2025الذكرى الثمانون لتأسيس جامعة الدول العربيةالعدد 202

بعثات الجامعة العربية في الخارج

تمثل الذكرى الثمانون لإنشاء جامعة الدول العربية مناسبةً لاستذكار أهم محطات إنشاء بعثات الجامعة العربية في الخارج،  نسميها اختصارًا (بعثات الجامعة في الخارج)، وإبراز نماذج عن مساهماتها؛ فهي تمثل حلقة الاتصال الأولى الرسمية مع الدول والمنظمات الدولية المعنية، ودليلًا ماديًّا على انفتاح جامعة الدول العربية على المجتمع الدولي.

كما تعد بعثات الجامعة في الخارج إرثًا ومكسبًا عربيًّا مشتركًا، يُشكّل خلال قرابة ثمانين عامًا رغم التحديات، وتعتبر حجر الزاوية في متابعة تنفيذ قرارات مجلس الجامعة في الخارج، وفي توطيد العلاقات الثنائية بين جامعة الدول العربية والدول والمنظمات الدولية المعنية، وأيضًا تؤدي دورًا محوريًّا في تنسيق مجمل منظومة العمل العربي المشترك في الخارج فيما يخص أنشطة واجتماعات مجالس السفراء العرب ولجانه المتخصصة، فضلًا عن دورها القيادي في دفع جهود الجاليات العربية وغرف التجارة والصناعة العربية-الأجنبية ،ومراكز الثقافة والمعاهد العربية، ومدارس تعليم اللغة العربية وجمعيات الصداقة العربية-الأجنبية، واتحاد الجاليات العربية في الدولة مقر البعثة.

ويمتد تاريخ بعثات الجامعة في الخارج إلى ثمانية عقود تقريبًا، (أولًا) حققت خلاله إنجازات ملموسة لصالح العمل العربي المشترك في مجالات عدة، (ثانيًا) يصعب حصرها، لذلك سيكتفى بذكر نماذج عنها فقط، ومع بداية العقد التاسع لبعثات الجامعة في الخارج تبرز الحاجة إلى اتخاذ تدابير إضافية لتعزيز دور بعثات الجامعة في الخارج، سنسرد بعضها في الخاتمة.

أولًا: لمحة تاريخية حول بعثات الجامعة العربية في الخارج.

 ترتبط بدايات إنشاء بعثات الجامعة في الخارج بالقضية الفلسطينية؛ ففي الأربعينيات من القرن الماضي، ظهرت “المكاتب العربية” في الخارج في إطار التصدي العربي المشترك للصهيونية العالمية ودعم القضية الفلسطينية” وبهدف إفهام وجهة النظر العربية في قضايانا الرئيسة للجهات ذات التأثير في توجيه السياسة المحلية والدولية…” (قرار مجلس الجامعة رقم 718، يناير 1954).

وبدأت المرحلة الرئيسة في تأسيس بعثات الجامعة في الخارج، والتي كانت تسمى “مكاتب الدعاية” ضمن جهاز الإعلام في أواخر يناير 1954، ويعد مكتب الدعاية في نيويورك أول مكتب يُنشأ في هذا الخصوص،  وارتبطت تفاصيل أهداف بعثات الجامعة في الخارج بأهداف الأجهزة الرئيسة التي أُنشئت حينها ضمن الهيكل الإداري للأمانة العامة لجامعة الدول العربية؛ للدفاع عن القضية الفلسطينية، وتنسيق سياسات الدول الأعضاء تجاهها كجهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل الذي أنشئ سنة 1952، وجهاز الإعلام الذي أنشئ سنة 1953، ومع ذلك من المهم الإشارة إلى أن الدعاية الخارجية كانت حاضرة منذ إنشاء الجامعة سنة 1945 بصيغ وآليات مختلفة، فمثلًا في ديسمبر 1945، قرر مجلس الجامعة جعل “المكاتب العربية” في واشنطن ولندن خاصة بفلسطين، وفي أبريل 1946 وافق مجلس الجامعة على إنشاء مكتب للجامعة العربية في القدس.

وفي سنة 1960 أنشئت اللجان العربية المشتركة في الدول الأجنبية ذات الحساسية الخاصة بالنسبة للمقاطعة، والتي تتألف من مندوب عن كل ممثلية عربية، وتم إيفاد موظفين من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية للعمل كضابط اتصال بين اللجان المذكورة والأمانة العامة.

وفي أبريل 1992 بدأت مرحلة أخرى في تاريخ بعثات الجامعة في الخارج حين فوَّض مجلس الجامعة للأمين العام اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة توزيع البعثات جغرافيًّا بما يتفق وأهمية العمل العربي المشترك في الساحات الدولية، بما في ذلك إنشاء بعثات جديدة في الساحات التي تقتضي حضورًا عربيًّا مكثفًا.

ومن الحين إلى الآخر، يعاد طرح موضوع فتح أو غلق بعض بعثات الجامعة العربية في الخارج خصوصًا خلال فترة الأمين العام السابق للجامعة الدكتور “نبيل العربي” (2011-2016) لاعتبارات سياسية أو لأسباب مالية، وبالنسبة لإسرائيل، سيُعدُّ غلق أية بعثة من بعثات الجامعة في الخارج حدثًا إيجابيًا بالنظر إلى الارتباط التاريخي لبعثات الجامعة في الخارج بالقضية الفلسطينية.

وتزايدت مهام بعثات الجامعة في الخارج خلال الثمانين سنة الماضية بحكم التوسع الطبيعي للعمل العربي المشترك، ففي البداية، كانت عبارة عن مكاتب إعلامية دعائية لمقاومة الحركة الصهيونية والتعريف بالقضية الفلسطينية، ونصرة حقوق الشعب الفلسطيني، ودعم الجهود الهادفة إلى استقلال الدول العربية التي كانت تحت الاحتلال الأجنبي، ثم تحولت إلى بعثات دبلوماسية متعددة المهام، مع إبقاء القضية الفلسطينية في أعلى سلم أولويات عمل بعثات الجامعة في الخارج.

ومع مرور السنوات، وتراكم الخبرات، وتطوير العلاقات مع الجهات المعنية- أسهمت أغلب بعثات الجامعة في الخارج في رفع مستوى التعاون بين جامعة الدول العربية والدول والتكتلات الإقليمية والدولية لتصل إلى مستوى عقد القمم العربية-الأجنبية في حالات عدة، ونجحت بعثات الجامعة في تعزيز صورة ومكانة جامعة الدول العربية على الساحة الدولية، وأصبحت الجامعة العربية تتعاون مع كل المنظمات الدولية في القارات الأربع على أعلى مستوى، وباتت تُدعى للمشاركة في اجتماعات ضمن تكتلات مهمة مثل مجموعة السبع ومجموعة العشرين.

ومنذ سنة 1945، برزت الإرادة السياسية العربية المشتركة في الانفتاح على القارات الأربع والتطلع إلى التأثير وحماية المصالح من خلال إنشاء عدد من بعثات الجامعة في الخارج، فمع إفريقيا، قرَّر مجلس الجامعة في نوفمبر 1957 دعم العلاقات العربية بالدول الإفريقية من خلال مجموعة إجراءات منها: إنشاء مكاتب للجامعة فيها.

وتعد بعثة الجامعة العربية في أديس أبابا الأولى من حيث الإنشاء في إفريقيا سنة 1965، وأسهمت في تحقيق إنجازات عدة آخرها الإسهام في التصدي لمحاولات إسرائيل الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي، وقبل ذلك نجحت إسهامات البعثة بالتعاون مع الجهود العربية في إفشال محاولات إسرائيل التغلغل في إفريقيا، وإفشال محاولة إسرائيل عقد قمة إفريقية إسرائيلية كان مُزمعًا عقدها في شهر أكتوبر 2017.

وتوسع التواجد العربي المشترك في إفريقيا مع صدور قرار فتح بعثتي الجامعة العربية في نيروبي وبريتوريا في سنة 2002، وهو في الحقيقة إعادة فتح أو رفع الجمود وليس فتحًا لأول مرة لأن افتتاح بعثة نيروبي مثلًا تم سنة 1972 وتم غلقها سنة 1991، بعدما أعادت كينيا علاقتها مع إسرائيل ثم عاودت البعثة العمل الفعلي سنة 2004، بعد التوقيع على اتفاقية المقر، ثم أُنشئت بعثتا الجامعة في الصومال وجوبا سنة 2005؛ ليعكس الإرادة العربية في مرافقة جهود دعم الصومال والسودان، وتبع قرار مجلس الجامعة سنة 1960 بشأن إنشاء ضباط اتصال في الحبشة (إثيوبيا حاليًّا) وفي غانا- قراراتٌ أخرى بإنشاء ضباط اتصال في داكار (السنغال) وفي عواصم إفريقية أخرى.

وفي القارتين الأمريكيتين، تعد بعثة الجامعة في نيويورك أول بعثة رسمية يصدر قرار إنشائها سنة 1954، ووافق مجلس الجامعة حينها على إنشاء مكاتب فرعية أربعة تابعة لبعثة نيويورك في شيكاغو وواشنطن والشاطئ الغربي وكندا، وفي سنة 1965 أصبحت بعثة الجامعة في واشنطن مستقلة عن بعثة نيويورك، وقبل إنشاء بعثتي الجامعة في نيويورك وواشنطن كان التنسيق بين الوفود العربية في الولايات المتحدة قائمًا، فمثلًا، في ديسمبر 1946 قرر مجلس الجامعة أن تجتمع الوفود العربية في نيويورك لتنسيق الوسائل اللازمة للاحتجاج على التدخل الأمريكي المستمر في مسألة الهجرة إلى فلسطين.

وفي سنة 2005- وبعد التطورات الحاصلة في موازين القوة- تقرر إعادة فتح بعثات للجامعة العربية في البرازيل والأرجنتين، نذكر أنه سنة 1993 قرر مجلس الجامعة على المستوى الوزاري تجميد عمل بعثة الجامعة في الأرجنتين، وإبقاء بعثة البرازيل مفتوحة.

وافتتح العدد الأكبر من البعثات في أوروبا بهدف استقطاب المزيد من الدعم الأوروبي للقضايا العربية، والنهوض بالتعاون العربي-الأوروبي، وتعد بعثتا الجامعة في باريس ولندن أولى البعثات التي اُتخذ القرار بإنشائهما سنة 1954، وبعدها بسنتين اتخذ القرار بإنشاء بعثتي الجامعة العربية في جنيف ومدريد تزامنًا مع اعتراف إسبانيا باستقلال المملكة المغربية، وفي سنة 1965، تقرر إنشاء بعثة الجامعة في روما، في حين جاء إنشاء بعثة الجامعة في فيينا سنة 1982 بعد عام واحد من قصف إسرائيل لمفاعل نووي عراقي قيد الإنشاء، كما تقرر إنشاء بعثة الجامعة في موسكو سنة 1989 أي خلال السنوات الأخيرة التي سبقت سقوط/تفكك الاتحاد السوفياتي، وصدر قرار إنشاء بعثة الجامعة بروكسل سنة 1995 بعد 3 سنوات من تأسيس الاتحاد الأوروبي، وتم إنشاء بعثة برلين سنة 2000 بعد تزايد التأثير السياسي والاقتصادي لألمانيا على الساحة الدولي، لكن كان ثمة نقطة اتصال للجامعة العربية في (بون) في ألمانيا الغربية منذ 1960، وتم إنشاء بعثة (أنقرة) ومكتب اتصال (مالطا) في أكتوبر 2009 مراعاة لتطور العلاقات مع تركيا وتعزيز الاتصال والتعاون العربي مع الاتحاد الأوروبي.

وفي آسيا تعد بعثة الجامعة في نيودلهي أول بعثة يصدر قرار إنشائها في آسيا سنة 1956، وفي سنة 1960 صنف قرار مجلس الجامعة رقم 1716- بورما وطوكيو والهند أماكنًا حساسةً في آسيا بالنسبة لمقاطعة إسرائيل، وشكَّل لجانًا مشتركة عربية وضابط اتصال من الأمانة العامة في تلك الدول، وقرر مجلس الجامعة فتح بعثة الجامعة في بكين في أبريل 1993، كما أنشئت بعثة للجامعة العربية في طوكيو وأغلقت لأسباب مالية.

ثانيًا: نماذج عن الإنجازات السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية لبعثات الجامعة العربية في الخارج.

حققت بعثات الجامعة العربية في الخارج إنجازات عدة خلال ثمانين سنة يصعب حصرها، ودافعت عن القضايا السياسية العربية العادلة والمصالح العربية المشتركة في دول الاعتماد ولدى المنظمات الدولية المعنية.

فبشأن القضية الفلسطينية، كانت بعثات الجامعة -ولا تزال- من أدوات العمل العربي المشترك التي أسهمت في إبقاء القضية الفلسطينية “حية” ومطروحة في المحافل الدولية، وحدَّت من نشاط إسرائيل على الساحة الدولية وأبطأت انفتاح الدول عليها، فمثلًا ساهمت بعثة الجامعة في نيويورك في صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 في نوفمبر 1975، والذي ينص على أن “الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وأسهمت بعثة الجامعة في باريس في الجهود التي أدت إلى منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في منظمة اليونسكو سنة 2011، فضلًا عن إنجازات عدة لبعثة باريس في حماية الآثار الفلسطينية مثل قرار اليونسكو في أكتوبر 2016 بأن المسجد الأقصى تراث إسلامي خالص.

ولا يزال ملف القضية الفلسطينية البند الأول في أجندة لقاءات وجدول أعمال الاجتماعات التي لها صلة ببعثات الجامعة العربية في الخارج، مثل اجتماعات مجلس السفراء العرب، وتحرص بعثات الجامعة بالتعاون والتنسيق مع سفارات دولة فلسطين ومجالس السفراء العرب وباقي أدوات العمل العربي المشترك في الخارج -على إحياء اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني سنويًّا، بتاريخ 29 نوفمبر من كل سنة بأنشطة عدة.

وبشأن دعم تحرير واستقلال الدول العربية خلال فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات- أسهمت بعثات الجامعة العربية في الخارج في تعريف عواصم العالم بالقضايا العربية العادلة مثل حق الدول العربية في شمال إفريقيا في الاستقلال عن المحتل الأجنبي، وحق بعض إمارات الخليج العربي التي كانت غير مستقلة في تقرير مصيرها، وأدت بعثة الجامعة العربية في نيويورك أدوارًا مهمة في تنسيق العمل العربي المشترك أمام الأجهزة الرئيسة لمنظمة الأمم المتحدة، ولا تزال بعثات الجامعة العربية في الخارج تبذل جهودًا في مسار إكمال تحرير الأراضي العربية التي لا تزال تحت الاحتلال الأجنبي؛ تنفيذًا لقرارات مجلس الجامعة (الأراضي الفلسطينية المحتلة، الجزر الإماراتية الثلاث، الجولان السوري المحتل ومزارع شبعا في لبنان…).

وخلال فترة الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، أسهمت بعثات الجامعة في عواصم العالم ولدى المنظمات الدولية في التصدي لمخططات التهجير الممنهج إلى الدول العربية، ومحاولات تغيير التركيبة السكانية لإمارات الخليج من خلال التصدي للهجرة الأجنبية إلى إمارات الخليج (الإيرانيين والهنود بتشجيع من بريطانيا) وكذلك الهجرة الإيطالية إلى ليبيا بعد الحرب العالمية الثانية.

 فنجحت جامعة الدول العربية بدعم دبلوماسي من بعثاتها الخارجية في تجنب تكرار سيناريو كارثة هجرة اليهود إلى فلسطين في دول عربية أخرى؛ لذلك أسهمت جهود بعثات الجامعة في دعم جهود الحفاظ على هوية واستقلال الدول العربية التي كانت تحت الاحتلال الأجنبي.

وأسهمت جهود بعثة الجامعة في نيويورك في حصول الجامعة العربية على صفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أسهمت في اعتماد جامعة الدول العربية منظمة إقليمية بمفهوم الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة مما وفَّر للمنظمة العربية الأم وضعًا قانونيًّا دوليًّا ملائمًا ومساحة تحرك واسعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة في مسائل حفظ السلم والأمن الدوليين بالتعاون مع مجلس الأمن الدولي.

وحققت بعثة الجامعة في فيينا بالتعاون مع مجلس السفراء وباقي الجهود عددًا من النجاحات في بدء مسار جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك تمرير القرار العربي بعنوان “القدرات النووية الإسرائيلية” في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سبمتبر2009، وفرض حصار سياسي على إسرائيل في هذه المسألة.

وأدت بعثات الجامعة العربية في الخارج -ولا تزال- أدوارًا مهمة في تنسيق الإعداد للاجتماعات والمؤتمرات ومنتديات التعاون والمجالس العربية-الأجنبية والحوارات الإستراتيجية بين الجامعة العربية والدول الأجنبية، وفي متابعة تنفيذ مخرجات تلك الآليات المختلفة للتعاون.

ولبعثات الجامعة في الخارج دور تنسيقي أساسي في الإعداد لاجتماعات مجلس السفراء العرب، ومتابعة تنفيذ قراراته؛ حيث يُعقد في مقر بعثات الجامعة اجتماعٌ دوريٌّ شهري عادي لمجلس السفراء العرب لاتخاذ القرارات بشأن العمل العربي المشترك في الدولة أو المنظمة المعنية، وأيضًا متابعة تنفيذ قرارات مجلس الجامعة، كما تعقد اجتماعات استثنائية أو طارئة للمجلس عند الضرورة.

وثمة نماذج عدة عن الإنجازات الاقتصادية لبعثات الجامعة العربية في الخارج؛ فبالتعاون والتنسيق مع مجالس السفراء العرب والإدارة المركزية للأمانة العامة لجامعة الدول العربية- أسهمت بعثات الجامعة العربية في الخارج في مأسسة ووضع آليات للتعاون الاقتصادي العربي المشترك مع أطراف دولية عدة منها: جهود إنشاء منتديات التعاون الاقتصادي العربي-الأجنبي، وإبرام مذكرات تفاهم مع دول عدة منها اليابان وتركيا والصين، ونجحت في تفعيلها من خلال التعاون مع مجالس السفراء العرب والإدارات المختصة في الأمانة العامة، فمثلًا أسهمت بعثة الجامعة العربية في بكين في تنشيط التعاون العربي-الصيني في المجال الاقتصادي بشكل ملموس، وأصبح المسؤولون من الطرفين يصرحون بأنه فقط “عنان السماء” هو حدود مجال التعاون الاقتصادي العربي-الصيني.

وأسهمت جهود بعثات الجامعة في الخارج في إنشاء غرف التجارة والصناعة العربية-الأجنبية، وعملت على تنشيطها وتنسيق تعاونها مع مجالس السفراء العرب واتحاد الغرف العربية والإدارة المعنية في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وعملت على إقامة معارض اقتصادية عربية مشتركة بالتعاون مع غرف التجارة والصناعة العربية-الأجنبية في عدد من العواصم العالمية للتعريف بالمنتجات العربية وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فمثلًا أسهمت جهود بعثة روما بالتنسيق مع الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة للبلاد العربية ومجلس السفراء- في الاعتراف الرسمي بالغرفة العربية الإيطالية المشتركة في يناير 2018، كما نسَّقت بعثات الجامعة في بعض الحالات حتى في المشتريات المشتركة للدول العربية من بعض الدول للحصول على منتجات بأسعار منخفضة.

وأيضًا ثمة نماذج عدة حول إنجازات بعثات الجامعة في المجال الثقافي؛ فقد أسهمت الأنشطة الثقافية للبعثات في التصدي لمحاولات إلصاق تهمة الإرهاب والعنف على العرب والمسلمين عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وأسهمت في إنشاء آليات عدة منها جمعيات الصداقة العربية-الأجنبية وتفعيلها وتنسيق التعاون مع مجالس السفراء العرب في الخارج في هذا المجال، وأسهمت في إنشاء عدد من المراكز الثقافية العربية-الأجنبية، فضلًا عن دعم وتشجيع مدارس تعليم اللغة العربية لدى دول الاعتماد، وأنشطة أخرى عديدة مع اتحاد الجاليات العربية ومع جهات ثقافية في دول الاعتماد.

ومن النماذج نذكر مساهمة بعثة الجامعة العربية في برلين في إنجاح المشاركة العربية الأولى والتاريخية في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب سنة 2004، بوصفها ضيفَ شرف، فحينها سطعت الثقافة العربية مرة أخرى في قلب أوروبا، وترجم أكثر من 4000 كتاب عربي للغات عدة، وأقيمت الكثير من الفعاليات الثقافية العربية في إطار المعرض، وأسهمت يقظة بعثة الجامعة في برلين في تقويض محاولات اللوبي اليهودي في ألمانيا التشويش على المشاركة العربية المشتركة في معرض فرانكوفرت الدولي للكتاب.

وأسهمت بعثة الجامعة العربية في باريس في جهود إنشاء معهد العالم العربي في باريس، وأشرنا سابقًا إلى إسهامات بعثة الجامعة في باريس بالتعاون مع مجلس السفراء العرب هناك في حماية التراث الثقافي الفلسطيني في إطار اليونسكو، وتحرص بعثات الجامعة العربية في الخارج على إحياء اليوم العالمي للغة العربية من خلال أنشطة ثقافية عدة، وأسهمت بعثة مدريد في إنشاء البيت العربي في مدريد والمعهد الدولي لدراسات العالم العربي والإسلامي في قرطبة في يونيو 2006، وساهمت بعثة الجامعة في أديس أبابا في تأسيس المعهد الثقافي العربي-الإفريقي في مارس 1983، وتأسُّس البيت الثقافي العربي في الهند سنة 2014 برعاية بعثة الجامعة في الهند.

وتحرص بعثات الجامعة في الخارج على إحياء يوم المغترب العربي في شهر نوفمبر من كل سنة من خلال تنظيم فعاليات ثقافية تركز على حوار وتعايش الحضارات وتُعِّرف التراث الثقافي العربي المتنوع، كما تسلط الضوء على إبداعات الفنانين العرب الذين يسهمون بفاعلية في إثراء المشهد الثقافي العالمي، وفتح آفاق جديدة من التعاون والتفاعل بين مختلف الثقافات.

وتحتفل بعثات الجامعة في الخارج  بذكرى تأسيس جامعة الدول العربية بتاريخ 22 مارس من كل سنة، وأيضًا بيوم الموسيقى العربية بتاريخ 28 مارس بوصفه إرثًا فنيًّا يعزز الوحدة ويرسخ الهوية.

كما تعد بعثات الجامعة في الخارج بمثابة العمود الفقري للتحرك الإعلامي العربي المشترك بالخارج تنفيذًا لقرارات مجلس وزراء الإعلام العرب- وعمليًّا- تصرف ميزانية سنوية مستقلة لبعثات الجامعة في الخارج في هذا الصدد بعنوان “الخطة الإعلامية” والتي كانت تُسمى سابقًا “صندوق الدعوة العربية” الذي أنشئ في مؤتمر القمة العربي السادس الذي عقد في الجزائر سنة 1973 في أعقاب حرب أكتوبر، بهدف التأكيد على التضامن العربي وتوفير التمويل اللازم لأنشطة الإعلام العربي المشترك ودعم القضايا العربية العادلة على الساحة الدولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

خاتمة

كشفنا في هذا المقال عن المحطات الأساسية للمسار التاريخي الطويل لإنشاء بعثات الجامعة في الخارج، وعرضنا بعض النماذج فقط حول إنجازات بعثات الجامعة في الخارج في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي والإعلامي خلال ثمانية عقود لأن مجالات عملها أوسع وإنجازاتها أكبر.

وثمة تدابير من شأنها أن تسهم في تعزيز فعالية عمل بعثات الجامعة في الخارج وجعله أكثر تماسكًا وتنسيقًا وتكاملًا دون الحاجة إلى تغييرات عميقة ومكلفة وغير مضمونة النتائج خصوصًا أن الظرف السياسي غير ملائم.

ولعل أهمها الحاجة إلى ترقية الوضع القانوني لبعض بعثات الجامعة في الخارج؛ فرغم تحسن الوضع القانوني لعدد من البعثات تدريجًا من مكاتب إعلامية أو نقاط اتصال ذات وضع قانوني خاص إلى بعثات بوضع دبلوماسي كامل ومكانة متميزة- تبقى بعثات الجامعة الأخرى بحاجة إلى تعزيز أو تغيير وضعها القانوني فيما يخص علاقتها بدولة مقر البعثة.

وأخيرًا، يكتسي العنصر البشري أهمية خاصة في جهود بعثات الجامعة لتنشيط وتنسيق العمل العربي المشترك في الخارج- وعمليًّا وبحكم التجربة- تتأثر منظومة العمل العربي المشترك في الخارج بأكملها في بلد معين أو مع منظمة معينة إيجابًا أو سلبًا حسب قدرات ومهنية ومدى تحفز الموارد البشرية المتاحة في بعثات الجامعة في الخارج وعلى رأسهم رؤساء البعثات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى