2026العدد 205ملف دولى

قراءة روسيا والصين للإستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي

مقدمة:

في أواخر نوفمبر2025، نشر البيت الأبيض إستراتيجية الرئيس ترامب الجديدة للأمن القومي، والتي تهدف- من منظور السياسة الخارجية الأمريكية- إلى إعادة ترتيب سلم الأولويات على النحو الذي يضع أمن الحدود، وإعادة بناء الطبقة الوسطى، وتعزيز القاعدة الصناعية والتكنولوجية في صدارة الاهتمامات، بينما تعاد هيكلة الالتزامات الخارجية بما يخدم هذه الأهداف. ويتجلى هذا التوجه في إيلاء الولايات المتحدة أهمية خاصة لنصف الكرة الغربي باعتباره مجالها الحيوي، بهدف مواجهة النفوذ الصيني والروسي في هذه المنطقة، مع إظهار استعداد متزايد لتعزيز وجودها البحري والعسكري في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، مستندة في ذلك إلى مبررات تتعلق بمكافحة المخدرات والتصدي للجريمة العابرة للحدود.

أولًا: مقاربة الإستراتيجية الجديدة لعلاقات الولايات المتحدة لكل من (روسيا، والصين).

في معرِض الانتقادات التي وجهت إلى الإستراتيجية الجديدة، والتي اتسم بعضها بالحدة والغضب، خاصة من نخبة السياسة الخارجية التقليدية في واشنطن، بدا هناك توافقًا واسعًا حول ما اتسمت به من “تسامح” واضح مع أعداء الولايات المتحدة أكثر كثيرًا من حلفائها؛ فهي توبخ أوروبا بأسلوب فظ بشكل مثير للدهشة، مجادلة بأن بعض السياسات الداخلية للقارة تلحق الضرر بالديمقراطية وتهدد بـ “محو الحضارة”.

 وعلى النقيض من ذلك، لا تشير الإستراتيجية إلا إلى القليل جدًا من التهديدات التي تشكلها (روسيا، أو الصين، أو إيران، أو كوريا الشمالية). ويشار في هذا السياق إلى إستراتيجية إدارة ترامب الأولى عام 2017، التي أوضحت أن الصين وروسيا تتحديان القوة والنفوذ والمصالح الأمريكية. وفي تقدير بعض المحللين الأمريكيين، تبلغ الوثيقة أضعف حالاتها عند تناولها الحرب في أوكرانيا؛ ففي بعض فقراتها، تعرف الوثيقة “وقف الصراعات الإقليمية” بأنها مسؤولية الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، يجب على واشنطن منع أي خصم – أي روسيا والصين – من تحقيق موقع هيمنة إقليمية. وينبغي فهم الحرب في أوكرانيا على أنها شأن أوروبي، حتى تتمكن القارة من مراقبة منطقتها ومنع روسيا من ممارسة نفوذ هائل خارج حدودها.

ومع ذلك، وفي مواضع أخرى، تقر الإستراتيجية بـ “النفوذ الهائل للدول الأكبر والأغنى والأقوى”، واصفة هذا النفوذ بأنه “حقيقة خالدة في العلاقات الدولية”. وبمعنى آخر، تقر الإستراتيجية بحق بعض الدول أن تتفوق، وقد تكون روسيا واحدة من هذه الدول، وتعزز الإستراتيجية السعي لتحقيق “الاستقرار الإستراتيجي مع روسيا”، وتلقي باللوم على النخب الأوروبية لعرقلة السلام. وتفترض الوثيقة أن أوكرانيا ستنجو من الحرب، لكنها صمتت عن أمنها – باستثناء توقعها عدم انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (ناتو) – وعن اندماجها في أوروبا.

وتدعو الإستراتيجية الجديدة إلى استقرار العلاقات مع روسيا وتعلن أن واشنطن “تجد نفسها على خلاف مع المسؤولين الأوروبيين الذين لديهم توقعات غير واقعية بشأن الحرب” في أوكرانيا. ثم تقول إن “أغلبية أوروبية كبيرة تريد السلام، لكن هذه الرغبة لا تترجم إلى سياسة”.

وفيما يتعلق بمنطقة المحيطين (الهندي، والهادئ) ترسخ الإستراتيجية، حرية الملاحة والاستقرار الإقليمي كأولويات في هذه المنطقة، مما يضع الصين في موقع المنافس، مع التأكيد على أهمية تجنب الصراع المباشر مع قوة نووية عملاقة. وتنص الوثيقة على أن منطقة المحيطين (الهندي، والهادئ) “ستظل من بين ساحات المعارك الاقتصادية والجيوسياسية الرئيسة في القرن المقبل”. ذلك أن القوة الجيواقتصادية لمنطقة المحيطين (الهندي، والهادئ) تجعلها منصة زاخرة بالفرص اللامحدودة للولايات المتحدة، وهي قناعة راسخة لدى إدارتي (بايدن، وأوباما)، ويبدو أن إدارة ترامب تتفق معهما.

أما فيما يتعلق بتايوان، تشير التقديرات الأمريكية إلى أن الإستراتيجية الجديدة تؤكد بوضوح على إبقاء التزامها تجاه الجزيرة غامضًا، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة “لا تؤيد أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن في مضيق تايوان”، وتضيف التقديرات أنه قبل صدور الوثيقة، أبدى المحللون قلقهم من انسحاب واشنطن من الحوار الأمني الرباعي (The Quad) والذي يضم: الولايات المتحدة، والهند، واليابان، وأستراليا. ومع ذلك، تؤكد الوثيقة الجديدة التزام واشنطن بالرباعية وبمنطقة المحيطين (الهندي، والهادئ) الحرة والمفتوحة. وفي غضون ذلك، وبعد أيام قليلة من نشر الوثيقة، التقى وزير الحرب الأمريكي “بيت هيغسيث” بمسؤولين أمنيين في أستراليا والمملكة المتحدة؛ لتعزيز التزام الدول الثلاث باتفاقية AUKUS ، التي تخطط واشنطن من خلالها لتزويد أستراليا بالغواصات النووية.

ثانيًا: القراءة الروسية للإستراتيجية الجديدة.

في رد فعل رسمي أولي، رحبت موسكو- على لسان المتحدث باسم الكريملين “دمتري بيسكوف” في تصريحات لوكالة تاس الرسمية في 6 ديسمبر 2025 – بمضمون الإستراتيجية الجديدة، والتي تجنبت وصف روسيا بـ “التهديد المباشر” وحثت بدلًا من ذلك على التعاون مع موسكو في قضايا الاستقرار الإستراتيجي. وأضاف: “نعتبر ذلك خطوة إيجابية”، كما “نتوقع أن تصبح إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي المحدثة ضمانًا للعمل البناء لتسوية الأزمة الأوكرانية”، وتابع: “من المشجع أن تحتوي الإستراتيجية على صيغ تميل نحو الحوار والعلاقات الجيدة، وهذا ما يتحدث عنه الرئيس فلاديمير بوتين أيضًا”.

من حيث المضمون، أشار بعض خبراء السياسة الخارجية الروسية، ومنهم قريبون من الكريملين، مثل: فيودور لوكيانوف رئيس تحرير مجلة “روسيا في الشؤون الدولية” بجامعة موسكو، في مقال له في 16 ديسمبر 2025، إلى أنه سيكون من الخطأ النظر إلى الإستراتيجية الجديدة على أنها “قطيعة حادة مع الوثائق السابقة” أو “منشور سياسي من دائرة ترامب، مصيره الزوال بمجرد مغادرته منصبه” ويضيف لوكيانوف أن ثمة سببين يدعوان إلى أخذ الأمر على محمل الجد:

الأول: أن الولايات المتحدة قوة أيديولوجية بحكم تعريفها، فهي دولة تأسست أولًا على الشعارات والمبادئ. فكل سياسة أمريكية، مهما بدت براجماتية، مشبعة بالأيديولوجيا، حتى في ظل رئيس غير تقليدي. أما السبب الثاني: فهو أن هذه السياسة توجيهية وستبقى بعد رحيل ترامب، ذلك أنه بالرغم من أن الوثيقة الجديدة تقدم نقدًا قاسيًا للسياسة الخارجية التي انتهجتها الإدارات الأمريكية منذ الحرب الباردة، فضلًا عن احتوائها على أفكار مبتكرة في كثير من النواحي، إلا أنها تحتوي أيضًا على عناصر الاستمرارية مع النهج السابقة.

في السياق عاليه، يشير الكتاب الروس إلى النقاط التالية بوجه خاص:

  1. أن ما يلفت الانتباه في الوثيقة الجديدة هو النبرة الحادة تجاه أوروبا الغربية؛ فالانتقادات الأشد لا توجه إلى روسيا أو الصين، بل إلى الاتحاد الأوروبي؛ إذ يمثل هذا الأخير، بالنسبة لواضعي الإستراتيجية الجديدة، انحرافًا عن النظام الليبرالي، وهيكلًا أضل الدول الأوروبية. وتحدد الولايات المتحدة الآن شركاءها الحقيقيين في وسط وشرق وجنوب أوروبا، متجاهلة بشكل واضح دول الغرب والشمال التي قادت عملية التكامل الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.

في السياق عاليه، تدعو الوثيقة أوروبا الغربية إلى حل مشاكلها الداخلية بدلًا من “الاعتماد على أمريكا”، كما تشجع المقاومة، داخل الاتحاد الأوروبي، لما تعتبره سياسات فاشلة للتكتل. ولا يعد ذلك انسحابًا، وإنما محاولة لإصلاح سياسي لنصف القارة يشمل التحول من القيم الليبرالية العالمية إلى القيم القومية أو “أوروبا المحافظة”، التي يمكن أن تكون حليفًا رئيسًا للولايات المتحدة لتحقيق أهدافها.

  • تقوم الإستراتيجية على رؤية العالم كمجموعة من مناطق النفوذ التي تسيطر عليها الدول الأقوى، ومن بينها (الولايات المتحدة، والصين). أي أن الوثيقة تقوم صراحة بإحياء مبدأ مونرو، الذي أعلنه الرئيس جيمس مونرو عام 1823، ومن شأن إحياء هذا المبدأ خلق أكثر من مشكلة معقدة للسياسة الخارجية الروسية.
  • أن العنصر الأكثر إثارة للدهشة في الإستراتيجية الجديدة هو كيفية التعامل مع روسيا. فعلى خلاف الإستراتيجيات السابقة، لا تقدم الوثيقة روسيا كتهديد أو قوة مارقة، أو منافس عالمي، بل تظهر كجزء لا يتجزأ من المشهد الأوروبي، أو مكون أساسي للتوازن القاري. ويتمثل هدف واشنطن هنا في هندسة تسوية أوروبية تشارك فيها روسيا، ولكن ليس كقوة عالمية متكافئة، وتقوم الإستراتيجية هنا على منطق بسيط هو أن الأوروبيين أنفسهم لا يستطيعون ضبط هذا التوازن، لذا يجب على الولايات المتحدة التدخل نيابة عنهم. من ناحية أخرى، ينبه المحللون الروس إلى أنه وفقًا للإستراتيجية الجديدة لا تسعى الولايات المتحدة بوضوح إلى المواجهة مع روسيا، بل وتعترف بدورها في تحقيق الاستقرار في أوراسيا. وخلافًا لقانون العقوبات الموقعة عليها عام 2017، الذي وصف روسيا إلى جانب (إيران، وكوريا الشمالية) بأنها خصم، فإن الإستراتيجية الجديدة لا تحتوي على أي شيء من هذا القبيل، ومع ذلك يشكك هؤلاء المحللون في إمكانية إلغاء أو حتى تعديل قانون العقوبات من قبل الكونجرس، وذلك بالرغم من أنه إذا ما تم تنفيذ الأفكار الواردة في الإستراتيجية – حتى ولو جزئيًّا – فإنها يمكن أن توفر أساسًا إيجابيًّا لتطبيع العلاقات الروسية الأمريكية، والانتقال بمرور الوقت إلى الشراكة في عدد من المجالات، خاصة وأنه لا ينبغي التقليل من حقيقة أن دونالد ترامب “يريد بإخلاص إنهاء الأعمال العدائية وحل الصراع في أوكرانيا”.

ويخلص هؤلاء إلى أن القول بأنه بالرغم من النبرة الجديدة المشجعة والأكثر هدوءًا وعملية، والتي “تكاد تكون موضوعية”، التي جاءت عليها الإستراتيجية الجديدة، إلا أنها منحت “مكانة غير مقبولة” لروسيا؛ فهي “مجرد شريك ثانوي في كيان أوروبي موحد يعاد بناؤه لا يليق بطموحات روسيا الإستراتيجية”. وتبدو الفرضية نفسها موضع شك؛ فالقارة الأوروبية تعاني من انقسامات عميقة، ومصالحها متباينة، واعتمادها على القوى الخارجية راسخ، فالإستراتيجية تتصور أوروبا مُعاد تنظيمها وفقًا للتفضيلات الأمريكية، ومندمجة في إطار أطلسي يخدم في النهاية أهداف واشنطن.

ويخلص هؤلاء إلى التأكيد على أن مسار روسيا تحدد بالفعل وأن أهدافها الإستراتيجية الطويلة الأمد – وهي السيادة والنظام متعدد الأقطاب وحرية المناورة خارج المسرح الأوروبي – لا تتناسب تمامًا مع التوازن القاري الذي صممته الولايات المتحدة.

ثالثًا: القراءة الصينية للوثيقة. 

يمكن القول بأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة – من “التوجه نحو آسيا” لأوباما، إلى “المنافسة الإستراتيجية ” لترامب، وعودة بايدن إلى “تخفيف الأخطار وليس فك الارتباط” – اتفقت على إجماع أساسي مفاده أن الصين لم تعد شريكًا في العولمة، بل منافسًا منهجيًّا.

ومن منظور كتاب أمريكيين كثر، جاءت الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومي، بتبنيها مبدأ مونرو واعتبار نصف الكرة الغربي “مجال نفوذ حصري” لها، لتحذر الصين من بناء نفوذ اقتصادي أو أمني في تلك المنطقة، وتربط ذلك مباشرة بمخاطر الأمن الداخلي الأمريكي، سواء عبر شبكات المخدرات أو الهجرة أو الاستثمارات التي قد تمنح بكين موطئ قدم دائمة في المنطقة.

وهكذا ووفقًا لتحليلات أمريكية، أعادت الإستراتيجية الأمريكية الجديدة صياغة المقاربة تجاه الصين، فلم تعد العلاقة تقدم بوصفها صراعًا أيديولوجيًّا بين “الديمقراطية والاستبداد”، كما ورد في إستراتيجية بايدن عام 2022، بل كتنافس طويل الأمد يتمحور حول عناصر (الاقتصاد، والصناعة، والتكنولوجيا). وتنطلق الوثيقة من اعتبار التحدي الصيني نتاجًا لاختلال في ميزان القوة الاقتصادية، بفعل التقدم المتسارع لبكين في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات وسيطرتها المتنامية على سلاسل التوريد والمعادن النادرة والمواد الخام.

وفي هذا الإطار، تتحدث الإستراتيجية عن سعي الولايات المتحدة إلى إعادة هيكلة علاقاتها الاقتصادية بما يقلص اعتمادها الصناعي على الصين من خلال تشجيع إعادة توطين الإنتاج داخل الأراضي الأمريكية أو نقله إلى دول “قريبة وصديقة”.

وقد عبر عدد من الكتاب الأمريكيين، مثل: “سكوت كينيدي” (دورية الشؤون الخارجية – 26 نوفمبر 2025) ، عن الدهشة من أن إدارة ترامب الثانية أعطت الأولوية لنصف الكرة الغربي على حساب منطقة المحيطين (الهندي، والهادئ)، وأنه وإن كانت الإدارة لم تتجاهل هذه المنطقة، إلا أنها فاجأت الكثيرين، وربما بكين أكثر من أي شيء آخر، بمدى عدم استثنائية الصين في رؤية ترامب لولايته الثانية.

 والواقع، أن رد الفعل الأولي الصيني على إعلان الإستراتيجية الأمريكية الجديدة جاء أيضًا متفائلًا بدرجة ما وحذرًا؛ حيث صيغ في عبارات عامة، فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أن “الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون المربح للجانبين هو الطريق الصحيح والوحيد للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة”. وشدد المتحدث عن أن المواجهة تضر بكلا البلدين، مؤكدًا استعداد الصين للرد بحزم على أي إشارة تتعلق بتايوان “التي تقع في صميم المصالح الأساسية للصين، وهي الخط الأحمر الأول الذي لا يجب تجاوزه في العلاقات الصينية – الأمريكية”.

وتجدر الإشارة إلى أنه ردًا على إعلان البنتاجون عن إستراتيجية جديدة للدفاع الوطني – صدرت بعد نحو شهر من صدور إستراتيجية الأمن القومي – رحبت الصين بإشارة الوثيقة إلى سعي واشنطن لـ “تحقيق سلام مستقر وتجارة عادلة وعلاقات قائمة على الاحترام مع الصين”، معتبرة ذلك تحولًا إيجابيًّا عن لهجة المواجهة في عهد بايدن. ومع ذلك، حذرت الصين من أن التركيز الأمريكي على الردع في منطقة المحيطين (الهندي، والهادئ) قد يؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه، ودعت إلى تعزيز قنوات الاتصال العسكري لتجنب سوء الفهم.

 وبعيدًا عن رد الفعل الرسمي، أشار “Wu Xinbo” عميد معهد الدراسات الدولية بجامعة فودان الأمريكية (دورية الشؤون الخارجية – 31 ديسمبر 2025) إلى أن تزامن تنامي قوة الصين ورغبتها في لعب دور أكبر على الساحة الدولية، مع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بالحفاظ على هيمنتها العالمية – على نحو ما كشفت عنه إستراتيجيتها للأمن القومي – يجعل من عقد صفقة كبرى بينهما ليس ممكنًا فحسب، بل وضروريًّا. فإذا أرادت الولايات المتحدة التخفيف من أعبائها دون زعزعة استقرار النظام الدولي، فعليها أن تتقبل فكرة تحمل الصين المزيد من المسؤولية، وبإمكان الصين أن تتبوأ مكانة أكثر بروزًا في الحوكمة الاقتصادية العالمية، وأن تؤدي دورًا أكبر في أمن منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

ويضيف الكاتب أن إدارة ترامب الثانية تتمتع بموقع فريد يؤهلها لاتخاذ منعطف حاسم ثالث، يتمثل في بناء علاقة مستقرة مع الصين، وهي علاقة يحتاجها البلدان بشدة في هذه “المرحلة. ويقدر الكاتب أنه على خلاف “الدمار الذي ألحقته إدارة ترامب الأولى بالعلاقات الأمريكية الصينية، على عكس الرئيس بايدن، الذي صوَّر الصراع مع الصين على أنه صراع بين الديمقراطية والاستبداد، لا ينظر ترامب إلى الصين من منظور أيديولوجي، بل أنه يشيد بشي باستمرار باعتباره زعيمًا سياسيًّا قويًّا. ويسعى ترامب، على نطاق واسع، إلى نظام عالمي تحترم فيه الدول الكبرى – أي الصين وروسيا والولايات المتحدة – المصالح الوطنية لبعضها البعض، وتسعى إلى تجنب الصراع، وهو ما يعكس موقف الصين أيضًا”.

 ويخلص الكاتب إلى القول بأن القادة في بكين وواشنطن “يتفقان على أن تحالف القُوى – بمعنى التنسيق الفعال بين الصين والولايات المتحدة – وليس مجرد توازن القوى بين البلدين، أمر ضروري في عالم اليوم”.

 والواقع، أن نتائج أعمال القمة الأولى بين ترامب ونظيره الصيني في كوريا الجنوبية في 29 أكتوبر 2025، والتي عقدت على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ_ عززت من رؤية تحليلية أمريكية تؤكد على أن ترامب يتعامل مع الصين من خلال عدسة ضيقة للاتفاقيات التجارية بدلًا من إستراتيجية تنافسية شاملة تجمع بين عناصر القوة الوطنية. ويشير المحللون في هذا السياق إلى أنه في الوقت الحالي، تبدو الصين راضية عن انخراط ترامب في نصف الكرة الغربي، حتى تتمكن من متابعة أجندتها في آسيا باعتبارها المنطقة ذات الأهمية الاقتصادية الكبرى في المستقبل.

وتشير أغلب التقديرات بشأن القمة إلى أنه بالرغم من توصل الزعيمين إلى توافقات بخصوص التعريفات الجمركية وتبادل السلع وتأجيل الصين قيودها على صادراتها من المعادن النادرة لمدة عام واحد، إلا أن القمة لم تسفر سوى عن “هدنة تكتيكية” وأن النزاعات الإستراتيجية العميقة بين البلدين ظلت كما هي دون حل، بما في ذلك: سياسة الصين في بحر الصين الجنوبي، وقضية تايوان، والسياسة الصناعية للصين، ومسألة تصدير شرائح الذكاء الاصطناعي المتطورة، التي تنتجها شركة “إنفيديا” الأمريكية.

وفضلًا عن ذلك، ورغم ما يبدو من تحول في الإستراتيجية الأمريكية الجديدة من احتواء الصين إلى التراجع نحو نصف الكرة الغربي، إلا أنه من المؤكد أن التدخل الأمريكي في فنزويلا وإرهاصات حرب جديدة تلوح في الأفق ضد إيران، وكلاهما يشغل موقعًا خاصًا وسط معادلة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، يشكل مصدر قلق للقيادة الصينية، التي ترى أن تنافسها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة سيكون حادًا وطويل الأمد؛ لذا ففي الوقت الذي يواجه فيه البيت الأبيض ضغوطًا متزايدة لإعادة تركيز الاهتمام الدبلوماسي والإستراتيجي نحو منطقة آسيا، تعمل الصين على تسريع تواصلها عبر مناطق متعددة لتنويع شراكاتها الإستراتيجية، مستفيدة كثيرًا من سياسة ترامب تجاه بعض الحلفاء والخصوم. وفي هذا السياق، ضمن شي تنازلات من إدارة ترامب بشأن قضايا خلافية للغاية تشمل تايوان وضوابط التصدير الأمريكية. ووفقًا لتقديرات أمريكية عديدة، تبدو الصين اليوم في وضع دبلوماسي وإستراتيجي وتكنولوجي أفضل مما كانت عليه قبل عام؛ فقد أسهمت “التنازلات التكتيكية” التي قدمتها بكين لواشنطن في إعادة العلاقات الثنائية إلى مستوى يقارب ما كانت عليه قبل “يوم التحرير”، عندما أعلن ترامب فرض الرسوم الجمركية في 2 أبريل 2025، وهو وضع يمكن للصين التكيف معه، وإن لم يكن مريحًا بالكامل.

استخلاصات:

رغم التباينات في مقاربة ومصالح كلٍّ منهما ارتباطًا بالعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن موسكو وبكين أظهرتا قواسم مشتركة في هذا الشأن، أبرزها: تعزيز التنسيق الثنائي بما يدعم شراكتهما الإستراتيجية الشاملة كوسيلة لموازنة النفوذ الأمريكي، بما في ذلك التعاون العسكري والتقني، كذلك رحب البلدان بإشارة الإستراتيجية الأمريكية إلى القبول بعالم متعدد الأقطاب، مع التأكيد على أن ذلك يجب أن يقوم على احترام سيادة الدول وعدم فرض هيمنة أحادية.

ولعل النقطة الأكثر إثارة للاهتمام هنا هي إعراب كلا البلدين عن تحفظهما إزاء احتمال تغير السياسات الأمريكية مع تغير الإدارات والتحذير من التقلبات السياسية، مما يستدعي بناء علاقات دولية أكثر استقرارًا وقائمة على المؤسسات لا الأشخاص.

بالرغم من اعتراف موسكو بما أسمته العناصر الإيجابية العديدة التي تضمنتها الإستراتيجية، بما في ذلك عدم النظر إلى روسيا كتهديد أو قوة مارقة والاعتراف بدورها في تحقيق الاستقرار في أوراسيا وعدم الاستعداد للدخول في مواجهة معها، وهي عناصر ترى روسيا أنها توفر أساسًا إيجابيًّا لتطبيع العلاقات الروسية الأمريكية، والانتقال بمرور الوقت إلى شراكة في عدد من المجالات_ إلا أن الوثيقة، من المنظور الروسي،  تضع موسكو في مكانة غير مقبولة كجزء من المشهد الأوروبي ومجرد شريك ثانوي في كيان أوربي يعاد بناؤه، وهو ما لا يتفق وطموحات روسيا الإستراتيجية بوصفه لاعبًا عالميًّا يضع مبادئ السيادة والنظام الدولي متعدد الأقطاب وحرية المناورة خارج المسرح الأوربي على قائمة أهدافه الإستراتيجية طويلة الأمد. وحتى لو أمكن للولايات المتحدة إعادة بناء بيت أوربي موحد، وهو ما تشك فيه موسكو كثيرًا، فإن روسيا لن تقبل بعقيدة أمريكية جديدة تضع روسيا حبيسة نظام يتمحور حول الغرب، ويعتبر الروس أن هذه الرؤية باتت من الماضي، وأنها عازمة على المضي قدمًا في مسارها وفهمها الخاص لدورها المستقبلي في السياسة العالمية.

فيما يتعلق بالصين: تشير ردود الفعل الرسمية على إستراتيجية ترامب الجديدة، وكذلك كتابات الإستراتيجيين الصينيين إلى اقتناع القيادة الصينية بأنه بغض النظر عن الانتماء الحزبي لساكن البيت الأبيض، فإن السياسة الأمريكية تجاه الصين سوف تظل على حالها؛ حيث ستواصل واشنطن إيلاء الأولوية للمنافسة الإستراتيجية، مع الاقتراب من سياسة الاحتواء في تعاملها مع بكين، على حساب تراجع التعاون والتبادلات الثنائية إلى مرتبة ثانوية.

وتري وجهة النظر المهيمنة في الصين أن تنافسها الإستراتيجي مع الولايات سيكون حادًا وطويل الأمد، وأن الولايات المتحدة كأقوى دولة في العالم ستقاتل مستخدمة مواردها للحفاظ على مكانتها وامتيازاتها، وحلفائها وشركائها إن أمكن؛ لمنع الصين من المزيد من الصعود. في الوقت ذاته، تواصل الصين إيلاء اهتمامها للوضع الداخلي والحفاظ على الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي تحت مظلة الحزب الشيوعي، والعمل على تعميق تعاونها وشراكاتها الإستراتيجية مع أغلبية دول الجنوب العالمي، لاسيما دول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان). وتشير تقديرات أمريكية إلى أن الصين لن تستسلم للتهديدات الأمريكية، بعد أن أمضت معظم العام الماضي في الرد على سياسات ترامب، ثم انتقلت إلى الهجوم وفرضت نظامًا موسعًا لضوابط التصدير على سلاسل التوريد والعناصر الأرضية النادرة قبل أسابيع فقط من قمة ترامب وشي.

اظهر المزيد

د.عزت سعد

سفير مصر السابق في موسكو ومدير المجلس المصري للشئون الخارجية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى