منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحتى الآن، قادت واشنطن النظام العالمي، وصممت شكل مؤسساته، ومعادلات توازناته، ولم يتأثر ذلك بهوية ساكن البيت الأبيض وميوله الشخصية وانتماءاته الحزبية. ولم يطغَ شخص الرئيس أو تفضيلاته على مسلمات ورؤية المصالح الأمريكية كما تنظر لها، وتبلورها، المؤسسات الفاعلة المتنوعة سواء السياسية، مثل: الكونجرس والوزارات المختلفة، أو المراكز المشاركة في صنع القرار الأمريكي بصورة أو أخرى، مثل: الإعلام، ومراكز الأبحاث، والرأي العام. إلا أن الرئيس دونالد ترامب، وخاصة خلال الأشهر الثمانية من فترة حكمه الثانية، أظهر هيمنة غير مسبوقة، أمريكيًّا وعالميًّا، فيما يتعلق بكل القضايا، وتبنى سياسات خشنة غير مكترثٍ بتبعاتها الداخلية أو الخارجية على المدى القصير أو الطويل.
من هنا، تشهد الولايات المتحدة حاليًّا فترة غير مسبوقة من لجوء الإدارة الحاكمة إلى اتباع “القوة الخشنة” في سياساتها وقراراتها داخليًّا وخارجيًّا بصورة لم تشهد لها مثيلًا في تاريخها الحديث. والقوة الخشنة هي مصطلح فضفاض يصف التكتيكات السياسية القسرية والعدوانية بما فيها من استخدام القوة المادية والمالية والقانونية، أو التهديد باستخدامها. ويتم مقارنتها “بالقوة الناعمة”، التي تعتمد على الجذب والإقناع ونشر الثقافة بصورتها العامة لتحقيق النتائج المرجوة.
وخلال خطاب تنصيبه الثاني، الذي ألقاه في مبنى الكابيتول بالعاصمة واشنطن في 20 يناير 2025، استخدم ترامب عبارات حازمة عبرت عن حدة وقوة إيمانه بضرورة تبني سياسات صارمة خشنة داخليًّا وخارجيًّا. قال ترامب: “بصفتي القائد الأعلى للقوات المسلحة، ليس لدي مسؤولية أعلى من الدفاع عن بلادنا من التهديدات والغزوات، وهذا بالضبط ما سأفعله، سوف نفعل ذلك على مستوى لم يشهده أحد من قبل”. وأضاف ترامب: “لن نستسلم للهزيمة، ولن نخضع للترهيب، ولن ننكسر، ولن نفشل. من هذا اليوم فصاعدًا، ستكون الولايات المتحدة الأمريكية أمة حرة وذات سيادة ومستقلة”. ودفعت تصورات ترامب أن بلاده تتعرض للهزيمة والاستغلال من منافسيها وحلفائها، على حد سواء، ليبدأ على الفور في تبني سياسات مغايرة عما اتبعته الإدارات السابقة، سواء في حدتها أو خشونتها.
ولتنفيذ السياسات الخشنة، جمع ترامب أكبر قدر ممكن من السلطات التنفيذية في يده، واختار وزراء ومساعدين يدينون له بولاء كبير، وسهل ذلك من توغل البيت الأبيض على الصلاحيات التشريعية والقضائية بصورة غير مسبوقة.
وبدأ ترامب بالفعل في تبني سياسات خشنة داخليًّا وخارجيًّا عكست القوة والهيمنة الأمريكية، كما عبر عنها في تبني نهج “أمريكا أولًا”، وشمل ذلك فرض تعريفات تجارية غير مسبوقة، واستخدام لغة وأدوات دبلوماسية حازمة، ولجأ لاستخدام القوة خارجيًّا ضد إيران واليمن، وتشدد تجاه المهاجرين، وانتقم من بعض معارضيه السياسيين، ونظَّم عرضًا عسكريًّا نادرًا بقلب واشنطن، ونشر قوات الجيش في شوارع العاصمة، ويتجه نحو تغيير مسمى “وزارة الدفاع” لتصبح “وزارة الحرب/ الحربية”.
من جانبها، تجتهد القوى السياسية الأمريكية المحلية، والخارجية الدولية، في محاولة فك طلاسم وتبعات ومحركات الرئيس دونالد ترامب من أجل الوصول لأفضل طريقة للتعامل معه.
السياسات الخشنة وصعود الخطاب اليميني.
تنبع سياسات ترامب الخشنة من رؤية يمينية متماسكة في جوهرها استطاع الترويج لها كرد فعل على أجندة الديمقراطيين الليبرالية، التي فرضت خلال العقود الأخيرة. وتركت سياسات العولمة وفتح باب الهجرة والترويج للحركات النسوية وتدعيم مبدأ “DEI التنوع والإنصاف والشمولية” الكثير من الأمريكيين، خاصة الرجال البيض منهم، في حالة غضب سهلت ومهدت الطريق لانتصار ترامب انتخابيًّا أولًا، وفي تبنيه لسياسات خشنة ثانيًا. يرى بعض المعلقين أن انتخاب ترامب للمرة الأولى عام 2016، وللمرة الثانية عام 2024، يمثل نقطة تحول ثقافية خشنة في رد عنيف على توغل التيارات الليبرالية، التي لم تراعِ الخصوصية الأمريكية المحافظة. وأسهم في الترويج للأفكار اليمينية الأمريكية وإطلاق العنان والاحتفاء بحرية التعبير على منصات التواصل الاجتماعي المتحالفة مع ترامب خاصة منصة X (تويتر سابقًا)؛ لنشر ما يراه كثيرون خطابًا يروج للخشونة السياسية داخليًّا وخارجيًّا. واعتمد ترامب على عدد من المستشارين الذين يمتلكون رؤية أحادية للعالم، ويترجمون ويفهمون أحداثه من زاوية المواجهات الصفرية داخليًّا وخارجيًّا. كما أستعان ترامب بفرق قانونية تمكنت من البحث في الأرشيف والسوابق الأمريكية لتبرير سياسات ترامب الخشنة. وعلى سبيل المثال، ومع تصاعد الاحتجاجات ضد مداهمات قوات مكافحة الهجرة غير الشرعية في محيط مدينة لوس أنجلوس بجنوب ولاية كاليفورنيا في يونيو الماضي، أصدر ترامب توجيهًا رئاسيًّا بنشر ألفي جنديٍ من الحرس الوطني في المدينة لقمع هذه الاحتجاجات، وذلك اعتمادًا على مظلة قانون فيدرالي نادرًا ما يُستخدم “قانون التمرد لعام 1807″، ويسمح هذا القانون للرئيس باستدعاء قوات الحرس الوطني في ظل ظروف معينة واستثنائية.
وتعهد ترامب بترحيل المهاجرين الذين دخلوا الأراضي الأمريكية بطرق غير شرعية على مدار العقود الأخيرة، ويقدر عددهم بما يقرب من 15 مليون شخص.
التعاون الدولي… ضعف!
من أهم نقاط خشونة ترامب السياسية رؤيته للتعاون الدولي على أنه تعبير عن الضعف الأمريكي، وأنه يوفر فرصة لحلفاء ومنافسي بلاده- على حد سواء- لاستغلال الولايات المتحدة. ويؤمن ترامب أن أية بادرة حسن نية هي تنازل، وأن المفاوضات هي منافسة عدائية على المكاسب قصيرة الأجل. ويرى البعض أن ترامب يتبع منهج “الارتباك كوسيلة للضغط”، في حين يرى آخرون أنه عفوي لا يدرك خطورة ما يقوم به، ولا يملك أجندة ويسعى فقط للمجد الشخصي، لكن الأهم أنه لا يدرك حجم وتعقيدات القضايا التي يجب أن يبحثها ويتخذ قرارات حولها.
اتخذ ترامب قرارات عدة بالانسحاب من منظمات دولية عدة، أو خفض التمويل للعديد منها، وعلى رأس هذه المؤسسات: منظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونيسكو. وأمر ترامب بمراجعة شاملة وإيقاف برامج المساعدات الخارجية، وشكك ترامب في جدوى التحالفات العسكرية. وكما في فترة ولايته الأولى، ضغط ترامب على حلفاء الناتو لزيادة إنفاقهم الدفاعي، حتى أنه أشار إلى أنه قد لا يدافع عن أولئك الذين “يتأخرون” في تسديد المدفوعات، واستمر هذا النهج المتمثل في إعطاء الأولوية للفوائد المادية لعلاقات واشنطن الخارجية على حساب الالتزامات التقليدية في خلق حالة من عدم اليقين بين شركاء الولايات المتحدة، خاصة في القارة الأوربية، وجنوب شرق آسيا.
إستراتيجية رباعية خشنة ضاغطة.
رغم منطقية تحليل بعض الخبراء ممن يصفون سياسة ترامب الخارجية بأنها تتسم بالعشوائية والفوضى، إلا أنه يمكن تقسيم هذه السياسات إلى أربعة عناصر تشمل ضغطًا كبيرًا ومستمرًا على الحلفاء والأعداء، وقد تُسهل من فهم سياسة ترامب الخارجية.
أولًا: ضغط إستراتيجي على المنافسين، خاصة (الصين، وإيران): يدرك ترامب أن هذه الدول تمثل تهديدًا للهيمنة الأمريكية عالميًّا وإقليميًّا، إلا أنه يؤمن أن الصين وحدها هي التي بإمكانها تحدي الهيمنة الأمريكية عالميًّا، فروسيا دولة متوسطة القدرات، أما إيران فهي أكبر عائق للسياسات والأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط. وتعد إيران حاليًّا مرهقة وفي حالة تراجع إقليمي بعدما انضمت واشنطن في الهجوم عليها في شهر يونيو الماضي، وسبق ذلك تحييد قوى الكثير من خلفائها الإقليميين خاصة في (سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن) إلى حد بعيد.
ولا يستبعد ترامب فرض عقوبات على روسيا، رغم سعيه لوقف الحرب الأوكرانية، وهدد ترامب بالفعل بفرض عقوبات على روسيا ودفعها لتحمل أثمانٍ باهظة إذا لم يتوقف القتال في أوكرانيا، خاصة بعد عقده قمة “ألاسكا” مع نظيره الروسي. في الوقت ذاته، لا يمكن استبعاد جدية مبادرات ترامب الخارجية سواء فكرة شراء جرينلاند أو السيطرة على قناة بنما أو حتى ضم كندا، ناهينا عن علاقة واشنطن بحلف الناتو.
ثانيًا: ضغط جيو-إستراتيجي على الحلفاء: أقدم ترامب على الضغط غير المسبوق على حلفاء واشنطن الأهم في حلف الناتو أو الحليفين الكبيرين في شرق آسيا (اليابان، وكوريا الجنوبية) أو حتى حلفاء واشنطن في المنطقة العربية سواء (مصر، أو الأردن، أو دول الخليج العربي). بالنسبة للفئة الأولى، فينادي ترامب بضرورة زيادة حجم الإنفاق الدفاعي لدول حلف الناتو ليصل إلى 5% من الناتج القومي الإجمالي. وبالنسبة للفئة الثانية، فهو يضغط على سول وطوكيو لتغطية تكلفة تواجد عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين في بلادهما، والتي تقدر بمليارات الدولارات سنويًّا. من ناحية أخرى، لا يتوقف ترامب عن طلب أن تتكفل دول الخليج العربي بتمويل أية أفكار أمريكية في المنطقة خاصة ما يتعلق بمستقبل غزة، كما يطالبها بدفع أموال مقابل مظلة الحماية العسكرية الأمريكية.
قبل سبعين عامًا، قال الأمين العام الأول لحلف الناتو اللورد “هاستينجز إيسماي”: “إن الحلف يهدف إلى بقاء روسيا خارج أوروبا، وأمريكا داخل أوروبا، وألمانيا داخل حدودها”. وبعد مرور سبعين عامًا على تأسيس الحلف ومرور ثلاثين عامًا على انتهاء الحرب الباردة، أعاد الرئيس ترامب طرح سؤال كان يعد من المحرمات في العاصمة الأمريكية حول جدوى وأهمية بقاء التحالف العسكري الذي يجمع الولايات المتحدة بجارتها الشمالية كندا، و29 دولة أوروبية.
ثالثًا: ضغط اقتصادي على المنافسين الاقتصاديين، وخاصة الصين: وظهر ذلك جليًّا في الحرب التجارية الدائرة بين أكبر اقتصادين في العالم، والتي نتج عنها فرض تعريفات وتعريفات مضادة من واشنطن وبكين. منذ حملته الانتخابية الأولى لم يتوقف الرئيس ترامب عن اتهام الصين بممارسة سياسات تجارية غير عادلة تجاه السوق والمنتجات الأمريكية، في حين ترى الصين أن ترامب يستهدف عرقلة الصعود الصيني السياسي والاقتصادي.
رابعًا: ضغط اقتصادي على الحلفاء التجاريين (الآسيويين، والأوروبيين)، والجارتين (كندا، والمكسيك)، ولم يسلم أيضًا حلفاء واشنطن من العقوبات والتعريفات التجارية الأمريكية: دخل ترامب في مواجهات تجارية مع المكسيك وكندا، وفرض تعريفات قيمتها 25%، وعاد وأجَّل تطبيقها لمدة شهر واحد، كما فرض تعريفات على منتجات الحديد والألومنيوم، وتعهد بفرض تعريفات تصل إلى 25% على الواردات الأوروبية.
يرى ترامب أنه بذلك يحمي العامل والمنتج الأمريكي، بفرضه تعريفات جمركية وضرائب على المنتجات الواردة من كبار شركاء واشنطن التجاريين المنافسين منهم والحلفاء.
وهكذا يبدو أن ترامب يتبنى سياسة خارجية خشنة قومية يراها أكثر إنصافًا للمصالح الأمريكية المادية التي تجاهلتها الإدارات السابقة، ولا يريد أن تنفق واشنطن على تكلفة وجود قواعد عسكرية لحماية بعض الدول خاصة الغنية منها.
من هنا بدأ ترامب فترة حكمه الثانية بتوسيع التعريفات الجمركية، وفرض ترامب حالة طوارئ وطنية فيما يتعلق بالعجز التجاري، وأصدر تعريفة مبدئية بنسبة 10٪ على جميع الواردات، مع فرض تعريفات متبادلة أعلى على البلدان التي لها فائض تجاري مع الولايات المتحدة.
يكره ترامب الحروب الطويلة والمكلفة، ولا يكترث بنشر ما تؤمن به النخبة الأمريكية وتدعي أنها قيمٌ ديمقراطية وليبرالية يجب أن تسود العالم.
ترامب العسكري لو استطاع (السلام من خلال القوة).
ومن بين ستة وأربعين رئيسًا عرفتهم الولايات المتحدة، يُعد ترامب الوحيد الذي لم يُنتخب من قبل لأي منصب سياسي أو يخدم بالقوات المسلحة الأمريكية قبل وصوله للبيت الأبيض. ومن بين هؤلاء يقف ترامب وحيدًا بوصفه رئيسًا تم انتخابه دون وجود خبرة سابقة في أي منصب سياسي، أو أي خبرة سابقة في أرض المعارك والحروب.
ورغم عدو وجود خلفية عسكرية لدى ترامب، إلا أنه قبل أكثر من نصف قرن، وفي عام 1959 تحديدًا، ألتحق ترامب عندما بلغ الـ 14 من العمر بمدرسة داخلية عسكرية خاصة تقع شمال ولاية نيويورك تسمى “New York Military Academy”؛ سعيًا لغرس صفات الجدية والالتزام والانضباط الذي فشلت العائلة في تربية ابنهم المدلل عليها. وبعد تخرجه من المدرسة لم يلتحق بكلية عسكرية كما كان يرغب، بل انتظم في دراسة إدارة الأعمال استجابة لرغبة والده في أن يساعده ابنه النابه ويدير أعماله من بعده، إلا أن إعجاب دونالد بالحياة العسكرية ما زال يؤثر عليه بصورة كبيرة حتى بعدما أقترب من الثمانين من عمره وأصبح رئيسًا مرتين للولايات المتحدة. وفي بداية حكمه حاول ترامب “عسكرة” البيت الأبيض بصورة غير مسبوقة، وهو ما أسهم في ظهور نقاشات داخل وخارج واشنطن لم يتخيل أحد أن تجري مثل هذه النقاشات من قبل وتتعلق -على سبيل المثال- بمستقبل العلاقات المدنية العسكرية الأمريكية، وبعضها الآخر يتعلق بالتبعات الخطيرة لعسكرة البيت الأبيض على السياسة الخارجية والدفاعية الأمريكية. ومن هنا، لم يستغرب عدد من المعلقين دفع ترامب الجيش الأمريكي لتأدية دور متزايد في الحياة السياسية الأمريكية.
ومنذ خطاب ترشحه، طالب بالحصول على جزيرة جرينلاند واستعادة امتلاك قناة بنما، ناهيك عن ضم كندا. أما أوروبيًّا، تلهث القارة العجوز خلف الرئيس الأمريكي بلا توقف وبلا فترة راحة لالتقاط الأنفاس، سواء فيما يتعلق بالهجوم على الاتحاد الأوروبي، أو التهديد بفض حلف الناتو، وناهيك عن التناغم مع عدو أوروبا الأول الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”.
وأحيا استدعاء الرئيس دونالد ترامب لقوات الحرس الوطني، ونشرها في مناطق متعددة من العاصمة واشنطن تحت غطاء مكافحة الجريمة_ مخاوفَ الكثير من الأمريكيين من نية ترامب الانقلاب على الدستور والتحول لديكتاتور ومحاولة البقاء في الحكم لفترة ثالثة. وسبق ومزح ترامب حول إمكانية البقاء في الحكم بعد انتهاء مدة رئاسته الثانية والأخيرة دستوريًّا في 20 يناير 2029، في حين يصر عدد من أنصاره، وعلى رأسهم ستيف بانون، على أن ترامب سيترشح مجددًا في 2028، وأن هناك جهودًا تُبذل لدراسة السبل الممكنة لتحقيق ذلك، ومنها دراسة إعادة تعريف الحد الأقصى للولايات الرئاسية؛ لذا يخشى كثيرون أن يكون إرسال مئات من الجنود لشوارع واشنطن ما هو إلا بروفة وتطبيع لما هو آتٍ. ويأتي هذا التطور في جهود ترامب الاستثنائية لتجاوز سلطة إنفاذ القانون في حكومات الولايات والحكومات المحلية في الوقت الذي يدرس فيه توسيع نطاق عمليات النشر لتشمل مدنًا أخرى يقودها الديمقراطيون، بما في ذلك: بالتيمور، وشيكاغو، وبوسطن، ونيويورك، وسان فرانسسكو.
وقبل ذلك، وفي 14 يونيو الماضي، قرر ترامب تنظيم عرض عسكري نادر في قلب واشنطن عرض فيه أحدث منتجات المصانع العسكرية الأمريكية من مدرعات ومركبات، وصواريخ، وطائرات، ومدافع، واستشهد ترامب بأن دولًا ديمقراطية، مثل: فرنسا، وبريطانيا، تنظم عروضًا عسكرية لإحياء ذكرى ثوراتها أو انتصاراتها العسكرية الضخمة. وأحيا العرض الذكرى السنويةَ الـ 250 لتأسيس الجيش الأمريكي، وهو اليوم الذي صادف كذلك عيد ميلاد ترامب الـ 79.
واعتبر ترامب أن تنظيم احتفال عسكري ضخم على المستوى الوطني يدفع لزيادة الفخر بأمريكا والجيش الأمريكي، في حين يرى بعض معارضي ترامب أن الولايات المتحدة لا تعرف هذه الظاهرة التي ترتبط في ذهن غالبية الأمريكيين بالنظم الفاشية والنازية، أو بدول، مثل: كوريا الشمالية، وروسيا، والصين.
منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تشهد الأراضي الأمريكية أي عرض عسكري باستثناء عرض محدود عام 1991 لتكريم مقاتلي حرب الخليج الأولى (تحرير الكويت)، ولم يفعل ذلك وينظم عروضًا عسكرية رونالد ريجان، رغم كل ما عرف عنه من حماسة واسعة وتأييد منقطع النظير للعسكرية الأمريكية.
من ناحية أخرى، عكست نية الرئيس ترامب تغيير مسمى وزارة الدفاع مرة أخرى إلى “وزارة الحرب”، واعتبر في حديث صحفي أن الأمر سيئ جدًا، لماذا نقول الدفاع فقط، لا نريد الدفاع فقط، ولكننا نريد الهجوم أيضًا. حمل البنتاغون اسم وزارة الحرب “الحربية” منذ نشأة الجيش الأمريكي عام 1776 حتى عام 1949، عندما تم تغيير الاسم إلى “الدفاع”. وعبر ترامب عن قناعته أن الكونجرس سيقبل هذه التغيير؛ إذ قال “أنا متأكد من أن الكونجرس سيوافق على ذلك، وزارة الحرب كانت الاسم الذي بموجبه انتصرت القوات المسلحة الأمريكية في الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية”.
من ناحية أخرى، ظهرت خشونة ترامب العسكرية بوضوح في تهديده بجعل بلاده الأكثر تفوقًا في امتلاك الأسلحة النووية، وتملك روسيا حاليًّا 7000 رأسًا نوويًّا، بينما توجد لدى الولايات المتحدة ترسانة مقدارها 6800 رأس نووي، وهو ما قد يدفع لسباق تسلح نووي جديد ظن الكثيرون أنه جزء من تاريخ الحرب الباردة خلال القرن الماضي.
الخشونة وتصفير الأزمات.
رغم تبني البيت الأبيض لمبادرات سلام غير تقليدية، اتخذ ترامب قرارات لا تتوافق مع مبدأ “أمريكا أولًا” تجاه التدخلات العسكرية. وعلى الرغم من سعي ترامب إلى عقد الصفقات واتباع الطرق الدبلوماسية لحل النزاعات، كما الحال تجاه الصراع الروسي الأوكراني، شاركت الولايات المتحدة في هجمات جوية ضخمة ضد منشآت البرنامج النووي الإيراني، وضد قوات الحوثيين في اليمن.
وظهرت خشونة ترامب وغياب ضبط النفس عنده بوضوح في الشرق الأوسط؛ حيث يسارع محاولًا تصفير مشاكل وأزمات المنطقة على حساب الأطراف الأضعف، ودعمًا لمصالح الحليف الإسرائيلي. ويسعى ترامب لتحقيق هدوء وسلام ترامبي لا يكترث فيه بأي حقوق ثابتة للأطراف العربية، سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا، وكذلك الحال مع إيران. يريد ترامب تحقيق ما فشل فيه 13 رئيسًا أمريكيًّا من قبل بصنع سلام في الشرق الأوسط، سلام بمعنى الاستسلام، سلام ليس عادلًا؛ حيث لا يكترث ترامب بهذا المبدأ. لا يملك ترامب أي صبر ولا يُخفي رغبته في تحقيق أجندة واضحة تترك هيمنة واشنطن قوية مسيطرة على المنطقة، وتطلق العنان لحليف واشنطن الوحيد بالمنطقة (إسرائيل) لتفعل ما تريد على مختلف جبهاتها (الشمالية، والشرقية، والجنوبية). من هنا، طالب ترامب إسرائيل بإنجاز المهمة في قطاع غزة والقضاء على حركة حماس بصورة كاملة.
كما لم يملك ترامب الصبر، ولم يمنح إيران إلا شهرين فقط كحد أقصى للتفاوض على اتفاق جديد بدلًا من الاتفاق الذي انسحب منه قبل 6 سنوات. ولم يطالب ترامب طهران بضبط النفس، بل طالبها بالاستسلام الكامل والشامل، وإلا فهي الحرب وهو ما كان، ويعتقد ترامب أنه دمر البرنامج النووي للأبد، وهو ما يناقض بعض تقديرات العديد من الخبراء داخل وخارج أمريكا. ولم يطالب ترامب إسرائيل بضبط النفس بعد شنها هجمات مفاجئة على إيران، وامتدح ما اعتبره ضربات إسرائيلية ساحقة مكنتها من السيطرة على السماء الإيرانية. ولم يطالب ترامب طهران بضبط النفس بعد أن ضربتها القاذفات الأمريكية بأكبر قنابل خارقة للتحصينات في العالم، وطالبها فقط بالتريث والحكمة في الرد، وهو ما كان.
في النهاية، استعمل ترامب الخشونة كإستراتيجية ناجحة حتى الآن، وفي الوقت ذاته يخشى فيه المعلقون الأمريكيون من تضخم وغرور ترامب بما يستسهل معه تحقيق أهداف خارجية صعبة في عالم متشابك وشديد التعقيد. وفي الوقت الذي تدعم فيه قوة الولايات المتحدة التكنولوجية والعسكرية من مهام ومطالب ترامب، وتسهل تحقيقها بما لا يتطلب منه “ضبط النفس”، إلا أن تعقيدات الشؤون العالمية وتداخل الاقتصادي بالسياسي وبالعسكري فيها، يستبعد على نطاق واسع تحقيق الانتصار الساحق الذي يبشر به ترامب.
في النهاية، لم يتصور أحد هذه الدراما المرتبطة بشخص دونالد ترامب منذ ظهوره على الساحة السياسية الأمريكية عام 2015، وفوزه بفترتين رئاسيتين غير متتاليتين، إلا أن الأكثر إثارة هو أن ترامب لم ينتهِ بعد، ولا يزال له ما يقرب من ثلاث سنوات ونصف السنة في البيت الأبيض. ويترك ترامب الأمريكيين، وبقية العالم، يتساءلون ويخمنون فيما سيأتي به ترامب من مفاجآت خلال الأسابيع والأشهر والسنوات المقبلة بصورة قد لا يتخيلها أكثر كُتاب الخيال الأدبي جموحًا.




