2025الذكرى الثمانون لتأسيس جامعة الدول العربيةالعدد 202

اهتمامات جامعة الدول العربية بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: رؤية مستقبلية

في عصر التحولات التكنولوجية السريعة يمثل الذكاء الاصطناعي مسارَ تغيير جذري يمس كافة جوانب الحياة؛ حيث يتداخل الذكاء الاصطناعي في عمق المجالات (العلمية، الاقتصادية، والاجتماعية) وأصبح له تأثير ملموس على كافة الدول والمجتمعات، وقد أثرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي على ظهور فرص وتحديات جديدة في شتى المجالات، وتزامن ظهور الذكاء الاصطناعي والتطورات الكبيرة في مجالات التقنيات الحديثة مع الكثير من التحديات التي تواجه عالمنا العربي على مستوى تحقيق الأهداف التنموية، وخاصة في موضوعات تمس الأمن والاستقرار الإقليمي  بعد مرور ما يزيد عن عَقدٍ من الاضطرابات التي اجتاحت الكثير من الدول وأثرت بشكل كبير وواضح على وحدة وسيادة العديد من الدول في المنطقة وما حولها من دول الجوار. وفي هذا السياق، تنبهت جامعة الدول العربية من خلال الأمانة العامة بضرورة التنسيق وحشد الجهود والإمكانات العربية؛ لعمل إستراتيجيات وخطط لبناء منظومات عربية قادرة على الاستفادة القصوى من الفرص الهائلة التي تتيحها تقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي واستيعابها لمواجهة التحديات التقليدية والمستحدثة، من خلال بناء مجتمعات تتمتع بالقدرات المطلوبة للتفاعل الدولي الحالي والمستقبلي. ويعكس الدور المؤسسي للجامعة اهتمام أمينها العام السيد/ أحمد أبو الغيط، بموضوعات الذكاء الاصطناعي، وتأكيده على أهمية الذكاء الاصطناعي كمحرك أساسي للتنمية العربية، وتوجيهه الدائم بضرورة بناء القدرات العربية في مجال التقنيات الذكية وحماية المصالح العربية في الفضاء الرقمي وتعزيز التعاون العربي المشترك في مجال البحث والتطوير، بالإضافة لمطالبته بضرورة وضع أطر تشريعية وأخلاقية عربية للذكاء الاصطناعي.

يرمز مصطلح الذكاء الاصطناعي لمجموعة كبيرة من التطبيقات والأدوات التقنية التي تستفيد من التراكم الهائل للبيانات والمعلومات في شتى المجالات؛ حيث تطور مفهوم الذكاء الاصطناعي مع تطور قدرات الحاسب الآلي على القيام بعمليات كبيرة ومعقدة في زمن قياسي وبدقة فائقة. ومع انطلاق ثورة المعلومات وتقنية الاتصالات، ظهرت أجهزة اتصال (التليفونات المحمولة) ونشأت أبعاد جديدة لاستخدام الحواسيب مع ربطها بأجهزة الاتصال، وأطلقت الشبكة العنكبوتية العالمية (WWW) أو ما بات يعرف بشبكة الإنترنت لاستخدامات الجمهور العام العالمي. وفي الوهلة الأولى، بدأت شبكة الانترنت كمنصة ووسيط حديث لتبادل بعض المعلومات، ولكنها سرعان ما تطورت لتشكل بُعدًا عالميًّا جديدًا للاتصال والتواصل وتخزين وعرض البيانات والمعلومات بشكل غير مسبوق في التاريخ. وخلال عقدين من الزمان، أصبحت الشبكة موقعًا يجمع فيه أجزاء كبيرة من الذاكرة البشرية بما تضمنه من (أدب، ثقافة، علوم، وتاريخ) بل أصبحت الشبكة أيضًا منصة يسجَّل فيها كل ما يستجد من ابتكارات وإبداعات وتطورات في كافة المجالات. نتيجة لاتساع شبكة الإنترنت ونموها الدائم، أصبح محتواها الضخم يشكل تحديًا لراغبي البحث عن موضوعات متخصصة، ونشأ مع شبكة الإنترنت برامج تساعد الجمهور على تصفح المواقع المختلفة والوصول إليها ومتابعة المواقع التي تعرض محتوى مشابه؛ لتسهل تجربة الخوض في أبعاد الشبكة بحثًا عن المعلومات. هذه التطورات المترابطة، خلقت بيئة مواتية للتقدم السريع نحو الذكاء الاصطناعي؛ حيث وفرت شبكة الإنترنت الأساس للبنية التحتية من (بيانات، معلومات، وأدوات) لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي في شتى المجالات، كما أطلقت شبكة الإنترنت وتطبيقات الذكاء الاصطناعي سباقًا محمومًا بين الأفراد والشركات وحتى الدول للوصول لآفاق غير مسبوقة في كافة قطاعات (العلوم، الاقتصاد، التكنولوجيا، الصناعة، والخدمات)؛ لذلك بات من الضروري فهم الدور الحيوي الذي تلعبه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في المنطقة العربية، وذلك من خلال تعزيز التحول الرقمي والتوجه نحو التجارة الإلكترونية  في المجال الاقتصادي، وتشجيع الخدمات المصرفية الإلكترونية. واستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي؛ للمساعدة في التشخيص الطبي وإدارة الأزمات الصحية، وتشجيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات الصناعات الدوائية وتطوير العلاجات. وأهمية التركيز على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم؛ لتصميم وابتكار أنظمة التعلم الذكية والتعليم عن بُعد؛ لخفض التكاليف الضخمة التي كانت تنفق في الطباعة وشراء الورق والتخزين لأدوات التعليم التقليدية. وتطبيق الذكاء الاصطناعي في مجال الحوكمة؛ بهدف تحسين الخدمات الحكومية عبر التطبيقات الذكية المختلفة، التي تساعد وتدعم اتخاذ القرارات وملاءمتها، وتفعيل منظومات الحكومات الذكية، التي تسهُم في ترشيد الوقت والمصاريف الإدارية وتخفف الأعباء من على كاهل المواطنين، بالإضافة لتأمين المستخدمين من خلال تطوير منظومات الأمن السيبراني لمواجهة التهديدات الإلكترونية المتزايدة.

وفي هذا الإطار، أطلقت جامعة الدول العربية بالتعاون مع المنظمات الإقليمية “الإستراتيجية العربية للتحول الرقمي” والتي تهدف إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية في الدول العربية، ودعم التشريعات التي تنظم الاقتصاد الرقمي، مع الاهتمام بتشجيع الاستثمار في مجال التكنولوجيا الناشئة، مثل: الذكاء الاصطناعي. ومن خلال مجلس وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات العرب، تقوم الجامعة العربية بدراسة وضع أطر قانونية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وتطوير مشاريع الربط الرقمي بين الدول العربية، بالإضافة لعقد مؤتمرات وورش عمل لتبادل الخبرات في مجال التكنولوجيا.

كما تعمل الجامعة العربية على تعزيز التعاون مع المؤسسات، ومنها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لدعم البنية التحتية والشركات التقنية الكبرى، مثل: مايكروسوفت، وجوجل لتدريب الكوادر العربية. ورغم الجهود المبذولة، تواجه الدول العربية عدة عوائق أهمها: نقص البنية التحتية الرقمية في بعض الدول، وضعف القدرة على الاستثمار في البحث والتطوير، والافتقار إلى تشريعات واضحة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى الفجوة الرقمية بين الدول العربية المتقدمة تكنولوجيًّا وتلك الأقل تطورًا.

وفي هذا السياق، استشعرت بعض الدول العربية أهمية الاستفادة من أدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وضرورة مشاركتها في التنافس العالمي، الذي يهدف لتطوير أنماط تخدم مصالحها وتحافظ على ثرواتها. بدورها التنسيقي والتنظيمي والتقني، تسعى جامعة الدول العربية جاهدة لمواكبة الثورة التكنولوجية، ورغم التحديات فإن الفرص كبيرة لتحقيق نقلة نوعية في مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ويتطلب النجاح تضافر الجهود بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع العلمي؛ لبناء مستقبل رقمي عربي متكامل. وعلى مدار عقدين من الزمان، بدأت العديد من الدول العربية في تهيئة القدرات وخاصة الموارد البشرية للتعامل مع التقنيات الحديثة التي اجتاحت كافة المجالات؛ حيث قدمت هذه الدول مبادرات طموحة لتوطين تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الابتكار الرقمي، وتنشط في هذا المجال كلُّ من: المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مصر، والمغرب، بوصفهم لاعبين إقليميين في تبني وتطوير الذكاء الاصطناعي.

من جانبها، تتبنى المملكة العربية السعودية إستراتيجية طموحة للذكاء الاصطناعي كجزء أساسي من رؤية 2030، وتشمل أبرز مبادراتها إنشاء الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) والتي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، مع إطلاق إستراتيجية وطنية متكاملة، بالإضافة لإنشاء مدينة “نيوم الذكية”؛ حيث تُستثمر مليارات الدولارات في تطوير بنية تحتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، كما استضافت المملكة العربية السعودية فعاليات وقمم عالمية للذكاء الاصطناعي في الرياض؛ لجذب الخبراء العالميين وتعزيز الشراكات الدولية.

في ذات السياق، تتبنى الإمارات العربية المتحدة العديد من المبادرات والمشروعات التي تهدف لتبوؤ مواقع ريادية في مجالات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أطلقت وزارة الذكاء الاصطناعي في 2017، بوصفها أول وزارة مخصصة للذكاء الاصطناعي في العالم؛ بهدف جعل الإمارات مركزًا عالميًّا للابتكار التكنولوجي. وبدورها، أطلقت إستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، والتي تهدف إلى تعزيز القطاعات الحيوية، مثل: الصحة، التعليم، والنقل، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وشيدت مجتمع الذكاء الاصطناعي في جامعة محمد بن زايد؛ لتعليم وتدريب جيل من القادة والخبراء في المجال.

على التوازي، أنشأت جمهورية مصر العربية مركزًا إقليميًّا للابتكار التكنولوجي يسعى إلى تعزيز مكانتها بوصفه أحد أهم المراكز التقنية في المنطقة، كما أنشأت المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي؛ لوضع إستراتيجية وطنية وخطة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحكومية والخاصة. كما وجهت القيادة المصرية بضرورة إنشاء مدينة المعرفة بالعاصمة الإدارية الجديدة لتضم مراكز بحثية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، هذا بالإضافة لإطلاق مبادرة “بناة مصر الرقمية” التي تهدف لتدريب الآلاف من الشباب المصري على المهارات الرقمية المتقدمة، كما ركزت الدولة في مصر على تطوير الشراكات مع الشركات العالمية مثل : Microsoft  وIBM  لإنشاء مراكز بحث وتطوير في البلاد.

في المملكة المغربية، تتوجه الدولة بخطى حثيثة نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ حيث يبرز المغرب كواحد من الدول الرائدة في شمال إفريقيا في مجال التكنولوجيا؛ حيث يقوم بعدة خطوات مهمة، منها: إطلاق إستراتيجية المغرب الرقمي 2025، والتي تشمل تطوير البنية التحتية التكنولوجية، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في الصناعة والزراعة. كما أنشأت المملكة المغربية مركز الذكاء الاصطناعي في جامعة محمد السادس “بوليتكنيك”؛ لتطوير الأبحاث التطبيقية في هذا المجال، كما وجهت القيادة في البلاد بأهمية الاستثمار في المدن الذكية، مثل: مدينة الدار البيضاء الذكية، التي تعتمد على حلول الذكاء الاصطناعي لإدارة الخدمات الحضرية، بالإضافة لتوطيد الشراكات مع الاتحاد الأوروبي لتنمية القدرات المحلية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

تُظهر هذه الدول التزامًا قويًّا بتبني الذكاء الاصطناعي وتوطين التكنولوجيا الحديثة، مما يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التحول الرقمي في تحقيق التنمية المستدامة، وبرغم التحديات المشتركة التي تواجه الدول العربية فإن التعاون بين الدول العربية، ضمن إطار جامعة الدول العربية، يمكن أن يُقدم حلولًا تسرِّع من وتيرة التقدم التكنولوجي في المنطقة، لذلك تعمل الجامعة- من خلال إطارها المؤسسي- على تحفيز الدول العربية ومؤسساتها المعنية للتنسيق والتعاون والمشاركة في الجهود والمبادرات والمشروعات الخاصة بموضوعات تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي. ويظهر اهتمام الأمانة العامة لجامعة الدول العربية من خلال تصريحات الأمين العام للجامعة السيد/ أحمد أبو الغيط، في العديد من المناسبات الكبرى، ومنها الكلمة التي ألقاها في مؤتمر “الذكاء الاصطناعي والأمن القومي العربي” عام 2022، التي أكد فيها “إن الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة إستراتيجية للأمن القومي العربي”، كما أضاف سيادته أنه “علينا أن نسرع الخطى في بناء القدرات العربية في هذا المجال قبل أن تصبح الفجوة الرقمية غير قابلة للردم”. وخلال إطلاق الإستراتيجية العربية للتحول الرقمي في 2023، أشار سيادته أن “التحول الرقمي ليس خيارًا، بل هو مصيرنا المشترك في عالم يتغير بسرعة مذهلة”، ودعا جميع الدول الأعضاء إلى تخصيص ما لا يقل عن 1% من ميزانياتها للبحث والتطوير في مجال التقنيات الناشئة. وفي كلمته أمام القمة العربية للتنمية الرقمية في 2024، أشار الأمين العام أن “الذكاء الاصطناعي هو اللغة الجديدة للقوة في القرن الحادي والعشرين، والعرب يجب أن يكونوا متحدثين بارعين بهذه اللغة”، واقترح أبو الغيط إنشاء صندوق عربي للابتكار التكنولوجي لدعم المشاريع الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي. ونتيجة لإظهار قيادة الجامعة اهتمامها بموضوعات الذكاء الاصطناعي وحثها الدائم والمتواصل، تزايد الاهتمام المؤسسي ليشمل منظمات العمل العربي المشترك.

        إلى جانب جهود الدول الأعضاء، تؤدي منظمات العمل العربي المشترك دورًا محوريًّا في تعزيز التعاون التكنولوجي وبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ومن أبرز هذه المنظمات: اتحاد الإذاعات العربية (ASBU) الذي بادر بتطوير أنظمة بث ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة المحتوى الإعلامي، كما يقوم باستخدام تقنيات التعلم الآلي في تحليل المشاهدات وتخصيص المحتوى الإعلامي، بالإضافة لتطوير أنظمة الترجمة الآلية الفورية للبرامج الإخبارية مع إنشاء منصات إعلامية رقمية ذكية تعتمد على تقنيات التوصيل الذكي للمحتوى.

وبدورها، تقوم الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بإدراج مقررات متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في برامجها الأكاديمية، وإنشاء معامل متخصصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في النقل البحري واللوجستيات، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لتحسين عمليات الموانئ والملاحة البحرية، كما تواظب على تنظيم مؤتمرات وورش عمل حول الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته في المجالات التقنية. وفي سياق متصل، تعمل منظمة الاتصالات العربية (AICTO) على إطلاق مبادرات لتعزيز البنية التحتية الرقمية في العالم العربي وتطوير معايير عربية موحدة في مجال الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، من خلال تنظيم مسابقات وفعاليات لرواد الأعمال في مجال التكنولوجيا الناشئة، كما تقوم بإصدار تقارير دورية عن حالة التحول الرقمي في الدول العربية.

وتحقيقًا لأهدافها، تعمل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) على تطوير منصات تعليمية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مع إطلاق مرصد عربي للذكاء الاصطناعي في التعليم، بالإضافة لإعداد الدراسات حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة العربية، وتنظيم دورات تدريبية للمعلمين على أدوات التعليم الذكية. استكمالًا لنشاط مؤسسات العمل العربي المشترك، يقوم اتحاد مجالس البحث العلمي العربية بتمويل مشاريع بحثية عربية مشتركة في مجال الذكاء الاصطناعي بالإضافة لإنشاء شبكة من المراكز البحثية المتخصصة في التقنيات الذكية، كما يعكف على تطوير برامج لتبادل الباحثين والخبراء في مجال التكنولوجيا المتقدمة وإصدار مجلات علمية محكمة متخصصة في الذكاء الاصطناعي.

وتعمل الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لتذليل الكثير من العقبات والتحديات التي تواجه هذه المنظمات والمتمثلة في اختلاف أولويات الدول الأعضاء في مجال التكنولوجيا، ومحدودية الموارد المالية المخصصة للمشاريع المشتركة، والحاجة إلى مواءمة التشريعات والسياسات بين الدول العربية، وضعف التكامل بين المراكز البحثية في العالم العربي. ورغم التحديات، فإن هذه المنظمات تسهم بشكل فعال في بناء القدرات العربية وتطوير البنى التحتية الرقمية، ويبقى تعزيز التنسيق بين هذه المنظمات والدول الأعضاء عاملًا حاسمًا لتحقيق التكامل الرقمي العربي.

كذلك تقوم قطاعات الأمانة العامة لجامعة الدول العربية أيضًا بأدوار كبيرة لتفعيل رؤية الدول العربية وقياداتها في مجالات التقنيات الحديثة وموضوعات الذكاء الاصطناعي. يبرز في هذا السياق دور قطاع الإعلام والاتصال في إطلاق “المنصة العربية للذكاء الاصطناعي في الإعلام” التي تهدف إلى تطوير أدوات للصحافة الآلية باللغة العربية وأهمية إنشاء نظام إنذار مبكر للأخبار الزائفة باستخدام الذكاء الاصطناعي، والاهتمام بضرورة تدريب الإعلاميين العرب على أدوات التحقق من المحتوى الرقمي باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويقوم قطاع الإعلام والاتصال بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية بإعداد مشروع “الإعلام العربي الذكي”، الذي يهدف إلى تطوير غرف أخبار رقمية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي مع إنشاء قاعدة بيانات عربية للتدريب على نماذج اللغات العربية وإطلاق مسابقة سنوية لأفضل تطبيق إعلامي يعتمد على الذكاء الاصطناعي. كما يقوم القطاع بإطلاق مبادرات التوعية الرقمية بهدف إنتاج سلسلة “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي” بالشراكة مع اليونسكو، كما يقوم بتنظيم ورش عمل حول “الذكاء الاصطناعي وحرية التعبير”،  بالإضافة للعمل على إصدار دليل إرشادي عربي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في الإعلام.

كما قامت الأمانة العامة للجامعة العربية بعدة خطوات عملية، منها: تشكيل الفريق العربي رفيع المستوى للذكاء الاصطناعي؛ ليضم خبراء من جميع الدول الأعضاء وتكون مهمته وضع معايير عربية موحدة للذكاء الاصطناعي، وإعداد تقارير دورية عن حالة التقنيات الذكية في المنطقة. إضافة إلى ذلك، تؤكد الأمانة العامة على أهمية إدراج الذكاء الاصطناعي في أجندة القمم العربية، وانعقاد جلسات خاصة بالتحول الرقمي في القمم العربية، إضافة إلى إصدار قرارات ملزمة حول التعاون التكنولوجي ودعوتها لإنشاء لجنة وزارية عربية للذكاء الاصطناعي. وبهدف تعزيز دورها الإقليمي والدولي، تعمل الأمانة العامة على توسيع مجال الشراكات الدولية من خلال توقيع مذكرات تفاهم مع منظمات دولية متخصصة، والمشاركة الفاعلة في المحافل العالمية المعنية بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك استضافة المؤتمر السنوي العربي-الأوروبي للذكاء الاصطناعي.

كما يعد تعزيز التعاون بين القطاعين (الحكومي، الخاص) ضرورة حتمية لبناء منظومة عربية متكاملة للذكاء الاصطناعي. ومن خلال تبني نماذج شراكة مبتكرة، وخلق بيئة تنظيمية داعمة، وبناء جسور الثقة بين جميع الأطراف، يمكن للعالم العربي أن يحقق قفزة نوعية في مجال التقنيات الذكية.

تظهر التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في خلق تكامل حقيقي بين القطاعات المختلفة هي التي تمكنت من تحقيق الريادة التكنولوجية. والعالم العربي، بموارده البشرية والمالية الهائلة، قادر على تكرار هذه النجاحات إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الإستراتيجية. يشكل التعاون بين الحكومات العربية والقطاع الخاص حجر الزاوية في تحقيق النقلة النوعية في مجال الذكاء الاصطناعي؛ حيث يمكن لهذه الشراكة أن تسرع وتيرة نقل المعرفة والتكنولوجيا، وتزيد من جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزز الابتكار وريادة الأعمال في المجال التكنولوجي، وتضمن مواءمة التطور التكنولوجي مع الاحتياجات التنموية الحقيقية.

ويتمتع العالم العربي بإمكانيات هائلة تُمكِّنه من تخطي التحديات الراهنة، مثل: الفقر، الجوع، ضعف التعليم، والخدمات الصحية، وذلك من خلال استغلال موارده الطبيعية والبشرية وتعزيز التعاون الإقليمي. وتُعد الاستثمارات في مجالات التعليم والابتكار من الركائز الأساسية لبناء اقتصاد المعرفة؛ حيث يمكن للدول العربية أن تواكب الثورة التكنولوجية العالمية، وتُنمّي مهارات الشباب في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة. كما أن التنمية المستدامة تشكل فرصةً كبرى لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، عبر تبني مشاريع الطاقة النظيفة وإدارة الموارد المائية بكفاءة. بالإضافة إلى ذلك، يُمكن للعالم العربي أن يُقلِّص معدلات الفقر من خلال تعزيز الشمول المالي وتمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لا سيما للشباب والمرأة.

ختامًا، يمكن القول إن الإرادة السياسية والتخطيط الإستراتيجي طويل الأمد عاملان حاسمان في التوجه العربي نحو المستقبل، وهما سيشكلان قوة الدفع  للعالم العربي في التحول إلى قوة اقتصادية واجتماعية رائدة في العقود المقبلة، قادرة على تحقيق الرفاهية والاستقرار لشعوبه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى