يظل هناك دور رئيس للدول العربية، سواء بشكل فردي أو جماعي، في اتجاه التنفيذ الكامل لبنود اتفاق شرم الشيخ، بما يضمن تثبيت التهدئة ووقف الحرب ثم بدء عملية إعادة الإعمار لقطاع غزة، وإنهاء أحد بؤر التوتر المزمنة وعدم الاستقرار الإقليمي الممتد في الشرق الأوسط، من خلال عدة مسارات، وهي: العمل على تعزيز التوافق بين الأطراف الفلسطينية، وتثبيت موقع منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها لتوسيع شرعيتها الداخلية، وفصل التمويل الدولي عن القرار السياسي، وإطلاق مصالحة وطنية قائمة على الشراكة بين السلطة والفصائل الفلسطينية الأخرى، وتسهيل إعادة رفات الجثث الإسرائيلية، وإجراء اتصالات مع القوى الدولية لتثبيت الاتفاق، والدعوة لعقد مؤتمر دولي لإعمار غزة وتعافيه. غير أن هناك جملة من التحديات التي تعوق تثبيت الاتفاق، منها: الشخصية المراوغة لرئيس الوزراء الإسرائيلي وتنصله من تعهداته، والقضايا “العقدة” في المرحلة الثانية من الاتفاق، وأبرزها نزع سلاح حركة حماس والقضاء الكامل على الأنفاق، والسلوكيات غير المنضبطة من حركة حماس- وخاصة مواجهتها مع العشائر الفلسطينية- والتحولات المحتملة في توجهات الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الذي يغلب عليه عدم اليقين، فضلًا عن التكلفة المالية الكبيرة لإعادة إعمار قطاع غزة.
أولًا: اتجاهات التحركات العربية لتنفيذ الاتفاق.
تتمثل أبرز الاتجاهات التي تتحرك في سياقها الدول العربية لتنفيذ اتفاق شرم الشيخ، فيما يلي:
1- تعزيز التوافق بين الأطراف السياسية الفلسطينية: يظل هذا الهدف مرهونًا بتحرك عربي فوري يخص ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، وهو ما تقوم به مصر عبر استضافة الحوارات بين الأطراف الفلسطينية المختلفة، والوصول إلى توافقات مشتركة خاصة بين الفصيلين الرئيسَين (فتح، وحماس)، وقد حضر آخر تلك اللقاءات، في 23 و24 أكتوبر 2025، ممثِّلون عن حركة حماس، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحركة الجهاد الإسلامي، والمبادرة الوطنية الفلسطينية. واتفقت الفصائل على ضرورة توحيد الموقف الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني شامل؛ لتفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، مع تأكيد أهمية استكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، ورفع الحصار بشكل كامل. كما شددت الفصائل على ضرورة البدء الفوري في إعادة إعمار غزة، وفتح المعابر لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والوقود.
كما تعمل مصر على تدريب قوات الأمن الفلسطينية، بمشاركة الأردن، وتشكيل حكومة فلسطينية مؤلفة من تكنوقراط لإدارة الخدمات المدنية اليومية في غزة، بإشراف قوة (هيئة) دولية ستحفظ الحدود والأمن في القطاع، مع منح القوة الدولية التي ستشرف على الوضع الأمني في القطاع لفترة انتقالية “حصانةً أممية” وتفويضًا من قبل مجلس الأمن لسبب رئيس مفاده أنه لا يمكن لأي دولة أن تذهب إلى منطقة صراع مزمنة دون أن يكون هناك سندٌ وقرار وحصانة دولية، فضلًا عن قبول فلسطيني. كما أن مهام القوة المقترحة تتضمن تأمين الحدود مع إسرائيل ومصر، وحماية المدنيين والممرات الإنسانية، ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وتدمير البنية العسكرية لها، والإشراف على الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة.
2- تثبيت موقع منظمة التحرير الفلسطينية: بدت خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” كأنها تجاوزت السلطة الفلسطينية، وهو ما تطلب غطاءً وطنيًّا تمثيليًّا فلسطينيًّا يمنح الخطة حدًّا من القبول المحلي، خصوصًا في ظل حساسية الرأي العام العربي من فكرة “إدارة غزة عبر الوصاية الدولية”. وتأتي مشاركة الرئيس محمود عباس في قمة شرم الشيخ، وإن جاءت بدعوة متأخرة؛ لتؤكد إدراكًا دوليًّا متناميًا بأهمية إشراك السلطة الفلسطينية في أي ترتيبات تخص قطاع غزة بعد الحرب، والمرحلة المقبلة تتطلب المزيد بالدعم العربي لإقناع إدارة ترامب بالضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” لتولي السلطة الفلسطينية مسؤولياتها المدنية والأمنية كاملة في قطاع غزة، وإقناع الدول العربية والإسلامية المحورية، مثل: مصر، وتركيا، بتسليم الفصائل الفلسطينية جميعها سلاحها للسلطة الفلسطينية تحت مبدأ نظام واحد وقانون واحد وسلاح شرعي واحد.
وهو ما عبر عنه الرئيس محمود عباس، خلال استقباله نائب وزير خارجية اليابان البرلماني “ماتسوموتو هيساشي” في رام الله بتاريخ 14 أغسطس 2025 قائلًا: “إننا لا نريد دولة مسلحة، مع ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع، وبدء عملية الإعمار والذهاب لانتخابات عامة خلال عام واحد، وتحقيق التهدئة الشاملة في الضفة الغربية ووقف الاستيطان ومحاولات الضم، ووقف إرهاب المستوطنين، والإفراج عن الأموال الفلسطينية المحتجزة، ووقف الاعتداءات على الأماكن الدينية المقدسة الإسلامية والمسيحية”.
وتواصل مصر اتصالاتها مع السلطة الفلسطينية لتثبيت الاتفاق وتمكين السلطة من أداء مهامها. وقد عُقد لقاء في القاهرة في أكتوبر 2025، بين رئيس المخابرات العامة المصرية “حسن رشاد” ونائب رئيس السلطة “حسين الشيخ” بحضور رئيس المخابرات الفلسطينية “ماجد فرج” جرى خلاله التوافق على مراكمة خطوات دبلوماسية لتنفيذ مخرجات اتفاق وقف إطلاق النار. وشمل ذلك، مناقشة ترتيبات أمنية لدعم استقرار القطاع؛ تمهيدًا لتثبيت الاتفاق وتهيئة الظروف لتمكين السلطة من العودة إلى إدارة غزة. وقد طُرح مقترحٌ لتولِّي الحرس الرئاسي إدارة معبر رفح بمشاركة الاتحاد الأوروبي، ونشر قوة أمنية قوامها ألف عنصر فلسطيني كمرحلة أولى، بعد التوافق مع حركة حماس على صيغة أمنية مشتركة في إطار محادثات القاهرة بين الأطراف الفلسطينية.
لذا، فإن المرحلة الحالية تتطلب دعم عربي موسع لتجميع الطاقات في إطار الشرعية الوطنية الفلسطينية، ممثلةً بمنظمة التحرير الفلسطينية، بعيدًا عن الحسابات الفصائلية الضيقة، خصوصًا أن منظمة التحرير الفلسطينية حصلت على اعتراف عربي ودولي بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهو ما يعزز من دورها في ظل تزايد الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية الوليدة من ناحية ويضعف من فرص بقاء حماس في المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني واحتمال بقائها كقوة اجتماعية ضمن المجتمع الغزي من ناحية أخرى.
فهناك محاولة عربية وإسلامية لضمان وجود مرجعية وطنية لأي إدارة مستقبلية في غزة، بما يحقق التوازن بين الأطراف المختلفة ويضمن مشاركة السلطة الفلسطينية في الملفات الأساسية للقطاع. كما أن وجود السلطة الفلسطينية في غزة صار مطلبًا رئيسًا؛ لأن المرحلة القادمة في غزة تتطلب إغلاق ملف الصراعات الداخلية بين حماس والعائلات الفلسطينية، خصوصًا مع تنفيذ حماس لإعدامات ميدانية بتهم الخيانة دون مسوغ قانوني. ويمكن القول إن هذه الخطوات قد تعكس تغييرات جوهرية في العلاقة بين السلطة الفلسطينية والإدارة الأمريكية، ودورها المستقبلي في غزة بعد سنوات من الانعزال السياسي وإقصاء السلطة عن الملف الإنساني والإداري في القطاع.
3- تسهيل إعادة رفات الجثث الإسرائيلية: هناك تأكيد من معظم الدول العربية على أهمية التنفيذ الكامل لبنود اتفاق غزة، وعدم اقتصاره على مرحلة دون أن يمتد للمراحل الأخرى بما يجعله اتفاق هش وسهل اختراقه من أطرافه، على نحو ما حدث في فترة سابقة، وهو ما يفسر دخول مصر في بعض الفترات للبحث عن رفات أو جثث الإسرائيليين من تحت الأنقاض في قطاع غزة الذي صار “ركام”، حتى لا تتذرع إسرائيل بتلكؤ حماس في تسليم جثث هؤلاء تحت دعاوي غياب المعدات الثقيلة والآليات الكفيلة باستخراج تلك الجثث. ومن ثم، لا مجال للمراوغة، بعبارة أخرى، ترى دول عربية أن تثبيت الاتفاق هو طريق إسرائيل الوحيد لترميم صورتها وشراكاتها.
4– إجراء اتصالات مع القوى الدولية لتثبيت الاتفاق: تسعى بعض الدول العربية المحورية، مثل: مصر، والسعودية؛ للتشاور المستمر مع القوى الدولية، مثل: الإدارة الأمريكية، والدول الأوروبية؛ لتثبيت اتفاق شرم الشيخ للسلام، وأهمية التنفيذ الكامل لبنود الاتفاق لإنهاء الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية، بما يؤدي إلى تشكيل كتلة دولية تؤدي إلى منع حكومة نتنياهو من تعطيل مسار الهدنة الحالية. وتستغل الدول العربية عامل محوري، وهو التحول الجاري في الولايات المتحدة نفسها؛ فالإجماع التقليدي على دعمٍ غير مشروط لإسرائيل يتآكل داخل النخبة والرأي العام، بما في ذلك بين اليهود الأمريكيين والشباب الجمهوريين، وهو ما يعكسه انتخاب زهران ممداني عمدة لنيويورك، التي تشتهر بأنها أكبر تجمع سكاني لليهود في العالم بعد تل أبيب.
وهذا لا يَعني انقلابًا فوريًّا في السياسات الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية، لكنه يقلِّص هامش المناورة أمام أية حكومة إسرائيلية ترغب في الاستمرار في “حربٍ بلا نهاية”. كما أن الدول العربية ترى في إبداء الدول الأوروبية ميلًا نحو دعم المسار الخاص باتفاق شرم الشيخ، يعكس إدراكًا منها بأن استقرار الوضع في غزة يمثل مدخلًا أساسيًّا لضبط موجات الهجرة غير الشرعية، والحدِّ من تصاعد التوتر في شرق المتوسط، ومنع استخدام التنظيمات الإرهابية والجماعات المتطرفة توتير الوضع في غزة مدخلًا للقيام بعمليات انتقامية قد تمس مصالح الدول الأوروبية، فضلًا عن استعدادها للإسهام في إعادة الإعمار عبر الشركات الأوروبية والتركية.
5- الدعوة لإعادة إعمار قطاع غزة: تأتي أهمية إعادة الإعمار كونها وسيلة واضحة تساهم في إرساء السلام وتثبيته، ووَفقًا لما أعلنه الرئيس المصري “عبدالفتاح السيسي” خلال فعاليات الندوة التثقيفية الـ 42، التي تنظمها القوات المسلحة، في إطار احتفالات مصر بالذكرى الثانية والخمسين لنصر أكتوبر المجيد، بمركز المنارة للمؤتمرات الدولية بتاريخ 19 أكتوبر 2025_ تعمل مصر على عقد المؤتمر الدولي للتعافي المبكر لقطاع غزة وإعادة الإعمار والتنمية في القاهرة في نهاية شهر نوفمبر 2025، داعيًا الشعب المصري إلى الإسهام الفاعل في جهود الإعمار، تعبيرًا عن التضامن والمسؤولية والمحبة تجاه الأشقاء الفلسطينيين، وكلف السيسي رئيس مجلس الوزراء بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني والجهات المعنية بالدولة لدراسة إنشاء آلية وطنية لجمع مساهمات وتبرعات المواطنين في إطار تمويل عملية إعادة إعمار قطاع غزة.
وهناك سعي من مؤسسة الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية لأن تكون هناك مشاركة فعالة من دول عربية وإسلامية وأوروبية بارزة في مؤتمر إعادة الإعمار، لاسيما أن مصر تحظى بخبرات متراكمة في عمليات إعادة الإعمار في العديد من مناطق الصراعات وبؤر الأزمات خاصة في المنطقة العربية وقارة إفريقيا، فضلًا عن اعتبارات فنية ولوجستية ترتبط بقوى عاملة مؤهلة وشركات مقاولات مدربة على إعادة البناء، بخلاف القبول الدولي والإقليمي بها لتولي هذا الأمر الذي يستند على المصالح الحيوية والعقلانية السياسية ودواعي الأمن القومي، رغم العديد من المعوقات التي قد تهدد مسار عملية إعادة الإعمار. كما تقوم عدد من الدول العربية الأخرى ذات القدرات المالية، مثل: السعودية، والإمارات، وقطر، وربما الكويت، بدور محوري في التمويل لإعادة الإعمار.
ثانيًا: معوقات إضعاف الجهود العربية لتنفيذ الاتفاق.
ثمة مجموعة من التحديات التي تواجه الدول العربية لتثبيت اتفاق شرم الشيخ، على النحو التالي:
1– الشخصية المراوغة لرئيس الوزراء الإسرائيلي: لا يمكن الرهان على شخص رئيس الوزراء الإسرائيلي “نتنياهو” للتحول من التصعيد إلى التهدئة، والانتقال من الحرب إلى السلام؛ نظرًا لطبيعته المراوغة، الأمر الذي يفسر قدرة على الخروج من الحكم والعودة إليه مرة أخرى، على مدى ثلاثة عقود؛ فنتنياهو لم يكن ساعيًا أو راغبًا في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار ووضع نهاية لحرب غزة، وإنما اتفاق لاستعادة الرهائن الأحياء ورفات الأموات مقابل أعداد كبيرة من المعتقلين والمسجونين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، فضلًا عن رفات أعداد من الفلسطينيين، بما يحقق مجموعة من الأهداف التي تصب في اتجاه محاولة ترميم شرعيته المتآكلة في الداخل الإسرائيلي، في وقتٍ تزداد تكلفة العزلة الدولية وتصدُّعات الداخل الإسرائيلي اقتصاديًّا ومجتمعيًّا.
تتمثل أول تلك الأهداف في الحفاظ على بقاء الائتلاف الحكومي اليميني المتطرف ومنعه من الانهيار حتى موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في العام 2026، وتجاوز حالة التأزم الداخلي التي يعاني منها نتنياهو بعد الانتقادات المتزايدة له من المعارضة والرأي العام بشأن التورط في قضايا الفساد والتقصير في الإنذار المبكر لأحداث السابع من أكتوبر 2023، فضلًا عن التعثر في تحقيق الأهداف الرئيسة للحرب، ومنها: تحرير الرهائن بالقوة المسلحة والهزيمة الكاملة لحركة حماس، وهو ما لم يحدث. ولذا، سيكون هناك احتمال بإعطاء القيادة السياسية في إسرائيل الضوء الأخضر لقوات الجيش الإسرائيلي بتعزيز قواته جنوب قطاع غزة استعدادًا لشن هجمات جديدة على مناطق تخضع لسيطرة حماس واحتلال مناطق إضافية تتجاوز نسبة الـ54% التي يسيطر عليها الجيش في هذه المرحلة، وهو ما يتزامن مع التصعيد الإسرائيلي على الساحة اللبنانية.
2- القضايا العقدة في المرحلة الثانية من الاتفاق: هناك عدد من القضايا الضاغطة التي تقف حائلًا أمام التنفيذ الكامل لبنود اتفاق شرم الشيخ، وهو ما تدركه الولايات المتحدة والأطراف الوسيطة والجهات المتنازعة (إسرائيل، وحماس) وأبرزها: نزع سلاح حركة حماس، والتدمير الكامل للأنفاق، فضلًا عن خروج مقاتلي حماس خلف الخط الأصفر الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة حتى لا نشهد بروز “غزتين”: غزة الشرقية تحت حكم إسرائيلي، وغزة الغربية تحت سيطرة “حماس”، على نحو يؤدي إلى تقسيم غزة وفك الارتباط بين الأقاليم الفلسطينية.
وقد أكد وزير الدفاع الإسرائيلي “يسرائيل كاتس” في تصريحات بتاريخ 7 نوفمبر 2025، أنه أوعز إلى الجيش بتدمير كافة الأنفاق في القطاع، حتى آخر نفق. ولذا، ستظل الحكومة الإسرائيلية ترفض الانسحاب من شرق غزة ما دامت “حماس” موجودة في غربها. وفي هذا السياق، ستظل مشكلة هؤلاء المقاتلين العالقين داخل الخط الأصفر، تشكل أبرز الأزمات التي يمكن أن تعصف باتفاق وقف إطلاق النار، والعودة بالتالي إلى المربع صفر، كما أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة تركت مساحة للتكهنات بانهيار الاتفاق مع غياب الضمانات الأمنية، وعرقلة عودة النازحين.
3- السلوكيات غير المنضبطة من حركة حماس: لاتزال حماس تناور نسبيًّا بورقة نزع سلاحها، وعدم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، في إدارتها للمشهد السياسي خلال المرحلة المقبلة، بعد انتهاء فترة إدارة الحكومة المؤقتة والهيئة الدولية، في الوقت الذي تسعى إسرائيل إلى استغلال البنية العشائرية داخل قطاع غزة عبر استقطاب بعض أبناء العشائر بالترغيب أو الترهيب؛ لإشعال صراع داخلي يضعف حركة حماس، ويفكك النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وهو ما يضعف من فرص بقاء الاتفاق على قيد الحياة. غير أن قادة وكوادر حركة حماس في الخارج والداخل يتعين عليهم إدراك أن الحركة لم تعد تملك سلاح ردع فعَّال أو قدرة على تغيير مسار المواجهة، ويقتصر تسليحها حاليًّا على الأسلحة الآلية الخفيفة، كما أن الدول المانحة تشترط نزع سلاح الحركة كشرط أساسي للشروع في إعادة الإعمار.
4- التحولات المحتملة في توجهات الرئيس الأمريكي: على الرغم من أن الرئيس ترامب اعتبر أن “الاختراق التاريخي” الذي تم الاحتفال به في قمة شرم الشيخ للسلام، لا يُجسد نهاية الحرب في غزة فقط، بل يُمثل بداية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها، مؤكدًا أن “الهدف هو بناء شرق أوسط قوي، ومستقر، ومزدهر، وموحَّد في رفض طريق الإرهاب إلى الأبد”، إلا أنه لا يمكن التعويل على هذا التوجه نظرًا للتحولات الفجائية التي تطرأ على فكره السياسي وغياب النسق العقَدي المؤمن بالسلام والاستقرار الإقليمي، مما يعكس حالة اللايقين التي تميز إدارته مقارنة بالإدارات الأمريكية السابقة (جمهورية، أو ديمقراطية).
5- التكلفة المالية الكبيرة لإعادة الإعمار: يعد العامل المالي عائقًا رئيسًا لتثبيت الاتفاق، خاصة أنه لا توجد ضمانات بعدم تجدد الاشتباكات المسلحة أو اندلاع الحرب السادسة مرة أخرى، فثمة تخوف من إعادة تدمير إسرائيل للقطاع بعد إعادة الإعمار؛ حيث أكدت تقارير غربية موافقة العديد من الدول العربية وتحديدًا دول الخليج على إعادة إعمار قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، لكن مع ضمان عدم تدمير إسرائيل للقطاع مجددًا وتحميلهم فاتورة تصرفات إسرائيل، وقد أكد هذا الأمر وزير الخارجية الأمريكي السابق “أنتوني بلينكن”، يوم 17 يناير 2024، في تصريحات له على هامش منتدى دافوس الاقتصادي موضحًا أن الدول العربية ليست حريصة على المشاركة في إعادة إعمار غزة إذا كان القطاع الفلسطيني “سيسوى بالأرض” مجددًا في بضعة أعوام ثم يُطلب منهم إعادة إعمار القطاع من جديد.
فضلًا عن وجود بؤر ومناطق توتر كثيرة في الشرق الأوسط، مثل: السودان، وليبيا، واليمن، وسوريا تحتاج لأموال طائلة لإعادة الإعمار، مما يؤدي إلى تعدد الجهات المستحقة للتمويل في الإقليم. كل ذلك يستنزف من رأس المال المتوفر في العالم العربي من أجل الإعمار في أماكن أخرى. وكانت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي قد اعتمدتا في مارس 2025 خطة لإعادة إعمار غزة بتكلفة تقديرية تبلغ 53 مليار دولار على مدى خمس سنوات، يضاف إلى ذلك ثقل الآثار التدميرية في قطاع غزة؛ إذ تعرض القطاع لتدمير هائل سواء بالنسبة للوحدات السكنية أو المرافق الخدمية والصحية والمؤسسات التعليمية والمقار الأمنية والمنشآت الزراعية والمزارع الحيوانية وشبكات الصرف الصحي وإمدادات المياه.
وفي هذا الإطار، تشير تقديرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة إعمار غزة قد تتجاوز 70 مليار دولار، بعد أن دمَّرت إسرائيل أكثر من 300 ألف وحدة سكنية كليًّا و200 ألف وحدة جزئيًّا، وأخرجت 25 مستشفى من الخدمة، ودمَّرت 95 في المئة من مدارس القطاع. ومازالت عملية تقييم الأضرار مستمرة لاسيما في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للاتفاق؛ فحجم الخسائر فادحة في القطاع مقارنة بما حدث له في حروب غزة الأربعة السابقة، مما يلقي بأعباء مضاعفة على الدول العربية في حال قيامها بمهام مركزية لإعادة إعمار القطاع.
ولذا، فإن الرؤية الحالية التي تتبناها معظم دول الخليج التي تهدف للمشاركة في إعادة بناء القطاع بالاعتماد على الإشراف الدولي والمؤسسي، وذلك بغرض منع سوء استغلال الدعم الخليجي وتوجيهه لأهداف قد تساهم في إعادة نشوب التصعيد العسكري من جديد، وهو ما يختلف عن نمط الدعم الخليجي، وخاصة القطري بعد عمليات الرصاص المصبوب 2009، والجرف الصامد 2014، وسيف القدس 2021؛ إذ كان يستهدف إيصال المساعدات من خلال منح مالية تُسلم لحماس أو السلطة الفلسطينية دون وجود رقابة دولية، بل إن هناك رؤية إسرائيلية تشير إلى أنه تم توظيف هذا الدعم في عملية “طوفان الأقصى”.
خلاصة القول، إن احترام اتفاق شرم الشيخ يعد مدخلًا رئيسًا نحو التهدئة الدائمة، غير أن احتمالية انهيار التهدئة قائمة نتيجة الخروقات الميدانية المتوقعة من الأطراف المتصارعة، وخاصة من الجانب الإسرائيلي، بل إن الاتفاق لم يتطرق إلى الآليات التنفيذية التي تعزز من صموده لدرجة أنه “كُتب بالقلم الرصاص”، وفقًا لتعبير وزير الخارجية المصري الأسبق السفير “نبيل فهمي” أي أنه أقرب إلى عناوين عامة تحتاج إلى جوانب تفصيلية، وهو ما يثير التساؤل بشأن آليات تشكيل الهيئة الدولية أو المجلس الأعلى لإدارة غزة، وقواعد فض الاشتباك بين الطرفين، وكيفية تفكيك سلاح حماس. ولا يمكن الرهان على أن موقف ترامب هو الضمانة الأساسية للاتفاق.
فالمسألة تتجاوز إرادة ترامب على التنفيذ لتشمل المفاوضات المعقدة المستقبلية حول غزة، والاتفاق الذي جرى التوصل إليه يُعد مجرَّد خطوة أولى ضمن خطة أوسع نطاقًا، ولا يمكن التعويل عليه لتحقيق استقرار دائم ما لم يجرِ التوافق على المراحل اللاحقة. ففي حين تمثل المرحلة الأولى الجزء الأقل تعقيدًا في الاتفاق، لا تزال الأسئلة المتعلقة بمصير المقاومة الفلسطينية، وخاصة حركة حماس وسلاحها، وإعادة إعمار القطاع وإدارته، والانسحاب الإسرائيلي الكامل منه، من دون إجاباتٍ شافية أو تصوُّرات واضحة، لاسيما في ظل قدرة نتنياهو على المناورة واستغلال الغموض القائم حول عديد من نقاط الاتفاق لصالحه، في غياب ضماناتٍ ملزمةٍ تفرض عليه الالتزام ببنود الاتفاق.
كما أن ثمة انتقاد للصياغة الغامضة للبنود الأخيرة من الاتفاق التي اكتفت بالإشارة إلى “تمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق مطالبه المشروعة”، دون ذكر واضح وصريح لحل الدولتين أو حق تقرير المصير. وعلى الرغم من الجهود التي تُبذل من دول عربية محورية، وخاصة مصر، إلا أن السياقات المعرقلة قد تسهم بدور كبير في عدم تثبيت الاتفاق، ومنها: ضمان استدامة الهدنة، ومنع تجدد التصعيد الميداني، وتأمين التمويل الدولي لإعادة الإعمار. وهو ما يشير إلى أن الخطر على الاتفاق حقيقي، لكنه ليس قدرًا، ويقتضي أن تكون تكلفته على الأطراف المعرقلة مرتفعة سياسيًّا وماليًّا، وأن تكلفته على الأطراف الملتزمة تنخفض عبر مكاسب ملموسة للرأي العام الفلسطيني والإسرائيلي بل وشعوب الشرق الأوسط.




