إن ما شهده العالم من ثورة صناعية في القرن العشرين، وما يشهده من ثورة في تكنولوجيا المعلومات والاتصال والهندسة الوراثية وعلوم الجينات، شكلت –وماتزال- تحديات (علمية، اجتماعية، وثقافية) كبيرة أمام الدول والشعوب العربية. ولأن الثقافة هي عنصر أساسي ومستقل ويمثل القوى الناعمة للمجتمعات ومن أهم عناصر رسم وتأصيل الهوية، فإن قضية تعزيز الثقافة العربية عمومًا، والثقافة العلمية بشكلٍ خاص تُعد من القضايا بالغة الأهمية اجتماعيًّا واقتصاديًّا، فهي ركيزة من الركائز الضرورية لضمان مستقبل أفضل للأجيال العربية الناشئة في ظل التوجهات العالمية نحو “مجتمعات اقتصاد المعرفة”. ولأن المكونات والعناصر الثقافية، لأي ثقافة، تتداخل وتتمازج لتكون نسيجًا واحدًا متجانسًا، فإن التأثر السلبي بثقافات أخرى يخلق تشوهات غير محمودة بهذا النسيج؛ إذ إن الاقتباس أو النقل غير المدروس للعلوم من ثقافات أخرى يطرح تداعيات سلوكية وأخلاقية قد لا تكون متماشية مع الثقافة الأصيلة.
من هذا المنطلق، تهتم الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بالثقافة العربية وتعزيزها والمساهمة في كافة المشاريع التي تدعم وترقى بالثقافة العربية في كل مجالاتها، من خلال العمل العربي المشترك في مجال الثقافة وتضافر الجهود مع الجهات العربية في الدول الأعضاء والمنظمات الدولية والعربية والإقليمية والمجتمع المدني ذات الصلة، وذلك منذ نشأتها عام 1945.
اللجنة الثقافية العربية.
تم إنشاء اللجنة الثقافية من ضمن اللجان العربية المتخصصة للأمانة العامة وقد تم وضع لائحة أساسية لها، وعقدت اللجنة الثقافية أربع جلسات خلال عام 1946 برئاسة سعادة الدكتور “عبد الرازق السنهوري باشا”، وبحضور ممثلي الدول الأعضاء وبحثت في اجتماعاتها إعداد المعاهدة الثقافية التي أقرها مجلس الجامعة ودخلت حيز التنفيذ عام 1957. إن رئاسة قامة قانونية وثقافية بوزن السنهوري باشا كان مؤشرًا واضحًا على رغبة الدول العربية، والتي كانت ترزح تحت وطأة قوانين وثقافات الشعوب الاستعمارية، بالعمل على تأصيل نظام قانوني عربي موحد يحافظ على صون الثقافة العربية والتخلص من إرهاصات ثقافة المستعمر؛ لذا عملت اللجنة من اليوم الأول على تنسيق العلاقات مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، كما بحثت في إمكانية إنشاء كيان يجوب العالم بحثًا عن مخطوطات عربية ويقوم بتصويرها بأحدث آلات التصوير؛ حيث ظهرت في تلك الأثناء آلة تصوير الوثائق، والذي تبلور فيما بعد إلى معهد للمخطوطات العربية، والذي كان الغرض منه تسهيل الوصول إلي التراث العربي ونشره. كما قررت اللجنة عقد المؤتمر الثقافي العربي الأول الذي شكل العلامة الفارقة في الثقافة العربية المعاصرة؛ حيث بحثت اللجنة الثقافية موضوع عقد مؤتمر ثقافي عام؛ ليبحث هذا المؤتمر في أمرين مهمين وهما: تعيين الحد الأدنى من الثقافة العربية في (التاريخ، الجغرافيا، الأدب، والأخلاق) الذي ينبغي أن يلقن للطالب العربي بمراحل التعليم، والثاني هو وسائل تحسين الطرق والأساليب التي تدرس بها اللغة العربية. واعتبرت اللجنة الثقافية المؤتمر الثقافي العربي هيئة قائمة بذاتها لها صفة الدوام وتنعقد دوريًّا وأوصت اللجنة المؤتمر بأن يؤلف في كل دوره من دوراته لجنة يعهد إليها إعداد الدورة التالية.
في الرابع من أبريل عام 1946، أصدر مجلس الجامعة العربية قرارًا لإحياء التراث الفكري والفني العربي من خلال إنشاء معهد المخطوطات؛ ليحمل رسالته في تصوير المخطوطات العربية النادرة في جهات العالم المختلفة، وقد قام المعهد آنذاك بتكبير مخطوطات ابن سينا، كما أرسلت الإدارة الثقافية بعثة إلى الهند للاطلاع على ما في مكتباتها العامة والخاصة من المخطوطات العربية وتصوير القيم والثمين فيها، وقام المعهد بدراسة الأفلام التي وردت من الأستانة في تركيا ومراجعتها؛ تمهيدًا لإخراج فهرس لها يطبع وينشر.
وكان من مهام الإدارة الثقافية، والتي كانت تعد الأمانة الفنية للجنة الثقافية، الترجمة والتأليف، واستلمت الإدارة الجزء الأكبر من كتاب “قصة الحضارة” وهو كتاب موسوعي تاريخي من تأليف الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي “ويل ديورانت” وزوجته “أريل ديورانت” يتكون من أحد عشر جزءًا، يتحدث فيه عن قصة جميع الحضارات البشرية منذ بدايتها وحتى القرن التاسع عشر، ويتسم بالموضوعية وبالمنهج العلمي. كما دعت اليونيسكو الإدارة للاشتراك في اللجنة الدولية الخاصة بترجمة أمهات الكتب العالمية التي اجتمعت في باريس نوفمبر 1949.
ومن أهم قرارات اللجنة الثقافية: تشكيل لجنة قانونية لاتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ أحكام المادة (15) من المعاهدة الثقافية، التي تنص على أن “تتخذ دول الجامعة العربية الوسائل اللازمة للتقريب بين اتجاهاتها التشريعية وتوحيد ما يمكن توحيده من قوانينها وإدخال الدراسات القانونية المقارنة للبلاد العربية في برامج معاهدها”. وقرار بتشكيل لجنة مهمتها تنفيذ المادة الثامنة من المعاهدة الثقافية، التي تنص على أن “تتعهد دول الجامعة العربية بأن تضع كل منها تشريعًا لحماية الملكية الأدبية والعلمية والفنية لما ينشر في كل دولة من دول الجامعة العربية”. واهتمت الإدارة الثقافية بتنظيم أسس التعاون العلمي بين البلدان العربية فأرسلت قائمة بالهيئات العلمية في مصر إلى الدول العربية لتُوافيها بقوائم متشابهة بما لديها من هيئات علمية.
ولم تغفل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية دور العلماء والمثقفين، فقد واصلت اللجنة الثقافية إجراءاتها للاحتفاء بالعيد الألفي للفيلسوف ابن سينا وتواصلت بكافة رجال الفلسفة في البلاد العربية والمستشرقين المعنيين بابن سينا لهذه المهمة، وقررت اللجنة تكبير النسخ المصورة من كتاب المنطق في السخاء، وهو أحد كتب ابن سينا وتم تصويره، كذلك تم إعداد بحث في ترجمة حياة ابن سينا للنشر. كما اهتمت بكافة مناحي الحياة الثقافية من الإذاعات العربية والإعداد للمؤتمر الثقافي العربي العام، الذي تناول حينذاك أسس التعليم في الأقطار العربية وتوحيد اتجاهاتها، وقد أعدت بالتفصيل الموضوعات التي كانت تدرس في المدارس، فقد أنشأت المتحف الثقافي رسميًّا في يونيو 1949؛ للاطلاع على محتويات ومعلومات وإحصائيات قيمة في شؤون التعليم المختلفة في جميع مراحله، وقد كان يتوافد إليه زوار كثر من دول عربية وأجنبية، فضلًا عن تبادل المعلمين بين الدول العربية لنشر العلم والثقافة في الدول العربية وتبادل المعرفة والخبرات القيمة.
واهتمت اللجنة الثقافية بموضوع مكافحة الأمية، ورأت الإدارة الثقافية الانتفاع بتجربة اليونيسكو في هذا الشأن فطلبت تقارير لجان اليونيسكو لدراستها واستخلاص ما تراه مفيدًا، كما أنجزت الأمانة العامة طبع الكتاب السنوي الأول عن الثقافة في الأقطار العربية بعنوان ” الحولية الثقافية العربية” بتأليف الأستاذ/ ساطع بك الحصري، يحتوى على 650 صفحة ويشتمل على مناهج الدراسة في مراحل التعليم الأساسي والثانوي والعالي، وشرح طرق التعليم في الدول الآتية: الأردن، سوريا، العراق، لبنان، مصر، وهي من الدول المؤسسة للجامعة العربية. أما تثقيف الكبار، فقد أصدرت اللجنة الثقافية قرارًا بالانتفاع بتجربة مصر في هذا الموضوع، وأرسلت الإدارة الثقافية مجموعة من اللوائح والنشرات والمناهج التي أصدرتها مؤسسة الثقافة الشعبية بجمهورية مصر العربية إلى جميع الدول العربية؛ للانتفاع والاستفادة بتجربة مصر في هذا المجال، وكانت تلك اللبنة الأولى في تأسيس تعليم نظامي في عدد كبير من الأقطار العربية النامية.
رئاسة الدكتور/ طه حسين باشا للجنة الإعداد للمؤتمر الثقافي العربي الثالث.
أوصت هيئة المؤتمر العربي الثاني، الذي عقد في الإسكندرية عام 1950، بأن يعقد مؤتمر ثقافي عربي ثالث وتتألف لجنة للإعداد لهذا المؤتمر برئاسة الدكتور/ طه حسين باشا، وأقرت اللجنة الثقافية ذلك، وعقد المؤتمر عام 1954 في القاهرة، وقد كان موضوعه المصطلحات العربية العلمية.
ودشن الأديب/ طه حسين، بصفته رئيس اللجنة الثقافية العربية، صالون جامعة الدول العربية الثقافي، وقال في أول لقاءاته مع زملائه الذين حضروا الصالون للحديث عن مشروع ترجمة الأدب العالمي: “لا بد من إتاحة منابع الثقافة كلها لقراء العربية، وقد دعوتكم أولًا لتبادل الرأي في المشروع نفسه، وفيمن يمكن أن يتعاون معكم من أدباء اللغة العربية في ترجمة الأعمال الكاملة لشكسبير، وقد كتبت فعلًا إلى بعض الإخوة العرب مثل: الأستاذ/ عبد الحق فاضل، من أدباء ودبلوماسيين العراق، وغيره من الزملاء العرب، وأعتقد أن خير من يقدم هذه الأعمال مترجمة إلى اللغات العربية هو الأستاذ/ عباس محمود العقاد.”
ويتوالى اهتمام الأمانة العامة بالشأن الثقافي وإنشاء الأجهزة لهذا الغرض؛ حيث تم إنشاء معهد الدراسات العربية العليا بموجب قرار مجلس الجامعة لعام 1952 وفق نظام أساسي له ويتكون مجلس إدارة المعهد من: مدير يعين لمدة 3 سنوات، وأساتذة دائمين، ورئيس اللجنة الثقافية، ومدير الإدارة الثقافية بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، ومن أربعة من ذوي الرأي والخبرة في الدول العربية.
وفي ختام هذه الحقبة، التي امتدت من عام 1945 إلى عام 1970، تم إنشاء المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) وهي منظمة متخصصة مقرها تونس، تعمل في نطاق جامعة الدول العربية وتُعنى أساسًا بالنهوض بالثقافة العربية بتطوير مجالات (التربية، الثقافة، والعلوم) على مستويين (الإقليمي، والقومي) والتنسيق المشترك فيما بين الدول العربية الأعضاء. وقد أنشئت المنظمة بموجب المادة الثالثة من ميثاق الوحدة الثقافية العربية وتم الإعلان رسميًّا عن قيامها بالقاهرة يوم 25 يوليو 1970.
جهود الأمانة العامة في الحفاظ على التراث الثقافي العربي.
وضعت الأمانة العامة موضوع حماية التراث الثقافي العربي ضمن أولويات اهتماماتها، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة العربية وما يحدث من عبث في الآثار القيمة والهامة للأمة العربية؛ حيث أن التراث الحضاري وعلى اختلاف أنواعه وأشكاله يعد مبعثَ فخر واعتزاز للأمم ودليل على عراقتها وأصالتها، ومعبِّرًا عن الهوية الوطنية وصلة وصل بين الماضي والحاضر، إلا أنه من المؤسف أن يتعرض هذا التراث للسرقة والضياع بل وللتدمير، وحرصًا من الأمانة العامة على حماية تراث الأمة العربية وعلى مقدراتها التاريخية والحضارية، وإيمانًا منها بأن الأمم تُقاس بمدى ثقافتها وفنونها، وتنفيذًا للمواثيق والاتفاقيات العربية والدولية مرورًا بمعاهدة الثقافة العربية لعام 1945، وميثاق الوحدة الثقافية الذي اعتمد في مجلس جامعة الدول العربية في الدورة (41) لعام 1964، والذي أكد في المادة (15) على أهمية التعاون العربي لإحياء التراث العربي والمحافظة عليه، واتفاقية “لاهاي” لعام 1954، وبروتوكوليها الاختياريين لعام 1999، والاتفاقية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي، التي اعتمدت من المؤتمر العام لمنظمة اليونسكو عام 1972، وقرار مجلس الأمن رقم 2199 لعام 2015_ نظمت الأمانة العامة تحت رعايتها على مدى الخمسة عشر عامًا السابقة المؤتمر السنوي للاتحاد العام للآثاريين العرب في مختلف الدول العربية، بمشاركة باحثين وباحثات من كافة أنحاء العالم العربي ويتضمن: محاور علمية في مجال الدراسات الأثرية، والمتاحف، والترميم، والتطبيقات الحديثة في مجال علوم الآثار، إلى جانب ورش العمل حول قضايا الآثار الهامة، وغيرها من الموضوعات ذات الصلة.
كما قامت إدارة الثقافة بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية بالتراث الثقافي لعقد ورش عمل للتنوير التثقيفي حول أهمية وضع طرق الحماية للمواقع التاريخية والتراثية في المنطقة العربية، وخاصة في الدول التي تقع تحت الصراعات والنزاعات المسلحة. وعقدت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية دورة استثنائية لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي يومي (25 و26 /11/2007) بالجزائر حول الانتهاكات الإسرائيلية في تراث مدينة القدس، ورفع الأمين العام التوصيات إلى مدير عام اليونسكو لاتخاذ الإجراءات الدولية اللازمة. وبمناسبة احتفالات الدوحة عاصمة الثقافة العربية لعام 2010، وجه معالي الأمين العام دعوة للسادة وزراء الثقافة العرب للمشاركة في الملتقى الثقافي الذي استضافته وزارة الثقافة والفنون والتراث القطرية خلال تلك الفترة حول موضوع ” الحفاظ على تراث غزة الثقافي”.
وصدر عن القمة العربية الثانية والعشرين قرارٌ تحت رقـــم (503) بتاريخ 28/3/2010، الذي عقد بمدينة سرت في ليبيا بشأن: “عقد مؤتمر دولي تحت رعاية جامعة الدول العربية للدفاع عن مدينة القدس وحماية معالمها العربية والإسلامية” تحت شعار “دعم صمود القدس”. وتم عقد المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس وحماية معالمها العربية والإسلامية في دولة قطر عام 2012، وقد تناول المؤتمر مخاطبة المجتمع الدولي للدفاع عن مدنية القدس وحماية معالمها الإسلامية والعربية، وصدر عن المؤتمر “إعلان الدوحة” الذي دعا إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في إجراءات إسرائيل لتهويد القدس وطمس معالمها وتراثها العربي، ومن ثم إعداد إستراتيجية شاملة وموسعة للقطاعات والمشاريع التي تحتاجها لحماية تراث مدينة القدس، وقد دعا المؤتمر الأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها تجاه مدينة القدس والمحافظة على مقدساتها ومعالمها التاريخية وتراثها الإنساني.
كما شاركت الأمانة العامة في مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الثقافة في الوطن العربي الذي انعقد في 14 يناير 2015، في الرياض بالمملكة العربية السعودية، وصدرت عن المؤتمر توصيات تؤكد على أهمية الحفاظ على الوضع القانوني لمدينة القدس الشريف وحماية الأماكن المقدسة بها واستمرار الوصاية الأردنية عليها، وتثمين جهود ولاية بيت المال للقدس الشريف في الرباط في دعم البنية التحتية الثقافية في المدينة المقدسة، ودعوة الدول إلى الإسهام في حفظ وتكوين التراث الفلسطيني المهدد بالسلب والضياع، وحث الدول العربية التي لم تصادق بعد على اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي المغمور لعام 2001 على المصادقة عليها، وتنفيذًا لقرار مجلس الأمن رقم 2199 لعام 2015 الذي يقضي ” بتجفيف منابع الإرهاب وتجريم الاتِّجار بالتراث الثقافي” فقد قامت الأمانة العامة بإرسال خطاب لمدير عام اليونيسكو يتضمن اقتراحات لوضع تصور حول أوجه التنسيق والتعاون مع المنظمة لحماية التراث الثقافي العربي بناءً على طلب السيدة “إيرينا بوكوفا” مدير عام المنظمة.
النهوض باللغة العربية.
أولت جامعة الدول العربية مسألة النهوض باللغة العربية اهتمامًا كبيرًا منذ إنشائها، كجزء من الهوية الثقافية العربية، وهذا ما دعت إليه قمة الرياض التي عقدت يومي (28 و29 مارس 2007) إلى العمل الجاد لتحصين الهوية الثقافية العربية ودعم مقوماتها، وإن اللغة العربية تؤدي دورًا معبرًا عنها محافظًا على تراثها، وعليه قامت جامعة الدول العربية بإنشاء المعهد العالي العربي للترجمة بالجزائر بهدف النهوض بحركة الترجمة في الدول العربية، والهيئة العليا للذخيرة العربية في 19 سبتمبر 2010، كبنك للمعلومات يضم كل ما كتب باللغة العربية في كل فروع العلم والمعرفة. كما تعقد الأمانة العامة من خلال إدارة الثقافة ومنذ عام 2015 بصفة دورية منتدى النهوض باللغة العربية بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، والذي يحتفل به في 18 ديسمبر من كل عام، وقد عقدت إدارة الثقافة المنتدى الأول للنهوض باللغة العربية يومي (16و17 ديسمبر2015) وتنفيذًا للتوصيات الصادرة عن المنتدى، تم تشكيل لجنة الخبراء والمتخصصين في مجال اللغة العربية وتضم في عضويتها كل من: الأردن، العراق، ليبيا، مصر، السعودية، المغرب، الكويت، بالإضافة إلى البرلمان العربي ومعهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) وبعض منظمات المجتمع المدني؛ لوضع سياسة لغوية عربية موحدة قابلة للتطبيق في مجال النهوض باللغة العربية، وتنفيذًا لتوصيات لجنة الخبراء والمتخصصين، تم تشكيل لجنة مصغرة من الخبراء لإعداد مشروع إستراتيجية النهوض باللغة العربية تحت شعار “التمكين للغة العربية رمز هويتنا وأداة تنميتنا”، وعرضت على المنتدى الثالث للنهوض باللغة العربية الذي عقدته الإدارة يومي (18 و19 ديسمبر 2017) بمقر الأمانة العامة، وتم اعتمادها، كما أقرت الإستراتيجية من الدورة 21 لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي الذي عقد في شهر أكتوبر 2018 بجمهورية مصر العربية كآلية للنهوض باللغة العربية على المستويات الوطنية. وتتألف الإستراتيجية من أربعة محاور: اللغة العربية والتعليم، اللغة العربية والإعلام، اللغة العربية والتواصل، الحرف العربي؛ حيث تؤكد الإستراتيجية على سمو الحرف العربي نطقًا وكتابةً، وعلاقته بترسيخ الهوية، وضرورة تعميم استعمال الأرقام العربية الأصيلة في كافة الأعمال العربية المكتوبة ورقيًّا وإلكترونيًّا.
كما تهدف الإستراتيجية إلى تحقيق إتقان اللغة العربية حفاظًا على وظيفتها من حيث كونها وعاءً للهوية ورابطة بين أبناء الأمة العربية، والوعي بالعلاقة بين التعلم باللغة القومية وتوطين العلم وبمدى تأثير ذلك على النمو (الاقتصادي، والاجتماعي، والصحي) وتفعيل دور اللغة في تقوية الأواصر الثقافية والاجتماعية بين أبناء الوطن العربي، الإيمان بأن حضور اللغة واستعمالها على كافة الأصعدة هو المظهر الحقيقي للتمكين والمرآة الصادقة للنهضة، تدعيم الشعور الإيجابي لدى أبناء الأمة العربية نحو لغتهم وتنمية اعتزازهم بها من حيث كونها رمزًا لهويتهم وجزءًا من ذاتيتهم.
وتعمل إدارة الثقافة حاليًّا على وضع خطة تنفيذية للإستراتيجية تتضمن البرامج والأنشطة المفترض أن تحقق أهداف الإستراتيجية. كما تعكف الأمانة العامة حاليًّا على وضع إطار عربي موحد لاختبار كفاءة أداء اللغة العربية للناطقين بها وغير الناطقين، وقد تم تشكيل لجنة مكونة من مجمع اللغة العربية بالقاهرة ومركز الشيخ زايد لتعليم اللغة العربية، والجمعية المصرية لتعريب العلوم، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم؛ لوضع الإطار العام.
وفي إطار غرس حب اللغة العربية في نفوس الطلبة، والتشبث بالحرف العربي، تنظم الأمانة العامة من خلال إدارة الثقافة وبشكل دوري مسابقة “التحدث باللغة العربية الفصحى وتعميق دراسة النحو” تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم بجمهورية مصر العربية لطلبة الصفين الثالث الإعدادي والثالث الثانوي من الدول العربية؛ إسهامًا منها في تعزيز روح التنافس بين الطلبة العرب لإبراز مهاراتهم (اللغوية، النحوية، والخطابية) في سبيل تنمية وتطوير اللغة العربية الفصحى للحفاظ على مكانتها التي تستحقها بين اللغات العالمية. وجه معالي الأمين العام كل بعثات الجامعة العربية في الخارج وخاصة في مقار الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة بضرورة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية من خلال إقامة فعاليات تبرز أهمية ومكانة اللغة العربية ودورها في الحفاظ على الهوية العربية. وفي إطار التعاون مع منظمات المجتمع المدني، أبرمت الأمانة العامة مذكرة تفاهم مع المجلس الدولي للغة العربية بتاريخ 27/7/2017، بهدف النهوض بتعليم اللغة العربية والحفاظ على الهوية العربية الإسلامية بما يسهم في توظيف المعرفة بلغة الضاد.
ختامًا فإن الثقافة كما يقول الأستاذ/ عقيل عيدان: “إن الثقافة اصطلاحًا هي أسلوب الحياة إجمالًا، أي هي النظام الاجتماعي وما له من معتقدات وعادات. والتربية والتعليم هي واسطة من وسائط المحافظة على الثقافة وإيراثها من السَّلف إلى الخَلَف، أي أن الثقافة هي ملك مشترك، والتعليم ملك فردي”. لذلك فإن هدفنا الحقيقي في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية هو الحفاظ على النظام الاجتماعي العربي ومعتقداته وعاداته من خلال صوت موروثه الثقافي المادي والمعنوي من الضياع والسرقة والعبث.




