مقدمة:
يسعى الاتحاد الأوروبي حاليًّا إلى استعادة دوره على الساحة الدولية، إثر تناقص هذا الدور خلال السنوات الماضية لأسباب عديدة، من بينها أسباب هيكلية تتعلق بطبيعة قوانين وأنظمة الاتحاد الأوروبي الداخلية وبأنظمة الدول الأعضاء، أثرت على قدرة الاتحاد بالقيام بالدور المنشود، هذا بالإضافة إلى عوامل سياسية واقتصادية وحروب وأحداثٍ وقعت على الساحة الدولية أسهمت في تقليص هذا الدور الذي أرادت له شخصيات سياسية من ست دول أوروبية، وهي: ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وهولندا، وبلجيكا، ولكسمبورج ، بعد الحرب العالمية الثانية، عبر تشكيل مؤسسات بدأت بتشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والحديد والصلب عام 1951م، والمجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957م، التي تطورت مع انضمام دول أوروبية أخرى وأصبحت اتحادًا سياسيًّا واقتصاديًّا ونقديًّا يضم الآن 27 دولة تحت اسم الاتحاد الأوروبي.
وعلى الرغم من إنجازاته الهامة، كتبني السوق الداخلية الأوروبية المشتركة والعملة الأوروبية الموحدة “اليورو”، المعمول بها في 20 دولة من الدول الأعضاء، واتفاقيات “شينغن”، التي تسمح بحرية تنقل المواطنين بين 25 دولة من الدول الأعضاء الموقعة على الاتفاقيات_ إلا أن الاتحاد الأوروبي يواجه حاليًّا صعوبات في الحفاظ على مكانته كقوة سياسية واقتصادية في العالم، تتلاءم مع قدراته الاقتصادية، وعدد سكانه الذي يبلغ نحو 450 مليون نسمة. وعلى الرغم من أنه عملاق اقتصادي، إلا أن البعض يصفه بأنه قزم سياسي يعجز حاليًّا عن اتباع سياسات على المستوى الدولي تلحقه بقطار إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط والخليج لأسباب عديدة من أهمها:
1- الأسباب الهيكلية والتنظيمية.
إن من أهم أسباب ضعفه أسبابًا هيكلية تتعلق بتركيبة مؤسساته وبعض أنظمته التي تجعله غير قادر على الإسراع في اتخاذ القرارات الهامة. على سبيل المثال فيما يتعلق بالأزمات الدولية، فإن معظم القرارات يجب تبنيها بالإجماع بين الدول الأعضاء كافة، لا سيما على مستوى المجلس الأوروبي، الذي يضم رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء، وأيضًا على المستوى الوزاري، مما يعوق عمله. ورأينا ذلك مؤخرًا بشأن المواقف التي تبناها إزاء أعمال الإبادة الجماعية والتجويع الجارية في قطاع غزة، وأعمال تدمير البنى التحتية والقتل في الضفة الغربية، والحروب التي تشنها إسرائيل على الدول العربية. ولم يتمكن الاتحاد حتى الآن، من تبني أي موقف موحد لفرض عقوبات على إسرائيل؛ بسبب رفض ألمانيا ودول أخرى، في حين أن (إيرلندا، وإسبانيا،… وغيرها) طالبت بتبنيها. وكذلك الأمر بالنسبة للاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ حيث أثار إعلان الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” عن رغبة بلاده الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي ستُعقد في شهر سبتمبر القادم، حملة اعتراضات من قبل دول أخرى، علمًا بأن 148 دولة من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بالدولة الفلسطينية، من بينها 11 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وهي: إسبانيا، وسلوفينيا، وأيرلندا، والسويد، والنرويج، وبلغاريا، وقبرص، وهنغاريا، وبولندا، ورومانيا.
وهكذا فإن التصويت بالإجماع، ومعارضة الحكومة الإسرائيلية وتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، الذي أشار إلى “أن قرار فرنسا هو بمثابة خيانة من قبل حليف قريب يكافئ الإرهاب” حسب قوله، وتأثير اللوبيات المؤيدة لإسرائيل داخل مؤسسات الاتحاد ودوله الأعضاء، قد يحول دون اعتراف الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية، مما يقلل من دوره في المنطقة. والاتحاد الأوروبي عاجز عن حمل الأطراف المعنية على تنفيذ مطالبه لدرجة أن البيانات التي يصدرها، كتلك المتعلقة بالنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، أصبحت لا تتعدى الإدانات وتوجيه الدعوات للأطراف المعنية لضبط النفس ووقف أعمال العنف، وتبقى دائمًا دون جواب. ويعجز الاتحاد الأوروبي حاليًّا، على سبيل المثال، عن إقناع الولايات المتحدة الأمريكية منح تأشيرات دخول للوفد الفلسطيني للمشاركة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال شهر سبتمبر 2025م، إثر قرار الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” منع دخول ثمانين عضوًا في الوفد وعلى رأسهم رئيس السلطة الفلسطينية الرئيس “محمود عباس”، على الرغم من النداء الذي وجهته الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية السيدة “كايا كالاس” إثر اجتماع وزراء خارجية الدول الأعضاء بتاريخ 30/8/2025م.
وهناك تأثير لمواقف ألمانيا على سياسات الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط والخليج؛ إذ إنها ما زالت الحليف التقليدي لإسرائيل نظرًا لشعور العديد من مسؤوليها بالذنب بسبب الهولوكوست، وما زالت تؤيد إسرائيل على الرغم من أعمال الإبادة الجماعية، وترفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الوقت الحالي، علمًا بأن موقف الاتحاد الأوروبي منذ إعلان البندقية عام 1981م، يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وتستمر دول الاتحاد بالعمل على إيجاد حل سلمي بناء على حل الدولتين.
2- اعتماد الاتحاد الأوروبي دفاعيًّا على حلف شمال الأطلسي.
من أهم أسباب عجز الاتحاد الأوروبي أيضًا عن لعب دور على الساحة الدولية، خصوصًا في المنطقة العربية، هو اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية الدفاعية، وبقاؤها تحت مظلة حلف شمال الأطلسي خلال السنوات الماضية، خاصة منذ انهيار حائط برلين وحل حلف وارسو، أدى ذلك إلى قيام معظم تلك الدول بتقليص ميزانيتها العسكرية وخفض أعداد قواتها، مما جعلها الآن عاجزة عن تأمين حماية أراضيها دون الاعتماد على حلف شمال الأطلسي، وحد من قدراتها على المشاركة بشكل فعال في عمليات عسكرية مشتركة خارج أراضيها، وتركت المجال مفتوحًا أمام الولايات المتحدة الأمريكية لمد تواجدها ونشر قواعدها العسكرية في العديد من المناطق في العالم العربي. هذا الضعف العسكري، جعلها مضطرة للسير خلف الولايات المتحدة الأمريكية ومشاركتها في الحروب التي شنَّتها في (أفغانستان، والعراق، وليبيا،… وغيرها).
إن حلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى كونه حلفًا عسكريًّا، أصبح الآن بمثابة تحالف سياسي وعسكري تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية، التي تسهم بنحو سبعين بالمئة من ميزانيته.
لقد فشلت معظم محاولات الاتحاد الأوروبي في الاستقلال عسكريًّا عن حلف شمال الأطلسي، وبالتالي عن الولايات المتحدة الأمريكية. فقد حاولت مرارًا تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة وعجزت حتى عن تشكيل قوة عسكرية مقامها خمسة آلاف جندي للتدخل السريع؛ وذلك لأسباب مالية، ولرغبة عدد من دولها الأعضاء الاستمرار في البقاء تحت مظلة الحماية العسكرية الأمريكية، بل إن بعضها كـ (بولندا) تفاوضت مع الرئيس الأمريكي السابق “جو بايدن” لإقامة قواعد عسكرية أمريكية داخل أراضيها بشكل ثنائي خارج إطار الحلف. ولعل مناشدة السيد “جوزيف بوريل”، الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي للدول الأعضاء كي تعتمد على نفسها من الناحية الدفاعية، وعدم الرضوخ لمطالب الرئيس الأمريكي زيادة نفقاتها العسكرية، كي تبلغ خمسة بالمئة من الناتج الداخلي الإجمالي للدول الأعضاء، وإصرار دول كـ (بولندا،.. وغيرها) على الرضوخ لمطالبه، وعدم موافقة العديد من الدول على دعوته لتبني مواقف صارمة إزاء إسرائيل لحملها على وقف الإبادة الجماعية في قطاع غزة_ أكبر دليل على وجود خلافات داخلية تؤثر على دور الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية، وخاصة في العالم العربي.
3- دور الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في إضعاف الاتحاد الأوروبي.
ومن أهم العوامل التي أسهمت في إضعاف دور الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية بشكلٍ عام، وفي العالم العربي بشكلٍ خاص- خلال السنوات الأخيرة- قدوم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية وتوليه السلطة، منذ شهر يناير 2017م وحتى يناير 2021م، وإعادة انتخابه لتولي الرئاسة منذ يناير الماضي لمدة أربع سنوات. وتدهورت العلاقات بين الجانبين لأسباب عديدة، منها: أسباب شخصية ناجمة عن شعوره بعدم رضا العديد من المسؤولين السياسيين الأوروبيين لتوليه الحكم ولإعادة انتخابه وتأييد بعضهم غير المعلن للمرشحة الديموقراطية السيدة “كاميلا هاريس” خلال الحملات الانتخابية، مما زاد من عدائه للاتحاد الأوروبي، الذي طالما أشار إلى أنه عديم الفائدة، وطالما أطلق على أوروبا اسم “القارة العجوز”. وأصبحت عودته للحكم بمثابة تحد حقيقي للدول الأوروبية التي ترتابها الشكوك حول سياساته وعلاقاته معها في مجالات: التجارة، والدفاع، ومكافحة التغيرات المناخية،… وغيرها. وحال انتخابه أشار إلى “أن الاتحاد الأوروبي سيء جدًا ويعاملنا معاملة سيئة”، وها هو الآن يبعده عن الساحة الدولية، فيما يتعلق بحل النزاعات ليس فقط في الشرق الأوسط والخليج، ولكن أيضًا في أوكرانيا وغيرها. وحال توليه السلطة وطَّد علاقاته مع دول الخليج العربية وزارها ووقع العديد من اتفاقيات التعاون (الاقتصادي، والتجاري، والاستثماري) معها.
4- العلاقات الخليجية الأوروبية.
وبخصوص علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فإن التأخير في تطوير تلك العلاقات، التي كان من المفروض أن تؤدي إلى إقامة منطقة تبادل حر بين الجانبين، والناجم عن تردد الجانب الأوروبي؛ نظرًا لعدم رغبته في دخول المنتجات البتروكيماوية الخليجية إلى الأسواق الأوروبية؛ لأن أسعارها تنافس المنتجات الأوروبية، وأيضًا لأسباب ثقافية ودينية، ولاعتبارات تتعلق بحقوق الإنسان وفقًا لبعض الدول الأعضاء.
لقد بدأت المفاوضات بين الجانبين عام 1982م، ولم تؤدِّ إلا إلى التوقيع عام 1982م على اتفاق تعاون سياسي واقتصادي دون إقامة منطقة التبادل الحر. وبقيت العلاقات محدودة حتى عام 1988م، إلى أن تم تدعيم العلاقات عبر إقامة شراكة إستراتيجية عام 2022م، تشمل المجالات (الاقتصادية، والتجارية، والطاقة، والتعاون السياسي، والدبلوماسي)، بهدف إحلال الاستقرار في منطقة الخليج، وعقد اجتماعات قمة بين الجانبين مرة كل عامين، مع تعيين ممثل خاص للاتحاد الأوروبي لتطوير الشراكة الإستراتيجية. وقد أدى هذا التأخر في تطوير العلاقات إلى إعطاء الفرصة للصين لزيادة مبادلاتها التجارية مع منطقة الخليج على حساب دول الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية التي ازداد نفوذها (الاقتصادي، والسياسي، والعسكري) في منطقة الخليج، لا سيما منذ تولي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” منصبه كما ورد سابقًا.
وحول إيران وإبعاد الاتحاد الأوروبي عن القيام بدور الوسيط لإعادة تفعيل الاتفاق النووي معها، ولاستعادة دوره في منطقة الخليج، كثيرًا ما عاقت الولايات المتحدة الأمريكية إجراء مفاوضات إيرانية أوروبية، لاسيما قيامها بمشاركة إسرائيل في قصف المفاعلات النووية الإيرانية قبل يومين من بدء المفاوضات، التي كانت ستجريها (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا) مع إيران لبحث موضوع إعادة تفعيل الاتفاق النووي معها، وعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق ورفع العقوبات المفروضة على إيران. إلا أن الطيران الأمريكي والإسرائيلي شنَّا هجومًا على إيران بتاريخ 13/6/2015م، واستمرت الحرب بينها حتى يوم 24/6/2015م، مما أدى إلى تأجيل المفاوضات، وبالتالي حرمان الاتحاد الأوروبي من دوره كوسيط. وها هو يعود الآن لمحاولة التفاوض مع إيران مستخدما تفعيل آلية الزناد، أو ما يعرف قانونًّا بآلية حل النزاعات، التي وردت في الاتفاق النووي مع إيران التي وقعت عام 2015م، والتي تسمح بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
5- أزمة اللجوء والهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
لقد أدت الحروب والنزاعات في العديد من دول المنطقة، وخاصة في سوريا، إلى قدوم ملايين اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين إلى دول الاتحاد الأوروبي، مع ما نجم عنه من نفقات وأعباءَ مالية كبيرة تتحملها الدول الأعضاء؛ حيث حاولت وقف دخولهم عبر التوقيع على اتفاقيات مع تركيا على سبيل المثال، تنص على تخصيص نحو أربعة مليارات دولار وفشل محاولات التوصل إلى وقف الحروب والأزمات في المنطقة، وعجز سياسات التنمية التي تبناها الاتحاد الأوروبي- عبر اتفاقيات الشراكة وغيرها- في إحلال تنمية مستدامة، تشجع السكان على البقاء في بلادهم.
كافة هذه العوامل، بالإضافة إلى الخلافات والمشكلات السياسية الثنائية الأخيرة بين الجزائر وفرنسا حول منح التأشيرات وعودة المهاجرين الجزائريين غير الشرعيين إلى بلادهم، والخلافات حول الاعتراف بمغربية الصحراء الغربية، وتوتر العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا؛ بسبب استقبالها لأحد مسؤولي البوليساريو للعلاج داخل أراضيها. هذه الخلافات وغيرها أدت إلى إضعاف دور الاتحاد الأوروبي في المنطقة.
6- غياب شخصيات سياسية أوروبية قادرة على مواجهة التحديات.
حاليًّا، فإن غياب شخصيات سياسية أوروبية قوية كالمستشارة الألمانية السابقة السيدة “أنجيلا ميركل”، والرئيس الفرنسي الأسبق “فرانسوا ميتران”،… وغيرهما، وأيضًا على مستوى المفوضية الأوروبية كالسيدة “فيديريكا موغيريني” الممثلة السابقة العليا للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي، والسيد “جاك ديلور” رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق، الذين كان لهم تأثير وقدرة على مواجهة رؤساء ومسؤولي الدول الكبرى الأخرى- أسهم في إضعاف مواقف الاتحاد الأوروبي؛ حيث أصبح الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب قادرًا على فرض سياساته على الدول الأوروبية، بما فيها المتعلقة بالدول العربية. وهذا ما حصل فعلًا عندما تحدث عن الديانة الإبراهيمية، وشجع العديد من دول المنطقة على إحلال السلام مع إسرائيل، مستبعدًا الدول الأوروبية التي كانت تطمح في تأدية دور من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط بناء على حل الدولتين، وفشلت في تنظيم العديد من المؤتمرات الدولية كتلك التي دعا إليها الرئيس الفرنسي الأسبق “فرانسوا هولاند”، وأيضًا مبادرة الرئيس الفرنسي الحالي “إيمانويل ماكرون” بمشاركة صاحب السمو الملكي الأمير “محمد بن سلمان” ولي عهد المملكة العربية السعودية. وقد تأجل عقد هذا المؤتمر بسبب معارضة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لعقده وبسبب الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة.
7- عدم التزام الاتحاد الأوروبي بالقيم التي بُني عليها.
لقد أكدت اتفاقية “أمستردام”، التي دخلت حيز التنفيذ في 1/5/1999، على ضرورة احترام مبادئ الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وعدم التمييز بين المواطنين، واحترام الحقوق الاجتماعية والمدنية، والمساواة بين الرجل والمرأة ومنع أي نوع من أنواع التمييز. إلا أن الأحداث قد أثبتت عدم احترام الاتحاد ودوله الأعضاء لهذه القيم والكيل بمعيارين، أثر سلبًا على مصداقيته، لا سيما وأنه يرغم دول المنطقة التي يوقع معها اتفاقيات شراكة على احترام تلك القيم وفقًا لبند مدرج ضمن الاتفاقيات.
ولعل للبرلمان الأوروبي أحيانًا دورًا في تدهور علاقات الاتحاد مع العديد من الدول العربية؛ بسبب تبنيه قرارات إدانة لبعضها بشأن عدم احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير والصحافة وغيرها من الحريات، علمًا بأن قراراته غير إلزامية. إلا أن له دورًا هامًا فيما يتعلق بالمصادقة على اتفاقيات الشراكة والتعاون مع الدول الأخرى؛ حيث لا تدخل هذه الاتفاقيات حيز التنفيذ إلا بعد مصادقته عليها. إلا أنه يتغاضى عن تلك القيم عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، التي لم تحترم بند احترام حقوق الإنسان، وتمارس أعمال الإبادة الجماعية والتجويع في قطاع غزة، وتدمير ومحاصرة القرى والمدن في الضفة الغربية، بالإضافة إلى احتلال الأراضي (السورية، واللبنانية،… وغيرها).
وأخيرًا: هل سيتمكن الاتحاد الأوروبي حاليًّا من تخطِّ هذه الأزمات والتحديات كي يصبح قادرًا على القيام بدور فعال وأن يشارك في التغييرات التي تحدث في المنطقة، خاصة مع ازدياد التنافس بين العديد من الدول والشرَكات على استثمار ثروات دول المنطقة إثر العثور على كميات كبيرة من الغاز والنفط شرقي البحر الأبيض المتوسط؟ اعتقد أن الظروف الحالية والمشاكل الاقتصادية والسياسية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي لن تسمح له بالقيام بدور فعال، لاسيما مع تصاعد الدور السياسي والعسكري الأمريكي، وتوجه العديد من دول المنطقة نحو تنويع شراكاتها مع دول أخرى، وكذلك الدور الاقتصادي الصيني الذي يستثمر نحو عشرة تريليونات دولار منذ أكثر من عشر سنوات عبر خط الحرير الجديد وغيره من المشاريع، في حين يعجز الاتحاد الأوروبي عن منافسته؛ إذ تبنى قرارًا بتخصيص مبلغ 230 مليار دولار لتمويل مشاريع مع الدول الأخرى، ومن بينها دول شمال إفريقيا، ولكن ابتداء من عام 2030م.




