2026العدد 205ملف ثقافي

علاقة السينما والمسرح العربي بالأدب.

علاقة المسرح والسينما بالأدب قديمة ومتداخلة إلى حد كبير؛ حيث ترتبط بظهور هذه الأشكال الفنية ومراحل تطورها وارتباطها بالمتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي عرفتها الإنسانية بشكل عام.

وتفرض علينا دراسة هذه العلاقة ضرورة فهم طبيعة الأدب والفروق الجوهرية التي تميز ما هو أدبي عن غيره من الفنون. ودون الدخول في التفاصيل المتخصصة التي تناولتها الكثير من الرسائل والدراسات العلمية، فإن المتخصصين يقسمون الفنون إلى نوعين: الأول، هو الفنون القائمة على التتابع بداية من الحرف ثم الكلمة والجملة فالموضوع، ومن ثم فهي فنون تعتمد على الكتابة والكلمة حتى وإن كان بعضها يأخذ شكلًا شفهيًّا، في مراحل تاريخية معينة قبل انتشار التعليم والقدرة على القراءة والكتابة واختراع آلات الطباعة وما تلاها من رسائل النشر، وبالتالي فإن هذا النوع من الفنون يضم: الملحمة، والشعر، والقصة القصيرة، والرواية، والمقال، والسير، والمسرحية كنص مكتوب قبل تحويله لعرض، وهو ما سندرسه بالتفصيل بعد ذلك.

 النوع الثاني من الفنون القائمة على التشكيل، وهي الفنون المرئية من (رسم، وتصوير، ونحت)، أي الفنون التي تعتمد على البصر والتشكيل باستخدام عناصر: الخط، والحجم، والكتلة، والفراغ، واللون، والحركة، والإيقاع، والظل، والنور،… وغير ذلك من العناصر.

ومما لاشك فيه أن الأدب يندرج تحت النوع الأول وهو فنون التتابع، بينما تجمع فنون المسرح والسينما، والمسرح على وجه الخصوص، بين النوعين في جزء منه يقوم على التتابع والكلمات المكتوبة والموثقة والتي يتم نطقها بعد ذلك، وهو أيضًا قائم على التشكيل من خلال أن المسرحية في الأساس تُكتب لتقدم في عرض مسرحي يعتمد على (التمثيل، والحركة، والديكور، والملابس، والإضاءة، والموسيقى)، وكذلك السينما؛ فالفيلم السينمائي مرئي ومسموع لكونه فيلمًا في الأساس.

لقد أثارت العديد من الدراسات العلاقة بين المسرحية والأدب باعتبارهما الأقرب؛ فالفيلم السينمائي حديث ويتم  كتابة السيناريو الخاص به بتقنيات خاصة تراعي عناصر: الكاميرا، والتصوير، والمونتاج ،والتمثيل، والديكور،… إلخ. وغالبًا ما يكون الفيلم السينمائي مستمدًا من مصادر أخرى سواء من القصة أو الرواية أو المسرحية أو من الحياة، وكذلك هناك سيناريوهات تُكتب خصيصًا ليتم تصويرها في فيلم.

إن العمل الأدبي، وخاصة (الملحمة، والقصة القصيرة، والرواية) هي مصادر مهمة للسينما.

مما لاشك فيه أن المسرحية هي أقدم الأشكال الفنية ظهورًا وكتابة ولم يسبقها إلا الملحمة، والتي تعتبر عملًا شفهيًّا مجهول المصدر، ولكنه شكل شعبي شفهي تناقلته الأجيال وأضافت إليه دون أن تعرف من هو مؤلفه الأول، في حين أن المسرحيات الإغريقية وجدت مكتوبة وموثقة ومنسوبة إلى مؤلفيها وإن اعتمدت على الأصول الملحمية كمصادر لها.

لقد أُثيرت قضية علاقة المسرحية بالأدب في المسرح العربي عندما أعلن توفيق الحكيم أن مسرحياته هي مسرحيات ذهنية يكتبها للقراءة مثلها مثل الرواية والقصة، فيما أطلق عليه مصطلحات “المسرح المقروء” “المسرح الفلسفي” “المسرح الذهني”، وقد أثار ذلك الموضوع موجه من التساؤلات والدراسات خاصة أن هذا الموضوع كان مطروحًا في أوروبا فيما سُمي أيضًا “بالمسرح في مقعد” “أدب المسرح” “المسرح الفكري”.        

وقد انتهت الدراسات إلى عدة نتائج أهمها:

  • المسرح شكل فني يختلف بشكل كبير عن الأشكال الفنية الأخرى، فهو في جزء منه ” أدب” ولكنه مشروط بالتقديم في عرض مسرحي؛ فالمسرحية لا تكتمل إلا بتقديمها في عرض.
  • الكاتب المسرحي يراعي في أثناء كتابته للمسرحية عناصر (التنفيذ، والتمثيل، والديكور) وعناصر وإمكانات خشبة المسرح.
  • المسرحية ليست للقراءة فقط، ولكنها تقرأ لتقدم في عرض؛ والسبب الرئيس الذي جعل البعض يقولون أن المسرحية أدب وللقراءة فقط يرجع إلى فشل بعض مسرحياتهم عند تقديمها في عرض، وعدم مراعاة خصوصية عناصر المسرح، ويرجع البعض ذلك إلى اتجاه عدد كبير من كتاب الرواية لكتابة المسرحيات سواء في أوروبا أو في مصر، دون الإلمام بقواعد المسرح؛ لتنتهي فكرة المسرح للقراءة وإقناع الجميع بأن المؤلف يختار الشكل الذي يكتبه، فإذا أراد القراءة فليكتب رواية أو قصة وإذا أراد (العرض، والتمثيل، والديكور، والجمهور) فليكتب مسرحية.
  • إذا كانت الملحمة المصدر الأول لموضوعات المسرحيات، فإن الرواية في العصر الحديث هي أكثر الأنواع الأدبية اقترابًا من مفاهيم الدراما، والتي تعتمد عليها المسرحية والفيلم السينمائي أيضًا، بالمسرحية والفيلم.

لذا فإننا سنذكر بالتحديد طبيعة هذا الشكل الأدبي وعناصر اختلافه عن المسرحية على وجه الخصوص ومن ثم عن الفيلم السينمائي.          

أوجه الاختلاف والتشابه بين الرواية والمسرحية.

تشترك الرواية والمسرحية في أنهما نوعان من أنواع الدراما، والدراما ببساطة تعتمد على الفعل والحدث أي أن كليهما بهما موضوع أو حكاية، ولعل ذلك يبرر الخطأ الذي كان بعض المسرحيين العرب يقع فيه حين يطلق على العرض المسرحي لقب ” الرواية” في حين أنهما يختلفان اختلافًا كبيرًا؛ فالرواية عمل فردي من حيث الإبداع والتلقي، فكاتب الرواية يكتب بشكل فردي ويطلق لخياله العنان سواء على مستوى زمن الأحداث أو مكانها، فقد ينتقل مؤلف الرواية بين أماكن عديدة وغريبة دون حدود. بينما في المسرحية فإن الكاتب يكون محددًا بتصوره عن خشبة المسرح “مكان العرض” وأداء الممثلين، وتصور الديكور والأزياء، وأن هناك وجهة نظر لشخصية محورية ستتعامل مع النص المسرحي وهو شخصية المخرج، وأن العمل المسرحي لا يكتمل إلا بوجود الجمهور بعد فهمه والتعامل معه.

وفي الحقيقة، فإن اللغة الإنجليزية -على سبيل المثال- تفرق بين مؤلف الرواية auther، وبين الكاتب writer، أما كاتب المسرحية فهو play wright، وهو ما يحمل طبيعة المسرحية المحكومة بفكرة وظروف وإمكانات العرض، وأن العرض ليس فرديًّا سواء على مستوى الإبداع، بل إن هناك فريقًا من المشاركين فيه، وليس فرديًّا على مستوى التلقي؛ حيث إن الجمهور يشاهد العرض بشكل جماعي، وكذلك الفيلم السينمائي فهو جماعي سواء على مستوى الإبداع أو التلقي بخلاف الرواية.

هناك عنصر آخر هو أن الرواية تعتمد على السرد، أي أن المؤلف يحكي ويسرد الأحداث ويصفها، وقد يستعين ببعض الجمل الحوارية وسواء كانت الأحداث مكتوبة باللغة الرسمية “الفصحى”، فإن الجزء الحواري سيكون محكومًا بطبيعة الشخصيات ومستواها الثقافي والاجتماعي وموقف الكاتب من اللغة. المهم أن الرواية تعتمد على السرد والوصف وقليل من الحوار.

في حين أن المسرحية تعتمد في الأساس على الحوار مع بعض الوصف “الإرشادات” التي تحدد الزمان والمكان، وتساعد الممثل أو المخرج على فهم الشخصيات والأحداث وطبيعتها.

وفي السينما، يتم تقسيم السيناريو إلى جزء للوصف وجزء للحوار؛ لأنه يعتمد على التعبير من خلال: حركة الكاميرا ، حجم اللقطة، الزوايا، إحساس الممثل، الخلفية،… إلخ.

إن العلاقة بين الرواية والمسرحية والفيلم السينمائي علاقة كبيرة؛ حيث إن الكثير من الروايات قد تم تحويلها إلى أعمال مسرحية، وإلى أفلام سينمائية سواء على المستوى (العالمي، والعربي)، كما أن تقنيات المسرح والسينما قد أثرت على تطور فن الكتابة في الرواية أيضًا؛ حيث أسهم التطور التكنولوجي وظهور فن المونتاج وتقنيات (الإضاءة، والصوت، والتصوير) الحديثة في السينما، على ظهور توجهات وتقنيات جديدة سواء في المسرحية أو الرواية خاصة في: التتابع السريع، وتداخل الأزمنة، الفلاش باك، عدم التقيد بالشكل التقليدي للسرد، مما يوضح لنا أن مصطلح تكاملية الفنون- وخاصة الدراما- هو مصطلح حقيقي وواقعي.

وتشيد الدراسات إلى أن أكثر من 40% من أفلام السينما العالمية مستمد من أصول أدبية روائية، كما أن هناك كمًّا هائلًا من الأفلام السينمائية مستمدًا من أعمال مسرحية، بينما نجد أن نسبة تحويل أفلام سينمائية إلى أعمال مسرحية بسيطة ولا تحدث إلا في حالات نادرة، مثل: نجاح فيلم سينمائي مكتوب خصيصًا للسينما وقيام مؤلفه بعد نجاح الفيلم لكتابته في شكل مسرحية أو نشره في رواية خاصة في بعض الأعمال الكوميدية.

إن السينما العالمية قد استمدت واستلهمت أعمال مسرحية، مثل: فاوست، جان دارك، حلاق إشبيليه، ماكبث، روميو وجوليت.

كما استلهمت أعمالًا روائية، مثل: أنا كارنينا، الحرب والسلام، البؤساء، الجريمة والعقاب، الكونت دي مونت كريستو، غادة الكاميليا،… وغير ذلك من الأعمال. ونشير هنا إلى أن السينما بوصفها الأحدث ظهورًا والأكثر احتياجًا للتقنيات الحديثة فإنها الأكثر اعتمادًا على الأدب، خاصة الرواية والقصة القصيرة وتتجاوزها بعد ذلك للأساطير والملاحم والتاريخ والمسرحيات لتقديم أفلام سينمائية عظيمة.

الأعمال المهمة والمتميزة في تاريخ السينما والمسرح هي الأعمال التي قامت على الاستفادة من الأفكار والصور الأدبية بعد هضمها واستيعابها ثم إعادة إنتاجها والتعبير عنها، وحيث إن الرواية الطويلة-على سبيل المثال- تتضمن مسرحيات كبيرة وخطوط درامية وشخصيات كثيرة، فعند تحويل الرواية إلى مسرحية أو فيلم فإن الأمر يحتاج إلى رؤية فنية، ويتطلب التكثيف وتحديد الخط الرئيس والأفكار الرئيسة في العمل.

ومن ثم، فالأمر يحتاج إلى الاختصار في الخطوط والأحداث والشخصيات، وقد يحتاج صانع الفيلم أو العرض المسرحي المعَد عن رواية إلى إحداث بعض التعديلات والتغييرات الجوهرية، وتختلف المعالجة هنا من حيث المستوى؛ فقد تفسد المعالجة أو السيناريو العمل وتشوهه وقد تحترم الرواية وما بها من أفكار. وفي المقابل، يمكن للمعالجة الدراماتورجية للرواية أو السيناريو أن يضيف لها ويوضح أفكارها وفلسفتها.

ولذا، فإن المعالجة الدراماتورجية لتقديم رواية في عمل مسرحي والسيناريو يمكن اعتبارها عملية تحويل منتج فني إلى منتج آخر مختلف يحتفظ بأفكاره وبعض شخصياته وبعض علاقاته ويشبهه البعض بتجديد منزل علينا هدمه من الداخل لإعادة بنائه بوجهة نظر وشكل جديد له جمالياته المختلفة.

ويتم ذلك من خلال :

  • اختصار خطوط وأحداث وشخصيات.
  • تعديل العلاقات.
  • إضافة شخصيات جديدة.
  • استبدال الحوار في بعض الأحيان.
  • تغيير النهاية.

فتحويل أي عمل أدبي أو رواية لمسرحية أو فيلم لا يعتبر مجرد قراءة للعمل الأدبي، ولكنه سيقدم عملًا مختلفًا بأدوات مختلفة، وطالما أن العمل الأدبي مطبوع ومنشور ومتاح للقراءة فلن يضره تقديمه في معالجة فنية، بل إن ذلك يعتبر دليلًا على ثراء العمل الأدبي وقابليته للتناول وإعادة التقديم أكثر من مرة بأكثر من معالجة وبرؤى فنية وفكرية مختلفة، وهو ما نلمسه في تقديم بعض الروايات الطويلة في أكثر من مسرحية وأكثر من فيلم أو مسلسل تليفزيوني. إذا كنا توصلنا بأن النقل عن الأدب للسينما والمسرح ظاهرة عالمية استند إليها المسرحيون والسينمائيون بشكل كبير من خلال المعالجة الفنية الدرامية، فإن المسرح والسينما العربية قد نقلت، من خلال الترجمة وظاهرتي (التعريب، والتمصير) ثم الاقتباس، العديد من الأعمال الأدبية العالمية لتقديمها من خلال معالجة فنية تتفق وذوق الجمهور المصري حتى ظهور المؤلف المتخصص.

وعلينا أن نتذكر بأن المقصود بالنص الأدبي هنا هو (القصة، والرواية، والمقامة، والمسرحية، والسير الشعبية أيضًا)، وهي الأشكال الدرامية العربية التي وجدت نصوصها في المكتبة العربية. وسيكون اهتمامنا -على وجه الخصوص- بالنوعية الأكثر انتشارًا والأكثر تناولًا في السينما والمسرح وهما (الرواية، والمسرحية).

بدأت أعمال الترجمة للروايات ونصوص المسرحيات الأوروبية على يد عدد من الفنانين الذين احتكوا بالثقافة الغربية؛ حيث نجد أن  المنفلوطي -على سبيل المثال- قد قام بترجمة العديد من القصص والروايات والمسرحيات الفرنسية، مثل: “سيرانودي برجيراك” لرومان رولان، “تحت أشجار الزيزفون” لألفونس كار، “في سبيل التاج” فرانسوا كوتيه، “غادة الكاميليا” لألكسندر دوماس، وقد تحولت بعض الروايات لنصوص مسرحية وقدمت على خشبات المسرح المصري علاوة على المسرحيات المترجمة. وقد كانت هذه الروايات أيضًا مصدر إلهام سواء للمؤلفين المسرحيين أو العاملين في مجال السينما فيما بعد.

ففي المسرح المصري -على سبيل المثال- قدم محمد عثمان جلال نص ” طرطوف” لموليير، من خلال عملية تمصير غير فيها المكان والزمان وطبيعة الشخصيات والعلاقات الدرامية ولغة الحوار لتتناسب مع ذوق الجمهور المصري، وسُمي هذا النص الذي قدم في عرض باسم ” الشيخ متلوف”، كما أن معظم عروض نجيب الريحاني وبديع خيري كانت تمصيرًا لنصوص فرنسية -سواء من المسرح أو الروايات- وكذلك بعض أعمال وعروض “علي الكسار”.

وتلا ذلك مرحلة الاقتباس من النصوص الأجنبية بهدف إنتاج أعمال فنية جديدة تلائم طبيعة المجتمع وأخلاقه والأفكار السائدة وتستخدم لغة وأحداثًا تم معالجتها من وجهة نظر المقتبس، وقد يتطلب الأمر تغييرات جذرية في الخطوط الدرامية والشخصيات والنهاية أيضًا.

إن فكرة (التمصير، والتعريب، والاقتباس) قد تلاها ظهور المؤلف المسرحي العربي، وقد جاءت مرتبطة بالاحتكاك بالفنون والآداب الأوروبية. وإذا نظرنا إلى مصطلح “التناص” أو “عبر النصية” وهو مصطلح حديث ملخصه أنه لا توجد كتابة أصيلة؛ حيث إن معظم الكتاب والمؤلفين يستمدون أعمالهم من مصادر أسطورية أو تاريخية أو متأثرين بالنصوص والأعمال التي قرؤوها وأثرت في تكوينهم الثقافي، وبالتالي فليس هناك مؤلف أصلي، والتيمات الدرامية- على وجه الخصوص- معروفة ومحددة، وما يحدث هو أن المؤلف يضعها في شكل وسياق جديدين وفي إطار زمني ومكاني وطبيعة علاقات بين شخصيات مختلفة؛ لذا فإن مصطلح “الاقتباس” يمكن في بعض الحالات اعتباره إعادة تأليف مثلما كان يفعل كتاب النيوكلاسيك في عصر النهضة؛ حيث صاغوا التيمات اليونانية القديمة بلغة ووجهة نظر جديدة حققت تفاعلًا لدى الجمهور وبقيت خالدة حتى اليوم. ومن ثم، فإن أعمال الاقتباس التي تطورت إلى التأليف هي ظاهرة صحية ولا يعيبها شيء كما يحاول البعض التقليل من شأنها.

الشعر العربي والمسرح.

ارتبطت الثقافة العربية بالشعر؛ فاللغة العربية لغة وضاحة وجمال وعلينا أن نوضح بأن ظهور الدراما العربية قد تأخر في حين أن الشعر العربي هو أهم أعمال الثقافة العربية والأثر الخالد بها.

وإذا كان اليونان وشكسبير ومؤلفو الدراما الغربية قد كتبوا نصوصهم شعرًا، فإن الشعر العربي كان له إسهام كبير في تطوير المسرح العربي من خلال أعمال أحمد شوقي، الذي قدم -على سبيل المثال- نصوصًا مهمة مستمدة من التاريخ المصري والعربي، مثل: كليوباترا، مجنون ليلى، علي بك الكبير، عنترة. وبعض مسرحيات كوميدية اجتماعية باسم “الست هدى”، ومما لاشك فيه أن هذه الأعمال فتحت الباب أمام الشعراء  للكتابة للمسرح؛ فكانت أعمال شعرية كتبها: عزيز أباظة، عبد الرحمن الشرقاوي، صلاح عبد الصبور،  نجيب سرور،… وغيرهم من رواد المسرح الشعري.

وقد اتجه هؤلاء الشعراء لاستلهام التراث المصري والعربي مستعينين بـ(التاريخ، والملاحم، والسير الشعبية). وسيطرت على المسرح المصري بعد مرحلة البدايات نظرة أدبية ويرجع ذلك إلى أمرين وهما:

  • إقبال الأدباء والشعراء والمفكرين على كتابة المسرحية التي نالت اهتمامًا كبيرًا من الجمهور؛ فكانت أعمال: العقاد، المازني، المنفلوطي، محمد تيمور، محمد حسنين هيكل، توفيق الحكيم، طه حسين، أحمد لطفي السيد، ثروت أباظة، إحسان عبد القدوس، يحيى حقي، نجيب محفوظ، فتحي غانم، مصطفى محمود.
  • انتشار الطباعة والجرائد والمجلات وازدهار الحركة النقدية بداية من الثلاثينيات واستمرت في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، وارتبطت النظرة الأدبية للمسرح العربي أيضًا بإثارة عدة قضايا، مثل: قضية اللغة في المسرح، هل نكتبها بالفصحى أم العامية أم بلغة ثالثة مثل “فصحى العوام وعامية المثقفين”؟

القضية الثانية التي أثارها توفيق الحكيم بعد فشل بعض العروض التي قدمها؛ حيث أعلن أنه يكتب مسرحًا ذهنيًّا ومقروءًا، وبعد أن كانت بدايات الحكيم مرتبطة بالعروض المسرحية، فإنه بعد عودته من فرنسا كتب مسرحيات، مثل: أهل الكهف، الملك أوديب، بجماليون، السلطان الحائر؛ ولأن الحكيم كان من أكثر الكتاب غزارة في الإنتاج؛ حيث كتب المسرحية والرواية والكتاب الفلسفي والقصة، فإن النظرة الأدبية التي أطلقها على بعض نصوصه ترجع أن الأديب يطلق لنفسه العنان فيسهب بالتعبير اللغوي وجمالياته ويترك خياله ومشاعره تعبر عن نفسها، مما قد يوقعه في التطويل أو التَكرار الذي لا يصلح للمسرح وللأداء التمثيلي. وقد كتب الحكيم بعض المسرحيات الاجتماعية والكوميدية أيضًا، مثل: مجلس العدل، الصفقة، الأيدي الناعمة، مصير صرصار، الدينا رواية هزلية، يا طالع الشجرة، أريد أن أقتل.

القضية الثالثة: وهي نحو مسرح عربي، والتي أطلقها يوسف إدريس باحثًا عن شكل مسرحي عربي خالص، وقد أخذت هذه القضية وقتًا كبيرًا وآراء متباينة مازالت تطفو على السطح من وقت لآخر؛ ولأنها كانت تبحث في الشكل فإنها لم تصل إلى نتائج قاطعة ملموسة ولكنها تعتبر محاولة للبحث عن شكل مسرحي عربي، مثل: محاولات إحياء خيال الظل، مسرح الحلقة، الأراجوز، المحبظين، مسرح الجرن. الاحتفالية لتقديم أشكال مسرحية عربية مستمدة من الأشكال التراثية العربية.

ما يهمنا هنا أن النظرة للنص المسرحي العربي باعتباره أدبًا قد ارتبطت بدخول كتاب (الشعر، والرواية، والقصة القصيرة) إلى عالم المسرح؛ حيث أسهبوا في استخدام السرد والوصف واستعراض جماليات اللغة وطرح الأفكار والفلسفات التي يسعى المؤلف تأكيدها وقولها، وتشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن ذلك يشير إلى نوع من الضعف في المسرح العربي، فلم يظهر مؤلفون مسرحيون يمتلكون خبرة خشبة المسرح وفنون العرض، وقد أدى ذلك إلى تدخل بعض المخرجين في النص مما أحدث عدة مشاكل، أشهرها: الخلاف الذي حدث بين يوسف إدريس والمخرج في تقديمه في عروض “ستينيات القرن الماضي”، وبظهور عدد كبير من المؤلفين المسرحيين أمثال: نعمان عاشور، سعد الدين وهبة، الفريد فرج، ميخائيل رومان، نجيب سرور، أبو العلا السلاموني، يسري الجندي. ومع تطور الدراسات المسرحية على المستوى العالمي، بدأ الاهتمام يتزايد بعناصر العرض المسرحي داخل النص، وبدأت فكرة اعتبار أن النص المسرحي قد يكون أدبًا، ولكنه أدبي مكتوب طبقًا لشروط وعناصر العرض المسرحي.

الرواية والقصة القصيرة والسينما.

مثلت الرواية دورًا كبيرًا في السينما العربية، والتي كانت أكثر ارتباطًا بالأدب باعتبارها مصدرًا رئيسًا للفيلم؛ فقد أسهمت الرواية بشكل عام في زيادة وتطوير الأبعاد النفسية للشخصيات واستعراض أبعادها الاجتماعية والإنسانية. لقد بدأت السينما المصرية التعامل مع الأدب، وخاصة الرواية العربية المؤلفة مبكرًا؛ حيث قدم فيلم “زينب” 1912 عن رواية من تأليف محمد حسنين هيكل.

ومع إنشاء ستوديو مصر عام 1934، كان الاتجاه لتقديم أفلام مصرية خالصة تناسب الذوق المصري؛ ولضمان النجاح وتفاعل الجمهور اتجه المسؤولون لتقديم أفلام لنجوم الغناء المشهورين، مثل: فيلم “وداد” للسيدة أم كلثوم، أفلام محمد عبد الوهاب.

وتشير مجموعة الأبحاث التي قُدمت بجامعة القاهرة وتم نشرها في كتاب ” الاقتباس من الأدب إلى السينما” للباحثين (سلمى مبارك، ووليد الخشاب) إلى ارتباط السينما العربية بالأدب منذ بدايتها؛ حيث تم إنتاج 360 فيلمًا مستمدًا من الأدب بين عامي (1930، 2019). وفي الفترة من 1930 وحتى 1960، اعتمدت السينما المصرية والعربية على المصادر الغربية، ولا سيما الإنجليزية والفرنسية، بشكل أساسي عبر اقتباس صريح وليس مجرد استلهام. ومنذ 1960، صارت أغلب الأفلام المصرية المقتبسة عن المادة الأجنبية منقولةً عن الأفلام الأمريكية.

وهنا لابد أن نشير إلى وجود اتجاهين رئيسين :-

  1. اتجاه يأخذ مادة الفيلم عن روايات أو مسرحيات أجنبية ويتم معالجتها وتقديمها في سيناريو يناسب الجمهور المصري لدرجة أن بعض الأفلام المقدمة قد تفوقت على مثيلاتها الأجنبية. وكما قلنا سابقًا فإن الرواية الطويلة تتضمن عددًا كبيرًا من الأحداث والشخصيات والمواقف على كاتب السيناريو أن يختار منها ويكثفها طبقًا لوجهة نظره والأفكار التي سيستمدها من الرواية ويسقطها بدوره على مجتمعه وقضاياه. ويمكننا هنا تحديد أهم وأشهر الأعمال التي تم اقتباسها في السينما المصرية لدرجة أن بعض الأعمال والروايات العالمية تم تقديمها أكثر من مرة في أكثر من فيلم، فرواية مثل: “البؤساء” هيكتور هوجو، قُدمت مرتين حيث قدمها بديع خيري في سيناريو ليخرجه كمال سليم 1944، وأُعيد تقديمها عام 1978، ومسرحية “روميو وجوليت” لشكسبير ثم تقديمها في أكثر من فيلم، مثل: شهداء الغرام 1914، ممنوع الحب 1942، العلمية 1965 حبك نار 2004، فاوست لجوته تم تقديمه باسم “سفير جهنم” 1945، موعد مع إبليس 1955، المرأة التي غلبت الشيطان، وهو الفيلم الذي كتب معالجته توفيق الحكيم.         

 رواية “غادة الكاميليا” لإسكندر دوماس قدمت باسم “ليلى” 1942، عهد الهوى 1955، عاشق الروح 1973، رجال بلا ملامح 1979، “الجريمة والعقاب” لتولستوي قدمت بنفس الاسم 1957، وقدمت باسم “سونيا والمجنون”.

“الأخوة كرامازوف” لديستوفسكي قدمت باسم “الأخوة الأعداء” 1974، “أنا كارنينا” لتولستوي قدمت باسم “نهر الحب”، حتى “جريمة في جزيرة الماعز” للكاتب الإيطالي “أوجوبتي” تم تقديمها في عام واحد مرتين بمعالجتين مختلفتين 1991: الأول باسم “الراعي والنساء” سيناريو محمد شرشر وإخراج على بدر خان،  والثاني باسم “رغبة متوحشة” سيناريو وحيد حامد وإخراج خيري بشارة. رواية الكونت دي مونت كريستو قدمت أكثر من مرة؛ حيث قدمت باسم “أمير الانتقام” 1950، وأمير الدهاء 1964، واحد من الناس 2006. حتى في الأعمال الكوميدية؛ فالفيلم الشهير “آه من حواء”، وفيلم “ستاكوزا” 1996، هما معالجتان مختلفتان عن مسرحية ترويض الشرسة لشكسبير، ومسرحية زهرة الصبار قدمت باسم ” نصف ساعة جواز” ونص” العمة شارلي” للكاتب الإنجليزي براندون توماس تم معالجتها في الفيلم الشهير “سكرهانم”.

 إن الأصول الحقيقة لمعظم هذه الأفلام لا يكتشفها إلا المتخصصون؛ حيث أبدع المؤلف وكان السيناريو في التناول لدرجة الإحساس بأن الموضوع عربي ومصري خالص، يتناول قضايا مصرية وبرؤية ولغة مصرية حقيقية، ولدرجة أن بعض هذه الأعمال والمعالجات قد تفوق على معالجات عالمية لنفس الروايات والمسرحيات.

  • اتجاه التعامل مع الرواية والمسرحية العربية المؤلفة، وذلك مع ظهور عدد كبير من كتاب الرواية المتميزين، وخاصة مع الاتجاه للسينما الواقعية ومعالجة قضايا المجتمع، وهو ما نلمسه في الكم الكبير من الأفلام التي تم تقديمها لأعمال: إحسان عبد القدوس، نجيب محفوظ ، يوسف إدريس، يحيى حقي.

ويجدر بنا أن نشير إلى كتاب الرواية المصريين، قد انتقلوا بها من المرحلة الأوروبية الرومانسية- سواء من حيث لغة الكتابة وطبيعة الموضوع والإسهاب في الوصف للمشاعر الأحداث- إلى أبعاد أخرى لدرجة أن بعض المعالجات السينمائية لبعض هذه الروايات لم تستطع التخلص من الأسلوب الأدبي وجمالياته، مثلما حدث في الأفلام التي قدمت لروايات طه حسين، وهي: دعاء الكروان، الحب الضائع، الأيام.

إن كتاب الرواية في الخمسينيات من القرن العشرين وما تلاها من عقود، قد استجابوا مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية فاستخدموا لغة مختلفة وموضوعات أكثر واقعية وتنوعت معالجاتهم بين الموضوعات الإنسانية والغوص في النفس البشرية، مثلما حدث في روايات إحسان عبد القدوس، الذي قدمت السينما رواياته: بئر الحرمان، شيء في صدري ، أين عقلي، لا أنام، النظارة السوداء. كما قدمت له في “بيتنا رجل” الذي جمع بين الرومانسية والعمل الوطني، وكذلك “لا يزال التحقيق مستمر”، وقدمت رواية “وإسلاماه” للكاتب علي أحمد باكثير في فيلم يعتبر مرجعًا سينمائيًّا يجمع بين البعد (التاريخي، والديني، والفكري).

وجاءت أعمال يحيى حقي وقصصه القصيرة ورواياته لتقدم له السينما: “قنديل أم هاشم” لتعبر عن علاقة العلم بالموروث والمعتقد الديني، وتلاها فيلمان هما: اليوسفي، دماء وطين. ولم تغفل السينما الكوميديا، فإلى جانب بعض الاقتباس من الروايات والمسرحيات العالمية، فقد قدمت السينما فيلمين هامين عن روايتين لعبد الحميد جودة السحار وهما: أم العروسة، الحفيد.

ولا يمكننا إغفال أن واحدًا من أكبر المخرجين في السينما العربية كانت أول ثلاثة أعمال سينمائية قدمها وحقق بها نجاحًا كبيرًا عن أعمال روائية وهو المخرج حسين كمال الذي قدم أفلام: “المستحيل” 1964 تأليف مصطفى محمود، “البوسطجي” 1968 ليحيى حقي، “شيء من الخوف” 1969 ثروت أباظة. بل وإنه قدم “النداهة” 1975 تأليف يوسف إدريس، وكلها أفلام لاقت نجاحًا كبيرًا.

سنرصد هنا ظاهرة مهمة، وهي إقبال عدد من كتاب الرواية لكتابة السيناريو السينمائي، مثل: عبد الرحمن الشرقاوي، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، نجيب محفوظ، يوسف السباعي، سعد الدين وهبة، فتحي غانم.                    

لقد اشترك نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي -على سبيل المثال- في كتابة فيلم “الناصر صلاح الدين” وشارك يوسف إدريس في كتابة سيناريو “حدوته مصرية”. وبينما كتب يوسف إدريس سيناريوهات لبعض رواياته، مثل: حادثة شرف، وقصة حب “لا وقت للحب”، فقد قام آخرون بكتابة سيناريوهات أهم قصة رواياته، مثل: بيت من لحم “على ورق سوليفان”، الحرام، قاع المدينة، العسكري شبراوي، حلاوة روح، النداهة. كما شارك يوسف السباعي، إحسان عبد القدوس أيضًا في كتابة بعض سيناريوهات رواياتهم.

وقد تميز نجيب محفوظ بظاهرة غريبة؛ حيث قدم أكثر من 25 فيلمًا للسينما، وقدمت السينما 40 فيلمًا عن رواياته، وقد بدأ كتابة السيناريو مبكرًا في فيلم “مغامرات عنتر وعبلة” 1945، وفي نفس العام الذي كتب فيه روايته “بداية ونهاية”، وقد كتب نجيب محفوظ سيناريوهات لستة أعمال من رواياته فقط، وهي: بداية ونهاية، اللص والكلاب، الطريق، القاهرة30، خان الخليلي، السمان والخريف. وقد شارك في كتابة سيناريوهات لأعمال روائيين آخرين، مثل: لك يوم يا ظالم، ريا وسكينة، الوحش، جعلوني مجرمًا، درب المهابيل، شباب امرأة، الفتوة، جميلة، إحنا التلامذة، بين السما والأرض. بينما ترك مهمة تحويل معظم رواياته العظيمة لكتاب سيناريو آخرين، مثل: ميرامار، زقاق المدق، الثلاثية، الحرافيش. ويرجح البعض تفوق نجيب محفوظ في بعض رواياته إلى قدرته الكبيرة على الوصف؛ فلقد كان يصف بدقة الكاميرا، الأحداث التاريخية، وطبيعة الشخصيات، والحياة اليومية في أزقة القاهرة القديمة، علاوة على قدرته على وصف خصائص الشخصيات، الألوان، وحياة الطبقة الوسطى التي تشكل العمود الفقري للمجتمع المصري والعربي. مما يعني استفادة نجيب محفوظ من خبرته السينمائية مثلما وظف قدرته على الوصف وتسلسل الأحداث ولغة الرواية، فإذا أضفنا إلى ذلك محاولاته في الكتابة للمسرح، مثل: النجاة، المطر، فإننا نصل إلى العلاقة المهمة بين الأنواع الفنية التي تستخدم الدراما كمادة لها، وهي علاقة تكامل؛ حيث يأخذ المسرح والسينما من الرواية والقصة، وتؤثر المسرحية والفيلم في تطوير الكتابة للسينما والمسرح. حتى الشعر فقد أسهم في تطوير هذه الفنون.

لقد استفادت السينما والمسرح العربي من الأدب العالمي بقدر ما وظفت الأدب العربي؛ ولعل ذلك يرجع إلى أن الأعمال السينمائية والمسرحية العظيمة في الوطن العربي قد ارتبطت بكونها- في جزء كبير منها- أعمالًا أدبية كتبها أدباء وكتاب عظام ودخلت بدورها ضمن شروط كل وسيلة فنية- سواء كتابة المسرحية الحوارية أو كتابة السيناريو- كأساس للفيلم السينمائي. وكما استفاد المسرح والسينما من الأدب والرواية فإن الرواية والقصة والأدب بشكل عام قد استفاد من تقنيات المسرح والسينما، ووصل الأمر إلى كتابة بعض الروايات بشكل يطابق السينما.  

اظهر المزيد

د.ايمن الشيوي

مدير المسرح القومي المصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى