2025العدد 203ملف ثقافي

التعصب الكروي وتداعياته إنسانيًّا ورياضيًّا واجتماعيًّا.

كانت إحدى أطول حروب العرب في الجاهلية ودامت 40 سنة وحملت اسم “داحس والغبراء”، رغم أنها كانت بين قبيلتي (عبس، وذبيان)، وقامت هذه الحرب نتيجة سباق للخيول بين داحس الذي كان حصانًا لقيس بن زهير العبسي، وكانت الغبراء فرسًا يملكها حذيفة بن بدر الذبياني، وقرر رجال من ذبيان العمل على تعطيل داحس إن تقدم حتى تفوز الغبراء، ولم يقبل بنو عبس أن يخسر حصانهم وتفوز الغبراء فكان ذلك السبب المباشر لاشتعال الحرب التي اشتهرت باسم “داحس والغبراء” إلى جانب تراكم أسباب ودوافع ومطامع أخرى قديمة. وقد لا تبدو لهذه الحكاية التي جرت وقائعها قبل أقل من 1500 سنة أية علاقة بأي حديث عن التعصب الكروي في زماننا الحالي، فإن تقوم حرب وتدوم 40 سنة لمجرد خسارة حصان لسباق يعني ذلك أن التعصب موجود طول الوقت، وهو إحدى غرائز الإنسان التي يمكن لصاحبها التحكم فيها وترويضها أو يفقد السيطرة عليها ويكسر بسببها أية قواعد وقوانين، وهي حكاية أيضًا تصلح للتأكيد على أن شاشات التليفزيون والسوشيال ميديا وصفحات الأندية وجماهيرها ليست هي التي اخترعت التعصب لكنها فقط ساعدت على انتشاره واتساع دوائره. وأخيرًا تصلح هذه الحكاية دليلًا على عدم صواب وواقعية اتهامات كثيرة معاصرة بشأن التعصب، وأنه نتيجة فقر وبطالة ومعاناة وحياة قاسية، فالذين بدؤوا حرب “داحس والغبراء” كانوا سادة قومهم لا تنقصهم سلطة وثروة ومكانة وحياة مرفهة، ورغم ذلك لم يقبلوا خسارة حصانهم لمجرد سباق.

وغير حكاية حرب “داعس والغبراء”، يلزم أيضًا التوقف أمام الإمبراطور الروماني “نيرون” قبل بدء الحديث عن التعصب الكروي، وقد اشتهر نيرون بأنه الإمبراطور الذي أحرق روما سنة 64، وظلت نيرانها مشتعلة 7 أيام، بينما يجلس نيرون فوق أحد تلالها يعزف ويغني أشعار هوميروس، لكن لا يعرف كثيرون أن نيرون كان أول رياضيٍ متعصب في التاريخ؛ ففي سنة 67 قرر نيرون المشاركة في الألعاب الأوليمبية القديمة التي ينظمها الإغريق كل أربع سنوات، وكان قرارًا اعتبره المؤرخون الرياضيون نقطة تحول هائلةً في دورات الزمن القديم وتاريخ الرياضة أيضًا؛ فقد اعتادت أوليمبيا في كل دورة استقبال رياضيين يأتون في هدوء وسلام، لكن نيرون جاء في موكب إمبراطوري لا يريد فقط المشاركة في كل الألعاب، إنما يريد أن يفوز بها أيضًا دون أي اعتبار واحترام لتقاليد ومواثيق أوليمبية. وعلى سبيل المثال شارك نيرون في سباق العربات ذات العشرة أحصنة وسقط من عربته، ورغم ذلك أجبر المنظمين على اعتباره فائزًا بالسباق، وأجبر نيرون المنظمين أيضًا في أثناء الدورة على إضافة ألعاب جديدة لم تشهدها أوليمبيا من قبل لمجرد أن نيرون يحب هذه الألعاب أو ظن أن بإمكانه الفوز فيها، وبالقوة والحرس الخاص به والتحايل فاز نيرون بكل الألعاب التي شارك فيها، فلم يكن يقبل أن يخسر في أي لعبة، ولهذا تم وصفه بالتعصب؛ لأنه اختار أن يلعب بشرط أن يفوز دائمًا وألا يخسر أبدًا حتى لو لم يكن الأحق أو الأفضل، وهذا هو أقدم وأبسط وأوضح مفهوم للتعصب، عدم الاستعداد لقبول أية خسارة والاقتناع بأن الآخر ليس له أي حقوق.

وهناك خطأ شائع الآن يربط التعصب بالمشجعين رغم أنه سلوك يمكن استخدامه أيضًا لوصف اللاعبين أنفسهم، فهناك فارق بين لاعب متحمس يملك التصميم والإرادة يريد أن يكون الأفضل ليفوز، ولاعب آخر يقوده التعصب ليرى نفسه طول الوقت الأحق بالفوز مهما كانت قوة ومهارة وموهبة المنافسين. وبالإضافة إلى ذلك، لا أحد يستطيع الزعم بأن كرة القدم هي التي خلقت التعصب أو حتى بدأته، فالتعصب سبق كرة القدم بوقت طويل، والتعصب ليس كرويًّا فقط، فهناك التعصب (الديني، والسياسي، والفكري،…). وتعددت تعريفات التعصب بمختلف مجالاته وأشكاله وتم اعتباره القيام بالدفاع عن شيء أو أحد أو فكرة أو فريق بطريقة خاطئة تتجاوز كل الحدود حتى لو استدعى الأمر الخروج على أي قانون، وهو أيضًا سلوك تتحكم فيه العاطفة بانفعالاتها وأحيانًا جنونها وشذوذها وليس العقل برجاحته وحساباته، فلا يعود المتعصب على استعداد لقبول أي رأي آخر مخالف، ولا يقبل أيضًا فكرة أنه ممكن أن يخطئ، ويملك أحكامًا نهائية مسبقة ليس لها أي أساس، ولا يبالي إن دفع آخرون كثيرون ثمن هذا التعصب بداية من الإزعاج والإهانة والخوف وصولًا إلى الجرح والدم والموت أيضًا. ومثلما كانت إنجلترا هي البلد التي اخترعت كرة القدم وعلمتها للعالم، فقد كان من الطبيعي أن تصبح البلد الأولى التي تعرف التعصب الكروي وأن تمارسه وتشكو منه أيضًا.

وبعد أن أُقيمت في 1860 أول مباراة كرة قدم رسمية في التاريخ  بين نادي “شيفيلد” ونادي “هالام” في مدينة شيفيلد الإنجليزية، لم يطُلْ الانتظار أكثر من 20 عامًا ليبدأ التعصب الكروي، وكانت البداية مع جماهير نادي “بريستون نورث إند”، التي تعددت وتوالت، منذ 1881، انفعالاتُهم وجرائمهم الكروية وهجومهم على منافسيهم سواء لاعبين أو جماهير، لكن الحادثة الأكبر في تاريخ التعصب الكروي كانت في 1885، حين استضاف نادي “أستون فيلا” نادي “بريستون نورث إند” في مباراة ودية، وخسر نادي “أستون فيلا” في ملعبه بخمسة أهداف، ولم تقبل جماهير “أستون فيلا” المتعصبة هذه الخسارة؛ فاقتحمت الملعب بعد نهاية المباراة، وقامت بالاعتداء على لاعبي “بريستون” الذين فازوا على ناديهم، وقاموا أيضًا بالاعتداء على لاعبي ناديهم الذين خذلوهم بهذه الخسارة الثقيلة رغم أنها كانت مباراة ودية، ومثلما احتفظ التاريخ الكروي بما قامت به جماهير نادي “بريستون نورث إند” كبداية للتعصب الكروي، احتفظ أيضًا بمباراة “أستون فيلا، وبريستون نورث إند” كحكاية صالحة لتفسير التعصب الكروي بدوافعه وأسبابه ونتائجه، واعتاد مؤرخو الكرة وعلماء الاجتماع الرياضي العودة إلى هذه الحكاية للتدليل على أن التعصب الكروي أشبه بطوفان غضب لا أحد يستطيع التحكم في مساره، وأن تهور واندفاع المشجع الكروي المتعصب قد لا يقوده فقط للاعتداء على المنافسين إنما قد يعتدي أيضًا على لاعبي النادي الذي ينتمي إليه ويشجعه، والمفروض أنه يدافع عن هذا النادي وكل من ينتمون إليه. وفي 1886، قام مشجعو نادي “بريستون نورث إند” بالاعتداء على جماهير نادي “كوينز بارك” في محطة السكك الحديد، ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يؤدي فيها التعصب الكروي إلى حوادث وعنف وجرائم واعتداء خارج ملاعب الكرة، لكن ضخامة وقسوة وعنف ما جرى في 1886، كانت إشارة أولى ومهمة إلى أن التعصب الكروي لن يبقى طويلًا سجينًا داخل الملاعب. وبعدما قام مشجعو “بريستون نورث إند” أيضًا في 1905 بالاعتداء على جماهير “بلاكبيرن روفرز” ، وتم القبض على عدد كبير منهم وتقديمهم للمحاكمة، تبين أن منهم امرأة في السبعين من عمرها شاركت في الاعتداء وباتت دليلًا على أن التعصب الكروي لم يعد يقتصر على شباب مندفعين فقط، ولا الرجال وحدهم، إنما ممكن لهذا التعصب أن يقود امرأة عجوزًا للاعتداء على آخرين تعصبًا لناديها الكروي.

ومن الصعب أو غير الممكن، اتهام الإنجليز بأنهم نقلوا إلى مختلف بلدان العالم هذا التعصب الكروي الذي بدؤوه في بلادهم، هم فقط نقلوا كرة القدم التي تعلمها منهم الجميع، وبدؤوا ولا يزالون يلعبونها كما اخترعها الإنجليز ووضعوا قوانينها، لكنهم تركوا لكل شعب أو مجتمع أن يصيغ التعصب الكروي الخاص به ويتناسب مع ظروفه (الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والنفسية)، ولهذا لم يكن التعصب الكروي واحدًا في كل بلدان العالم سواء في أسبابه ودوافعه أو تفاصيله؛ فالتعصب الكروي الإنجليزي لم يشبه التعصب الأوروبي أو اللاتيني أو العربي أو الإفريقي أو الآسيوي، فهناك مجتمعات كانت فيها كرة القدم بديلًا عن السياسة أو ساحة للتعبير عن مختلف الآراء والأفكار، ومجتمعات أخرى أصبحت فيها كرة القدم وسيلة للهرب من فقر ومعاناة والبديل لحقوق كثيرة غائبة، ومجتمعات أخرى لجأ فيها كثيرون لكرة القدم هربًا من حياة جافة ووحدة وفراغ وملل وروتين، ومجتمعات ارتبط فيها التعصب الكروي بالمخدرات والكحول. وكانت كرة القدم وظلت هي الساحة المفتوحة أمام كل هؤلاء لممارسة حبهم لها وارتباطهم بها وممارسة التعصب لمن يشاء منهم، وكانت أسباب ذلك كثيرة؛ فالتعصب الكروي يناسب الجميع أيًّا كانت مستوياتهم (الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية)، وكان في بداياته في مختلف بلدان العالم هو التعصب الأقل ضررًا وخسارة من أي تعصب ديني أو سياسي أو فكري، ولا يحتاج التعصب الكروي إلى أي مؤهلات واشتراطات خاصة وبذل جهد إضافي مثل باقي أشكال ومجالات التعصب.

فالمشجعون الكرويون أيًّا كانت مستوياتهم (الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية) يرتبطون بأنديتهم ارتباطًا عاطفيًّا وحياتيًّا أكثر من مجرد ارتباط كروي، وأكبر وأقوى من ارتباط مشجعي الألعاب الأخرى وأنديتها. ومع بعض الاستثناءات، فإن مشجعي الأندية في الألعاب الأخرى ينصرف معظمهم لحياتهم العادية بعد انتهاء مباريات أنديتهم، وتخفت حدة أحاديثهم عن أنديتهم ونتائجها، بعكس الحال مع مشجعي كرة القدم الذين يرتبطون بأنديتهم- سواء وقت اللعب أو حتى بدون مباريات- ارتباطًا لا ينقطع ولا يتوقف ولا يهدأ، ارتباطًا كرويًّا من نوع خاص يجعل المشجع أكبر وأهم من مجرد مشجع، يساعده على الاعتداد بنفسه وعدم الشعور بالوحدة وتكتمل معه غريزة الإنسان الطبيعية في الانتماء لكيان أكبر فلا يبقى وحيدًا إنما يعيش وسط من يشاركونه نفس الانتماء والحب وبهم يستقوي ويزداد دائمًا ارتباطه بناديه ومشجعيه الآخرين، كما أن الانتماء لفريق كروي يمنح صاحبه نشوة الانتصار حين يفوز فريقه أو حين يدافع عنه، وفي حالة الخسارة يمتلك هذا المشجع مزيدًا من الانتماء يجعله أقرب لفريقه الخاسر واثقًا في انتصاره من جديد، وفي حالتي الفوز أو الخسارة، تكون المشاعر أكبر وأكثر وضوحًا منها في الحياة الشخصية لأي مشجع. واكتشف الأطباء أيضًا أن التشجيع الكروي يساعد الإنسان على زيادة إفراز الدوبامين، الذي يمكن وصفه طبيًّا وعلميًّا بهرمون السعادة، فكلما زاد إفراز الدوبامين زادت مشاعر الفرحة والارتياح لدى هذا المشجع ويصبح أكثر ارتباطًا بناديه سواء فائز أو مهزوم؛ فالدوبامين لا يرتبط بأوقات الفوز فقط، ولا يرتبط حتى بأوقات اللعب والمشاهدة، ومجرد التفكير في النادي يسمح بزيادة الدوبامين في دماء مشجعيه حتى لو لم تكن هناك أية مباريات أو منافسات، ويؤدي ذلك أحيانًا إلى متابعة دائمة لأخبار ونجوم هذا النادي والدفاع عنه وعنهم إلى حد افتعال الحروب ليزيد الدفاع ويزيد تركيز الدوبامين فينتج عن ذلك إحساس السعادة والزهو والكبرياء

ويخلق ذلك مزيدًا من الارتباط الدائم والعنيف ويفتح ألف باب للتعصب الكروي دفاعًا عن النادي، وتحولت كرة القدم إلى أهم وأكبر الساحات المفتوحة أمام المتعصبين، وأصبح التعصب الكروي هو أشهر أنواع التعصب حاليًّا لأسباب كثيرة جدًا، منها: شعبية الكرة، وضخامة إعلامها، وأعداد متابعيها. ولا يحتاج المتعصبون كرويًّا لأية ترتيبات خاصة للتجمع واللقاء حيث يلتقون تلقائيًّا عند كل مباراة لناديهم، ويسمح التعصب الكروي بمشاركة المثقف والجاهل والغني والفقير والرأسمالي والاشتراكي والموظف الكبير والعاطل، ويصبح المتعصبون لكل فريق كروي خليطًا غريبًا يجمع بين كل الصفات والألوان والعقائد والميول. والأغرب أن هؤلاء عندما يلتقون يلغي كل منهم عقله ويصبح خاضعًا للعقل الجمعي مثلما أكد ذلك الطبيب والمؤرخ الفرنسي “جوستاف لوبون” في كتابه الشهير والمهم عن سيكولوجية الجماهير، ولا يفسر ذلك كيف يجتمع المتعصبون لكل فريق رغم الخلافات بينهم والتناقضات بكافة أشكالها وأنواعها، إنما يؤكد أيضًا عدم صحة قول شائع بأن المتعصب الكروي هو إنسان متعصب في كل أرائه ومجالات حياته، فمن الممكن أن تجد متعصبًا كرويًّا لكنه ليس متعصبًا في بيته مع أسرته أو في وظيفته مع أصدقائه وزملائه، ويظل إنسانًا طبيعيًّا عاقلًا حتى يدور الحديث عن كرة القدم أو تبدأ مبارياتها وحكاياتها وخلافاتها فيظهر لنفس هذا الإنسان وجه آخر يختلف تمامًا عن وجهه الحقيقي. وفي إحدى أهم الدراسات العلمية والنفسية عن التعصب، اكتشف الأستاذان “بول جاو وجويل روكوود” أن الانتماء العاطفي والنفسي هو أساس التعصب، وبعدها قد يرتكب المتعصب الكروي مخالفاتٍ وجرائمًا فقط لتأكيد هذا الانتماء، وغالبًا لا ينتبه المتعصب لمخالفته للقانون والنظام منشغلًا بالدفاع عن ناديه، وحتى إذا انتبه فإنه سيرى أن الدفاع عن ناديه له الأولوية على احترام أي قانون أو نظام، ولهذا تتعدد وتتوالى مخالفات وجرائم التعصب الكروي. ومع اختلاف الأسباب والدوافع، تتشابه النهايات والنتائج، عنف وخوف وغضب وكراهية وجروح وخسائر كثيرة إنسانية ورياضية واجتماعية أيضًا، خسائر سببها الأول هم المتعصبون كرويًّا لكنهم ليسوا وحدهم الذين في النهاية يدفعون ثمنها، يشاركهم في الثمن الذين لم يعرفوا هذا التعصب الكروي ولم يستسلموا له، وتشاركهم مجتمعاتهم التي تدفع ثمن هذا التعصب من استقرارها وهدوئها وأخلاقها وممتلكاتها ومنشآتها أيضًا، وبات من الضروري الآن التوقف أمام تفاسير وتعريف هذا التعصب، وأيضًا تأمل تداعيات هذا التعصب الكروي بكل أشكاله ومجالاته.

والبداية هي التداعيات الإنسانية، أي المخاطر والأزمات والأوجاع التي يدفع ثمنها الناس، فهناك في بلدان كثيرة من دفعوا حياتهم ثمنًا لهذا التعصب الكروي وليس شرطًا أنهم كانوا دعاة أو هواة تعصب، وهناك من فقدوا الابن أو الأب أو الأخ أو الصديق، وهناك من أصيبوا بإعاقات جسدية متنوعة وقاسية، وهناك صداقات طويلة وحقيقية أنهاها التعصب الكروي، وهناك التعصب المضاد حين يتمادى المتعصبون لأحد الأندية في هجومهم وسخريتهم فيدفعون مشجعين معتدلين وهادئين لنادٍ منافس للتعصب ردًا على تعصب قديم، وهناك أوجاع أخرى تطال المتعصبين أنفسهم، فمن فرْط الانفعال والتوتر والحماسة والغضب يصبح من الوارد والممكن الإصابة بأزمات القلب والسكتة الدماغية وارتفاع ضغط الدم ومرض السكر والقولون العصبي وقرحة المعدة  واضطرابات النوم.

وبعد التداعيات الإنسانية تأتي التداعيات الرياضية، وكثيرًا ما يصبح غضب جماهير متعصبة سببًا مباشرًا ورئيسًا في خسائر رياضية كثيرة، إتلاف المدرجات وتخريب الملاعب، الاعتداء على الحكام وجماهير ولاعبين المنافسين فيتم توقيع عقوبات مختلفة على ناديهم، وأحيانًا تخسر أندية مبارياتها نتيجة تعصب جماهيرها وخوف اللاعبين منها. ومثلما هناك متعصبون كرويًّا سواء جماهير أو لاعبين، هناك أيضًا إعلاميون متعصبون ويدفعهم تعصبهم لاستغلال الشاشات وأوراق الصحف والسوشيال ميديا لإشعال المزيد من نار التعصب يومًا وراء يوم، ويتسبب هؤلاء في كوارث جديدة طول الوقت.

وتأتي بعد ذلك التداعيات الاجتماعية للتعصب الكروي، أهمها وأخطرها خلق مناخ اجتماعي متوتر قابل للاشتعال والانفجار في أية لحظة، وصراخ وصخب دائم وقلق وضوضاء وإزعاج، تخريب وإتلاف ممتلكات عامة وشوارع ووسائل نقل. ولأن التعصب في بلدان كثيرة  يلغي الكثير من القوانين وقواعد الاحترام ويصبح من الطبيعي والمعتاد إهانة أي أحد في المجتمع أيًّا كان اسمه ومكانته لمجرد انتمائه لنادٍ منافس، تحولت هذه الظاهرة المؤسفة من ظاهرة كروية إلى ظاهرة عامة، كما أن التعصب الكروي يؤدي إلى إشغال وإرباك رجال الأمن في أثناء المباريات، أصبح من السهل قيام البعض باستغلال ذلك لارتكاب مخالفاتهم وجرائمهم.

وفي النهاية، تأتي التداعيات السياسية؛ حيث يمكن للتعصب الكروي أن يصنع أزمات سياسية بين البلدان نتيجة تبادل جماهير الكرة في بلدين السخرية وإهانة منتخب البلد الأخرى ويأتي الرد من جماهير تلك البلد فتبدأ أزمة دون داعٍ أو ضرورة، وتبقى حرب المئة ساعة بين “هندوراس، والسلفادور” أشهر وأكبر حرب اشتعلت نيرانها؛ بسبب كرة القدم والتعصب حين يقود للعنف والجنون.

وبعدما تحول التعصب الكروي إلى ظاهرة عالمية وأدى لوقوع كثير من المآسي في بلدان كثيرة شمالًا وجنوبًا وغربًا وشرقًا، إنجلترا واليونان وإيطاليا وإسبانيا وتركيا – البرازيل والأرجنتين وشيلي وبيرو- مصر والجزائر ولبنان والمغرب- غانا وجنوب إفريقيا- إندونيسيا ونيبال- بدأ العالم البحث عن حلول وعلاج لهذا التعصب. وتظل تجربة “مارجريت تاتشر” في أثناء رئاستها للحكومة البريطانية هي الأنجح على الإطلاق وحتى الآن؛ فالمرأة الحديدية بعدما كثرت حوادث العنف الكروي وسقوط الكثيرين جدًا من الضحايا، غيرت القوانين وفرضت بالقوة النظام والالتزام على الجميع ونجحت في تغيير الصورة القبيحة للمشجعين الإنجليز في عيون العالم. وتوالت بعد تاتشر القوانين التي جرمت أحداث الشغب الكروية والاعتداء على المنافسين، سواء في الملاعب أو الشوارع والميادين والهتافات العنصرية في الملاعب، وعوقبت الأندية والمنتخبات التي تخرج جماهيرها على القانون، ولم ينجح كل ذلك في القضاء على التعصب الكروي الذي من الواضح أنه سيدوم طالما بقيت كرة القدم وفرقها ومبارياتها، ولم يعد العالم يأمل في القضاء نهائيًّا على هذا التعصب، إنما سيبقى فقط يحاول كبح جماح التعصب وترويض هذا الوحش حتى تقل مخاطره وتداعياته ولا تتحول إلى حروب ومذابح وكوارث كروية وإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى