لفرض شروط تفاوضية تصب في مصلحتها.
وكذلك الحال بالنسبة للبنان؛ حيث قال الرئيس جوزيف عون أمام وفد مجلس العلاقات العربية والدولية بتاريخ 11 يوليو 2025، إن “السلام هو حالة اللاحرب، وهذا ما يهمنا في لبنان في الوقت الراهن، أما مسألة التطبيع فهي غير واردة في السياسة اللبنانية الخارجية الراهنة”. وكان ذلك أول رد فعل لبناني رسمي على تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي “جدعون ساعر” الذي قال في 30 يونيو 2025، إن إسرائيل “مهتمة” بتطبيع العلاقات مع سوريا ولبنان.
ثالثًا: الآفاق المستقبلية لمسار الاتفاقيات الإبراهيمية في الإقليم.
على الرغم من تعدد الأفاق المستقبلية المحتملة لمسار الاتفاقيات الإبراهيمية بين الدول العربية وإسرائيل، خلال المرحلة المقبلة، إلا أن هناك مسارين محتملين، على النحو التالي:
1- مسار توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية القائمة: يستند هذا المسار إلى أنه يمكن لتوسيع الاتفاقيات الإبراهيمية أن يمثل فرصة؛ إذ يساهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال دعم أطر التعاون الأمني والاقتصادي، ويمكن للدول العربية وإسرائيل الاستفادة من التعاون الاقتصادي في مجالات محددة، مثل: التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والسياحة. كما يمكن للدول العربية وإسرائيل العمل معًا لمواجهة التحديات المشتركة، مثل: التغيرات المناخية، والإرهاب العابر للحدود الرخوة.
وتبعًا لهذا المسار، تُظهر التحولات الإقليمية أن الاتفاقات الإبراهيمية قد تتطور من تطبيع ثنائي بين الدول العربية وإسرائيل إلى إطار إقليمي أوسع؛ إذ أصبحت الاتفاقات منصة لإطلاق تعاون متعدد الأطراف في مجالات، مثل: تنويع مصادر الطاقة، وأمن الغذاء والمياه، وتطوير البنية التحتية، والدفاع الجماعي. وإذا نجحت هذه الجهود، فإن الاتفاقات قد تشكِّل أساسًا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط نحو منطقة أكثر استقرارًا تُبنى على تحالفات براغماتية.
ويدرك تيار رئيسٌ داخل الولايات المتحدة، سواء في إدارة ترامب أو الكونجرس أو مراكز البحث والتفكير ووسائل الإعلام، أن الاتفاقيات يمكن أن توفر لواشنطن مخرجًا من معضلة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تريد التركيز بدرجة أقل على هذه المنطقة وبصورة أكثر على آسيا، إلا أنها تحتفظ بمصالح مهمة في الشرق الأوسط، بما في ذلك منع موجة جديدة من الهجمات الإرهابية، ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وحتى التنافس مع الصين.
غير أن توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية يحتاج لخطوات أمريكية ومسارات لتهدئة الأوضاع تستغرق وقتًا ليس قصيرًا، وربما تعمل إسرائيل على سيناريو القاطرة بمعنى التركيز على التطبيع مع دولة محورية كالمملكة العربية السعودية التي تعتبر رائدة في العالم الإسلامي ووجهة فاعلة في تشكيل الاقتصاد العالمي. وبالتالي، فإن تطبيع العلاقات مع السعودية من شأنه أن يؤدي إلى تعزيز مكانة إسرائيل إلى حد كبير لدى الدول الحذرة عادةً منها، وتعزيز نموها، وربما فتح آفاق جديدة للتعاون العسكري.
وهناك اتجاه في الكتابات يشير إلى أنه يمكن للاتفاقيات الإبراهيمية أن توسع أيضًا نطاق التعامل الدولي مع الشرق الأوسط؛ فقد ساعدت الاتفاقيات لعام 2020 في تمهيد الطريق للمنتدى الرباعي بين (الهند، وإسرائيل، والإمارات، والولايات المتحدة) والذي تم الإعلان عنه في أكتوبر 2021؛ لتحقيق مصالح اقتصادية، ولكنه قد يتوسع في النهاية ليشمل مجالات أخرى، مثل: الأمن البحري. وبدورها، قد تغري هذه الديناميكية دولًا إضافية للانضمام إلى الاتفاقية خشية خسارتها مكاسب منتظرة، فضلًا عن تحفيز الدول الأصغر حجمًا أو الأكثر فقرًا في منطقة الشرق الأوسط للانضمام إلى الاتفاقيات، وفقًا لتأثير “الدومينو”.
2– مسار تراجع فرص التوصل إلى اتفاقيات إبراهيمية جديدة: وفقًا لهذا المسار، فإن التوسع الإضافي في اتفاقيات السلام العربية مع إسرائيل يعالج أحد مصادر الصراع المزمنة في المنطقة، لكنه بالتأكيد لا يحلُّ جميع القضايا، كما أن انضمام دول عربية محورية، مثل: المملكة العربية السعودية إلى الاتفاقات الإبراهيمية سيتطلب تقديم إسرائيل لتنازلات كبيرة بشأن القضية الفلسطينية وقطاع غزة، وهو أمر لا يبدو مرجحًا.
فهناك مساحة لبناء الثقة للتوصل إليها بين أطراف مختلفة؛ حيث توجد مسارات مختلفة ومتوازية تقوم بها إدارة ترامب، ما بين الجهود الدبلوماسية لإنهاء الملف النووي الإيراني وفرض قيود على إيران، وهناك مسار إنهاء الحرب في قطاع غزة والترويج لمشاريع إعادة إعمار، ومسار آخر حول سوريا ولبنان، كل هذه الخطوط تتم بشكل متوازٍ لتهدئة الأوضاع وخطوات بناء الثقة حتى يتم التوصل للخطوات التالية لإبرام هذه الاتفاقات، ولا توجد مؤشرات توحي بذلك.
علاوة على اختلاف الأولويات العسكرية لإسرائيل وللدول العربية المرشحة للتطبيع معها، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن بعض تلك الدول لا ترغب في استفزاز إيران أو تصوير شراكتها الجديدة مع إسرائيل على أنها تستهدف خصومها في المنطقة، ولكن لدى إسرائيل والدول العربية مصلحة مشتركة في ردع سلوك طهران المزعزع للاستقرار الإقليمي ومواجهة الجماعات الإرهابية في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار أن إسرائيل والأطراف الموقعة الأخرى منخرطة بشكل متداخل في النزاعات في جميع أنحاء المنطقة.
ومن ثم، فإن منطقة الشرق الأوسط ستظل تفتقر إلى آلية حقيقية متعددة الأطراف للتعامل مع النزاعات الإقليمية الرئيسة، على الرغم من حاجتها الماسة إليها، في ظل عدم قدرة الاتفاقيات الإبراهيمية على تسهيل الحلول الدبلوماسية لأزمات المنطقة، وإعادة ترتيب أوراقها باتجاه توسيع الحوار الإقليمي، وإدارة الأزمات وليس زيادة تفاقمها مثلما أعلن في أثناء التوقيع على الموجة الأولى من الاتفاقيات بحيث شنت إسرائيل حرب غزة والسيطرة على القطاع وضم أراضي من الضفة الغربية المحتلة.
ومن استعراض التكلفة والعائد لكل مسار، يمكن القول إن المسار الثاني هو الأكثر ترجيحًا خلال الأمد الزمني المنظور؛ إذ يكون احتمال توقيع اتفاقيات إبراهيمية جديدة أقل والعقبات التي أمامه أكبر، لاسيما بعد عدم تقديم نماذج إيجابية في المنطقة عن ثمار وفوائد تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية، وهو مرتبط في الوقت نفسه بتقليص التأثير العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط وما يشكله من تحديات وفرص لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بخلاف تطرف الحكومة الإسرائيلية تجاه ملف حرب غزة.
لذا، من المهم تقييم المدى الذي ساهمت فيه الاتفاقيات الإبراهيمية في تعزيز التعايش الديني. وعلى الرغم مما يقال من جانب الدول الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية بأنها ليست محورًا ضد أي دولة في المنطقة، وإنما فرصة لخلق توازنات جديدة من شأنها الإسهام في إنتاج ديناميَّاتٍ جديدة تحفِّز المضيَ في مسار خلق هيكل للأمن الجماعي الإقليمي المستدام، إلا أن الواقع الإقليمي أشار إلى غياب ذلك.




