2025العدد 204ملف سياسي

خطة ترامب لصناعة السلام في غزة

أقر مجلس الأمن الدولي، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني، القرارَ رقم 2803، الذي يدعم وقف إطلاق النار في غزة، بناء على خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، بنقاطها العشرين، والتي وافقت عليها الأطراف كافة في قمة شرم الشيخ في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتضمن القرار عددًا من البنود التي توفر إطارًا عامًا إداريًّا وأمنيًّا لما بعد وقف إطلاق النار في غزة، خصوصًا فيما يتعلق بإقامة مجلس للسلام وإنشاء قوَّة دولية مؤقتة.

لكن القرار، والذي وافقت عليه المجموعة العربية، بوصفه الخيارَ الممكن والمُتاح لإنقاذ غزة من التدمير والحفاظ على شعبها من التهجير، انطوى على الكثير من الغموض واللبس، بشأن آليات تنفيذه وحدود مهام القوَّة الدولية، وقد خضع القرار لتعديلات بناءً على مطالب الدول العربية والإسلامية وضغوطها على الإدارة الأمريكية فيما يخص إنشاء دولة فلسطينية مستقبلًا، وهو الأمر الذي عارضته التيارات اليمنية المتطرفة في إسرائيل، التي ترفض أي ذكر لدولة فلسطينية، ولا سيما في وثائق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، الأمر الذي قد يزيد من تعقيدات تنفيذ القرار على أرض الواقع كمحاولة من المتطرفين الصهاينة التهرب من استحقاقاته.

خطة ترامب: السياق.

جاءت الصيغة الأولى لخطة ترامب بشأن غزة، على إثر لقاء الرئيس الأمريكي بقادة وممثلي دول مجموعة الثماني العربية- الإسلامية، المعنية بحرب غزة، على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في 25 سبتمبر/أيلول الماضي، وتمثلت عدد من الدول بقادتها، مثل: الأردن، وقطر، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، بينما مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية وزيرا خارجيتها، ومثَّل مصر رئيس وزرائها.

وطالبت المجموعة العربية -الإسلامية في هذا الاجتماع: بوقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي من غزة، ومنع تهجير السكان، وتشكيل إدارة مدنية فلسطينية من التكنوقراط لإدارة القطاع خلال مرحلة انتقالية، وإطلاق مشروع إعمار سريع وشامل. وقد ضمَّنت الإدارة الأمريكية في خطتها “خطة ترامب” بعضًا من هذه المطالب، لكن وَفق صياغة أمريكية ركزت على عنوانات المطالب أكثر من مضامينها.

وقد تكونت من 20 بندًا، وتنقسم إلى ثلاثة أجزاء: ونصَّ الجزء الأول على وقف إطلاق النار والرهائن والأسرى، وقد جرى تنفيذه بالفعل في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، رغم خرق إسرائيل للاتفاق أكثر من مرَّة. وينص الجزء الثاني على كيفية إدارة قطاع غزة وضبط الأمن فيه، وتقديم الإغاثة وبدء الإعمار. في حين تضمن الجزء الثالث طروحات عمومية عن المسألة الفلسطينية وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.

وافقت حكومة نتنياهو على الخطة بعد بروز مؤشرات عدة عن أن الحرب أرهقت إسرائيل، كما أعلن نتنياهو أنه سيترشح لولاية جديدة في الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في أكتوبر/ تشرين الأول 2026، وبالتالي بات من الضرورة بالنسبة له حلَّ قضية الرهائن في ظل مطالبة شعبية واسعة وإلا فإن حظوظه في الفوز ستكون ضئيلة. أما حركة حماس؛ فبالإضافة للضغوط التي تعرضت لها من قبل حلفائها الخارجيين، أدركت أن ورقة الرهائن لم تعد رابحة بل أصبحت عبئًا على الحركة، فضلًا عن الفاتورة الكبيرة من الخسائر البشرية التي بلغت حدود 70 ألف شهيد ودمار غزة بشكل شبه كامل.

وقد وافقت مجموعة الثماني العربية-الإسلامية على الخطة؛ لتقديرها أن الخطة تؤكد على عدم تهجير سكان غزة وتحاول تأمين فرص بقائهم ومساعدتهم، كما تنص الخطة على نشر قوات دولية، غالبًا ستكون عربية وإسلامية، ما يؤمن الحماية للأهالي،   وكذلك بناءً على وعود تلقوها من المسؤولين الأمريكيين المقربين من الرئيس ترامب بأن يُعاد النظر بالمسائل الخلافية خلال المباحثات حول إجراءات تطبيق الخطة.

مشاكل في الخطة والقرار.

تضمن قرار مجلس الأمن الصادر في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني، العناصر المركزية الخمسة لخطة ترامب وهي : مجلس السلام، وقوة الاستقرار الدولية، واللجنة الإدارية الفلسطينية، والشرطة المحلية بغزة، والمسار السياسي نحو الدولة الفلسطينية. غير أن القرار، كما الخطة، انطويا على نقصٍ في التفاصيل التي ستجعل تنفيذهما صعبًا وربما مستحيلًا. في نفس الوقت فإن العقبات الهيكلية، سواء في نزع سلاح حماس أو تشكيل سلطة انتقالية أو نشر قوات متعددة الجنسيات، يجعل تنفيذ الاتفاق واقعيًّا أمرًا بالغَ الصعوبة؛ لأنه يطلب من الأطراف التخلي عن أدوات قوتها قبل أن تحصل على البدائل الواضحة أو الضمانات الكافية.

وثمة مشكلة سياسية خطيرة تنطوي عليها خطة ترامب، والقرار الدولي المتكئ عليها، تتمثل بخروج الخطة عن الطابع التقني المتمثل بإعادة الإعمار وإدارة مناطق محدَّدة، وتحوِّلها إلى محاولة أمريكية لإعادة إنتاج تصوُّر سياسي وأمني للمستقبل، في قضية التعقيد والحساسية تتلاقى عندها خطوط الصدع الدينية والقومية والإقليمية والدولية، وفي القلب من هذه المشكلة، عدم معالجة، الخطة والقرار، للديناميات الأساسية التي تغذي الصراع منذ زمن طويل: غياب قيادة فلسطينية شرعية وموحَّدة، والمسألة غير المحسومة للسيادة الفلسطينية، والواقع العميق الذي صاغته عقود من الاحتلال، فضلًا عن الافتقار لمؤشرات واضحة حول مدة وأهداف المرحلة الانتقالية، وافتقادها إلى الحامل الواقع، نتيجة إصرار إسرائيل على استبعاد السلطة، الأمر الذي حوَّلها (الخطة) عمليًّا إلى إطار مؤقت يرحل الأزمة من دون تقديم ضمانات لإنهاء الصراع أو معالجة أسبابه العميقة.

ولعل الإشكاليات الكبرى تتمثل في القضايا الإجرائية في خطة ترامب وقرار مجلس الأمن الدولي، والتي تنطوي على إشكاليات سياسية وقانونية عميقة.

أولًا: مجلس السلام.

وهي الجهة المكلفة بالإشراف العام على إدارة المرحلة الانتقالية، وقد ركز قرار مجلس الأمن معظم السلطات والصلاحيات بيد هذا المجلس الذي يترأسه ترامب، هذا المجلس، وفقًا لنص مشروع القرار، هو “هيئة حكم انتقالية تدير شؤون القطاع”، ويتمتع بصلاحيات واسعة تجيز له “إنشاء هيئات تنفيذية مؤقتة” تتولى مسؤولية إدارة السلطة المدنية وتقديم الخدمات العامة، ما يعني أنه الجهة التي تملك صلاحية تعيين أعضاء الحكومة المدنية الفلسطينية، وهو المسؤول عن اتخاذ جميع القرارات المتعلقة بالإعمار، ورغم أن القرار تضمن نصًّا يفيد بأن هذا المجلس “سيحكم بما يتفق مع المبادئ القانونية الدولية”، لكن هذه عبارة فضفاضة لا تسمح بممارسة أي قدر من الرقابة على أعماله.

المشكلة في هذا المجلس أنه سيتولى الإشراف على إدارة أموال إعادة إعمار غزة، ما يمنح، الأطراف المشرفة عليه، سلطةَ تحديد شكل قطاع غزة (السياسي، والاجتماعي) بعد الحرب، انطلاقًا من حقيقة أن من يملك المال يملك القدرة على إعادة تشكيل السلطة والاقتصاد والخيارات.

ويتمتع مجلس السلام بقوة إنفاذ مسلحة من أجل نزع سلاح المقاومة الفلسطينية، وتنظيم الانسحاب الإسرائيلي، وهو ما يُنظر إليه من قبل أطراف فلسطينية على أنه مجلس وصاية تتجاوز النظام الفلسطيني الرسمي، والسعي إلى إعادة تشكيل نظام جديد منزوع الوطنية ومحيد الفعل.

كما أن القرار الدولي، المبني على خطة ترامب، يكرِّس عمليًّا فصل قطاع غزة عن الحالة الوطنية الفلسطينية ووضعه تحت إدارة دولية أو وصاية قد تتطور إلى شكل من أشكال الاستعمار الدولي الجديد، من خلال تجريده من أي صيغة سياسية فلسطينية جامعة. ورغم أن التفويض بإدارة القطاع من قبل مجلس السلام محدَّد بعامين فقط، لكن التجربة التاريخية تجعل هذا المؤقت مرشحًا للتحول إلى دائم، كما حدث في اتفاق أوسلو، الذي كان تنفيذه محدَّدًا بخمس سنوات، وقد مر عليه أكثر من ثلاثين عامًا دون أن يحصل الفلسطينيون على حقوقهم.

وأحد الإشكاليات التي ينطوي عليها مجلس السلام، ملف الهيئة الإدارية الفلسطينية لقطاع غزة، أو التكنوقراط الذين سيتولون مهمة إدارة غزة، وهم بمثابة حكومة انتقالية سيكلفون بإدارة غزة لعدة سنوات انتقالية؛ إذ تُصر حماس على أن يتشكل التكنوقراط من أبناء غزة الذين ظلوا مقيمين في فترة الحرب، وترفض استبعاد أبناء الفصائل الموجودة في القطاع، يقول مسؤولو السلطة: “إن وحدة الشعب الفلسطيني تستدعي أن يكون رئيس الهيئة الإدارية بمرتبة وزير في حكومة رام الله، وأن يعين من قبل الحكومة، وأن تتشكل قوات أمن قطاع غزة ما بعد الحرب بقرار وقيادة من الأمن الحكومي في رام الله”.

بيد أن هذه المشكلة، على تعقيدها، يمكن للأطراف العربية حلها، إلا أن حكومة نتنياهو تصر على أن يكون لها الرأي النهائي. ما يريده الإسرائيليون هو أن تضم الهيئة الإدارية ولو عددًا قليلًا ممن عُرفوا بالرغبة في التفاهم مع إسرائيل، وأن يتم إدراج عناصر الميليشيات المتعاونة معهم، أو أغلبهم، في أجهزة الأمن الجديدة. والواضح أن كلًّا من المطلبين الإسرائيليين سيواجَه برفض قاطع من غالبية القوى في غزة، وأن محاولة فرضه على الغزيين ستفضي إلى اندلاع عنف داخلي.

ثانيًا: قوَّة الاستقرار.

قوات حفظ الاستقرار، عبارة عن مجموعة عسكرية لمراقبة تنفيذ القرار، وقوة استقرار أمني دولية، تنتشر في القطاع إلى جانب قوَّة أمن فلسطينية، والتي ستكون تحت قيادة مجلس السلام، وتشمل مهامها: ضمان عملية نزع سلاح قطاع غزة، وتدمير البنية التحتية للإرهاب والأعمال العدائية وضمان عدم إعادة بنائها، توفير الحماية للمدنيين ولعمليات المساعدة الإنسانية، التعاون مع الدول المعنية لضمان إنشاء ممرات آمنة، تدريب ومساعدة قوات الشرطة الفلسطينية في أداء مهامها، معاونة مجلس السلام في مراقبة وقف إطلاق النار.

 وهكذا ترى أن مهام هذه القوات تُخرجها من صفة حفظ السلام، وتقرِّبها إلى طبيعة القوات المقاتلة، حتى إن الاسم تجنَّب وصفها بأنها قوات حفظ سلام، وذلك بالرغم من أن القرار لم يصدر بناءً على الفصل السابع من الميثاق الذي يخول مجلس الأمن إنشاء قوات لفرض إعادة السلام، أية قوات مقاتلة.

تمثل مسألة نزع السلاح أحد أكبر العقد في طريق تطبيق خطة غزة؛ حيث تنتصب مجموعة من الأسئلة لا تجيب عليها لا خطة ترامب ولا مجلس الأمن، من نوع: من هي الجهة التي سيسلم لها السلاح؟ وهل ستقوم هذه الجهة بتدمير السلاح أو مجرد تأمينه؟ وما هو على وجه التحديد نوع السلاح الذي يفترض تسليمه؟ هل هو السلاح الهجومي، مثل الصواريخ والمدفعية، أو كل السلاح بما في ذلك السلاح الفردي؟ في حين تصر حكومة نتنياهو على نزع كل أنواع السلاح، ويبدو أن هذا الأمر لن يكون محل قبول من القوى الفلسطينية في ظل استمرار إسرائيل بتهديدها الوجودي لسكان غزة، كما من المشكوك به قبول أية قوَّة عربية أو دولية موثوقة نزع سلاح حماس في ظل صراع مفتوح، والمتوقع أن تُطالب الدول التي ستتولى إرسال القوَّة إلى غزة، بانسحاب كامل لإسرائيل، ومهمة ذات تفويض واضح ومدة محدودة، وقواعد اشتباك، وغطاءٍ سياسي من سلطة فلسطينية شرعية.

المشكلة التي تعاني منها الخطة، وتم تضمينها في قرار مجلس الأمن الدولي، أن إسرائيل لن تنسحب من قطاع غزة قبل ترسيخ قوة الاستقرار، وهو زمن مفتوح متروك تحديده لمعايير إسرائيل وتقديراتها، بل أن القرار يشرعن بقاء وجود قوات إسرائيلية في محيط غزة، إلى أمدٍ غير محدود، تحت ذريعة تأمين غزة بشكل صحيح من أي تهديد إرهاب!.

ولعل الإشكالية الجوهرية في هذا الأمر تتمثل بعدم منح هذه القوة أيَّة صلاحيات للتعامل مع الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، مهما بلغت خطورتها. وبذلك تُفرَّغ فكرة “حفظ السلام” من معناها المتعارف عليه دوليًّا، وتتحوِّل القوة أداةً لفرض الانضباط الأمني على الفلسطينيين وحدهم. فالولايات المتحدة لا تسعى إلى توازن في القوة أو تفويض يضع إسرائيل والفلسطينيين على قدم المساواة، بل تريد منظومةً أمنيةً تتحرَّك داخل غزَّة لضبط الفلسطينيين، فيما تُستثنى إسرائيل من أيّة مساءلة.

إن الوظيفة المتوقَّعة من هذه القوة، كما يجري تسويقها، تتمثَّل في نزع سلاح غزَّة باعتباره الأولوية الأمنية، لا عبر عملية سياسية داخلية تقود إلى مصالحة فلسطينية، بل عبر فرض معادلة مختلّة تجعل أمن إسرائيل شرطًا أوليًّا وأعلى من الحقوق الفلسطينية، التي تُرحَّل مرّةً أخرى إلى أجل غير مسمَّى.

 ثالثًا: مسار الدولة الفلسطينية.

وافق الطرف العربي على خطة ترامب، وقرار مجلس الأمن الدولي لسببين رئيسين: الأول، وقف المذابح الجارية بحق الفلسطينيين في غزة؛ إذ لم يكن لدى العرب خيارات بديلةٌ عن انخراط أمريكي طالما شجعوا على حصوله، كما أن الجرائم بحق الفلسطينيين وصلت إلى حدود لم يعد ممكنًا احتمالها عربيًّا دون فعل شيء، بالإضافة إلى أن استمرار الحرب من شأنها تعزيز موقف التيار المتطرف في إسرائيل وتثقيل أوراقه، ما يعني أن مخططاته لضم الضفة الغربية وطرد الفلسطينيين منها، لو استمرت الأمور بدون تدخل دولي، وأمريكي بشكل محدَّد، ستصبح أمرًا واقعًا في نطاق زمن منظور.

السبب الثاني لموافقة الأطراف العربية، يتمثل بوجودهم مقدارًا من الإيجابية في مشروع أمريكي يلمح للمرة الأولى إلى إقامة دولة فلسطينية، رغم اشتراط ذلك بإمكانية توافر ظروف لمسار موثوق يتيح للفلسطينيين تقرير المصير، وربطه بمرحلة تعقب تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية بأمانة، رغم أنَّ ما جاء في هذا القرار أضعف كثيرًا مما جاء في قرارات سابقة لمجلس الأمن.

لكن تبقى هناك إشكالية خطيرة في موضوع الدولة الفلسطينية تتمثل بعدم وجود إطار واضح لإقامة هذه الدولة، لا من حيث الآليات ولا من حيث المدى الزمني، وربطها بمسألة حصول الإصلاحات، تبدو غامضة إلى حد بعيد، فما هي الإصلاحات المقصودة؟ وما هي معايير تطبيقها؟ ومن هي الجهة التي تقِّيم هذه الإصلاحات؟ ثم أن بإمكان نتنياهو، أو أي حكومة إسرائيلية في المستقبل، إضافة المزيد من الشروط والتحفظات والانتهاكات، حتى يستسلم الجميع ويعودوا إلى الوضع الراهن المألوف والسيئ.   

بالإضافة لذلك، فإن استمرار عمليات التهويد والاستيطان في الضفة الغربية وغور الأردن وفق الوتيرة التي تسير بها حاليًّا وبدعم من الحكومة الإسرائيلية، سيجعل من إمكانية قيام دولة فلسطينية أمرًا محل شك كبير، أو في أحسن الأحوال سيقلص مساحتها إلى الحدود الدنيا.

رابعًا: خطر التقسيم.

مع ضمان استمرار الاحتلال الإسرائيلي لما سماه القرار بالمحيط الأمني، الذي لا تحكمه أيَّةُ أجندة واضحة لإنهائه، سوى القول إنَّه “سيظل قائمًا إلى حين تأمين غزة على نحوٍ كافٍ من أي تهديد إرهابي متجدد”، مما يعني منح “إسرائيل” الحق في احتلال أجزاء من غزَّة بلا نهاية واضحة.

في هذا الإطار، فإن تقسيم غزة سيصبح أمرًا واقعًا ودائمًا، في ظل رفض وجود السلطة الفلسطينية في الترتيبات القائمة، ولا حتى في المستقبل المنظور؛ حيث ستتحول سلطة حماس، أو حتى سلطة التكنوقراط المُراد لها إدارة غزة، إلى هياكل قائمة بذاتها ومستقلة، أو على الأقل سيؤدي ذلك إلى مطالبة التكنوقراط مستقبلًا بالحكم المحلي، أو الفيدرالي، نتيجة عدم حاجتهم لسلطة رام الله المركزية، التي لن يضيف اندماجهم معها أيةَ قيمة جديدة، ما دام التمويل والإشراف خارجيين، وما دامت ستتشكل قوَّة من الشرطة تؤمن الحماية والدفاع، وقد تتحول مستقبلًا إلى شكل من أشكال الجيش وبدعم أمريكي وغربي.

غير أن ما هو أخطر من ذلك، هو تقسيم غزة بين إسرائيل والسلطة التي سيتم تشكيلها في غزة، سواء كانت من حماس أو من التكنوقراط، بحيث تبقى إسرائيل مسيطرة على مفاصل القطاع الجغرافية، بذريعة التحوُّط من إمكانية تكرار عملية طوفان الأقصى وحماية مستوطنات غلاف غزة، وهو أمر قابل للتحقُّق ما دام ليس هناك ما يحسم عملية الانسحاب الإسرائيلي وترك المسألة لتقديرات مستقبلية لحكومة إسرائيل.

السؤال المجدي: ماذا على العرب فعله الآن؟

رغم كل عيوب خطة ترامب وقرار مجلس الأمن الدولي، وما ينطويا عليه من إشكاليات وتعقيدات، إلا أنه يبقى أفضل الممكن والمتاح؛ نظرًا لاختلال موازين القوى وتوجهات السياسات الدولية، واستنزاف الطاقة الدبلوماسية العالمية في قضايا باتت تمس أمن النظام الدولي ومستقبل السلام في العالم. ولا شك أن التحرك العربي والإسلامي اقتنص لحظة دولية مهمة تمثلت بتعاطف الرأي العام العالمي مع معاناة الفلسطينيين، وانعكاس هذا التعاطف في مواقف العديد من الدول التي أبدت دعمها للحل السياسي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما استفادت الأطراف العربية والإسلامية مع الصراع الجيوسياسي المشتعل بين الأقطاب الدولية، مستثمرة حاجة الولايات المتحدة الأمريكية للدول الوازنة في العالمين (العربي، والإسلامي) واستعدادها للتوصل معهم إلى تفاهمات، ولا سيما في القضية الفلسطينية.

لا شك أن قرار مجلس الأمن ينطوي على إيجابية تتمثل بكسر دائرة الرفض الإسرائيلي لمعالجة مسألة الحل القائم على دولتين، لكن الأهم في الأمر، أن القضية الفلسطينية بدأت مسارًا تدويليًّا يخرجها من احتكار إسرائيل لمصير الفلسطينيين ومستقبلهم الوجودي والسياسي، فالقرار الذي اعتمده مجلس الأمن يخوِّل هيئتين لإدارة القطاع، بشكل مؤقت: مجلس السلام الذي سيكون بمثابة حكومة مؤقتة، وقوَّة الاستقرار الدولية التي ستشكل جيشًا مؤقتًا. وهذه الهياكل لن يكون لإسرائيل أية سيطرة عليها، وسيكون للأطراف العربية والإسلامية تأثيرات مهمة سواء في تشكيلهما أو في متابعة مسار أعمالهما، ما يعني أن قرار مجلس الأمن أعاد الطرف العربي بقوَّة إلى تأدية دور مهم في تقرير الوضع الفلسطيني، كما أنه شكَّل سابقة مهمة سيكون من الصعب على إسرائيل التراجع عنها، وقد تتحوّل هذه السابقة إلى نموذج لخطوات مشابهة في الضفة الغربية مستقبلًا.

ما يمكن للعرب والفلسطينيين فعله في المرحلة المقبلة، هو البناء على الجوانب الإيجابية في القرار، وتوسيع هذه الهوامش من داخل القرار نفسه، الذي ترك الكثير من المسائل غامضة، ولا سيما على صعيد الآليات وتشكيل الهياكل المحلية، وتدرك الدول العربية أنها أمام فرصة تتطلب منها إخراج القضية الفلسطينية إلى أفق أفضل وهذا الأمر يتطلب دبلوماسية نشطة وواقعية واستثمارًا جيدًا لتوجهات الرأي العام الدولي.

لقد نجحت الدول العربية، في المرحلة في إدارة الصراع، حافظت على الوجود الفلسطيني في غزة ومنع عملية التهجير رغم شراسة الهجمة الإسرائيلية، ورغم وجود مؤيدين كثر لها داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، كما نجحت في استقطاب جزء كبير من دول العالم لتأييد إقامة دولة فلسطينية عبر دبلوماسية هادئة، وإخراجها من خانة الاستقطابات الإقليمية والدولية، والمطلوب اليوم الاستمرار في نفس هذا المسار لضمان تحقيق أكبر قدر من المكاسب للقضية الفلسطينية ولشعب فلسطين.

اظهر المزيد

غازي دحمان

كــاتب ســـوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى