2025العدد 202ملف عربي

إسرائيل الدولة الإقليمية المهيمنة في زمن نتنياهو السياسي والحربي

لم يرتبط اسم “بنيامين نتنياهو” رئيس الحكومة الإسرائيلية، في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، بخوض حرب مع أي دولة عربية، على غرار بن غوريون (1948 و1956)، وليفي أشكول 1967، وجولدا مائير 1973، علمًا أن هذه كانت الحرب الأخيرة في إطار الصراع الدولتي العربي ـ الإسرائيلي؛ إذ الحرب الخامسة -اجتياح لبنان 1982- تمت في ظل حكومة مناحيم بيغن، وهي تركزت على تقويض القدرات العسكرية لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان.

على ذلك، فإن عهد بنيامين نتنياهو في حقبه الثلاث (1996 – 1999، 2009 – 2021، و2022 حتى الآن) يتميز بمسألتين: الأولى، أن حروب إسرائيل – في عهده- تركزت ضد قوى لا دولتية، أي ضد فصائل فلسطينية ولبنانية، وهو ما تجسد في الحروب المتوالية التي شنَّتها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، وضد “حزب الله” في لبنان، وهي شملت أيضًا، تدمير القدرات العسكرية للجيش السوري، والميلشيات التي تشتغل كأذرع إقليمية لإيران في سوريا. أما المسألة الثانية، فتتمثل في أن حروب نتنياهو ضد الفلسطينيين واللبنانيين كانت تتأسس على ادعاءات أيدلوجية، وليس فقط سياسية وأمنية؛ إذ هي تتوخَّى شطب البُعد الفلسطيني من المعادلات السياسية، وضمنها تقويض أية إمكانية لنشوء كيان فلسطيني مستقل في الضفة الغربية وقطاع غزة، والهيمنة على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، وفرض مجال أمني حيوي لإسرائيل في محيطها (في لبنان، سوريا، وقطاع غزة) وصولًا لتموضع إسرائيل كدولة إقليمية عظمى مهيمنة في الشرق الأوسط، وبخاصة في منطقة المشرق العربي.

وفي ذلك، فإن نتنياهو يحاول الاستثمار في الظروف الدولية والإقليمية والعربية الراهنة باعتبارها بمثابة الفرصة السانحة لإسرائيل، في ظل حكومة اليمين القومي والديني المتطرف، التي يترأسها بالشراكة مع قادة الصهيونية المتدينة الوزيرين “بتسئيل سموتريتش” و”إيتمار بن غفير” والتي تعتبر الأكثر تطرفًا في تاريخ إسرائيل، بسعيها فرض أجندتها، سواء داخل إسرائيل أو خارجها، وضمن ذلك في العلاقة مع الفلسطينيين.

إرث نتنياهو إسرائيليًّا وفلسطينيًّا.

ما يفترض الانتباه إليه أن نتنياهو، مع حقبه الثلاث كرئيس للحكومة، بات الرجل الأكثر هيمنة في التاريخ السياسي لإسرائيل منذ قيامها، بعد المؤسس بن غوريون، وهو قضى في منصبه كرئيس للحكومة أكثر من تلك التي قضاها بن غوريون (19 مقابل 15 عامًا) وهو الأكثر تأثيرًا في سياسات إسرائيل الداخلية والخارجية، بخاصة مع ربطه بين اليمين القومي واليمين الديني المتطرف، في قيادتها، وسعيه إدخال تغييرات في النظام السياسي الإسرائيلي وفي طبيعة إسرائيل.

وعن ذلك، يقول ب. ميخائيل إنه: “خلافًا للحريديين، الذين يمثلون تهديدًا على جيب الدولة، مثل: حزب “شاس” لليهود الشرقيين، و”يهوديت هاتوراه” لليهود الغربيين، فإن “الصهيونية الدينية” ويمثلها “سموتريتش” زعيم حزب “الصهيونية الدينية”، و”بن غفير” زعيم حزب “القوة اليهودية” هي تهديد وجودي…القاعدة التاريخية تقول: “أعطوا للدين التوحيدي سلطة وجيشًا ومنطقة جغرافية، وستحصلون على وحش في نهاية المطاف سيدمر نفسه”. (“هآرتس”- 14/12/2023).

هكذا، اشتغل نتنياهو- على الصعيد الداخلي- على تغليب طابع إسرائيل كدولة يهودية ودينية على حساب طابعها كدولة ليبرالية ديمقراطية (نسبة لمواطنيها اليهود)، كما اشتغل على تغيير طابع النظام السياسي في إسرائيل، بسعيه لتقويض السلطة القضائية، وتحويل إسرائيل إلى دولة الأغلبية العددية، الأمر الذي يحصر السلطة في يد السلطة التنفيذية، التي تنبثق من أغلبية في الكنيست، الأمر الذي يمكن ترجمته بحصر الديمقراطية في صناديق الاقتراع، ما شرع اتهامه من قبل خصومه بمحاولة تحويل إسرائيل إلى دولة دكتاتورية.

تبعًا لكل ما تقدم، فإن نتنياهو سيعرف أيضًا، أنه رئيس الحكومة الذي تسبب في تصدعات كبيرة في المجتمع الإسرائيلي بين المتدينين والعلمانيين، والشرقيين والغربيين، وبين المستوطنين المتطرفين في الضفة والإسرائيليين، وبين العرب واليهود في 48. وأنه رئيس الحكومة التي ظلت مظاهرات إسرائيلية عارمة تخرج ضده وضد سياساته، في المدن الإسرائيلية، منذ أول يوم جاء إلى رئاسة الحكومة (أواخر عام 2022 وحتى الآن). وأنه في عهده تراجعت ثقة الإسرائيليين في أمنهم وجيشهم وحكومتهم، أكثر من أية فترة مضت، ويمكن في ذات السياق إضافة المظاهرات في عواصم ومدن الدول الغربية التي أدانت حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، ووصمت إسرائيل ليس فقط باعتبارها دولة استعمارية وعنصرية، بل وباعتبارها دولة إبادة جماعية، كأن ضحايا “الهولوكوست” يقلدون جلاديهم.

على الصعيد الفلسطيني، يعتبر نتنياهو رئيس الحكومة الذي وضع في مركز اهتمامه أو إرثه السياسي تقويض “اتفاق أوسلو” مع الفلسطينيين، ووأد حلمهم بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، بكل الأشكال، مع إبقاء السلطة الفلسطينية عند حدود الحكم الذاتي المقيّد، وعند حدود فكرته عن “السلام الاقتصادي”، أي فلسطينيين من دون أية حقوق وطنية جمعية، وقد استمر ذلك منذ حقبته الأولى (عقب اغتيال إسحق رابين 1995)؛ حيث ناهض عملية التسوية، ومشاريع “الشرق الأوسط الجديد”، ثم في حقبتيه (الثانية، والثالثة) على نحو ما شهدنا سواء في تجميده المفاوضات مع الفلسطينيين، أو في تمريره “قانون أساس” 2018 ينص على اعتبار إسرائيل دولة قومية لليهود، ما يضع فلسطينيي 48، من مواطني إسرائيل، في درجة أدنى، إزاء مواطني إسرائيل اليهود.

إضافة إلى كل ذلك، فإن نتنياهو بات رئيسًا لحكومة إسرائيل الذي خاضت في عهده (الثالث) أطول وأقسى حرب في تاريخها (منذ 19 شهرًا حتى الآن) ضد الشعب الفلسطيني، وأن تلك الحرب كانت الأكثر كلفة من النواحي (العسكرية، السياسية، والأخلاقية) على الفلسطينيين وعلى إسرائيل أيضًا.

في تفسير توحُّش إسرائيل.

في الواقع لا يوجد أي مبرر، لا سياسي ولا أمني، لحرب الإبادة الوحشية التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، منذ 19 شهرًا، ولا للضربات القاسية والمتوالية التي توجهها ضد لبنان وضد سوريا؛ إذ لا يوجد، أو لم يعد، ما يهددها في هذين البلدين، أقله في المدى المنظور؛ لشن ما قد تعتبره حربًا استباقية.

القصد من كل ما تقدم التوضيح بأنه لا يمكن إحالة العدوانية الإسرائيلية المتوحشة إلى رغبة بنيامين نتنياهو في التملص من المحاكمة والمحاسبة، أو إطالة عمره السياسي، في الفوز بأية انتخابات قادمة، كما أنه ليس لذلك علاقة بالضغط لتحرير الرهائن، فهؤلاء لم يعودوا ورقة ضغط منذ أشهر عديدة؛ لأن كل ذلك استنفذ منذ زمن طويل، بعد أن بات نتنياهو بمثابة الزعيم اللامنازع للإسرائيليين، بدليل انحسار المعارضة وأفول نجم كل قادة الأحزاب المعارضة.

أيضًا، لا يمكن تفسير توحُّش إسرائيل، ضد الفلسطينيين وضد سوريا ولبنان، كنوع من حرب استباقية، لم يعد ثمة إمكانيات واقعية لها، ولا باعتبار توحشها بمثابة رد فعل على عملية “طوفان الأقصى” (أواخر 2023) فقط؛ إذ إن تلك العملية خلقت الفرصة السانحة لإسرائيل للقيام بما تقوم به، لكن ما فعلته إسرائيل يفوق ردة الفعل على ذلك الحدث وعلى مختلف الجبهات.

وكان “أورن يفتاحئيل” أستاذ الجغرافيا السياسية، أكد ذلك مبكِّرًا، في بداية الحقبة الثانية لنتنياهو في رئاسة حكومة إسرائيل (2009-2021) بقوله: “هذه الحرب استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنَّى هدفًا متشددًا ووحشيًّا يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد…إسكات التاريخ يشكل أيضًا محوًا للمكان الفلسطيني، ومعه الحقوق السياسية الكاملة…الغزو الإسرائيلي لغزة ليس فقط عملية لوقف الصواريخ، أو لتلميع شخصيات للانتخابات أو محاولة لترميم الردع، الغزو ليس فقط محاولة لإسقاط حكومة “حماس”، وليس مسعى إمبرياليًّا إسرائيليًّا-أمريكيًّا للسيطرة، هو كل تلك الأمور” (المشهد الإسرائيلي- 18/1/2009).

على ذلك، فإن تفسير وحشية إسرائيل وما تقوم به في ظل حكومة المتطرفين (نتنياهو، سموتريتش، وبن غفير) يكمن في أننا إزاء حكومة أيديولوجية تضم اليمين القومي والديني، أي أن لديها تصورًا معينًا لإسرائيل، ولمكانتها في محيطها، وهي حكومة متطرفين أيديولوجيين حتى ضد اليهود فيها والمختلفين معها.

المهم أن إسرائيل تحاول، عبر تلك العدوانية، استعادة دورها كقوة إقليمية وحيدة في الشرق الأوسط، وربما أكثر، على حساب العالم العربي والقوى الإقليمية الأخرى، أي إيران وتركيا، وهو الدور الذي كرسته بعد حرب 1967، بهزيمتها جيوش عدة أنظمة عربية، بعد أن تضاءل هذا الدور؛ نتيجة التداعيات الناجمة عن حرب الخليج الثانية، وغزو الولايات المتحدة للعراق 2003، الذي نجم عنه تسهيل صعود دور إيران في المنطقة، الذي تم توظيفه أو استثماره (أمريكيًّا، وإسرائيليًّا) لتخريب بلدان المشرق العربي، وإحداث تصدعات دولتية ومجتمعية فيها.

ما عزز من ذلك التوجه لدى إسرائيل حاليًّا أنها تلقى الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب اليمينية المتطرفة، والتي تحارب العالم؛ لفرض مصالحها وقيمها عليه بما يشمل حتى الدول الصديقة لها، لذا حصل هذا التلاقي في الأهواء والمصالح والسياسات، الأمر الذي يشجع نتنياهو على شن كل حروبه وهو في غاية الارتياح.

كل ما تقدم يفيد بأن ما يفعله نتنياهو هو في صلب التفكير الأمني الإسرائيلي، وأنه فقط كان ينتظر الحكومة التي تتبناه، والظرف الذي يساعد عليه –مثلًا- إبان مواجهات الانتفاضة الثانية، طرح البروفيسور “مارتين فان-كرفيلد” أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ بالجامعة العبرية، وأحد كبار المتخصصين في الإستراتيجية العسكرية، طرح نظرية تدعو إلى توجيه ضربة قاسية للفلسطينيين، مفادها أنه “لا جسور مفتوحة ولا علاقات اقتصادية ولا سياسية، فصل مطلق على مدار جيل أو جيلين، أو وفقًا لما يحتاجه الأمر… لإعادة ميزان الردع… هذه الأمور يجب أن ننفذها بسرعة مطلقة وبقوة دون أن نتأسف… أنا في هذه الحالة سأستعمل المدفعية، وليس الطيران؛ لأنني أريد أن أنظر إليهم في عيونهم إذ لا فائدة من هذه الحملة إن لم تبرهن بأعمالك أنك يمكن أن تفعل كل شيء… علينا أن نضربهم بقسوة بكل ما بوسعنا حتى لا نعود إلى ذلك، وحتى لا يهاجمونا من الخلف عند خروجنا، علينا أن نضرب بكل قوة وقسوة بحيث لا نحتاج إلى ضربة ثانية… من الأفضل جريمة واحدة وثقيلة نخرج بعدها ونغلق الأبواب من خلفنا” (إمتساع حضيرة- 8/3/2002).

هكذا، فإن إسرائيل لا تقوم بحروبها ضد الفلسطينيين ولبنان وسوريا فقط على سبيل وأد أية إرادة للمقاومة مستقبلًا، مهما كان شكلها أو مستواها، ولا على سبيل حرب وقائية، علمًا أنه لم يعد ثمة ممكنات لها في المدى المنظور، لا على صعيد دولتي ولا على صعيد ميليشياوي كما ذكرنا؛ إذ هي تتوخى أيضًا، فرض مجال حيوي جغرافي في محيطها قدره عشرات الكيلومترات، وضمن ذلك منع وجود أية قوة عسكرية إقليمية وازنة، ليس إيران فقط، وهي باتت تحت التهديد أمريكيًّا وإسرائيليًّا داخل حدودها، وإنما ينطبق ذلك أيضًا على تركيا، أي عدم إتاحة أي دور لتركيا في سوريا، في ظل النظام الجديد، باعتبار أن إسرائيل هي القوة الإقليمية الوحيدة في المنطقة، في إطار الهندسة الجديدة للشرق الأوسط.

الحيثية الإسرائيلية.

مع ذلك، أي رغم كل ما ظهر من جبروت وطغيان وتوحش إسرائيل، المستمد من الولايات المتحدة، بخاصة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، وذلك منذ حرب الإبادة التي شنَّتها على الفلسطينيين أواخر 2023، وضد لبنان وسوريا، وتوجيهها تهديدات لإيران، وحتى تحذيرها من أي تواجد عسكري لتركيا في سوريا_ إلا إن ذلك لا يحجب أن تلك الدولة تواجه لحظة انعطافية عصيبة وحاسمة ونوعية في تاريخها، يمكن أن يتحدَّد بناءً عليها مستقبلها ورؤيتها لذاتها ولشكل علاقتها بمجتمعها ومحيطها للعقود المقبلة.

تلك اللحظة تتمظهر في حالتين: الأولى، سعي حكومة نتنياهو إنجاز “الانقلاب النظامي” بتهميش السلطة القضائية (المحكمة العليا، والرقابة القانونية على الحكومة) ووضعها تحت هيمنة السلطة التنفيذية، بما يقوِّض الفصل بين السلطات، كمبدأ أساسي في النظم الديمقراطية، بخاصة أن السلطة التنفيذية في إسرائيل تنبثق من السلطة التشريعية (المتشكِّلة من تكتُّل أغلبية في الكنيست) أي إن تلك الخطوة- في حال نجاحها- ستفضي إلى تركيز السلطات الثلاث بيد رئيس الحكومة؛ ما يفسِّر أن إسرائيليين باتوا يرون بنتنياهو دكتاتورًا.

الثانية: تتمثل بتغليب طابع إسرائيل كدولة يهودية دينية على طابعها كدولة علمانية وليبرالية، في نظام ديمقراطي (لمواطنيها اليهود) علمًا أن هذا هو التحول الثالث في إسرائيل، إذا احتسبنا التحول الثاني، الذي أدى إلى إزاحة حزب “العمل” (وريث حزب الماباي/1968) “الاشتراكي الديمقراطي” المؤسّس لإسرائيل، وصعود حزب “ليكود” كحزب يمين قومي، إلى سُدَّة السلطة 1977.

يقول المحلل الإسرائيلي “تسفي كاسا”: “كل الصعوبات التي تواجهها إسرائيل منذ اليوم التالي لحرب الأيام الستة، بما في ذلك فضيحة محاولة الانقلاب النظامي، هي نتيجة صعود الصهيونية المسيحانية، التي هي نقيض الصهيونية الأصلية…الاستعمار الملعون أمام الفلسطينيين والعالم المتنور هو الخطر الوجودي الذي ينشأ في الداخل.” (“هآرتس”- 19/11/2024)

المسألة الثالثة التي تميز سياسة نتنياهو أيضًا، تتمثل في أن التحول، الذي يُدفع إليه في إسرائيل باتجاه تغليب طابعها كدولة يهودية ودينية وتقييد السلطة القضائية، يجري بالتوازي وبالتكامل مع مسارين آخرين مترابطين يمسَّان بطبيعة علاقة إسرائيل مع الفلسطينيين ودول الجوار. الأول: يتمثل بانتهاج إسرائيل، في ظل الحكومة الحالية، خيارًا يفضي إلى شطب الفلسطينيين من النهر إلى البحر من المعادلات السياسية على طريقة لا “فتحستان” ولا “حماستان”، لا في الضفة ولا في غزة، مع الأخذ في الاعتبار أن حكومة نتنياهو قامت بسن قانون ـ أساس، يعتبر إسرائيل دولة قومية لليهود، ما وضع مواطنيها من فلسطينيي 48 في منزلة دونية 2018، رغم إنه مازال من المبكِّر التكهُّن بأبعاد أو حيثيات أو مصير هكذا خيار.

أما المسار الثاني: فيتمثل بسعي إسرائيل فرض ذاتها كقوة إقليمية عظمى في المشرق العربي وعموم الشرق الأوسط، على أن تتشكل تلك المنطقة وفقًا للخاصية الإسرائيلية، أي بتعميم خاصية إسرائيل كدولة يهودية على دول المنطقة، بحيث تصبح دولًا ما قبل، وطنية تحتوي على جماعات طائفية وإثنية، ما أسميه التطبيع معكوسًا، أي بدل أن تطبِّع المنطقة مع إسرائيل، تعمل هذه على تطبيع المنطقة معها، بحيث تصبح على شاكلتها، طبعًا مع تقويض نفوذ إيران وتحجيم نفوذ تركيا في المشرق العربي.

ما ينبغي لفت الانتباه إليه، أن تلك التطورات ليست جديدة إذ نشأت مع ولادة الحركة الصهيونية ووريثتها إسرائيل، كجزء من أيدلوجيتها الاستعمارية العنصرية، بـ “قومنة” الدين وتديين القومية، لكن ذروتها ظهرت مع الاحتلال 1967، وتفاقمت مع صعود اليمين القومي والديني إلى الحكم في الانقلاب الثاني، كما قدمنا، لكنها ترسخت في ظل قيادة نتنياهو لإسرائيل في الحقب الثلاث (1996 – 1999، ثم 2009 – 2021، ثم 2022 إلى الآن).

على ذلك، فإن كل ما تقدم يفيد بأن ثمة تشابك بين البُعدين الداخلي والخارجي، في مسعى حكومة (نتنياهو، سموتريتش، و بن غفير) الأمر الذي يضعف من قوته واندفاعيته وشرعيته داخليًّا وخارجيًّا، إلى حد ما؛ إذ أدى ذلك  -مثلًا- إلى ظهور أصوات مؤثرة في إسرائيل تتحدث عن تلازم التطرف الإسرائيلي الداخلي بالتطرف الإسرائيلي الخارجي إزاء الفلسطينيين، وهي أصوات لم توفر نتنياهو باعتباره يريد أن يحول إسرائيل إلى دولة استبدادية ودينية، وإلى دكتاتور يستحوذ على كل السلطات، وإنه في ذلك يسهم بتصديع إجماعات إسرائيل الداخلية، وبزرع بذور حرب أهلية فيها.

بيد أن ذلك التشابك عمل باتجاه معاكس أيضًا؛ إذ إن نتنياهو الذي استثمر هجوم “حماس في “طوفان الأقصى” (7/10/2023)، بالترويج له كمعركة على وجود إسرائيل، وبشنّه حرب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين، استثمره أيضًا، في إضعاف المعارضة، بشدِّ عصب الإسرائيليين ضد الخطر الخارجي على الوجود.

وقد يفيد التذكير هنا بأن نتنياهو كان قبل تلك الحرب على عتبة انتهاء زمنه السياسي، بحكم تصعيد المعارضة لتحركاتها ضد “الانقلاب النظامي”، لكن “طوفان الأقصى، وتاليًا الحرب ضد غزة أضعفت هذا المسار بتوحيد أغلبية الطيف الإسرائيلي على محور مواجهة الخطر الخارجي، بحيث تمكن نتنياهو فيما بعد، أي بعد تقويض قوة “حماس” و”حزب الله” وقدرات سوريا العسكرية، أن يعزز وجوده، وأن يطيل أمده السياسي على حساب المعارضة.

يستنتج من كل ما سبق أن الحرب التي تشنَّها إسرائيل، والتي يصر نتنياهو على مواصلتها بكل قوة في فلسطين ولبنان، ومع استمرارها تقويض القدرات العسكرية لسوريا_ باتت تتعدى مسألة استعادة إسرائيل قدرتها على الردع، أو الرد على “طوفان الأقصى” أو إنها مجرد حرب استباقية؛ إذ في الحقيقة، فإن هذه الحرب هي بمثابة غطاء لمسعى إسرائيلي ـ أمريكي يستهدف إعادة هندسة المنطقة من كل النواحي، بواسطة القوة، في ظرف ترى فيه إسرائيل الاستعمارية والعنصرية فرصة لها لفرض مكانتها في المنطقة لعقود، وضمن ذلك إنهاء خصوصيتها كدولة يهودية (دينية، وطائفية) بتعميم خاصيتها في المشرق العربي، عبر إنشاء كيانات سياسية على خلفية طائفية وإثنية، بحيث تطبع المنطقة مع طابعها.

الآن، من الصعب التكهن بالمسار الذي ستذهب إليه الأمور من هنا، بعد كل ما حصل، أو بعد هذا الزلزال الذي عصف ببلدان المشرق العربي؛ إذ كل شيء يتوقف على مدى العدوانية الإسرائيلية، في زمن نتنياهو السياسي والحربي، ومدى سماح العالم باستمرارها، كما يتوقف على الشكل الذي ستتموضع عليه بلدان المشرق العربي، وبخاصة (سوريا، لبنان، والعراق).

اظهر المزيد

ماجد كيالي

بــاحــث فلسطيــني - سورية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى