2025الذكرى الثمانون لتأسيس جامعة الدول العربيةالعدد 202

القضية الفلسطينية وتطورات مواقف جامعة الدول العربية

مقدمة:

تحتفل جامعة الدول العربية في هذه الآونة بالذكرى الثمانين لتأسيسها، بوصفها منظمة إقليمية وكيان مؤسسي يضم الدول العربية المستقلة، وتؤطر النظام العربي الرسمي لتحقيق أهداف وتطلعات الشعوب العربية ورعاية مصالحها وتعزيز تضامنها وتعاونها وتدعيم استقلالها وسيادتها والدفاع عن حقوقها والسعي نحو مزيد من الوحدة بين أقطارها، وفي مقدمة هذه الأهداف والتطلعات الدفاع عن استقلال فلسطين.

وتابعت الجامعة عبر مجالسها المؤسسية وأدواتها التنفيذية تحقيق هذه الأهداف، على امتداد العقود الثمانية الماضية، بمسارات متعددة ومتفاوتة الإنجاز ارتباطًا بالإرادة المشتركة والقدرات المتاحة، وخاصة فيما تعلق بالقضية الفلسطينية قضية العرب جميعًا، كما نص ملحق الميثاق الخاص بفلسطين، وهو بروتوكول الإسكندرية الذي اعتبر فلسطين ركنًا أساسيًّا من أركان القضايا العربية.

وبقيت القضية الفلسطينية- القضية المركزية للدول العربية- في صلب اهتمام العمل العربي المشترك، وبندًا دائمًا على جدول أعمال مجلس الجامعة على مختلف مستوياته من المندوبين الدائمين إلى مستوى القمة؛ إذ تؤكد كافة القرارات الصادرة عنها التمسك بثوابت القضية الفلسطينية، ومواصلة دعمها والدفاع عنها.

وكان اهتمام الجامعة العربية بقضية فلسطين يعود إلى ما قبل الإعلان عن قيام “إسرائيل” 1948، حين أقرت قمة أنشاص عام 1946، مجموعة من القرارات منها: القرار رقم (3) والذي ينص على أن الصهيونية خطر داهم ليس لفلسطين وحدها، بل للبلاد العربية والشعوب الإسلامية جميعًا. ولذلك، فقد أصبح الوقوف أمام هذا الخطر الجارف واجبًا يترتب على الدول العربية والشعوب الإسلامية جميعها. وكذلك القرار رقم (4) والذي يطالب بإيقاف الهجرة الصهيونية، والعمل على تحقيق استقلال فلسطين.

ترتيبًا على ذلك وبتاريخ 16/9/1947، رفض مجلس الجامعة رفضًا قاطعًا قرار التقسيم الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقرر اتخاذ تدابير حاسمة لإحباط مشروع التقسيم. وفي عام 1948، دخلت الجيوش العربية في مواجهة مع العصابات الصهيونية المسلحة لحماية فلسطين، وإنقاذ عروبتها وكانت نتائج تلك الحرب المعروفة وتداعياتها بوقوع النكبة وإعلان قيام إسرائيل الموضوع المركزي في صلب قضايا الجامعة العربية، بمختلف أبعاده وتطوراته.

واليوم، تتزامن الذكرى الثمانين لتأسيس الجامعة العربية، مع فصل جديد من فصول العدوان الإسرائيلي المستمر طوال العقود الثمانية على فلسطين أرضًا وشعبًا وقضية، هو العدوان الأكثر دموية في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، والذي أسفر حتى يومه عن استشهاد واصابة وفقدان حوالي ربع مليون إنسان بقطاع غزة ما يساوي 8% من سكانه مع تشريد مليوني مواطن من بيوتهم وهدم 80% من مباني القطاع، فيما تستمر حرب الإبادة في ظل الحصار والتجويع والتهجير لتصفية القضية الفلسطينية.

ما يتطلب القيام بمراجعة شاملة وإعادة تقييم موضوعية لتطورات القضية وتطور المواقف العربية، كما هي غاية وهدف هذه المقالة المختصرة الساعية للمساهمة بالقدر المتاح في إجراء مثل هذه المراجعة والتقييم بعد هذه المسيرة الطويلة للنظام العربي الإقليمي بقراءة تحليلية موضوعية لمحاولة استجلاء الحقيقة وتدارك ما يمكن تداركه، سواء بالنسبة لفعالية الموقف من القضية الفلسطينية أو لمصلحة النظام الإقليمي نفسه.

هذه القراءة التحليلية في سياق تاريخي لاستخلاص الموضوع الرئيس في بنود القرار الفلسطيني المعتمد بمؤتمرات القمة العربية (بفرع أول)؛ لتحليل طبيعة المواقف التي عبر عنها ذلك الموضوع وأسسها ارتباطًا بكفاءة النظام ومنهجيته في التعامل مع القضية بما يمكن من استخلاص المتغير والثابت في تلك المواقف (بفرع ثان) وتحديدًا من خلال قرارات القمم العربية باعتبارها المستوى الأعلى في مجلس الجامعة إلى جانب رصد كيفية مواكبة تلك القرارات للتطورات النوعية والتاريخية المتلاحقة على صعيد القضية الفلسطينية، ومدى كفايتها لمواجهة التحديات في ظل موازين القوي الفعلية الإقليمية والدولية، بما تتسع له هذه الورقة.

الفرع الأول: قراءة تطورات القضية الفلسطينية في قرارات القمم العربية في سياقها التاريخي إلي وقتنا الراهن.

 منذ القمة الأولى المنعقدة بأنشاص عام 1946 إلى القمة الأخيرة المنعقدة بالقاهرة في العام الجاري، بقيت القضية الفلسطينية تحتل مركز الصدارة والاهتمام الأول بقرارات القمم المتتالية، رغم تحديات آنية جسيمة مواكبة لانعقاد تلك القمم في أكثر من بلد عربي من أولويات إنجاز الاستقلال وبناء الدولة إلى الصراعات البينية العربية-العربية والصراعات والفتن الداخلية وخاصة بفترة ما يسمى “بالربيع العربي”، وما نجم عنها من واقع عربي راهن تعصف فيه التحديات الداخلية بغير قطر عربي تهديدًا لقدرة الدولة على البقاء، وتستفحل بالنظام عوامل الضعف والتفكك ومع ذلك استمرت مؤسسة القمة العربية بالعمل والتفاعل كما استمرت قرارات هذه القمم تواكب مستجدات القضية واحتياجات فلسطين.

ومن غير الممكن تغطية كل مضامين قرارات القمم بهذه الورقة غير أنه، وفي سياق القرارات التأصيلية التاريخية، وارتباطًا بمقاربة التطور في الموقف العربي من تاريخ تأسيس جامعة الدول العربية إلى حرب التدمير والإبادة الإسرائيلية الجارية للشعب الفلسطيني التي تشكل مفصلًا بين مرحلتين: مرحلة تاريخية نسبيًّا، وأخرى معاصرة يمكن تناولها بنقطتين.

النقطة الأولى: تعرض مضمون أهم بنود القرارات الفلسطينية وفق تسلسلها الزمني قبل السابع من أكتوبر 2023، فيما تتناول النقطة الثانية: عرض مضمون البنود بعد السابع من أكتوبر 2023 وفي أثناء الحرب؛ لنستخلص أبعاد القرارات وأهميتها وذلك بإيجاز شديد يقتصر على أهم المؤشرات.

النقطة الأولى: عنوانات بنود قرارات القمم بالتسلسل الزمني حتى السابع من أكتوبر 2023.

إثر نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل وبدء مسار دورية انعقاد القمم العربية، انعقدت حتى بدء الفصل الجديد من الحرب الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني اثنتان وثلاثون قمة عربية، وجاءت الموضوعات أو العنوانات الرئيسة لهذه القرارات الخاصة بالشأن الفلسطيني وفق تسلسلها الزمني؛ لتعكس تطور المواقف العربية المواكبة لتطورات القضية الفلسطينية وفق الآتي:

في عام 1964، عُقد مؤتمر القمة العربية الأول بالإسكندرية، وأصدر عدة قرارات، كان أبرزها: إقرار خطة العمل العربي الجماعي في تحرير فلسطين عاجلًا أو آجلًا، والترحيب بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. وفي 13 سبتمبر/أيلول 1965، عقد مؤتمر القمة العربية الثالث بالدار البيضاء في المغرب، وكان من بين أبرز قراراته: دعم منظمة التحرير الفلسطينية، وإقرار الخطة العربية الموحدة للدفاع عن قضية فلسطين في الأمم المتحدة والمحافل الدولية. فيما عقد مؤتمر القمة العربية الرابع في 29 أغسطس/ آب 1967، في العاصمة السودانية الخرطوم بعد حرب عام 1967، ودعا إلى إزالة آثار العدوان الإسرائيلي وأصدر قراره المعروف بـ (اللاءات الثلاث)، وهي (لا صلح ، ولا تفاوض، ولا اعتراف بإسرائيل).

 وفي 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1973، وعلى ضوء موازين قوى جديدة، عقد مؤتمر القمة العربية السادس في الجزائر، بعد حرب أكتوبر المجيدة التي كانت آخر حرب عربية جماعية أُقر خلاله شرطان للسلام مع إسرائيل هما: انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها القدس، واستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابتة.

لتبدأ من هذه القمة الانعطافة الإستراتيجية بالموقف العربي بتجاوز لاءات الخرطوم والانفتاح على مرحلة مختلفة كليًّا تقر ضمنيًّا بوجود إسرائيل وإمكانية تحقيق السلام معها. ففي 26 أكتوبر/تشرين الأول 1974، عقد مؤتمر القمة العربية السابع في الرباط، وأقر التحرير الكامل لجميع الأراضي العربية المحتلة في عدوان يونيو/حزيران 1967، وتحرير مدينة القدس، وعدم التنازل عن ذلك، واعتماد منظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًّا ووحيدًا للشعب الفلسطيني. وبذلك، فإن الهدف الإستراتيجي أصبح مقتصرًا على الأرض المحتلة سنة 1967.

واستمر هذا الموقف إلى انعقاد المؤتمر الثاني عشر للقمة في مدينة فاس (المغرب) في 6 سبتمبر/أيلول 1982، الذي أقر مشروع السلام العربي مع إسرائيل، وأهم ما تضمنه: انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وإزالة المستعمرات الإسرائيلية في هذه الأراضي، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

بمعنى، تتابع المبادرات العربية لتحقيق السلام مع إسرائيل بدءًا بإعلان الموقف عام 1973، إلى تحديد مضمون السلام المستهدف عام 1974، إلى وضع آلية واقتراح مشروع سلام عربي عام 1982، ثم تأييد الآلية المقترحة لعقد مؤتمر دولي للسلام عام 1989 يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، التي تم الإعلان عنها عام 1988 من المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر.

وفي 9 يونيو/حزيران 1988، عقد مؤتمر القمة العربية الخامس عشر في الجزائر، وقرر دعم الانتفاضة الشعبية الفلسطينية وتعزيز فعاليتها وضمان استمراريتها، وتجديد التزام المؤتمر بتطبيق أحكام مقاطعة إسرائيل، كما جدد مؤتمر القمة المنعقد في 23 مايو/أيار 1989 في الدار البيضاء، على تقديم الدعم والمساعدة المعنوية والمادية للانتفاضة الفلسطينية، وتأييد عقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط، وتأييد قيام دولة فلسطين المستقلة والعمل على توسيع الاعتراف بها. فيما أدان مؤتمر القمة المنعقد في بغداد في 28 مايو/أيار 1990، الهجرة اليهودية والمستوطنات.

وإثر اندلاع انتفاضة الأقصى، عقد مؤتمر القمة العربية في دورة غير عادية في 22 أكتوبر/تشرين الأول 2000 في القاهرة، وسمي بمؤتمر “قمة الأقصى” وقرر إنشاء صندوق باسم “انتفاضة القدس” برأس مال 200 مليون دولار أمريكي لدعم أسر الشهداء وتأهيل الجرحى والمصابين، وإنشاء صندوق باسم “صندوق الأقصى” برأس مال 800 مليون دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني.

وفي 28/3/2002، عقد مؤتمر القمة العربية العادية الـ (14) في بيروت، وتبنى المؤتمر مبادرة الملك/ عبد الله بن عبد العزيز للسلام في الشرق الأوسط، ودعت القمة الدول العربية لدعم ميزانية السلطة الفلسطينية بمبلغ إجمالي قدرة 330 مليون دولار لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، إضافة إلى دعوة الدول الأعضاء إلى تقديم دعم إضافي قدرة 150 مليون دولار لصندوقي الأقصى وانتفاضة القدس لدعم مجالات التنمية.

وبتاريخ 27/3/2013، عقد مؤتمر القمة العربية الـ (24) في الدوحة؛ حيث اتخذ قرارًا بتأسيس صندوق عربي خاص بالقدس برأسمال يبلغ مليار دولار.

وفي قمة الكويت في 26 مارس/آذار 2014؛ حيث رفض القادة العرب كافة أشكال التوطين، ودعم القادة العرب حصول فلسطين على عضوية الوكالات الدولية المتخصصة والانضمام إلى المواثيق الدولية والبروتوكولات الدولية. وشدد مؤتمر القمة العربية السابع والعشرون في العاصمة الموريتانية (نواكشوط) بتاريخ 27 يوليو/ تموز 2016، على التزام الدول العربية بالتصدي للتهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي، وتأكيد مركزية القضية الفلسطينية واعتبار عام 2017 عامًا لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين. كما أكد أيضًا مؤتمر القمة العربية الثامن والعشرون الذي عقد في عمان- المملكة الأردنية الهاشمية- بتاريخ 29/3/2017، على مركزية القضية الفلسطينية، وأكد مجددًا على حق دولة فلسطين بالسيادة على كافة الأراضي المحتلة في العام 1967، بما فيها القدس الشرقية، فيما شدد على التمسك بمبادرة السلام العربية، كما طرحت في قمة بيروت 2002.

فيالعام2018عقدتقمةالظهران، والتي أعادت التأكيد على رفض وإدانة قرار الولايـات المتحـدة الأمريكية الاعتراف بالقدس عاصـمة لإسـرائيل (القـوة القائمة بالاحتلال) ونقل سفارتها إليها، واعتباره قـرارًا باطلًا، ودعت الدول الأعضاء إلى اتخاذ جميع الإجراءات العمليـة اللازمة لمواجهة أي قـرار يعتـرف بالقـدس عاصـمة لإسرائيل. فيما أكدت قمةتونسفيالعام2019، على أن أي صفقة أو مبادرة سلام لا تنسجم مع المرجعيات الدولية لعملية السلام في الشرق الأوسط مرفوضة ولن يُكتب لها النجاح.

وفيالعام 2022عُقدتقمةالجزائر، والتي أكدت على دعم وتأييد خطة تحقيق السلام التي طرحها الرئيس/ محمود عباس أمام الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، والعمل مع اللجنة الرباعية الدولية والأطراف الفاعلة لتأسيس آلية دولية متعددة الأطراف لرعاية عملية مفاوضات سلام ذات مصداقية على أساس قرارات الشرعية الدولية، وفي إطار زمني محدد ورقابة دولية تفضي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتأسيس لجنة وزارية عربية مفتوحة العضوية برئاسة الجزائر للتحرك على المستوى الدولي لمساندة جهود دولة فلسطين في نيل المزيد من الاعترافات والحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وعقد مؤتمر دولي للسلام وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني.

وعقدتبالمملكةالعربيةالسعوديةبتاريخ19/5/2023قمةجدة، والتي دعت لاعتماد يوم 15 مايو/ أيار من كل عام يومًا عربيًّا ودوليًّا لاستذكار النكبة، الترحيب بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 247/77، والقاضي بطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول ماهية الاحتلال الإسرائيلي على أرض دولة فلسطين والآثار المترتبة على هذا الاحتلال.

النقطة الثانية: عنوانات بنود القمم العربية بشأن فلسطين بعد السابع من أكتوبر 2023.

وفي المرحلة التاريخية المفصلية التي تتعرض فيها القضية المركزية لتهديد وجودي، والنظام العربي كما الدولة القطرية العربية للتحدي الأشد خطورة مع تواصل حرب التدمير والإبادة بكل مستوياتها وساحاتها وأهدافها، وفي مواكبة بهذه الحرب ومحاولات وقفها انعقدت أربع قمم عربية: ثلاث منها غير عادية، واثنتان في إطار مشترك مع الدول الإسلامية. وفيما يأتي عرض لأهم مؤشرات هذه القمم بالتركيز على مخرجات الأولى والأخيرة.

القمة العربية الإسلامية المشتركة غير العادية 2023 (طارئة).

في أتون العدوان الإسرائيلي، دعت دولة فلسطين لعقد قمة عربية طارئة بالتشاور مع رئاسة القمة –آنذاك- المملكة العربية السعودية، التي أثنت على الطلب ورحبت باستضافة القمة في الوقت الذي كانت فيه الرياض تستعد لاستضافة القمة العربية الإفريقية، غير أن الرياض سارعت لطلب عقد قمة إسلامية بذات الوقت مؤجلة القمة العربية الإفريقية، وكان هدف القمة الطارئة المشتركة، كما أكدت ذلك ديباجة القرار الصادر عنها أنه: “وتأكيدًا على أننا نتصدى معًا لهذا العدوان والكارثة الإنسانية، ونعمل على وقف العدوان الإسرائيلي وإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حماية حقوقه خاصة حقه في الحرية والاستقلال”.

ومن أجل ذلك عقدت القمة بالرياض في 11/11/2023، ودعت إلى كسر الحصار على غزة، وفرض إدخال قوافل مساعدات إنسانية (عربية، إسلامية، ودولية)، وتكليف وزراء خارجية المملكة العربية السعودية، الأردن، مصر، قطر، تركيا، إندونيسيا، نيجيريا، وفلسطين، والأمينين العامين للمنظمتين (جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي) بدءَ تحرك دولي فوري باسم جميع الدول الأعضاء في المنظمة والجامعة؛ لبلورة تحرك دولي لوقف الحرب على غزة، والضغط من أجل إطلاق عملية سياسية جادة وحقيقية لتحقيق السلام الدائم والشامل وفق المرجعيات الدولية المعتمدة.

وفي ظل استمرار حرب الإبادة، عقدتبمملكةالبحرينبتاريخ16/5/2024(القمةالثالثةوالثلاثون) والتي دعت مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة يضمن امتثال إسرائيل (القوة القائمة بالاحتلال) للوقف الفوري لإطلاق النار والإبادة الجماعية والعدوان على الشعب الفلسطيني وتهجيره قسريًّا، ولإدخال المساعدات الإنسانية وإعادة الحياة إلى طبيعتها في قطاع غزة، ولضمان انصياعها لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، والأمرين الصادرين عن محكمة العدل في قضية الإبادة الجماعية.

إثر قمة المنامة وبعد عام على انعقاد القمة العربية الإسلامية المشتركة، وبذات التاريخ، عقدت بالرياض في 11/11/2024 القمةالعربيةالإسلاميةالمشتركةغيرالعادية(الثانية) والتي أكدت على رفض تهجير الفلسطينيين داخل أرضهم أو إلى خارجها، باعتبارها جريمة حرب، وبدء العمل على حشد الدعم الدولي لتجميد مشاركة إسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة والكيانات التابعة لها، وحث المحكمة الجنائية الدولية على سرعة إصدار مذكرات اعتقال بحق المسؤولين المدنيين والعسكريين الإسرائيليين لارتكابهم جرائم -تقع ضمن اختصاص المحكمة-.

ومع تطورات الحرب العدوانية وبتاريخ 4/3/2025، عقدت بجمهورية مصر العربية “قمة القاهرة” القمة العربية غير العادية، التي أكدت رفض تهجير الفلسطينيين، والتي اعتمدت خطة إعادة إعمار غزة المقدمة من مصر بالتنسيق مع دولة فلسطين، خطة عربية جامعة للإعمار ولإدارة غزة بعد وقف الحرب، والعمل على تقديم كافة أنواع الدعم (المالي، المادي، والسياسي) لتنفيذها، وكان هذا هو الموضوع الأساسي في القمة، إضافة إلى التأكيد على أن كافة هذه الجهود تسير بالتوازي مع تدشين مسار سياسي وأفق للحل الدائم والعادل بهدف تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته والعيش في سلام وأمان.

والتأكيد على الأولوية القصوى لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وبما يؤدي إلى وقف دائم للعدوان على غزة وانسحاب إسرائيل بشكل كامل من القطاع، ويضمن النفاذ الآمن والكافي والآني للمساعدات الإنسانية والإيوائية والطبية، وتسهيل عودة أهالي القطاع إلى مناطقهم وديارهم.

الفرع الثاني: المتغيرات والثوابت في قرارات القمم

بناء لما تقدم ويمكن استخلاصه من أسس ومبادئ تضمنتها نصوص القرارات، فإن هناك من البنود التي يمكن توصيفها بأنها ذات طبيعة ثابتة أو مستمرة (نقطة أولى)، وهناك ما يمكن توصيفه بالمتغير (نقطة ثانية).

النقطة الأولى: بنود القرارات ذات الطبيعة الثابتة:

1- التمثيل الفلسطيني وتكريس الكيانية والهوية الفلسطينية.

تعد قضية التمثيل في الحالة الفلسطينية من أهم القضايا المركزية في الصراع العربي – الإسرائيلي، فهي تجسد الاعتراف العربي بوجود كيان ممثل للشعب الفلسطيني، وقد حظيت هذه المسألة باهتمام فلسطيني وعربي كبير، وأخذت نصيبًا وافرًا من مساحة القرارات الخاصة بالصراع العربي– الإسرائيلي والقضية الفلسطينية ومجمل قرارات الجامعة العربية، وتناولت مسألة التمثيل الفلسطيني، كما عكست قرارات القمم والجامعة العربية عنصرين أساسين: هما العنصر المتعلق بعضوية فلسطين وتمثيلها بمجلس الجامعة، الذي بدأ بقبول تمثيلها بمندوب حتى ثلاثة دون حق التصويت إلا فيما تعلق بالشأن الفلسطيني، وصولًا إلى الوضع النهائي وهو القبول بالعضوية الكاملة لفلسطين، تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية.

وكان العنصر الثاني لقضية التمثيل يتعلق بمن يمثل الشعب الفلسطيني، وضرورة أن تمثل القضية الفلسطينية من قبل أبنائها، الأمر الذي تطور بدوره من الاعتراف بالهيئة العربية العليا، ومن ثم الاعتراف بحكومة عموم فلسطين إلى قرار القمة باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مع تأكيد دور المنظمة وإبرازه في المؤتمرات الدولية، ودعم موقفها في الانتساب إلى المنظمات الدولية، وعضويتها، والالتزام بتقديم المساعدات والدعم المالي للمنظمة. ومع إصدار المجلس الوطني الفلسطيني في اجتماعه بالجزائر في نوفمبر 1988، قرارًا بقيام الدولة الفلسطينية على التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف، تم على الفور الاعتراف بالدولة الفلسطينية، واتخذت العديد من القرارات لدعمها وحث دول العالم التي لم تعترف على الاعتراف بها.

وظل الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي أقامت فيما بعد السلطة الفلسطينية على ضوء اتفاق السلام الفلسطيني – الإسرائيلي، أمرًا ثابتًا ومفروغًا منه ممثلًا عن الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية، يتكرر بالقرارات الصادرة عن الجامعة فيما أصبح هذا المعطى واحدًا من مصادر شرعية هذا التمثيل المؤكد على الهوية والكيانية الفلسطينية المستقلة بمختلف تداعياته.

2-بنود أخرى دائمة على جدول أعمال القمم بمشروع القرار الفلسطيني وهي: القدس، اللاجئين، الاستيطان والحدود.

ويظهر التحليل لعنوانات بنود القرارات الصادرة عن القمم المتتالية أن أهم المبادئ والأسس التي تضمنتها قرارات القمم بشأن القدس ثابتة، وقد تصدرت القدس بنود الاهتمام والمتابعة من التأكيد على هوية القدس وعروبتها، وأنها جزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية، والمسؤولية تجاه الأماكن المقدسة والحفاظ على هويتها العربية بأبعادها (الحضارية، الديمغرافية، والجغرافية) عاصمةً للدولة الفلسطينية. وهذا المبدأ ظل ثابتًا لم يطرأ عليه أي تطور أو تغيير، مع أن غالبية القرارات المتحركة والمستحدثة تأتي كرد فعل على الانتهاكات الصهيونية ومحاولات تهويد المدينة وعلى مواقف بعض الدول، ومنها: الولايات المتحدة الأمريكية للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارات إليها.

الموقف العربي الذي استمر، وإن تراجعت قوته من قطع العلاقات إلى تجميد ثم إلى رفض وإدانة ذلك الاعتراف ونقل السفارات_ ثابتًا بشأن القدس، رغم تراجع أسلوب مواجهة سياسات الاحتلال ودون انتهاج عملي أو تبني حقيقي لإستراتيجية شاملة لحماية المدينة ومعالمها العربية ومقدساتها الدينية.

وفي قضية اللاجئين تلخص الموقف.

التمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة ورفض محاولات التوطين، التأكيد على أهمية الدور الذي تقوم به وكالة الأونروا ومواصلة الدعم اللازم لاستمرار الوكالة في مهامها إلى حين حل قضية اللاجئين على أساس القرار 194. فكان الموقف من قضية اللاجئين من المواقف الثابتة، الذي شمل أيضًا رفض وإدانة مصادرة الأرض والاستيطان الإسرائيلي، ومطالبة المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته وإلزام إسرائيل باحترام المواثيق وقرارات الشرعية الدولية، لا سيما قرار مجلس الأمن رقم 456، الذي اعتبر المستوطنات غير شرعية ويطالب بتفكيكها.

أما عن الحدود، فقد استمر الموقف العربي ثابتًا أيضًا بشأن استمرار التأكيد على إقامة الدولة الفلسطينية على خطوط حزيران 1967، وإنهاء الاحتلال للأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن موضوعات القدس واللاجئين والاستيطان والحدود هي بنود ثابتة في القرار الفلسطيني لمجلس الجامعة العربية، وهي بنفس الوقت موضوعات التفاوض المؤجلة بموجب اتفاق أوسلو، وكان الموقف المبدئي الثابت حيالها يبنى على أساس عدم استباق نتائج مفاوضات الوضع النهائي.

3-على مستوى المبادئ والأسس العامة التي ارتكزت إليها قرارات القمم.

إن المراجعة السريعة لقرارات القمم حتى قرار القمة العربية- الإسلامية المشتركة الأولى، تؤكد استمرارية المبادئ والأسس التي وجهت إصدار قرارات القمم، وهي تكاد تكون مستقرة ودائمة كمرجعية لإصدار هذه القرارات التي يمكن عرضها من خلال ما أعادت تأكيده القمة المشتركة من أسس ومبادئ لتحقيق أهداف القرارات الصادرة، فقد أعادت القمة التأكيد على أهم الأسس والمبادئ التي استندت إليها قراراتها، والتي يمكن إجمالها بالآتي:

  1. التأكيد على جميع القرارات السابقة للمنظمتين (جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي) بشأن القضية الفلسطينية. غير أن ذلك التأـكيد لا يعني بالضرورة تلك القرارات التي تقادمت عبر التاريخ ولم يعد أمرها قائمًا، خاصة بعد تجاوز الواقع لها، مثلًا قرارات ولاءات الخرطوم والتأسيس على مبادئ مختلفة ووسائل مختلفة بإستراتيجية تحقيق السلام، وهذا ما يشير إليه البند التالي                                                                                                                                                                                                                                                                                    
  2. استذكار جميع قرارات منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى إزاء القضية الفلسطينية وجرائم الاحتلال الإسرائيلي وحق الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال في جميع أراضيه المحتلة منذ العام 1967، والتي تشكل وحدة جغرافية واحدة بما يؤكد رفض الفصل بين الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وهو الفصل السياسي الذي يتمسك الاحتلال بفرضه وإدامته عبر التخطيط لإقامة إدارة منفصلة بقطاع غزة في اليوم التالي للحرب.
  3. تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، ووقوف دول الأمتين (العربية، والإسلامية) بكل طاقاتها وإمكاناتها إلى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق في نضاله وكفاحه المشروعين لتحرير كل أراضيه المحتلة، وتلبية جميع حقوقه غير القابلة للتصرف، وخصوصًا حقه في تقرير المصير والعيش في دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشريف.
  4. تأكيد القمة أن السلام العادل والدائم والشامل الذي يشكل خيارًا إستراتيجيًّا، هو السبيل الوحيد لضمان الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة وحمايتها من دوامات العنف والحروب_ لن يتحقق من دون إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين.
  5. تأكيد استحالة تحقيق السلام الإقليمي بتجاوز القضية الفلسطينية أو محاولات تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني، وأن مبادرة السلام العربية مرجعية أساسية.
  6. تحميل إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، مسؤولية استمرار الصراع وتفاقمه؛ نتيجة عدوانها على حقوق الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية والمسيحية، وسياساتها وممارساتها الممنهجة وخطواتها الأحادية اللاشرعية التي تكرس الاحتلال وتخرق القانون الدولي، وتحول دون تحقيق السلام العادل والشامل.
  7. تأكيد أن إسرائيل وكل دول المنطقة لن تنعم بالأمن والسلام ما لم ينعم بهما الفلسطينيون ويستردون كل حقوقهم المسلوبة، وأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي تهديد لأمن المنطقة واستقرارها وللأمن والسلم الدوليين.
  8. التحذير من التداعيات الكارثية للعدوان الانتقامي، الذي تشنه إسرائيل على قطاع غزة، والذي يرتقي إلى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، وما ترتكبه خلاله من جرائم همجية أيضًا في الضفة الغربية والقدس الشريف، والتحذير كذلك من الخطر الحقيقي لتوسع الحرب؛ نتيجة رفض إسرائيل وقف عدوانها وعجز مجلس الأمن عن تفعيل القانون الدولي لإنهائه.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     

وعلى ضوء ما تقدم، يمكن استخلاص أن ثبات مؤشرات وعناوين مواقف القمم من بنود القرار الفلسطيني الدائم في جدول أعمال القمم لا يعني جمود وتكرار منطوق تلك البنود، بل لا بد من الإشارة والتأكيد على أن ثبات الموقف كان يندرج في إطارين محددين اثنين هما:

  • أنه ثبات في سياق مواكبة تطور الوقائع ذات الصلة بالبند ومستجداتها وما يميله التطور من احتياج.
  • أنه ثبات في ظل انعكاس المواقف المتغيرة وأثرها على مجمل الموقف العام، وخاصة لجهة تدابير مواجهة السياسات الإسرائيلية وتطورات موضوع التسوية، كما سيتم تناوله في البنود المتغيرة.

النقطة الثانية: البنود ذات الطبيعة المتغيرة في قرارات القمم.

يتصدر بنود المتغيرات بقرارات القمم العربية موضوعي:

سبل وتدابير مواجهة سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وأسس تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي وتحقيق السلام، وهما المتغيران الأكثر أهمية وأثرًا في الانعكاس على مجمل الشأن الفلسطيني.

متغيرات سبل المواجهة.

أثر انتقال النظام العربي من خيارات الحرب والمواجهة العسكرية إلى خيار السلام الإستراتيجي- كما ذكر آنفًا- فقد تغيرت الوسائل والتدابير التي أقرتها القمم المتلاحقة في المواجهة، وتحولت إلى وسائل سلمية، وانسحب هذا التحول على آليات تطبيق قرارات القمم وإنفاذها، وعلى مجالات دعم الشعب الفلسطيني، وتنوعت هذه الوسائل والتدابير ذات الطبيعة السلمية إلى ميادين العمل (السياسي، الديبلوماسي، القانوني، والتنموي) إلى الإعلامي والدعائي إلى جانب المقاطعة العربية التي شهدت تغيرًا وتراجعًا نوعيًّا بعد عقد اتفاقيات سلام بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، وضعف قيود المقاطعة بمختلف المجالات وخاصة الاقتصادية. النموذج المعبر عن هذا التحول في الوقت الراهن وفي مواجهة التهديدات المصيرية للقضية الفلسطينية، ما اتخذته القمم بما فيها العربية – الإسلامية المشتركة من تدابير لمتابعة إنفاذ قراراتها، وهي من ذات الطبيعة (السياسية، القانونية، المالية، الاقتصادية، والإغاثية) والتي يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

أ-في البعد السياسي.

مطالبة مجلس الأمن اتخاذ قرار حاسم ملزم يفرض وقف العدوان، وهو الأمر الذي لم يحدث بعد. وهنا أيضًا، لابد من الإشارة إلى أن مجلس الأمن قد أخفق باتخاذ أي قرار بشأن غزة يدعو لوقف إطلاق النار، وليس كما تطلعت القمة بإصدار قرار ملزم يفرض وقف العدوان.

ولكن الأهم، كان تشكيل لجنة وزارية مشتركة تضم: السعودية، مصر، الأردن، فلسطين، قطر، تركيا، إندونيسيا، نيجيريا، والأمين العام لجامعة الدول العربية، كذلك الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي لمتابعة تطور الوضع بغزة، والعمل على وقف حرب الإبادة.

كما أعادت القمة تأكيد التمسك بخيار السلام؛ لإنهاء الاحتلال وحل الصراع العربي _ الإسرائيلي وفق الشرعية والمبادرة العربية باعتبار هذه المبادرة تعبر أولًا: عن الموقف التوافقي الموحد، وثانيًا: أنها أساس جهود إحياء السلام، وثالثًا: باعتبارها الشرط المسبق للسلام والتطبيع، كما جاءت بتسلسل بنودها الكاملة.

وطالبت القمة بالتحرك الفوري لإطلاق عملية سياسية لفرض السلام على أساس حل الدولتين، الذي يلبي جميع حقوق الشعب الفلسطيني باعتبار أن عدم إيجاد هذا الحل العادل وتجاهل العدوان والإرهاب الإسرائيلي ستكون له آثاره الخطيرة وسيفاقم الوضع المتدهور، الذي يقتضي عقد مؤتمر دولي.

رفض أية طروحات تكرس فصل غزة عن الضفة مع تأكيد أن أي مقاربة مستقبلية لغزة يجب أن تكون في سياق الحل الشامل الضامن لوحدة غزة والضفة، أرض دولة فلسطين. مجددة التأكيد على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي، وطالبت الفصائل والقوى للتوحد تحت مظلتها، وأن يتحمل الجميع مسؤولياته في ظل شراكة وطنية بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

ب- في المسار القانوني.

الطلب من المدعي العام للجنائية استكمال التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ودعم المبادرات القانونية والسياسية لدولة فلسطين لمتابعة جرائم الاحتلال بما في ذلك: أمام محكمة العدل الدولية، ولجنة التحقيق المنشأة بقرار من مجلس حقوق الإنسان.

إنشاء وحدة قانونية وأخرى إعلامية في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية؛ لتوثيق ورصد الجرائم الإسرائيلية وإعداد المرافعات القضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية. وهو المسار الذي بدا فعلًا أمام محكمة العدل الدولية، وما يلاحظ في القرارات الأخيرة هو إضافة جديدة للمسار القانوني وإيلاء هذا المسار أهمية خاصة باللجوء إلى القضاء الدولي.

ج- في مسار الدعم المالي.

  1. تفعيل شبكة الأمان المالية للسلطة الفلسطينية التي أقرتها قمة بغداد بتاريخ 29/3/2012 بقيمة 100 مليون دولار أمريكي شهريًّا للسلطة الوطنية الفلسطينية.
  2. دعم الأونروا من خلال حث الدول العربية على تسديد مساهمتها المقررة سنويًّا لدعم الأونروا بنسبة 7.8 في المئة من الميزانية العامة للأونروا، وتشجيع الدول الأعضاء على عقد اتفاقيات دعم وتمويل ثنائية متعددة السنوات مع الأونروا.
  3. حشد الشركاء الدوليين لإعادة الإعمار فور وقف العدوان؛ حيث من المتوقع وصول تكلفة إعادة الإعمار إلى مليارات الدولارات.

ما يمكن استخلاصه في هذا المجال المالي قياسًا لقرارات القمم السابقة، أن هناك تراجعًا ملحوظًا في تقديم الدعم المالي، سواء على مستوى تخصيص الأموال، أو على مستوى الالتزام بتسديد الالتزامات المقررة، رغم الحصار المالي الذي تعانيه السلطة الفلسطينية وتفاقم الاحتياجات المالية، وما يجري من توظيف إسرائيلي دولي للدعم المالي لغايات سياسية تضعف السلطة الفلسطينية وتتعارض مع مصالح الشعب الفلسطيني.

د-في البعد الإغاثي.

كسر الحصار وفرض إدخال المساعدات مع دعم الجهود المصرية وكل ما تتخذه من خطوات لمواجهة تبعات العدوان.

في الحقيقة، أمكن بعد ضغط وجهود دولية مكثفة البدء بإدخال متدرج لمواد تموينية وطبية متواضعة، لا تزيد عن عشرة بالمئة من احتياجات القطاع، واستمرت إسرائيل بتحديد نوع وكميات وأماكن توزيع هذه الإغاثات الضئيلة، فيما تشتد احتياجات السكان بالقطاع، وخاصة بالمجال الطبي بعد تدمير المستشفيات، وفقدان المواد والاحتياجات الأساسية، ووصول القطاع لحافة المجاعة. بمعنى، أن كسر الحصار وفرض دخول المساعدات كانت بفعالية نسبية، وقد توقف بصورة نهائية قبل أشهر بذرائع إسرائيلية وعجز دولي، وبات استخدام سلاح التجويع وتدمير مقومات الحياة الأولية بغزة أمرًا واقعًا لاقتلاع الناس وتهجيرهم.

وعلى أية حال، فإن مخرجات هذه القمة وقراراتها، وعلى الرغم من خطورة وجسامة التحديات التي تتجاوز في الحقيقة القضية الفلسطينية ومصيرها إلى تهديدات عالية الخطورة للأمن القومي العربي، ولأمن واستقرار الدول العربية المجاورة لفلسطين بتهديد مشاريع التهجير لأهل القطاع_ فقد كانت القرارات نموذجًا يقاس عليه وبه مضمون قرارات القمم السابقة في بعدها التاريخي؛ لتلقي بظلالها على منهج التسوية ما يعكس حال النظام العربي وحدود قدرته الفعلية.

قضية التسوية.

في تسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، وبعد أن كان العرب يصرون على تحرير فلسطين بالكامل دون أي تنازل، والإيمان بأن القوة هي السبيل الوحيد لتحقيق ذلك، تحول الموقف العربي، كما سبقت الإشارة إلى القبول بمبدأ التفاوض الجماعي العربي مع إسرائيل وتحرير الأراضي العربية المحتلة عام 1967_ وفقًا لقرارات الأمم المتحدة وأخيرًا مرحلة القبول بمبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل وعقد اتفاقات سلام منفردة.

وفي عام 1987، استجد موقف عربي يؤيد ويدعو لعقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة للوصول لحل شامل وعادل على أساس الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة على أن تمثل فلسطين على قدم المساواة مع بقية الدول، ما أكد توجهًا جديدًا في منهج حل الصراع العربي – الإسرائيلي، وهو القبول بالتفاوض مع إسرائيل؛ لتحقيق السلام على كل المسارات في إطار عربي جماعي وليس السلام المنفرد.

ثم جاء الإعلان الصريح والواضح عن موقف الدول العربية لعام 1993، بتأكيد أن السلام العادل والشامل يجب أن يستند على قرارات مجلس الأمن أرقام (242 و338 و425) وأن يحقق الانسحاب الإسرائيلي من كافة الأراضي العربية المحتلة، لذلك اعتبار أن الاتفاق الإسرائيلي – الفلسطيني خطوة أولى ذات أهمية نحو تحقيق مبدأ الأرض مقابل السلام_ ينبغي أن تستكمل بخطوات عاجلة على كل المسارات.

وبهذا، يتأكد حدوث تحولين واضحين في مبدأ تسوية القضية الفلسطينية وحلها: التحول الأول، يتمثل بأن الحديث هنا لم يعد حديثًا عن تحرير فلسطين، كل فلسطين، وإنما عن تحرير الأراضي العربية المحتلة عام 1967. والتحول الثاني، يتعلق بمبدأ تسوية القضية وحلها ثنائيًّا وعقد اتفاقيات ثنائية مع إسرائيل دون أي التزام باتفاق عربي – إسرائيلي شامل.

وبقيت عملية السلام ومستجداتها محل متابعة وتقييم من القمم العربية المتلاحقة بصورة مستمرة، لا سيما ما طرأ عليها من تدهور بسبب التنصل الإسرائيلي من الالتزامات وعدم احترام الاتفاقيات، وتلخص الموقف في مطالبة الدول راعية عملية السلام بالتدخل لحمايتها والتنديد بالسياسات الإسرائيلية والمنتهكة لنصوص الاتفاقيات. كما بقي الخيار الإستراتيجي لتسوية القضية من الجانب العربي، هو التمسك بالسلام كخيار وهدف إستراتيجي، حتى تحقيق الاستقلال للدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وإنهاء الاحتلال للأراضي العربية كافة.

ضمن هذه الرؤية للصراع في المنطقة، وعلى أساس هذه المبادئ والمرجعيات كانت القمة المشتركة، التي جمعت سبع وخمسين دولة عربية وإسلامية، وفي لحظة تاريخية فارقة وحاسمة للقضية الفلسطينية تحدد أهدافها بوقف العدوان وتحقيق السلام وهو الهدف الذي يناضل الشعب الفلسطيني من أجل تحقيقه وتحلم به شعوب المنطقة والعالم.

والهدف المشروع الذي بقي هدفًا محوريًّا ومركزيًّا على امتداد عقود الصراع الطويلة المريرة، الهدف القديم الجديد المتواصل الطرح بصيغته المحددة بندًا دائمًا في كل قرارات القمم وغيرها من المؤتمرات والمشاركات منذ عقود بعيدة، ومازال قيد التسجيل النصي بالوثائق الرسمية، والسؤال كيف ومتى يتحقق هذا السلام؟ وكيف يتحول من مجرد نص وشعار يتكرر من قمة لأخرى إلى فعل يرتب نتيجة بتحققه واقعًا يعيشه الشعب الفلسطيني والمنطقة كما العالم؟ السؤال يتعلق بآليات تنفيذ القرارات وليس بمجرد إعادة إدراجها في مخرجات القمم والمؤتمرات دون إرادة حقيقية وقوية تعكس مستوى الشراكة الواسعة في تبينها واصدارها، فالعبرة هنا بالنتائج ليست فقط بمنطوق القرار وإنما بنتائج تنفيذه.

خاتمة:

إن دراسة المتغيرات والثوابت في العلاقات الدولية والنظم السياسية ليست مسألة سهلة في ضوء كم وتنوع مدخلات التغيير وسرعة تفاعلها وانقلاباتها بين (التكتيكي، الإستراتيجي) في المسارات التاريخية، مع ذلك فإن التطور هو معيار ومقاربة التميز الأكثر وضوحًا بين المتغير وبين الثابت المستقر.

إن التطور قد يكون إيجابيًّا وقد يكون سلبيًّا، بمعنى عدم الثبات أو الاستقرار، كذلك المواقف تفيد التعددية والانتقالية بالمدى الزمني والحقبة المتلاحقة بصورة جماعية أي أن هناك موقفًا عربيًّا موحدًا في كل حقبة تاريخية، وبنفس الوقت هناك مواقف فردية للدول أو فئوية لعدد من الدول.

ويفيد التطور أيضًا، التنوع والاختلاف بنفس الوقت والمرحلة المحددة، بما يضعف من فكرة الموقف العربي الجماعي أو وحدة موقف النظام الإقليمي والجامعة العربية تجاه القضية الفلسطينية، هذا التنوع أو التعدد في المواقف العربية الراهنة أو في السياق التاريخي قد يتخذ صورًا مختلفة متشابهة أو متناقضة متكاملة أو مجزأة تجاه القضية الفلسطينية.

إن المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية تتخذ كل الصور الممكنة المذكورة، فهي -بذات الوقت- موقف جماعي موحد وذلك مشهد أول، كما أنها مواقف مختلفة متشابهة ومتناقضة مجزأة ومتكاملة فردية أو متعددة وذلك مشهد ثاني، وهي بالضرورة تنعكس إيجابًا وسلبًا في النتيجة على قوة الموقف الفلسطيني، وعلى حال ومآل القضية الفلسطينية، وتعبر بنفس الوقت أيضًا عن حالة الأزمة المزمنة ضعفًا وتفكيكًا بالنظام الإقليمي.

إن المشهد الأول الأكثر حضورًا يمثل حد الكفاية المستطاع، وهو الحد الأدنى للموقف العربي بمنطوق القرار، وكذلك الأساس المستقر في وعي الشعوب والمواطن العربي، وأهم عناصر هذا المشهد أن القضية الفلسطينية كانت وسوف تبقى، قضية الأمة العربية المركزية، التي لن تتراجع أولويتها رغم جراح النظام العربي وما ألمَّ به أو واجهه ولم يزل من تحديات واستهداف، بل لم يعد هناك قضايا أخرى جامعة للحد الأدنى من التوافق الأكثر اتساعًا ورضًا عربيًّا. وبالتالي، فإن التنسيق المشترك جعل من القضية الفلسطينية ضرورة أيضًا لمدى توافر هذا الوفاق لأجل النظام العربي نفسه ولمصلحته.

ولكن المعضلة تتمثل في قدرة هذا الموقف المشترك على التأثير، ومدى فعاليته لتحقيق أهدافه في نطاق المحددات التي يتبناها تجاه القضية الفلسطينية. وفي ظل ظروف وموازين قوى إقليمية ودولية، وعجز النظام الدولي أمام التحدي الإسرائيلي وصولًا لاستعصاء الحلول السياسية للقضية المعبرة عن الخيار الإستراتيجي العربي، ينكشف بذلك عدم واقعية تبني وتحقيق هذا الخيار الواقعي، وبالتالي عجز النظام العربي وانعدام كفاءته في توظيف إمكانات وموارد كافية لتفعيل قدرات وموارد النظام العربي أو لمواجهة الضغوط والاستهداف أو لتحقيق أهدافه.

وفي المشهد الثاني: لا تغيب عناصر المشهد الأول عن تفاصيله، ولكنه يؤولها بالطريقة التي تخدمه وتناسب مصالحه، وفيه تنقسم المواقف بين الدول ليعبر الوضع هنا عن حالة الفوضى والأزمة؛ حيث تمارس وتنتهج الدولة عضو النظام العربي قناعاتها ورؤاها بما يخدم مصالحها تحت عنوان “السيادة والقرار السيادي”.

غير أن الأهم، وأيًّا كان المشهد المهيمن في الموقف العربي من القضية الفلسطينية أو آفاق تطور المواقف العربية، فإن ذلك يقودنا إلى استنتاج حقيقتين:

الحقيقة الأولى: أن هناك علاقة عضوية طردية بين قوة حضور القضية الفلسطينية وتطور المواقف العربية، كلما ازدادت هذه المواقف تطورًا بالمعنى الإيجابي الداعم والمتبني للقضية كلما ازداد حضورها وحمايتها وتحقيق أهدافها، والعكس صحيح.

وكلا الأمرين (العضوية، والطردية) ملازمين تاريخيين في القضية والقرار الفلسطيني، وهذا معطىً راسخ في طبيعة القضية وتطوراتها ما يجعل من اتجاه تطور المواقف العربية عاملًا بالغ التأثير في القضية.

أما الحقيقة الثانية: فإن الوضع العربي الراهن ليس بحال صحي مطلقًا، والجميع يدرك مدى حالة الضعف والتفكك والتجاذب داخل مكونات النظام العربي، الذي يعاني بدوره من أزمة بنيوية هيكليًّا ووظيفيًّا، في الوقت الذي تتراجع فيه قوة تأثير المنظمات الدولية والإقليمية عالميًّا بشكل عام، فتتكرر دعوات وقرارات إصلاح منظومة العمل العربي المشترك وتطويرها لمواكبة العصر، وقد جرت فعلًا محاولات متعددة لإصلاحه لم توفق لغاية اليوم.

إن أزمات النظام الإقليمي العربي وجراحه المتراكمة، وصولًا لما يسمى بـ”الربيع العربي” وما عانته وتعانيه أقطار من أعضائه من دمار داخلي وفشل للدولة القطرية _أدخل تغييرًا جوهريًّا في أهداف النظام تمثل بأولوية حماية الدولة القطرية على حساب الالتزام بضوابط ومحددات النظام العربي، هذا التغيير سيترك آثاره المباشرة والعميقة على قوة وحدة النظام وتماسكه، وبالتالي على قوة حضوره وفاعليته وتأثيره بمختلف قضاياه بما فيها قضية فلسطين، وخاصة في ظل الاستهداف الراهن للقضية وللنظام نفسه.

إذ تحتدم مشكلات هذا النظام في غياب المشروع القومي العربي المشترك الجامع بالمعنى الصحيح للمشروع، المشروع الذي تتعالى الأصوات للمناداة بصياغته وتبنيه، فيما يحتدم الصراع الدولي وامتداداته الإقليمية بمنطقتنا؛ حيث لكل من دول الجوار مشروعها الذي تقاتل من أجل تحقيقه، والذي يستهدف الأقطار العربية (سيادتها، ومقدراتها).

كما أن تعدد وتناقض هذه المشاريع الخارجية المختلفة هو بالضرورة الخطر الأشد للأمن القومي العربي ومصالح الدول والشعوب العربية، وللمشروع الوطني الفلسطيني الركن الأساسي في المشروع القومي، بما يعرض هذا المشروع الفلسطيني لمزيد من الإضعافات، التي تضاف إلى عوامل الضعف الذاتية في ظل انسداد آفاق تنفيذ خياراته الإستراتيجية المتمثلة بحل الدولتين، وعدم القدرة على اجتراح الحل البديل.

والكلمة الأخيرة، أن المواقف العربية انتقلت منذ زمن بعيد إلى دائرة ومنطق السلام العادل والشامل، فيما بقيت إسرائيل بدائرة ومنطق الحرب وادعاء السلام الذي وضعت أمام تحقيقه كل الشروط التي تحول دون تحقيقه في ظل عجز النظام الدولي وإخفاقه المستمر في تحقيق ما تتطلع إليه شعوب المنطقة والعالم.

اظهر المزيد

سعيد ابو على

الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى