2025العدد 204ملف عربي

خُطط إسرائيل تجاه سوريا ما بعد الأسد

مقدمة:

شكَّل سقوط نظام الأسد في سوريا يوم 8 ديسمبر 2024، نقطة تحول بالنسبة لسوريا ومحيطها الإقليمي؛ وذلك لأسباب تتعلق بالأساس بمجريات الحرب التي دارت في البلاد منذ عام 2011، وما انخرط فيها من تدخلات عسكرية أجنبية، خاصةً من جانب إيران والميلشيا التابعة لها، والتي سعت- بخلاف قتال المعارضة- إلى استغلال الوضع القائم عندئذ لإمداد حزب الله في لبنان بالسلاح واستهداف الأراضي الإسرائيلية في الإطار الأوسع لـما يطلق عليه “محور المقاومة”. وبالتالي، فإن سقوط النظام وخروج إيران والميلشيا التابعة لها من سوريا كان يتوقع أن تنتفي معهما الذرائع الإسرائيلية لشن الهجمات على الأراضي السورية، تلك الهجمات التي استمرت سنوات الحرب، وزادت وتيرتها منذ عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023، وما تلاها من توسع الحرب إقليميًّا. غير أن ما حدث كان العكس؛ شنت إسرائيل سلسلة هجمات جوية وبحرية مكثفة استهدفت قواعد الجيش السوري السابق ومستودعات سلاحه، بل واخترقت خطوط فض الاشتباك لعام 1974، واحتلت أراض سورية جديدة في الجولان في المنطقة العازلة منزوعة السلاح، وأهمها: موقع جبل الشيخ، ولا تزال تواصل توغلاتها في الأراضي السورية حتى كتابة هذه السطور.

يحدث هذا كله بالرغم من ثلاثة أمور: أولها، تأكيد القيادة السورية الجديدة غير ذات مرة على أنها لم تستفز إسرائيل منذ دخول دمشق ولا تعتزم الصراع مع إٍسرائيل. والثاني، التطور الإيجابي سريعًا للعلاقات بين القيادة السورية الجديدة وإدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الحليف الأكبر لإسرائيل، والتي تمثلت في اللقاء الذي جمع بينه وبين الرئيس “أحمد الشرع” في الرياض في مايو 2025، ثم استقبال ترامب للرئيس “الشرع” في البيت الأبيض – في أول زيارة لرئيس سوري على الإطلاق – في نوفمبر 2025، وما صاحب ذلك من رفع للعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا. والثالث، هو التواصل المباشر بين الطرفين، مثل: المحادثات التي جرت بين وزير الخارجية “أسعد الشيباني” ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي “رون ديرمر”، في باريس في أغسطس 2025.

يستعرض هذا المقال الخطط الإسرائيلية تجاه سوريا ما بعد الأسد، وذلك بشكل مختصر عبر تناول الأهداف الإسرائيلية تجاه سوريا، ثم شرح المنطلقات التي تستند إليها هذه الأهداف، بما يُمكِّن من استيضاح هذا التناقض الظاهر أعلاه من جانب، ومن جانب آخر وضع هذه الأهداف والمنطلقات ضمن إطارها الأوسع، ألا وهو منظور الدولة العبرية لما تطلق عليه “تغيير خريطة الشرق الأوسط” لما بعد الحرب الإقليمية (2023-2025).

أولًا: الأهداف الإسرائيلية.

بمراجعة التصريحات العلنية للمسؤولين الإسرائيليين خلال العام المنصرم، حددت إسرائيل لنفسها ثلاثة أهداف عامة (بخلاف الاحتفاظ بهضبة الجولان المحتلة):

  1. تحويل جنوب سوريا إلى منطقة منزوعة السلاح: بمعنى رفض تمركز قوات الجيش السوري أو أي جماعات مسلحة أخرى في المحافظات الجنوبية حتى يتم التوصل إلى ترتيبات موثوقة وقابلة للتنفيذ، وحدَّد رئيس الوزراء “نتنياهو” نطاق منطقة الحظر التي تسعى إليها إٍسرائيل صراحةً في ربيع 2025، بالتأكيد على عدم السماح بوجود قوات سورية جنوب دمشق،([1]) فيما أشار وزير الدفاع “إسرائيل كاتس” إلى اعتزام إسرائيل التواجد العسكري على تخوم الحدود لـ “فترة غير محدودة”،([2]) بمعنى البقاء هناك لحين نزع السلاح. اتصالًا بذلك، نشر معهد دراسات الحرب خريطةً تظهر الترتيبات الأمنية المقترحة من جانب إسرائيل فيما يخص جنوب سوريا، بحيث يتم تقسيمها إلى ثلاث مناطق منزوعة السلاح، تضم (الجولان، ودرعا، والسويداء)، بما يشمل توسيع المنطقة العازلة المتواجدة فيها قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك UNDOF بمقدار 2 كيلومتر تليها المنطقة الثانية داخل سوريا، لا يسمح سوى بتواجد الشرطة السورية بها، ثم المنطقة الثالثة كمنطقة حظر طيران، وإن لم تحدد ما إذا كان يمكن تواجد قوات بها من عدمه.([3])
  2. منع إيران وحلفائها من إعادة التمركز في سوريا أو الإمداد عبرها: بمعنى تثبيت الإنجاز المتحقق من إخراج إيران وميلشياتها من سوريا بعد سقوط نظام الأسد، وأشار رئيس الأركان الإسرائيلي “إيال زامير” لذلك بالتأكيد على عدم السماح لسوريا أو حزب الله من بناء قدرات إستراتيجية من خلال احتفاظ إسرائيل بحرية الحركة.)[4]( وتأتي في هذا الإطار سلسلة العمليات المتواصلة التي شنتها إسرائيل على ما زعمت أنه خلايا لحزب الله أو عمليات تهريب سلاح إلى لبنان عبر سوريا تقوم بها قوات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني. وذلك بعد ما استهدفت إسرائيل مواقع ومستودعات الجيش السوري السابق التي كان يمكن استغلالها من جانب الحرس الثوري لإعادة بناء “الجسر البري” إلى حزب الله أو العودة لاستغلال الأراضي السورية ذاتها لاستهداف إٍسرائيل، خاصةً مع تطور قدرات المسيرات. أوجز تقرير لمجموعة الأزمات الدولية هذا الهدف بالقول أن “مصلحة إسرائيل الأساسية في سوريا هي منع الوجود العسكري الإيراني الإستراتيجي في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك بناء البنية التحتية العسكرية”.)[5]( 
  3. دعم الأقليات جنوب سوريا: يتذرع المسؤولون الإسرائيليون صراحةً بحماية الدروز وغيرهم من المدنيين كجزء من استمرار الوجود العسكري ونزع السلاح من الجنوب، لا سيما في ظل اضطرابات السويداء في منتصف عام 2025، والتي شهدت للأسف دعوات من البعض، مثل: الشيخ “حكمت الهجري” وما يُسمى “المجلس العسكري”؛ للاستنجاد بإسرائيل للتدخل والحماية. صرح نتنياهو بأن أحد أهداف سياسة إسرائيل تجاه سوريا هي “حماية الدروز إخوة إخوتنا” – في إشارة إلى الطائفة الدرزية في إسرائيل، التي دعا زعيمها الشيخ “موفق طريف” الحكومة الإسرائيلية للتدخل.)[6]( بخلاف شن الهجمات الجوية، سمحت الحكومة الإسرائيلية لعدد من دروز إسرائيل بالنفاذ إلى الأراضي السورية للانضمام للقتال الدائر عندئذٍ. وكان نتنياهو قد صرح قبل ذلك في بيان مشترك مع وزير دفاعه “كاتس” أن إسرائيل ملتزمة بحماية الطائفة الدرزية في جنوب سوريا، التي يشارك إخوتهم من دروز الداخل في الجيش الإسرائيلي، ولذلك تطالب أيضًا بجعل جنوب سوريا المحاذية للحدود مع إسرائيل منطقة منزوعة السلاح.)[7](

تستكمل هذه الأهداف بعضها البعض، بغرض الحيلولة دون نشوء أي تهديد محتمل من الأراضي السورية سواءٌ من جانب إيران وحلفائها، كمركز للعمليات أو كمعبر للبنان، من خلال الضغط العسكري الإسرائيلي المستمر، أو من جانب أي جهة محلية قد تسعى لتشكيل هذا التهديد في المستقبل من خلال إقامة “حزام أمني” قبالة هضبة الجولان المحتلة بمنطقة منزوعة السلاح، بحيث يكون هذا الحزام مدعومًا من أطراف في جنوب سوريا، مدينة لإسرائيل بالدفاع عنها وحمايتها.

ثانيًا: المنطلقات الإسرائيلية.

يمكن استنباط هذه المنطلقات من مقالين لكُتَّاب إسرائيليين: أولهما، للواء احتياط “جرشون هاكوهين” (القائد الأسبق للفيلق الشمالي بالجيش، وحاليًّا باحث بمركز بيجن-السادات للدراسات الإستراتيجية بجامعة بار-إيلان)،)[8]( والثاني: لمائير بن شابات (مستشار الأمن القومي سابقًا، وحاليًّا رئيس مركز مسجاف للأمن القومي والإستراتيجية الصهيونية)، وأشر فريدمان (المدير السابق للعلاقات الدولية بوزارة الشؤون الإستراتيجية، وحاليًّا المدير التنفيذي لمركز مسجاف).)[9]( يرجع اختيار هذين المقالين إلى كونهما يلخصان، مع التفصيل اللازم، وجهة النظر الإسرائيلية للشرق الأوسط فيما بعد الحرب الإقليمية (2023-2025)، وأسلوب العمل الذي تعتمده إسرائيل بناءً على الدروس المستفادة من التغيرات التي أسفرت عنها بدايات هذه الحرب وتفاعلاتها.

يركز المقال الأول على سياسة إسرائيل تجاه سوريا، ويركز على واقعة انهيار قوات الجيش السوري السابق وما استتبعه من سقوط نظام الأسد في سوريا خلال أسابيع قليلة في أعقاب الهجوم الكاسح الذي شنته المعارضة، والدرس المستفاد منها – من وجهة نظر الكاتب – تتمثل في أمرين: أولهما، إدراك محدودية إمكانية التنبؤ بما هو قادم حتى من جانب أفضل أجهزة الاستخبارات وأكثرها احترافية؛ إذ إن أحدًا لم يتوقع سقوط النظام بهذه السهولة والسرعة. أما الأمر الثاني: فهو أن الشرق الأوسط يعمل مثل “منظومة بيئية ecosystem”، أي أن أي تغير في أحد مكونات المنظومة يؤثر بالضرورة على المكونات الأخرى، كما أن استقرار المنظومة يعتمد على توازن شامل لمكوناته، وهو لذلك مؤقت بطبيعته ومُعرض للتقلب، وبالتالي فإن خروج إيران وحلفائها من سوريا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل يمكن أن تأمن لهذه الجبهة؛ إذ يمكن أن تحل محل إيران وحلفائها جهة أخرى معادية، مشيرًا في هذا الصدد إلى نفوذ تركيا التي لديها طموحات لاستعادة الإمبراطورية العثمانية في المنطقة.

بِناءً على ما تقدم، يبرر هاكوهين أولًا ما قامت به إسرائيل من هجمات على مواقع ومستودعات الجيش السوري السابق، بحكم أن ذلك كان التصرف الأحوط؛ لأن أحدًا لا يمكنه توقع اليد التي سوف تتحكم في هذه الأسلحة، وبالتالي قد يمكن استخدامها ضد إٍسرائيل في المستقبل. وثانيًا: ما قامت به إسرائيل لاحقًا من استهداف متكرر لسوريا، سواءٌ ضد ما تزعم أنه محاولات لتهريب السلاح إلى حزب الله أو ضد مواقع المؤسسات السورية ذاتها، بحكم أن ذلك يمثل “إظهارًا للقوة power projection” ضروريًّا، بحكم أن اكتفاء إسرائيل بالترقب والدفاع عن نفسها من داخل حدودها لن يتيح لها النفوذ اللازم للتأثير على مجريات الأحداث هناك، وبالتالي التفاوض من موقع القوة على المصالح الإسرائيلية في المنظومة الجديدة التي تنشأ داخل سوريا ولبنان. يدلل هاكوهين على ما ذكره بأن ما تقوم به إسرائيل في سوريا ليس بغريب عليها “بل يمثل عودةً لسياساتها في العمليات خارج حدودها ضد الفدائيين وداعميهم في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين” ولا بغريب على الأوضاع الحالية في منطقة الشرق الأوسط “بل يتماثل مع ما تقوم به تركيا من شن عمليات ونشر قوات أحيانًا وقواعد عسكرية أحيانًا أخرى خارج حدودها لحماية مصالحها”.

وفقًا للكاتب، فالقصد هنا أن الموقف الإستراتيجي لبلد ما لا يتوقف على ما تفعله داخليًّا فحسب، وإنما أيضًا على التحالفات التي تعقدها مع كيانات في محيطها الإقليمي وقدرتها على الانخراط في مناطق النفوذ لتهيئة الظروف الملائمة لمصالحها، والمثال جنوب سوريا، سواءٌ ديمغرافيًّا بالتحالف مع الأقليات، أو جغرافيًّا بالسيطرة المباشرة وتحديدًا منطقة جبل الشيخ، تلك التي تتيح السيطرة على قممه عدة مميزات أهمها: انكشاف المنطقة المُطلة عليها في سوريا ولبنان، وبالتالي إمكانية التدخل داخل الأراضي السورية ولبنان في آنٍ تحقيقًا للأهداف الثلاثة المشار إليها أعلاه، حتى وإن كانت إسرائيل لا تعتزم التدخل في المسار السياسي الداخلي في سوريا.

يستعرض المقال الثاني ما يسميه إستراتيجية إسرائيل في الشرق الأوسط، ويركز على وقع عملية “طوفان الأقصى” على إسرائيل، ذلك أنها أظهرت – من وجهة نظر الكاتبين – أن إسرائيل لا تزال في حرب على وجودها ذاته، وأن الإستراتيجية التي اتبعتها إسرائيل أثبتت فشلًا ذريعًا مزدوجًا صبيحة يوم السابع من أكتوبر 2023، فشل الاكتفاء بإضعاف الخصوم دون الإجهاز عليهم، وفشل القبول بـما أطلقا عليه “تعهدات دبلوماسية غير موثوقة” لضمان أمن إسرائيل. وبالتالي، فإن إسرائيل تعتمد إستراتيجية جديدة مَفادُها استخدام القوة العسكرية لمنع الخصوم من تطوير قدرات يمكنها تهديد إسرائيل. صحيح أن إسرائيل كانت تقوم بذلك قبل 7 أكتوبر، غير أن انهيار الردع في ذلك اليوم، يعني أنه لابد لها من القيام بذلك ليس عودًا على بدءٍ، من حين لآخر وبشكل سري وبهدف إضعاف هذه القدرات، وإنما دوريًّا وبشكل علني وبهدف القضاء على كامل قدرات الخصوم.

بناءً على ذلك، يبرز بن شابات وفريدمان، أن إٍسرائيل ترجمت هذه الإستراتيجية فيما قامت به خلال الحرب الإقليمية (2023-2025) من السعي للقضاء على حركة حماس بالكامل في غزة؛ تمهيدًا لنزع السلاح في القطاع، وشن الحرب على إيران عبر سلسلة اغتيالات للقيادات وهجمات على البرنامج النووي، والهجوم على قيادات حماس في الدوحة. ينطبق ذلك أيضًا على سوريا، من حيث: توسيع الاحتلال لما وراء حدود فض الاشتباك لعام 1974، وتثبيت الوجود العسكري هناك، والتدخل المباشر لدعم مجموعات من الطائفة الدرزية في سوريا ضد الفصائل التي قاتلتها هناك. وفقًا للكاتبين، فالقصد هنا أن إسرائيل، في الوقت الذي لا تمكنها قدراتها الاقتصادية من الهيمنة الإقليمية، إلا أن قدراتها العسكرية تؤهلها لضمان التأثير في الشرق الأوسط الجديد الجاري تشكله، بمعنى التمسك بالأراضي المحتلة بل وتعديل الحدود إذا ما ارتأت ذلك، وتشكيل تحالفات بناء على مصالح مشتركة والدفاع عن هؤلاء الحلفاء عند الضرورة، و”إظهار القوة” وشن هجمات استباقية نشطة ضد الخصوم، وذلك كله بما يتيح فرض السلام والتطبيع من منطلق القوة.

وجهة نظر المقالين، المُسطَّرين بأسلوب مباشر دون مواربة، واضحة، ويمكن إيجازها في مقولة “الأقوياء يفعلــون مــا يريــدون، والضعفــاء يعانــون مــا كُتــب عليهــم” من محاورة ميلوس الشهيرة خلال الحرب البيلوبونيزية (404 – 431 ق.م) بين أثينا وإسبرطة وحلفائهما.)[10]( ما يجعل هذا الاقتباس ذا صلة هو تصريحات نتنياهو، في سبتمبر 2025، تعليقًا على تصاعد محاولات عزل إسرائيل دبلوماسيًّا، من أنه يجب على إسرائيل أن تكون “إسبرطة فائقة Super Sparta” – المدينة الإغريقية التي اشتهرت بمجتمعها العسكري والاكتفاء الذاتي – وهو الأمر الذي استدعى السخرية منه، بحكم أن إسبرطة، برغم انتصارها في هذه الحرب، إلا أنه قُضي عليها لاحقًا بسبب التداعيات بعيدة المدى للحرب، بل وتجاوبت مؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي مع هذه التصريحات سلبًا التي تم تفسيرها على كونها تحذيرًا من عزلة دولية لإسرائيل.)[11]( وبغض النظر عما إذا كانت القيادات الإسرائيلية الحالية تفكر وفقًا لهذا التشبيه التاريخي أو غيره، اعتبر أحد المحللين أن نتنياهو يسعى لفرض تسوية في المنطقة أشبه بـ”السلام القرطاجي”، أي السلام الذي فرضته روما على قرطاج عام 146 ق.م، عبر تدمير قرطاج بالكامل على مدار عشرات السنين بما يجبرها على الاستسلام والقبول بشروط الإذعان،)[12]( فالمغزى هنا أن إسرائيل كما لو كانت تستعد لتفعيل آلتها العسكرية في المنطقة وقت وحيثما تشاء وفقًا لاعتبارات تحددها بذاتها دون رادع.

في الوقت نفسه، فيما يخص سوريا، تتبع محللون إسرائيليون آخرون وتيرة وكثافة الهجمات الإسرائيلية على سوريا، واستدلوا منها على أنه في أعقاب تصاعد مكثف للهجمات خلال أواخر عام 2024 والربع الأول من عام 2025، تراجعت وتيرة الهجمات خلال الفترة (أبريل – مايو 2025) إثر وساطة إقليمية بين إسرائيل وتركيا، ثم تبعتها فترة أقل حدة (مايو – يوليو 2025) في أعقاب لقاء الرئيسَين (ترامب، والشرع) في الرياض قبل أن تتطور أحداث السويداء بالتدخل الإسرائيلي، واستخلصوا من ذلك التأثير الذي يمكن أن تمارسه القوى الإقليمية والدولية على توجهات إسرائيل. يضاف إلى ذلك ما تنطوي عليه السياسة الإسرائيلية في سوريا من مخاطر، سواءٌ فيما يخص الدعم للمجموعات الدرزية بقيادة الشيخ “حكمت الهجري”، بحكم أن ذلك قد يؤثر على وضع الطائفة الدرزية ككل في سوريا، التي رفضت التدخل الإسرائيلي وتتمسك بالهُوية السورية، مثل الشيخين: حمود الحناوي، ويوسف جربوع، خشية النظر إليها باعتبارهم “طابورًا خامسًا”، أو فيما يخص استهداف المؤسسات السورية، الأمر الذي يُصعِّب من التوصل إلى ترتيبات أمنية مع دمشق، ناهيك عن اتفاق سلام نهائي.)[13] (

الخلاصة:

تسعى إسرائيل إلى تحقيق أهداف محددة في سوريا تستكمل بعضها البعض (تحويل الجنوب إلى منطقة منزوعة السلاح، ومنع إيران وحلفائها من إعادة التمركز في سوريا أو الإمداد عبرها، ودعم الأقليات في جنوب سوريا) وذلك بغرض الحيلولة دون نشوء أي تهديد محتمل من الأراضي السورية، استمرارًا لعمليات “المعركة ما بين الحروب” تجاه محور المقاومة؛ استغلالًا لنجاحاتها ضد هذا المحور لإحباط تمكنه من ترميم قدراته والعودة لتشكيل تهديد ملموس ضد الدولة العبرية.)[14]( صحيح أن سوريا الجديدة تنأى بنفسها عن أطراف محور المقاومة، إلا أن إسرائيل لا تزال ترى احتمالات لإعادة تموضع إيران، كما ترى في السيطرة على جبل الشيخ والأراضي السورية المحاذية لحدود فض الاشتباك إحدى وسائل السيطرة على جنوب لبنان.

تستند هذه الأهداف إلى منطلقات تقول بأن الدروس المستفادة من “طوفان الأقصى” تستدعي من إسرائيل العمل الهجومي النشط والإجهاز على قدرات الخصوم وتشكيل تحالفات واحتلال أراض استباقًا لتطورات غير متوقعة في منطقة الشرق الأوسط غير المستقرة. يستدل من ذلك على ما يلي:

  1. ليست الهجمات الإسرائيلية على سوريا بمعزل عن سياسة إسرائيل في الشرق الأوسط ما بعد الحرب الإقليمية (2023-2025)، وإنما جزء من كل، بل ترى إسرائيل أن تحييد الجبهة السورية، بموقعها المتوسط ما بين (إيران، وتركيا، ولبنان)، يؤدي مصلحةً مزدوجة في قطع الجسر البري لإمداد حزب الله، وكذلك قطع الطريق على تركيا التي قد تحاول مد نفوذها، خاصةً العسكري، هناك. وذلك بدوره جزءًا من كون سوريا الجديدة ساحة هندسة للترتيبات الأمنية الإقليمية والدولية.)[15](
  2. لا ترى إسرائيل تعارضًا بين استمرار هجماتها وقضم الأراضي السورية وبين تحسن العلاقات السورية مع إدارة الرئيس “ترامب”، الحليف الأكبر لإسرائيل، وبين إجراء مباحثات سورية-إسرائيلية مباشرة، وإن كان ذلك قد يُلجم إسرائيل بعض وليس كل الوقت_بل تَعدُّ إسرائيل ذلك وسيلة للتفاوض مع الخصم تحت الضغط، ربما على طريقة “كلام كلام – قتال قتال Talk Talk, Fight Fight” على حد توصيف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق “هنري كيسنجر” لنهج الفيتكونج إبان حرب فيتنام بتوظيف العمل العسكري بالتزامن مع التفاوض وإجراء المباحثات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة.

غير أنه حتى وإن كانت الرؤى الإسرائيلية تدعو لتفعيل الآلة العسكرية في المنطقة وقت وحيثما تشاء وَفقًا لاعتبارات تحددها بذاتها دون رادعٍ للتأثير على خريطة الشرق الأوسط الجاري تشكله ما بعد الحرب الإقليمية، فقد تصطدم هذه الرؤى بواقع مخالف للتوقعات. من جانب، فإن للقوى الإقليمية والدولية، لاسيما الولايات المتحدة، تأثير على سياسات إسرائيل، خاصةً إذا كانت واشنطن تتعامل مع سوريا الجديدة باعتبارها فرصةً هامة للحد من النفوذ الروسي ولمكافحة الإرهاب، كما تضع في اعتبارها ضغوط دول عربية وازنة يعنيها استعادة سوريا في المنظومة العربية بعيدًا عن هيمنة إيران. لا يتوقع أن تذهب الإدارة الأمريكية بعيدًا إلى حد التعارض المباشر مع المطالب الإسرائيلية، إلا أن إدارة “ترامب” أثبتت غير ذات مرة أنها قادرة، متى رغبت، على وضع حد للاندفاع الإسرائيلي، كما تبين خلال المرحلة الأخيرة من الحرب في قطاع غزة والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

من جانب آخر، من منظور “المنظومة البيئية” بمقال هاكوهين أعلاه، بمعنى أن تغيرًا في أحد مكونات المنظومة يؤثر بالضرورة على المكونات الأخرى، فقد تسفر الخطط الإسرائيلية في سوريا عن نتائج عكسية. ولنا في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط أمثلة على إخفاق محاولات “هندسة المنطقة”، وأبرزها: غزو لبنان عام 1982؛ استهدفت إسرائيل طرد منظمة التحرير الفلسطينية، وإرغام الجيش السوري على الانسحاب من لبنان، وتنصيب حكومة موالية لإسرائيل في بيروت. وبالرغم من نجاح الاجتياح وخروج منظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن الجيش السوري برغم هزائمه بقي في لبنان،)[16]( كما أدى الغزو والاحتلال إلى تداعيات لم تكن متوقعة، على المدى المباشر: اغتيال الرئيس المنتخب “بشير الجميل”، وفشل التوصل لاتفاق سلام مع لبنان. وعلى المدى البعيد: ظهور حزب الله كقوة مقاومة أنكى من منظمة التحرير؛ ليصل الأمر إلى انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب عام 2000 بعد ثمانية عشر عامًا من الاحتلال الذي فشل اعتماده على أقلية من الجنوب (جيش لبنان الجنوبي) أو على “الحزام الأمني” الذي تمركز به. 

وبالإضافة إلى هذه العوامل، يظل العنصر الأهم، كما أوردت الباحثة “نادية سعد الدين” على صفحات هذه المجلة، هو موقف سوريا الجديدة ذاتها التي يمكنها، عبر مشروع وطني جامع لاحتواء الانشطار المجتمعي وسد منافذ التداخلات الخارجية، بسط سيادة الدولة والحفاظ على مصالح البلاد.


([1]) Aljazeera, “Netanyahu Says Israel Won’t Allow Syrian Forces ‘South of Damascus’,” (Feb. 23, 2025).

([2]) Aljazeera, “Updates: Hamas, Israeli teams in Doha as Gaza ceasefire talks resume” (March 11, 2025).

([3]) Institute for the Study of War, “Israel reportedly presented Syria with a proposal for a security agreement that would establish three demilitarized zones in southern Syria with increasingly restrictive rules depending on their distance from Israel,” (September 17, 2025) https://understandingwar.org/research/middle-east/iran-update-september-17-2025/

([4]) Israel National News, “IDF Chief of Staff: ‘Iran and its axis remain in our sights – the campaign is not over’, (July 22, 2025).

([5]) International Crisis Group, “Golan Heights and South/West Syria” (October 25, 2025).

([6]) Israel Prime Minister’s Office, “Statement by Prime Minister Netanyahu” (July 17, 2025). https://www.gov.il/en/pages/spoke-syria170725

([7]) Israel Prime Minister’s Office, “Joint statement by PM Netanyahu and Defense Minister Israel Katz (July 15, 2025), https://www.gov.il/en/pages/spoke-joint150725

([8]) Gershon Hacohen, “Israel and the Emerging Trends in Syria,” Begin-Sadat Center for Strategic Studies (BESA Center Perspectives Paper no. 2327, February 4, 2025).

([9]) Meir Ben-Shabat and Asher Fredman, “What Israel Wants: The Post October 7 Security Strategy Driving Israeli Actions,” Foreign Affairs.com (September 12, 2025).

([10]) عقب إنزال أثينا لقواتها على شواطئ جزيرة ميلوس – المحايدة في الحرب بين الجانبين – عرض الأثينيون على أهل ميلوس إما الانضمام إلى أثينا في مواجهة إسبرطة أو تحمل العواقب، وأجاب أهل ميلوس بأنهم لا يريدون لا ذلك ولا ذاك، فكان رد الأثينيين عليهم “الأقوياء يفعلــون مــا يريــدون، والضعفــاء يعانــون ممــا كُتــب عليهــم”، قبل أن يقوموا بغزو الجزيرة والتخلص من حكامها.

([11]) Amr Yossef, “Netanyahu’s Historical Analogies,” Future Center for Advanced Research and Studies (September 30, 2025).

([12]) Ahmed Megahed, “تأمل طويل في المسألة الإقليمية بعد عام على الطوفان,” Facebook, October 18, 2024, https://www.facebook.com/share/16QLh3La7R/

([13]) Carmit Valensi, “The Bloody Clash in Sweida: Strategic Dilemmas for Israel,” Institute for National Security Studies (INSS Insight no. 2016, July 22, 2025). 

([14]) عمرو يوسف، “إسرائيل ومحور المقاومة بعد حربها على إيران”، شؤون عربية (العدد 203)، شتاء 2025، ص 82-91.

([15])  نادية سعد الدين، “سوريا: بين التحديات الداخلية وترتيبات الأمن والتطبيع في المنطقة”، شؤون عربية (العدد 203)، شتاء 2025، ص 39-51.

([16]) كما هو معروف، لم يخرج الجيش السوري من لبنان سوى عام 2005 نتيجة تفاعلات داخلية بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق “رفيق الحريري”.

اظهر المزيد

عمرو يوسف

وزير مفوض متخصص فى الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى