2025العدد 203ملف ثقافي

صدام الحضارات.. النبوءة التي تحقق ذاتها

سعت أوروبا، عبر حملاتها الصليبية على المشرق العربي الإسلامي، إلى استعادة ثقتها القديمة بذاتها، والتأكيد على حضورها العالمي بعد ستة قرون من انهيار الإمبراطورية الرومانية المقدسة، ودخول العالم المسيحي في كهف الاغتراب التاريخي. ورغم فشل الحملات السبع في تحقيق انتصار نهائي أو ترك أثر دائم، فإنها نجحت في غرس تقليد شائن ومرير يتعلق بالمزج الخطير بين القوة العسكرية والادعاءات الأخلاقية؛ حيث صار القتل والتدمير في سبيل القيم المسيحية بمثابة منوال نسج عليه الأوروبيون تاليًا في وقائع عديدة كحروب الأندلس وما واكبها من مذابح دموية ضد اليهود والمسلمين. وحركة الكشوف الجغرافية واستعمار الأمريكتين، بذريعة تبشير الوثنيين. ثم الموجة الاستعمارية الحديثة بذريعة الرسالة الحضارية للرجل الأبيض في مدينة الآخرين. وأخيرًا النزعة الإمبريالية التي ورثتها الولايات المتحدة عن أوروبا، ولم تتوقف عن ممارستها طيلة النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من الحادي والعشرين، وهي النزعة التي حاول هانتنجتون تبريرها بنظرية صدام الحضارات، بمجرد انتهاء الحرب الباردة.

النبوءة السوداء وآسيا الصاعدة.             

في الأقسام الخمسة من كتابه “صدام الحضارات” يبرر المفكر الأمريكي الراحل “صامويل هنتنجتون” نظريته الأساسية بافتراضات خمس: أولها، أن الثقافة الكونية باتت متعددة الأقطاب، والتحديث لم يعد يرتبط بالتغريب. وثانيها، أن ميزان القوي بين الحضارات يتغير؛ حيث يتدهور تأثير الغرب النسبي، ويتصاعد دور الحضارات غير الغربية، فالآسيوية تزداد قوتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والإسلامية تكاد تنفجر كتلتها الديموجرافية. وثالثها، أن المجتمعات ذات القربى الثقافية تتعاون معًا، والدول تتجمع حول دولة المركز في حضارتها. ورابعها، أن مزاعم الغرب في “العالمية” تضعه بشكل متزايد في صراع مع الحضارات الأخرى، خصوصًا الإسلامية والكونفوشية، وتزيد من خطر الاستقطاب العالمي. وخامسها، أن بقاء الغرب يتوقف على الأمريكيين بتأكيدهم على الهوية الغربية!. وعلى الغربيين بقبول حضارتهم كحضارة فريدة وليست وحيدة.

ولعل القراءة المتأنية في الافتراضات الخمس للنظرية تكشف عن هاجس أساسي لدى العقل الأمريكي وهو استمرار تكتل الغرب خلف الولايات المتحدة بعد زوال التهديد العسكري السوفيتي لأوروبا، والذي لعب دور اللاصق الإستراتيجي لحلف الناتو. ورغم كثافة الانتقادات التي وُجهت إلى تلك النظرية من داخل الغرب قبل خارجه إبان التسعينيات، فإن أحداث 11 سبتمبر 2001 م، أحيت السجال حولها، بعد أن اعتبرها اليمين الأمريكي المحافظ ذريعة كافية لغزو بلدين مسلمين وتفكيك نظاميهما (أفغانستان، والعراق). أما العدوان الإسرائيلي المدعوم أوروبيًّا وأمريكيًّا، على (غزة، وإيران، وحزب الله، واليمن، وسوريا)، أي على المشرق العربي الإسلامي، فمنحها قدرًا كبيرًا من الصدقية، يمكن القول معه أن مجريات الأحداث الراهنة تبدو وكأنها تنتصر للرجل في قبره.

يفترض هنتنجتون أن الغرب مستمر في الدفاع عن مثل الحداثة السياسية، خصوصًا الديمقراطية الليبرالية، وعن مفهوم الدولة القومية التي تصوغ إستراتيجياتها بعيدًا عن أي دوافع دينية، وأن التحدي الأساسي الذي يواجه الغرب هو الحفاظ على كونه متماسكًا، وعلى استقرار النظام العالمي القائم على الاقتصاد المفتوح والتجارة الحرة. ويفترض الرجل، في المقابل، أن الآخرين، آسيويين ومسلمين، هم الذين سيهاجمون الغرب ويحاولون تغيير النظام العالمي لدوافع ثقافية ودينية، على نحو يُفجِّر صدامًا حضاريًّا. ومن جانبنا نفترض العكس، وهو أن الغرب يمارس سياسات عدوانية وعنصرية، تخايلها دوافع ثقافية ودينية، تدفع نحو صدام حضاري، لا يقف دونه الآن سوى تردد العالمين (الآسيوي، والإسلامي) في بدء المواجهة، كل طرف لأسبابه الخاصة.

نتوقف أولًا عند العالم الآسيوي، الذي لم يتوانَ قط طيلة العقود الثلاثة التالية على صدور الكتاب/ النظرية عن توكيد ذاته على كافة الأصعدة (التكنولوجية، والاقتصادية، والعسكرية)، مستفيدًا من بنية/ حركة العولمة التي مكنته في سنوات قليلة من استقبال عشرات الصناعات وآلاف الشركات الطامعة في عمالته الرخيصة. وبعد سنوات من تقليد تلك الصناعات من خلال آلية الهندسة العكسية، أتقنت جل بلدانه دور الشريك في تكنولوجيا الثورة التكنولوجية الثالثة، قبل أن يؤدي بعضها دور البطولة في الثورة الرابعة: ثورة البيوتكنولوجي والديجيتال والذكاء الصناعي التوليدي، خصوصًا الصين صاحبة القفزة الكبرى على كل الأصعدة، وفي القلب منها التصنيع العسكري؛ إذ طورت أرقى أنواع السلاح، خصوصًا الجوي بامتلاكها الجيل الخامس الشبحي، وشروعها في إجراء تطويرات أولية لإنتاج الجيل السادس، وقِس على ذلك كل مجالات التصنيع، الأمر الذي مكنها من احتلال المركز الثاني في الاقتصاد العالمي اسميًّا، أي بمعيار الناتج القومي مقومًا بالدولار، والمركز الأول فعليًّا بحسب تقديرات أخرى تقيس الناتج القومي بالقيمة الشرائية، وهو مؤشر نظنه أكثر واقعية. وحول الصين ثمة اقتصاديات عديدة تشكل حزامًا للنمو السريع يغذي بعضه بعضًا، يشمل كل شرق وجنوب شرق آسيا. أما حول الولايات المتحدة فثمة مجتمعات أوروبية منهكة ومأزومة، شاخت قيمها الثقافية المتنورة، وتوغلت فيها النزعة الفردية إلى مستوى عبادة اللذة والانفلات الجسدي الذي بلغ نقطة ذروة في مجتمع الميم. وأيضًا اقتصاديات منهكة بلغت الحد الأقصى من التشغيل، فضلًا عن بيئة منهكة بلغت الحد الأقصى من التلوث بعد قرنين كاملين مرَّا على الثورة الصناعية الأولى، وثلاثة أرباع القرن مرت على الثورة الصناعية الثانية، لم يتوقف خلالها الإنتاج الكثيف من الوقود الأحفوري، والتشغيل المنفلت من أية قيود. ناهيك عن شيخوخة بيولوجية هيمنت على التركيبة السكانية الأوروبية بالذات، فثمة دول تجمد عددها، وأخرى تراجع سكانها، فيما ارتفع متوسط الأعمار عمومًا، بما ينطوي عليه ذلك من معدل إعالة عالية لكبار السن يثقل كاهل قوة العمل. كل ذلك يجعل العالم الآسيوي، الذي حذر هنتنجتون من صعوده، حاضرًا بقوة، يؤكد باطراد على صدق نبوءة الرجل بصعوده الحضاري ورغبته التالية في التوكيد الإستراتيجي للذات، بما ينطوي عليه ذلك التوكيد من احتمالات التنافس مع الغرب، وهو تنافس لا يزال عقلانيًّا، يتوسل كل أسباب التفوق التي ميزت الغرب منذ القرن الثامن عشر: تفوق اقتصادي رأسمالي، وتفوق تكنولوجي في إنتاج السلاح أعطاه القدرة على الهيمنة، وتفوق ثقافي يعتمد على جاذبية الطرف الأقوى، وجاذبية قيمه للطرف الأضعف. يدور هذا الصراع حتى الآن في هدوء نسبي، تحوطه من جانب كياسة الصين التي تدفعها إلى عدم التعجل في تفجير الصراعات أو الاحتفال بما تحقق من تفوق حتى الآن، أو حتى إبداء البهجة بقرب الانتصار، ويحوطه من الجانب الآخر حالة إنكار عقلي ونفسي غربي، تأبى الاعتراف الصريح بما جرى فعليًّا.

 المؤكد لدينا، أن هذا الصمت لن يدوم طويلًا، فهو ابن مرحلة نَصفها بـ “العماء التاريخي”، كونها تتعلق فقط بالمساحة الزمنية الممتدة بين الحُقب البنيوية في تاريخ العالم، وهي بطبيعتها مرحلة مؤقتة، مختلطة الملامح، أقرب إلى لحظات انتقال منها إلى خطوط نهايات، يتصرف الطرفان (الصاعد، والهابط) خلالها وكأن شيئًا لم يحدث. الصاعد حتى يكمل استحقاقات صعوده، ليأتي الإعلان عنه صاخبًا. أما الهابط فعجز عن مصارحة نفسه، وأملًا في حدوث شيء طارئ غير متوقع، يوقف مسار هبوطه، ويطيل من عمر هيمنته ولو قليلًا. لكن ما يجري فعليًّا إنما يخدم الطرف الصاعد، فمراحل الصعود الحضاري ترتبط في الأغلب بفكر ثاقب وخيال دافق وثقة بالنفس تسمح بحسن الاختيار. أما مراحل الهبوط فغالبًا ما يشوبها مزيج من التشويش العقلي، والتوتر النفسي، والحساسية المفرطة، وكلها دوافع لسوء التصرف، الذي نشهده اليوم بكثافة غير مسبوقة داخل المعسكر الغربي بقاطرته الأمريكية؛ إذ يؤجج حروبًا عبثية، وينفخ في صراعات كامنة دونما القدر اللازم من الحكمة والمسؤولية، الأمر الذي أفقده القدرة على ممارسة نفوذه وورطه في استخدام القوة. وفيما يستند النفوذ إلى موارد قوة ناعمة، تمنح صاحبها القدرة على التأثير عبر الإقناع والإغواء والردع، دون أن تستهلك نفسها، فإن ممارسة القوة يستند إلى موارد صلبة، يفضي استخدامها إلى استهلاكها، لتتآكل وتُزوَى بالتدريج، فلا يكون أمام صاحبها سوى التراجع والأفول، وتلك سُنة التاريخ في الغرب المعاصر كما في الإمبراطوريات السابقة.

الغرب “القذر” والمسلمون الغافلون .

عانى العرب لنحو القرن ونصف القرن من إشكالية فهم الغرب: هل هو الحداثة أم الإمبريالية، التنوير أم الاستعمار، المطبَعة وما تشي به من علوم ومعارف ترمز للنور، تحرك الأذهان وتفجر التطلعات أم المدفع بما يزخر به من بارود وما يَرمز إليه من نار يحرق بها الأجساد ويحتل الأرض؟ انقسم الوعي العربي حيال ذلك إلى فرق وتيارات، ثارت بينها خلافات ودارت وقائع نالت من انسجامنا الثقافي، وعطلت تطورنا السياسي. اليوم، تتجدد الإشكالية القديمة بفعل وقائع العدوان الإسرائيلي الهمجي على غزة وشعبها، أرضها وعمرانها، على أطفالها ونسائها، والذي استمر نحو العامين، وبلغ حد التطهير العرقي والإبادة الجماعية، بل إنه فاق كثيرًا كل جرائم الحرب السابقة خسة ونذالة باصطياد الجوعى من طالبي المساعدات، وذلك وسط صمت ولا مبالاة السلطات الحاكمة في الغرب، وما يدور في فلكها ويتأثر بها من أحزاب وجماعات ضغط أو يرتبط بها من مراكز تفكير. ومن ثَم يأتي وصف الغرب بالقذارة، والوصف ليس من عندنا على أية حال بل هو وصف “فردريش ميرتس” المستشار الألماني نفسه، الذي تحتل بلده موقعًا مركزيًّا في أوروبا: ثقافيًّا واقتصاديًّا، وإستراتيجيًّا، العالم الغربي، وقد جاء في معرِض مطالبته بدعم إسرائيل في عدوانها الهمجي على إيران، كما كان قد دعَّمها سلفًا ولا يزال في عدوانها الغاشم على غزة. في حالة غزة كان مبرر الرجل أن حماس هي الطرف الذي بادر بشن هجوم الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، فلتتحمل المسؤولية عن كل ما جرى ولا يزال، بذريعة حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. ورغم أن هذا التصور مشوهٌ أصلًا، كونه يختزل الصراع في لحظة 7 أكتوبر، وكأن الطوفان ليست له دوافع جوهرية، أو لا يسبقه تاريخ من الألم يمتد في ثلاثة أرباع القرن، أو أن غزة كانت تعيش حياة عادية لا تخضع للحصار المحكم، والفلسطينيون كانوا يعيشون في دولة وليس في أرض محتلة. الأهم من ذلك، أن التضامن مع إسرائيل جاء سريعًا وفعالًا، عبر عن نفسه ليس فقط في تصريحات أرفع المستويات الرسمية، ولا في زيارات قادة الدول الأكثر تأثيرًا، خصوصًا (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا) لإسرائيل، بل في مواقف سياسية داخل مجلس الأمن، وإجراءات عسكرية على الأرض، على رأسها تقديم أمريكا الأسلحة والمعدات والذخائر، وتحريك حاملات الطائرات والغواصات البحرية لحماية الشواطئ الإسرائيلية ردعًا لجيرانها عن التدخل في الصراع، ناهيك عن الوجود الكثيف لقوات بشرية تمتلك خبرات استثنائية في اكتشاف الأنفاق وإدارة المعارك غير التقليدية، وتقديم الدعم الاستخباراتي. وقد تبعها البريطانيون والفرنسيون والألمان بتقديم الدعم التسليحي والاستخباراتي؛ ليتبدَّى الغرب الحديث وهو يلبي نداء الرئيس الأمريكي “جو بايدن” للاحتشاد ضد غزة، كأوروبا المسيحية عندما احتشدت خلف البابا أوربان الثاني بهدف اقتناص أورشليم/ القدس. الهدف هو اقتناص المكان نفسه، وإن تغير شكله من إمارة صليبية إلى قاعدة عسكرية صهيونية. حدث ذلك رغم اعتراف جل الدول الغربية بأن إسرائيل قد تجاوزت كثيرًا حق الدفاع عن النفس، ورغم اتفاق كل دول العالم تقريبًا على أنها ارتكبت ولا تزال جرائم إبادة جماعية، ما يكشف عن حالة نفاق سياسي فاضحة، يتناقض فيها الخطاب مع الفعل، والقيم الإنسانية مع المصالح السياسية.

 أما في حالة إيران فقد تكرر الحشد الغربي نفسه، رغم أن إيران لم تكن الطرف المبادر بالعدوان، ولو أن ميرتس مدد ذريعة حق الدفاع عن النفس على استقامتها، لطالب بدعم إيران في مواجهة إسرائيل، كونها المعتدية. لكن الرجل اختار أن يدعمها من جديد، متذكرًا دور التاريخ هذه المرة، والذي يشي له بأن إيران دولة مناوئة للغرب، تسعى ويا للهول لامتلاك قدرة نووية، يخشي الغرب من أن تتحول إلى سلاح نووي في أية لحظة مستقبلية، ولذا وجب القضاء على تلك القدرة بعمل يعترف ميرتس أنه قذر، ويُثمِّن دور إسرائيل التي قامت بذلك العمل القذر نيابة عن الحضارة الغربية كلها، متناسيًا أن دول غربية عديدة، ناهيك عن إسرائيل، تمتلك السلاح النووي منذ عقود طويلة. تذكرنا دعوة ميرتس للاحتشاد خلف عمل قذر بدعوة القائد البريطاني المكنى “ريتشارد قلب الأسد” إلى ما أسماه بـ “الحقد المقدس”، وذلك في معرض تحريضه للجنود المسيحيين على الاستماتة في بذل دمائهم انتقامًا من المسلمين إبان الحروب المسماة بالصليبية، رغم أن الرجل وجنوده هم من أتوا إلى الأرض العربية، التي تفيض عسلًا ولبنًا. التناقض لدى ريتشارد يبدو واضحًا، فلا يمكن للحقد أن يكون مقدسًا أبدًا، بل هو المدنس بعينه. أما التناقض لدى ميرتس فيبدو أكثر وضوحًا، لأن الرسالة الحضارية لا يمكن أن تكون قذرة، والفارق كبير بين الحضارة والقذارة.

 والبادي لنا، أن ثمة ضغائنًا تاريخية لا تزال كامنة في العقل الغربي الحديث/ العلماني، تغذي الكثير من سياساته الراهنة. فالغرب، إذ يسعى إلى تكريس هيمنته الإستراتيجية، وإلى تعطيل مسار تدهوره الحضاري، لا يزال يستبطن في أعماقه هواجس الصدام مع الحضارة العربية الإسلامية، القطب الإستراتيجي الوحيد الذي تمكن، لأربعة قرون كاملة، من فرض هيمنته على البحر المتوسط، والتحكم في طرق التجارة العالمية، وحبس أوروبا داخل حدودها، بل واحتجاز بعض أراضيها، ما جعلها تعيش نهارها وتبيت ليلتها على وقع هواجس اقتحامه لها. ومن ثم يحارب الغرب أي بعث حضاري محتمل يستطيع تشكيل هوية إستراتيجية للمنطقة تعاند الهيمنة الغربية، وذلك من خلال الدعم المطلق بل الأعمى لإسرائيل، والتلاعب الثقافي بحركات الهوية القلقة، الباحثة عما تراه أصالتها الدينية، والعائقة لأي تضامن إستراتيجي عابر للمذاهب والطوائف.

وهنا لابد وأن نذكر إشارة هانتنجتون ذات الدلالة الموحية، في الكتاب نفسه، إلى غياب دولة مركزية تقود الحضارة الإسلامية على منوال الصين في الحضارة الكونفوشية، والهند في الحضارة الهندوسية، وروسيا في الحضارة المسيحية الشرقية، والولايات المتحدة في الحضارة الغربية؛ حيث تتنافس دول ست أساسية على قيادة عالم الإسلام دون أن تتمكن إحداها من تحقيق إجماع حول قيادتها لوجود قصور لدى كل منها، يميز الرجل بين صنفين منه: الأول، قصور بنيوي، يصعب تجاوزه، تعاني منه أربع دول هي (إندونيسيا، وباكستان، وإيران، والسعودية)؛ فإندونيسيا رغم حجمها السكاني الكبير، ونموها الاقتصادي المشهود، تبقى دولة طرفية بعيدة عن قلب العالم الإسلامي، تتشكل ثقافتها من أصول ومؤثرات عدة: إسلامية، وهندوسية، وصينية، ومسيحية. وباكستان تحوز الحجم الجغرافي، والتعداد السكاني والقدرة العسكرية والسلاح النووي، غير أنها فقيرة اقتصاديًّا، ومنقسمة إثنيًّا. وإيران تحوز كتلة حيوية متميزة على صعيد الجغرافيا والسكان، فضلًا عن موقعها المركزي في الشرق الأوسط، وثرائها النفطي الكبير، غير أنها شيعية، ولغتها محلية لا تحوز شعبية اللغة العربية. وأما السعودية فهي مهبِط الإسلام الذي يمنحها نفوذًا روحيًّا هائلًا، فضلًا عن نفوذها المالي وثرائها النفطي، غير أنها تعاني عجزًا ديمغرافيًّا يجعلها معتمدة أمنيًّا على الغرب، كما أن مذهبها الديني المتشدد، وتقاليدها الاجتماعية المحافظة لا يجعلانها النموذج الأكثر جاذبية لعالم الإسلام المتنوع. أما الثاني، فهو قصور طارئ تعاني منه تركيا ومصر. تركيا يتوفر عليها الحجم والموقع الجغرافي المناسبين، والبنية السكانية الجيدة، والتماسك الوطني والتقاليد العسكرية العريقة، ولكنها تُعرِّف نفسها كدولة علمانية، ذات توجه غربي. أما مصر فتملك الموقع الجغرافي المركزي في الشرق الأوسط، والكتلة الحيوية المتميزة في العالم العربي، والقدرات العسكرية الكبيرة، ناهيك عن حيازتها الأزهر باعتباره مؤسسة قائدة للتعليم الديني تمنحها نفوذًا ثقافيًّا، ولكنها فقيرة، تعتمد اقتصاديًّا على الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية التي يسيطر عليها الغرب. لكن، ماذا لو تشكل تحالف إستراتيجي بين تلك الدول الست، أو حتى بين أربع منها فقط، باعتبار أن إندونيسيا وباكستان ينتميان إلى إقليم إستراتيجي خارج عن إطار منطقة الشرق الأوسط وقضاياه، وذلك تحت لافتة الإسلام الحضاري، العابر للمذاهب والقابل للتعددية، في مواجهة غرب تتدهور مثله التنويرية، ويكشف باطراد عن ميول عنصرية تكمن أسفل جلده؟ ماذا لو تحالفت مصر وإيران وتركيا والسعودية على قاعدة فهم مشترك بأن مكانتها وأدوارها جميعًا مهددة أمام تغول التحالف الصهيومسيحي، الذي يسعى إلى اعتصار الإقليم كله بما فيه ومن فيه من دول وثروات وأفكار ومعتقدات، وأن ما قد تتمتع به إحداها اليوم من حرية في المبادرة أو تحصل عليه من دعم الولايات المتحدة، ليس لكونها شريكًا حقيقيًّا لها، ولا لكونها حليفًا للوكيل الصهيوني، بل لكونها تقوم بخدمة القوة العظمى ووكيلها، أي إنها تؤدي دورًا وظيفيًّا سوف ينتهي عندما تفقد هي مقوماته، وتلك هي لعبة الأمم، التي تقسو على الدول الضعيفة والحضارات الغافلة التي تخلو من كيان إستراتيجي يضبط الإيقاعات ويحل التناقضات؟.. ألا نكون بصدد صدام حضاري يؤكد على نبوءة هنتجتون السوداوية؟ مثل هذا الصدام لا يعوقه في الحقيقة سوى الشعور الغائب بالثقة والجدارة لدى الحكام المسلمين، رغم ما يمتلكه الإسلام من ذاكرة حضارية وثقافة إنسانية تستوعب حياة ربع البشرية، ونحو 15% من جغرافية العالم؛ إذ لا يزال هؤلاء ينظرون لأنفسهم كأيتام للحضارة الحديثة ورعايا للإمبراطورية الأمريكية.

أمريكا.. رأس حربة الإمبريالية.

في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، الذي اعتبره المحافظون الأمريكيون الجدد تطبيقًا لنظرية صدام الحضارات، اعتمد الخطاب الثقافي الغربي تقسيمًا ثنائيًّا للمجتمعات العربية بين معتدلين يقبلون بالحداثة ويحبون الغرب ويرحبون بالدور الأمريكي في المنطقة، وبين متشددين يرفضون الحداثة ويكرهون الغرب ويعاندون الدور الأمريكي. المعتدلون جرى تقريظهم دومًا، ولكن مع حصرهم في دائرة المهادنين الذين شكلوا ثقافيًّا ظاهرة المتغربين، وسياسيًّا ظاهرة المحافظين، الحريصين على استمرار الأمر الواقع أيًّا كان الثمن، وقد حملوا أخيرًا وصف المُطبِّعين. أما المتشددون فجرى حصرهم في الباحثين عن أصالتهم الحضارية سواءٌ القومية كـ(البعثيين، والناصريين)، أو الدينية كالتيارات الإسلامية بكل أطيافها من جماعات معارضة وحركات احتجاجية. وبالطبع جرى حصار الأصاليين بالسؤال: لماذا يكرهوننا؟ تجاهلًا لحقيقة أن القوميين يكرهون بالفطرة كل أشكال الاحتلال، وأن جل الإسلاميين المتشددين وُلدوا في حجر الغرب وأجهزته الاستخباراتية، برعاية النظم المحافظة وتمويلها، ولهدف حصار التوجهات (القومية، والشيوعية). أما الأهم فهو أن ذلك التقسيم الثنائي تجاهل صوتًا ثالثًا عميقًا، يعكس الروح التقدمية في المجتمعات العربية، وهو التيار التوفيقي، الذي يقبل بالحداثة، ولا يكره الغرب من حيث المبدأ، بل يكره نزعاته الاستعلائية وسياسته الاستعمارية، التي لم تعد تجد لنفسها حقلًا تمارس فيه إبداعاتها، أعقاب موجة التحرر القومي، سوى الصراع العربي الإسرائيلي، عبر الانحياز الدائم والتلقائي لإسرائيل بأساطيرها الدينية التوراتية أو الصهيونية القومية. بالطبع، لم يكن التيار التوفيقي ليقبل بهذا الانحياز، خصوصًا وأنه مارس الاعتدال السياسي، ووقع بالفعل اتفاقيات سلام بُغية حل عادل للصراع مع إسرائيل يلتزم بالحدود الدنيا للحق الفلسطيني في دولة مستقلة، بل إنه أبدى من الاحترام للشرعية الدولية قدرًا دفعه للتحالف مع الولايات المتحدة ضد الشقيق “العراق” عندما غزا الكويت، لكنه لم يحصل أبدًا على السلام العادل. ولأن هذا التيار لا يرغب غالبًا في ممارسة العنف الشرعي بتحريك الجيوش النظامية، فقد بدا الطريق مسدودًا أمام الكتلة الرئيسة في المجتمعات العربية، ومن ثم تحرك التيار الهامشي/ المتشدد إلى صدارة المشهد، دفاعًا عن قضية تكاد تغرب شمسها. ولكونه تيارًا احتجاجيًّا، فإن وسائله بالضرورة من طبيعته وجوهره؛ حيث يملك الحق وإن طلبه بصورة خشنة، كما فعلت حماس في طوفان الأقصى بهدف إحياء القضية وإعادة وضعها على جدول أعمال المنطقة والعالم. هكذا أسلم الغرب التيار التوفيقي للتيار المتشدد، قبل أن يعود ويطلب منه أن يُدين حماس، باعتبارها الفاعل في طوفان الأقصى. يرفض التيار التوفيقي إدانة الجماعة التي باتت هي الصوت الحي الوحيد، يجمد اختلافه الإيديولوجي معها إبان معركتها المقدسة ضد الاحتلال، يحتضن منطقها العادل رغم طريقة تعبيرها الخشنة عنه.

ومن ثم، تكمن الإشكالية الكبرى في علاقة الولايات المتحدة بالعالم العربي، وهي النظر إليه كمجرد إقليم جغرافي، أو حيز جيوسياسي وليس كأمة تتمتع بالتجانس الثقافي، تملك كبرياءها الذاتي. ترتب على ذلك، تعاطيها معه باعتباره مجردَ ظلٍ للصراع العالمي، يمكن أن تسقط على واقعه السياسي جديد العالم الإستراتيجي، خصوصًا انتصارها في الحرب الباردة، الذي اعتبرته هزيمة للعرب في صراعهم مع إسرائيل. وبرغم أن حرب تحرير الكويت التي تزعمتها، وأعلنت من خلالها عن قطبيتها المنفردة، لم تكن لتنجح إلا بدعم لوجستي من دول عربية كبرى، انتصارًا للشرعيتين (الدولية، والعربية)، فقد تصرف العقل الأمريكي وكأن العرب جميعًا قد هُزموا وليس العراق وحده. وبينما كانت الشعوب العربية، حتى في دول التحالف (مصر، وسوريا، والسعودية)، تتجرع مرارة العلقم وهي تشاهد عبر الفضائيات عملية تدمير العراق، كأحد أكثر المشاهد كآبة في تاريخنا المعاصر، وكانت تعزي نفسها بضرورة تحرير الكويت، فإن الولايات المتحدة لم تكن تصغي إلى تلك المشاعر العميقة، ومن ثم استمرت تغذي ذلك المشهد الكئيب بمشاهد الحصار والتجويع، وصولًا لاحتلال العراق 2003، وتفكيك ليس فقط نظام الحكم بل مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش، بتهمة ثبُت زيفها، الأمر الذي غذَّى ظاهرة الأسلمة، وأنتج تنظيم داعش في مفاجأة غير سارة لها، نتجت عن تصوراتها الاختزالية لأنساقٍ ثلاث رئيسة:

التصور الأول، يتمثل في نظرتها إلى القومية العربية على أنها مجرد إيديولوجيا سياسية قابلة للهزيمة والتلاشي، وكما تداعت الأيديولوجية الشيوعية ومعها نمط الحياة السوفيتي أمام الليبرالية ونمط الحياة الأمريكي، فقد توجب على القومية العربية أن تسلم قيادَها للحركة الصهيونية. وكما تم تفكيك الكتلة الاشتراكية حول روسيا ليتبدى انكشافها أمام الغرب، تم عزل مصر بسلام منفرد، وتفكيك الكتلة العربية حولها ليتأكد انكشافها أمام إسرائيل. لكن، ولأن العروبة حقًا، انتماءٌ وجودي وليس مجرد إيديولوجيا سياسية، فقد بدت عصيَّة على أية هزيمة يمكن وصفها بالنهائية، وبدلًا من الاستسلام لمحاولة إذلالها أخذت العروبة تبدل ثيابها، وتستدعي احتياطيها من المخزون الإسلامي، لتستحيل في جزء منها أصوليةً جهادية تدافع عن كرامة الأمة المهدرة. ومن ثم يتوجب على الولايات المتحدة إدراك أنها، وبفرض نجاحها في استنزاف نظم الحكم المحافظة أو المستبدة، لن تنجح قط في كسر إرادة المجتمعات العربية، أو نسخ أصالة المنطقة، والسيطرة الكاملة عليها، مهما تنامى وجودها العسكري على خرائطها. فالمحتمل أن يتلو السكون المؤقت، والهزائم العارضة موجات جديدة من المقاومة، تثير حروبًا أكثر شراسة، وتغذي تيارات عنف أكثر أصولية، تجعل السيطرة الصهيو – أمريكية عليها أمرًا مستحيلًا، وإن تقاسم الجميع التكلفة الجسيمة لهذا الإدراك المتأخر.

 والثاني، هو تصورها للدين الإسلامي كتراث متخلف، يسهل الضغط عليه والتخويف منه لينكمش أهله على أنفسهم. وهنا يتبدى جهلها الفاضح بالإسلام كدين بالغ الحيوية، يتسم بالحضور الطاغي والهيمنة الكاملة على روح صاحبه، يقيه أيَّ شعور بالخواء الأخلاقي. فالمسلم يمتلك، سواء من أصول اعتقاده، أو من تاريخ حضارته، ما يبعث على الفخر، وحتى إذا رأى حضارته اليوم متخلفة عن نظيرتها الغربية فإنه لا يشعر بهوان عقيدته قدر ما يشعر بالغضب إزاء تحولات تاريخه، فهو أبدًا لا يشك في جدارة الإسلام بل يكره من يحكمون باسمه أو يعتدون عليه، ولا يتوانى في رد العدوان وذلك سر آخر من أسرار العنف الأصولي، لا نبرره هنا بل فقط نفسره.

 أما الثالث، فهو نظرتها إلى الجغرافيا العربية كمنطقة فراغ إستراتيجي يسهل تشكيلها بالضغط على قياداتها، تلك النظرة التي جرى مرارًا التمويه عليها بأغطية الدبلوماسية وأعرافها، هي التي فضحها الرئيس ترامب عندما طالب مصر والأردن بقبول هجرة نحو مليوني فلسطيني إلى أراضيهما، في ترانسفير جديد يمثل نكبة ثانية بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن على النكبة الأولى. مع صمتها المَشين عن كل ما ارتكبته ولا تزال ترتكبه إسرائيل من مجزرة تلو أخرى، وكذلك عن توسيعها لاحتلال سوريا وتدميرها بنيتها العسكرية. ومن ثم، تنمو نظرية المؤامرة في العقل العربي وتكتسب أنصارًا جددًا، وتراكم مبررات واقعية، سرعان ما توظفها التيارات الأصولية في تكريس خطابها عن غرب شرير معادٍ للإسلام بالضرورة، يكاد يلتبس بصورة الشيطان التي أنتجتها المخيلة الدينية للشر المطلق المحيط بقصة الخلق والوجود البشريين، ذلك الشيطان الذي يقضي التاريخ كله، باذلًا الجهد كله في محاولة إغواء الإنسان وجره إلى حافة الهاوية. ما يعني ترسيخ الثنائية الضدية بين العالم العربي الإسلامي والغرب المسيحي، واكتسابها مشروعية جديدة وأرضًا خصبة؛ حيث يطرح العرب سؤالًا: لماذا يقتلوننا؟ في مواجهة سؤال الغرب: لماذا يكرهوننا؟ وهكذا في حلقة مفرغة من الكراهية والكراهية المضادة، العنف والعنف المضاد، تدفع ولو بشكل غير واعٍ، إلى صدام حضاري تجسيدًا لفكرة التنبؤ المحقق لذاته.

اظهر المزيد

صلاح سالم

كــاتب ومفــكر بجريدة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى