يستند الاحتلال الإسرائيلي إلى مُسوغات دينية وتاريخية مزعومة لإضفاء ادِّعاءات “الشرعيّة” على أطماعه الاستعمارية التوسعيَّة في لبنان، التي تطل بين ثنايا مخطط خروقاته المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، المُبرم في 27 نوفمبر 2024، ومماطلته بالانسحاب الكامل من أراضيه، سعيًا منه لاستكمال ما فشل في تحقيقه بعدوانه، الذي شنَّه في أكتوبر 2023 وصعَّده في سبتمبر 2024، أسوة بنهج حروبه السابقة، مما يهدد أمن واستقرار المنطقة.
رغم إدراج الحرب على اليمن، ضمن سياق إستراتيجية حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة التي تقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، بدعم أمريكي واضح، ولا سيما بعد تولي دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية، بداية عام 2025، إلا أن لهذه الحرب سياقًا منفصلًا؛ نتيجة تخارجها عن الجغرافية التي تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إخضاعها والتي تتركز أساسًا عند تخوم دولة الاحتلال وتشمل (قطاع غزة، الضفة الغربية، لبنان، وسوريا) ويتمثل الرابط الوحيد بين اليمن وبلاد الشام في انضواء الطرفين ضمن إطار ما كان يُسمى ” حلف المقاومة”.
وكانت المرحلة السابقة قد شهدت تدمير حلقات الحلف في لبنان، وإسقاط نظام الأسد في سوريا، وانكفاء ميليشيا الحشد الشعبي في العراق، فيما استمرت العمليات النشطة ضد إسرائيل من جبهة اليمن بقيادة حركة “أنصار الله” الحوثي، والتي انطلقت مع بداية الحرب الإسرائيلية على غزة تحت شعار “إسناد غزة” من خلال توجيه ضربات بالصواريخ البالستية لتل أبيب وإيلات، بالإضافة إلى استهداف السفن المتجهة لإسرائيل.
وكانت إدارة الرئيس جو بايدن قد شكَّلت تحالفًا عسكريًّا باسم “حارس الازدهار”، في ديسمبر/ كانون الأول 2023؛ لحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر، وتلبية لضغوط إسرائيل التي هدَّدت بالتدخل المباشر في البحر الأحمر وتوجيه ضربات للحوثيين حال استمرار التعرُّض للسفن التجارية الإسرائيلية. وقد رفضت الدول العربية المشاركة في التحالف لرغبتها في تهدئة الأوضاع الأمنية في المنطقة، ونظرًا لعدم تحقيق العملية أهدافها، أطلق الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عملية عسكرية ضد الأهداف الحوثية في اليمن تحت عنوان ” الراكب الخشن” في 15 ديسمبر 2024، تضمنت هجمات جوية وبحرية واسعة النطاق، مستهدفة البنية العسكرية للجماعة وقياداتها، بما في ذلك استهداف: المعسكرات، والمطارات، ومخازن الأسلحة، ومواقع القيادة والسيطرة، ومنظومات الاتصالات، وورش تصنيع السلاح، والقيادات العسكرية للحوثيين. أما على الصعيد الجغرافي، فقد شملت الضربات محافظات (عمران، ذمار، حجة، تعز، إب، مأرب، الجوف، والبيضاء) رغم أن التركيز الأكبر انصبَّ على المحافظات التي تكتسب أهمية كبرى سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا للحوثيين (صنعاء، صعدة، والحديدة) ما يعني أن الضربات شملت تقريبًا كل الجغرافيا الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
واعترفت جماعة الحوثي بمقتل العشرات من الكوادر العسكرية، عبر إعلان تشييعهم في وكالة سبأ التي تديرها الجماعة، كما قُتل المئات من المواطنين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، وأحدثت الضربات الأمريكية دمارًا واسعًا في البنية التحتية اليمنية: كالمطارات، الموانئ، خزانات المياه، مراكز صحية، وأبراج اتصالات، وزادت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة الوضع سوءًا؛ حيث دمَّرت بشكل شبه كلِّي ميناء الحديدة ومطار صنعاء، بالإضافة إلى تدمير مصنعي أسمنت (باجل، وعمران).
أهداف العملية العسكرية الأمريكية.
ارتكزت العملية العسكرية الأمريكية على ثلاث أهداف: حماية الملاحة البحرية، تهديد إيران، حماية إسرائيل، وهي أهداف بالمجمل تدخل في صلب الإستراتيجية الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط في إطار حراكها الهادف إلى إعادة التموضع الإستراتيجي بما يعزز أوراق قوتها في ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة على المستوى العالمي.
أولًا: تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
شكّل تأمين الملاحة البحرية في البحر الأحمر وباب المندب الهدف الأساسي المعلن للحملة الأمريكية على الحوثيين؛ فقد أدت مئات الضربات التي شنتها القوات الحوثية إلى ارتباك حركة المرور في البحر الأحمر بدرجة كبيرة، واضطراب سلاسل الإمداد وأمن الطاقة والغذاء، نتيجة تعطل الشحنات وتحويل التجارة عبر طرق أخرى أطول بالوقت؛ حيث اُضطرت أغلب شركات الشحن إلى اتباع طريق رأس الرجاء الصالح، ولا سيما بعد ارتفاع منسوب العسكرة في البحر الأحمر، مع تزايد فرص الاحتكاكات الأمنية في ظل تمركز تحالف “حارس الازدهار” وقوة “أسبيدس” الأوروبية في المنطقة، كما ساهمت الاضطرابات الأمنية في عودة نشاط القرصنة قبالة السواحل الصومالية، فيما يبدو أنه تحديًّا للتدابير الدولية التي تم إجراؤها سابقًا للقضاء على القرصنة في البحر الأحمر.
ويعبر البحر الأحمر أكثر من 15 بالمئة من حركة التجارة الدولية، ولا سيما النفط المتجه من حقول الإنتاج في الخليج العربي إلى بلدان جنوب وشرق آسيا، والبضائع والمنتجات القادمة من تلك المنطقة إلى أسواق الشرق الأوسط وأوروبا، وأي تغيير لهذا المسار سينتج عنه خسائر كبيرة للاقتصاد الدولي، بالإضافة إلى إبطاء عمليات التنمية في المدن الصاعدة على البحر الأحمر؛ حيث شهدت هذه المناطق، ولا سيما في مصر والسعودية، نهوضًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة.
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لم يتأثر الاقتصاد الأمريكي بالهجمات الحوثية في البحر الأحمر؛ نظرًا لتعطيل الهجمات لطريق التجارة الذي يربط بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، في حين تتمتع الولايات المتحدة بموانئ على المحيط الأطلنطي والمحيط الهادئ مما يقلل الاعتماد على طريق البحر الأحمر، هذا إلى جانب عدم اعتماد المنتجين وتجار التجزئة الأمريكيين بشكل عام على طرق الشحن في البحر الأحمر. وعليه، فإن تأثيرها الأساسي يشعر به حلفاء الولايات المتحدة، فسلسلة الإمدادات عبر البحر الأحمر لا تذهب إلى الولايات المتحدة بل إلى أوروبا، وانقطاع إمدادات أوروبا من الطاقة العربية يصب في مصلحة واشنطن؛ لأن الدول الأوروبية ستلجأ إلى الولايات المتحدة لدفع الضرر عنها.
على ذلك، فإن الاهتمام الأمريكي في المنطقة يأتي في إطار التنافس الجيوسياسي مع الصين على السيطرة على الطرق ومسارات التجارة الدولية، و نظرًا لمركزية منطقة البحر الأحمر التي تتقاطع مع ثلاث دوائر أمنية (الدائرة الأمنية العربية، الدائرة الأمنية الإفريقية، الدائرة الأمنية العالمية)، وهو ما يفسر إلى حد بعيد التسابق الدولي لإقامة القواعد العسكرية والتموضع في البلدان المشاطئة للبحر الأحمر، ما من شأنه إعادة إنتاج ديناميات التنافس التي كانت سائدة في الحرب الباردة في القرن الماضي.
كما ترتبط الحملة الأمريكية على اليمن -بدرجة كبيرة- برؤية الرئيس دونالد ترامب الخاصة بإعادة تشكيل النظام الدولي، ودور الولايات المتحدة المركزي والمحرك في هذا النظام، والذي يقضي بالسيطرة على جميع تفاعلات هذا النظام، عبر سيطرة واشنطن على جميع التفاصيل الدولية، ولا سيما ما يتعلق بالاقتصاد وطرق التجارة. ومن ثم، فإن هذه الحرب تهدف بدرجة كبيرة إلى تكريس السيطرة الأمريكية على العالم، ورغبة إدارة ترامب بأن تكون هي المصدر الذي يسن قواعد السلام والضبط على المستوى الدولي بشكل عام.
ثانيًا: تهديد إيران.
يأتي الهجوم الأمريكي على الحوثيين في سياق سياسة الضغوط القصوى التي يتبناها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على إيران، والتي تهدف إلى إرغام طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لبحث برنامجها النووي، وكان ترامب في بداية تسلُّمه الحكم في بداية العام الحالي، قد وجَّه رسالة للمرشد الأعلى في إيران “علي الخامنئي” لكن إيران ردَّت ببرود على مبادرة ترامب، الأمر الذي سبب انزعاجًا أمريكيًّا، كانت الحملة على الحوثيين إحدى تعبيراته، ولا سيما أن إدارة ترامب كانت تعتقد أن إيران ستكون أقل تشددًا بعد أن جرى إضعاف حزب الله في لبنان إلى حد كبير، وإزاحة نظام الأسد في سوريا.
عمليًّا، تعرف الاستخبارات الأمريكية الدور الحقيقي لإيران في الحرب؛ حيث لا يمتلك الحوثيون تقنية الرادار اللازمة لاستهداف السفن، لذلك فهم بحاجة إلى مساعدة من إيران؛ حيث يقدِّم القادة ومستشارو الحرس الثوري الإيراني المعلومات والبيانات والدعم الاستخباراتي لتحديد أي من العشرات من السفن التي تمر عبر البحر الأحمر وتشكل أهدافًا للحوثيين، فضلًا عن المعلومات الاستخباراتية التي يتم جمعها بواسطة سفن إيرانية في البحر الأحمر ثم نقلها إلى الحوثيين، وهذه تستلزم خبرة في مجال الاستخبارات البحرية لمعرفتها. وقد نقلت إيران منذ عام 2015، أنظمة أسلحة متطورة إلى الحوثيين، بما في ذلك أنظمة صواريخ باليستية تم استخدامها في هجمات ضد السفن البحرية، بما في ذلك السفن التجارية.
و يُعتبر البحر الأحمر ممرًّا حيويًّا للنفط ومرجعًا إستراتيجيًّا لطهران، لا سيما في ظل الحصار الدولي المفروض عليها نتيجة لتطويرها برنامجها النووي، فإن تأمين خطوط الملاحة عبر البحر الأحمر يعكس أهمية هذه المنطقة لإيران؛ حيث تواصل طهران دعم الحوثيين في اليمن بشكل مكثف، معتبرة ذلك جزءًا من إستراتيجيتها في إعادة تشكيل السياسة الإقليمية لصالحها، فالمليشيات الحوثية في اليمن أصبحت نقطة ارتكاز رئيسة لأمن إيران في البحر الأحمر، و يحاول الحوثيون تعطيل حركة الملاحة في المنطقة من خلال استهداف السفن التجارية وناقلات النفط.
وتتلخص أهداف إيران في دعم الحوثيين في الهيمنة على إقليم البحر الأحمر والبحر العربي، ما يتيح لها التحكُّم بممرات النفط الحيوية، وتطويق دول الخليج العربي من الجنوب، استكمالًا للطوق الذي شكَّلته في الشام والعراق، قبل سقوط نظام الأسد وانهيار قدرات حزب الله.
تتمثل أهم الأهداف الأمريكية في الهجمات المتتالية بالبحر الأحمر في تحييد السياسات الإيرانية عن مناطق نفوذها، وتحاول واشنطن عبر ضربها الذراع اليمني- بعد تحطيم أذرع إيران الأخرى- توظيف إستراتيجية “شدِّ الأطراف” ضمن سياسات “الضغط القصوى”، اتساقًا مع الرهانات القائمة حول فرض التصوُّرات الأمريكية إبان استئناف المسار التفاوضي للبرنامج النووي الإيراني.
وفق ذلك، فإن الهجوم الأمريكي على اليمن يأتي في سياق إستراتيجية إضعاف إيران؛ لكي تكون إيران بلا أجنحة في مفاوضاتها مع إدارة ترامب بشأن ملفها النووي، عبر تجريدها من كل أوراق القوة وحشرها ضمن أضعف نقطة.
ثالثًا: حماية إسرائيل.
شكَّلت حماية إسرائيل أحد الدوافع الأساسية للعملية الأمريكية ضد الحوثيين؛ فقد انخرطت جماعة “أنصار الله” في حرب غزة، بناء على قاعدة “وحدة الساحات” التي أقرتها الإستراتيجية الإيرانية، في إطار حلف المقاومة الذي تقوده، والذي تتوزع مكوناته على أكثر من جبهة، وقد تكفلت إسرائيل مواجهة حماس وحزب الله وتوجيه ضربات للميليشيات الإيرانية الموجودة في سوريا، وكانت تحقِّق نتائج ملموسة على صعيد الإضرار بهياكل هذه الفصائل والتنظيمات عبر تدمير بناها العسكرية وعمليات الاحتلال التي قامت بها في غزة وجنوب لبنان، بالإضافة إلى اغتيال أغلب قيادات الصفين (الأول، والثاني) لدى حزب الله وحماس.
غير أن الأمر لم يكن كذلك على جبهة اليمن؛ نظرًا لبعد المسافة وعدم قدرة إسرائيل على تفريغ جزء من قواتها لردع حركة “أنصار الله”، وهو ما استثمرته الحركة لتستمر في توجيه الضربات للأراضي المحتلة عبر الصواريخ البالستية والمسيرات. وعلى الرغم من محدودية تأثير تلك الضربات، مقارنة بضربات حماس وحزب الله، إلا أن الجبهة اليمنية شكَّلت إحراجًا كبيرًا لحكومة بنيامين نتنياهو، بقدر ما شكَّلت إزعاجًا للجبهة الداخلية الإسرائيلية، فقد تواترت ضربات أنصار الله على إيلات وحيفا، وفي مرحلة لاحقة جرى استهداف تل أبيب، في ظل حالة من الاستنفار والتوتر الإسرائيليين.
وكان دخول الولايات المتحدة، التي أرسلت نخبة حاملة طائراتها للمنطقة في الحرب على اليمن، يهدف إلى تخفيف الضغط على إسرائيل، في ظل تقدير الرئيس ترامب أن القوّة الأمريكية القصوى، وليست على طريقة سلفه الرئيس جو بايدن الغير حاسمة، سيكون لها تأثير قوي في حسم الأمور لصالحه، والتأكيد على أن أمن إسرائيل خط أحمر بالنسبة للإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
هل حقَّقت الحرب أهدافها؟
تعرضت جماعة أنصار الله الحوثية لخسائر كبيرة، سواء على مستوى الكادر؛ حيث قتلت الضربات الأمريكية العديد من الكوادر القيادية والمقاتلين الحوثيين، وأعداد غير موثَّقة من المدنيين، بالإضافة إلى دمار واسع في البُنى التحتية والأصول الاقتصادية اليمنية، ولا سيما نتيجة الضربات الإسرائيلية التي تلت الضربات الأمريكية، والتي نتج عنها تدمير ميناء الحديدة ومطار صنعاء.
لكن في المقابل، وبحسب تأكيدات المصادر الأمريكية، فإن الحرب على الحوثيين كبَّدت واشنطن خسائر كبيرة، فقد تكلفت الحرب أكثر من 3 مليارات دولار، وخسرت واشنطن نسبة معتبرة من صواريخها الدقيقة والنوعية التي استخدمتها في ضرب الأهداف الحوثية، ما أدى إلى قلق المستويات العسكرية العليا في البنتاغون من إمكانية تأثير ذلك على مدى جاهزية الجيش الأمريكي في حال حصول مواجهة مع الصين، التي تصنفها الإستراتيجية الأمريكية التهديد الأخطر على المستوى العالمي.
ومن المؤكد أن هذا المعطى، بالإضافة إلى وجود تقدير أمريكي بأن الحرب الأمريكية على الحوثيين وصلت إلى ذروتها، وإن الاستمرار بها لن يشكل قيمة إضافية للموقف الأمريكي في البحر الأحمر، والأهم أنه لن يحقِّق خسائر ذات قيمة على جبهة الحوثيين أكثر مما تحقَّق على مدى المرحلة السابقة، كانت لهما الدور الحاسم في موافقة واشنطن على مبادرة سلطنة عُمان لوقف الحرب بين الطرفين، فما هي الأهداف التي تحقَّقت بعد هذه الجولة القتالية العنيفة؟
على مستوى تأمين الملاحة في البحر الأحمر: يبدو أن هذا الهدف قد فشل إلى حد بعيد؛ إذ نص الاتفاق الذي وافقت عليه واشنطن على استثناء السفن الأمريكية من الاستهداف الحوثي، وهي سابقة لم تحصل في تاريخ العلاقات العسكرية الأمريكية؛ حيث تركت الاتفاقية للحوثيين حرية العمل في استهداف السفن الغير أمريكية، ما يعني أن أزمة الملاحة في البحر الأحمر أخذت مسارًا أكثر تعقيدًا بعد الحرب الأمريكية، وأن هناك إقرار أمريكي صريح بأن أمن الملاحة في البحر الأحمر لم يعد مهما لواشنطن، ما دامت السفن الأمريكية تستطيع المرور بسلام، وربما يعود ذلك إلى حقيقة عدم مركزية البحر الأحمر للتجارة الأمريكية، مثل: قناة بنما على سبيل المثال، التي تُعتبر خطًا أحمر وبمثابة قضية وجودية لأمريكا.
ماذا يعني ذلك في الحسابات الأمنية؟ أن التدخل الأمريكي ساهم في خلط الأوراق على مستوى الأمن البحري، وأوجد واقعًا استثنائيًّا وهشًا، كان يمكن معالجته بطرق أفضل لو تركت لدول المنطقة معالجة هذا الأمر، كما أن هذا التدخل منح إيران مكانة مهمة في توازنات القوى في البحر الأحمر عبر ذراعها الحوثية، وهذا الأمر لن يتغير حتى لو توصلت واشنطن إلى اتفاق على ملف إيران النووي؛ تبعًا للإستراتيجية التفاوضية التي تستخدمها الإدارة الأمريكية والتي تركز بالدرجة الأولى على مصالح أمريكا.
على مستوى تهديد إيران: جاء الهجوم الأمريكي على الحوثيين، في إطار هجمة أوسع قادتها إسرائيل على أذرع إيران في المنطقة، والتي أدت بالفعل إلى إضعاف تلك الأذرع بدرجة كبيرة. وبالتبعية، تراجعت القوّة التفاوضية لإيران كثيرًا، ولم يكن وزن الحوثيين مؤثرًا بشكل كبير في معادلة الصراع في المنطقة، مقارنة بوزن حماس وحزب الله، حتى محاولاتها في زعزعة الاستقرار في سوريا لم تأتِ بنتائج مهمة، كما بدأ تأثيرها يتراجع في العراق بشكل واضح؛ نتيجة وجود تيار داخل الحكومة العراقية يدعو إلى فك الارتباط مع إيران، وزيادة التشبيك مع الدول العربية، ولا سيما الخليجية التي يمكنها بالفعل إفادة العراق عبر تجاربها التنموية ومشاريعها الاقتصادية.
باختصار، أدت الأحداث التي وقعت بعد الحرب على غزة إلى تراجع نفوذ إيران وقدرتها على التحكم بالمسارات السياسية الجديدة، وبالتالي التأثير في المعادلات التي من المفترض أن ينتجها الواقع المستجد، لكن طريقة المعالجة الأمريكية للتحدي الحوثي جاءت بنتائج عكسية بعض الشيء، عن تلك التي خطَّطت إدارة ترامب لها، لجهة إضعاف إيران بشكل مطلق وتجريدها نهائيًّا من أوراق القوَّة الإقليمية، فقد منح صمود الحوثيين لإيران زخمًا معنويًّا، ولا سيما بعد اضطرار الولايات المتحدة للتوصل إلى تفاهم معهم. ومن ثم، ظلت إيران، وإن على مستوى الشعارات، تتحدث عن فاعليتها في الصراع في المنطقة وأهمية دورها في أي ترتيبات ستجري بشأن إعادة هندسة المنطقة.
على مستوى حماية إسرائيل: لم تحقِّق الحملة الأمريكية على اليمن الكثير من النتائج المهمة على صعيد هذا الهدف؛ إذ استمرت صواريخ جماعة “أنصار الله” في السقوط على المدن الإسرائيلية، وإن كان بوتيرة أخف، لكن بمفعول أقوى من السابق، ولا سيما بعد استهدافها تل أبيب ومطار بن غوريون، وما تحدثه من رعب لدى الإسرائيليين ومن إحراج لدى حكومة نتنياهو.
وقد أبدت إسرائيل انزعاجها بشكل صريح من الاتفاق الذي توصلت له واشنطن مع حركة “أنصار الله “الحوثية، والذي ترك إسرائيل وحيدة في المواجهة ولم يراعِ مصالحها الأمنية، الأمر الذي دفعها إلى القيام بضربات انتقامية تجاوزت حد الرد المتوازن عبر تدميرها لميناء الحديدة ومطار صنعاء الدولي، كما أدى تخلي إدارة ترامب عن مهمة إنهاء التهديد الحوثي على إسرائيل إلى توتر واضح بين واشنطن وتل أبيب، التي باتت تسعى للتخريب على مشاريع ترامب، ولا سيما إنهاء الحرب في غزة والتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن ملفها النووي، ما يعني أن المنطقة قد تكون على عتبة مخاطر جديدة نتيجة رغبة إسرائيل في تخريب المعادلات التي تعتزم واشنطن مع دول المنطقة إرسائها للخروج من حالة الحرب المدمرة.
لقد تضافرت مجموعة من الأسباب وراء إخفاق الحرب الأمريكية على الحوثيين وتحقيق نتائج حاسمة للأهداف الأمريكية المُعلنة من هذه الحرب، ويمكن إيجازها بالآتي:
الجغرافية اليمنية: شكَّلت البنية الجغرافية لليمن عاملًا مهما للإخفاق الأمريكي؛ إذ فضلًا عن الامتداد الشاسع للمناطق الواقعة تحت سيطرة أنصار الله، فإن هذه الجغرافية ذات طبيعة جبلية صعبة، ما أتاح لجماعة “أنصار الله” حفر خنادق وأنفاق ومخازن الأسلحة في المرتفعات الجبلية، كما تساهم الطبيعة الجبلية في تأمين الحماية للكوادر المقاتلين، ما يجعل استهدافهم مكلفًا أكثر من النتائج التي يمكن تحقيقها في هذا المستوى، وهو ما أدركته القيادة الأمريكية بعد أسابيع من الحرب وسعت للخروج من مأزق التورط المديد في حرب لن تحٌقق نتائج ذات قيمة كبيرة، ولا سيما أن الجغرافية اليمنية يصعب ضبطها لحصار إمدادات الحوثيين من السلاح التي قد تصلها من أكثر من جهة برًا وبحرًا.
تعقيدات لوجستية على الطرف الأمريكي: حيث واجهت المهمة الأمريكية في اليمن مشاكل لوجستية جراء افتقادها لمعلومات استخبارية كافية عن الوضع العسكري للجماعة، بما فيه مخازن الأسلحة وتواجد القيادات، وقد استفادت جماعة الحوثي من الأخطاء التي وقع بها حزب الله، ولا سيما الأخطاء على مستوى التواصل، والذي أدى إلى اصطياد أبرز قيادات الحزب وإجهاض الخطط العسكرية نتيجة اختراق منظومات الاتصال بين المستويات المختلفة للقيادات العسكرية، ولم تستطع وسائل الكشف المتقدمة (الطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية) تحقيق نتائج مهمة نتيجة الطبيعة الجغرافية المعقَّدة.
الهيكل التنظيمي للحوثيين: حيث تمتلك جماعة الحوثي هيكلًا تنظيميًّا معقدًا، يتكون من مستويين من القيادة: قيادة الظل التي تدير العمل العسكري والسياسي، وقيادة أخرى في الواجهة. وقيادة الظل، ذات الأثر الفاعل في إدارة العمل العسكري غير معروفة للإعلام وليس لدى الأمريكيين معلومات عنها، الأمر الذي يحميها من الاستهداف، ويبقيها قادرة على إدارة العمل العسكري في جميع مفاصله ومستوياته التنظيمية.
مثل عادتها، في جميع الحروب التي خاضتها أمريكا في الشرق الأوسط، لا تنتهي تلك الحروب بإستراتيجية خروج عملية، وغالبًا ما تترك وراءها أوضاعًا معقَّدة يصعب إيجاد حلول لها، وهو ما راكم الأزمات في المنطقة وحوَّلها إلى نمط سائل من التعقيدات المفتوحة على آفاق أزموية، التي تشكِّل مساراتها الخاصة بعيدًا عن طموحات و رغبات شعوب المنطقة.




