هل يمكن أن تتخلى عن هاتفك الجوال؟ هل يمكن أن تغلقه لمدة أسبوع كامل؟ هل يمكن الاستغناء عن التكنولوجيا الحديثة التي نستخدمها من خلال التطبيقات الموجودة على الهواتف أو من خلال الكمبيوتر والإنترنت سواء لحجز تذاكر السفر أو السينما أو المسرح والدفع الإلكتروني أو تحويل الأموال؟
إن طرح فكرة الابتعاد أو الاستغناء عن التكنولوجيا الحديثة سيكون مضحكًا ومثيرًا لسخرية الأجيال الجديدة بالتأكيد؛ حيث إن ثقافتها الحياتية وأنماط حياتها، تعتبر هذه التكنولوجيا وما تقدمه من إمكانات من المسلمات وعناصر الحياة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، بل إن فكرة تعطيل النت لبضع ساعات يصيب العالم كله بالذعر، خاصة في ظل تشابك التخصصات؛ حيث يرتبط توظيف التكنولوجيا بـ(الاقتصاد، والفن، والإعلام)، بل (والسياسة، والحروب، والطب، وعلوم الاجتماع، وحتى التاريخ وعلم النفس أيضًا)، وقد أخذت التكنولوجيا شكل الطفرة المفاجئة المتسارعة؛ فكل هذا التقدم السريع لم يكن متوقعًا لدى الكثير من البشر.
وعلينا أن نعترف أن التقدم التكنولوجي في مجال الفنون كان مذهلًا على مستويين: توظيف التكنولوجيا لتطوير الفنون المختلفة، والمستوى الثاني هو توظيف الفنون، التي تم تطويرها من خلال التكنولوجيا (السمعية، والبصرية على وجه الخصوص)؛ لخدمة التكنولوجيا والتسويق لها، ومن ثم فقد وظفت الفنون المختلفة لخدمة (العلم، والاقتصاد، والأنشطة المختلفة، والمجالات المتعددة)؛ فكل مشروع جديد في أي مجال يتم طرحه وشرحه وتقديمه لجمهور المستهلكين في شكل فني جذاب، ومصطلح المستهلكين هنا هو أدق مصطلح رغم جفافه وقسوته أحيانًا، فنحن جمهور مستهدَف لاستهلاك كافة الأنشطة الإنسانية (المادية، والمعنوية)، والقائمون على الإنتاج يهدفون إلى تحقيق أرباح مادية أو معنوية سواء كانت بعيدة المدى أو قصيرة الأجل؛ لذا فقد تم وضع الفنون في خدمة هذه الأهداف والترويج لها، بل إن هناك مشروعات بسيطة كانت نتائجها إيجابية وعظيمة؛ بسبب توظيف الفنون المطورة حديثًا، بينما فشلت مشروعات أخرى؛ بسبب ضعف التسويق لها بشكل مباشر أو غير مباشر، أو لأنها لا تستخدم الشكل الفني المناسب لها للوصول إلى الجمهور المستهدَف.
والفنون العربية كانت مواكبة لهذا التطور الذي حدث على مستوى العالم، فالعالم العربي لا يمكن أن ينفصل عن تلك التطورات المتلاحقة والسريعة، خاصة وأن التكنولوجيا الجديدة قد أتاحت للفنون العربية فرصة كبيرة لتقديم نفسها عالميًّا، كما وفرت لها العديد من البرامج التي أسهمت في تطويرها، ومن خلال الاحتكاك والتعرف على ما وصله العالم من تطورات في مجال الفنون المختلفة.
ولقد أحدثت الثورة الرقمية تطورًا كبيرًا في المفاهيم وأصبحت المتغيرات تتلاحق يومًا بعد يوم بل ساعة بعد ساعة؛ فلا تخلو ساعة من تطور أو اكتشاف جديد، وما كان بالأمس يحتاج لتصنيع أجزاء تتكلف أموالًا طائلة وتحتاج وقتًا وجهدًا فائقًا أصبح الآن يمكن تنفيذه من خلال برامج خاصة مصممة، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي وما يقدمه من احتمالات لا متناهية لتحقيق أحلام الفنانين بسرعة وبجهد قليل وبتكلفة لا تقارَن بما سبق من تكاليف، وتطرح أيضًا بدورها رؤىً مستقبلية للفنون العربية، خاصة تلك التي ترتبط بـ (التراث، والفولكلور، والتوثيق، والهوية). ويمكننا أن نحدد إسهامات التكنولوجيا الحديثة في مجالات الفنون العربية في:
- الإنتاج الفني في مجالات: السينما، والموسيقى، والمسرح، والفنون التشكيلية من حيث الجودة والتكلفة والتقنيات.
- أساليب العرض والتواصل مع الجمهور، سواء من حيث الانتشار، وعرض المنتج الفني.
- ظهور الفنانين المستقلين وحرية الفنان في التعبير عن نفسه.
- ظهور أشكال فنية جديدة تجمع بين التناولات العالمية، والتجارب التراثية.
- التدوين “التوثيق والأرشفة” والحفاظ على الهُوية العربية.
لقد شهد العالم العربي تطورًا كبيرًا في مجال الفنون السمعية والبصرية مستفيدًا من الثورة الرقمية وما طرحته من إمكانات هائلة. وإذا نظرنا بشكل مفصل إلى كل نوع من أنواع الفنون لتمكنَّا من التعرف على هذا التطور ومراحله ولنلمس أيضًا إمكانات التطور المتاحة في التخصصات الفنية المختلفة؛ ففي الموسيقى والغناء، على سبيل المثال، استفادت الموسيقى العربية من التكنولوجيا الحديثة من حيث أساليب الإنتاج وتكنولوجيا التسجيل الصوتي؛ فبعد أن كان تسجيل الموسيقى يحتاج لفرقة موسيقية كاملة و أستديو كبير مجهز بأجهزة معقدة وضخمة، أتاحت التكنولوجيا الرقمية الحديثة إمكانية تسجيل كل آلة على حدة، بل إن بعض الآلات أصبحت تَعزف من خلال برامج كمبيوتر ولا تحتاج لعازفين إلا في بعض التفاصيل اللحنية البسيطة التي تتطلب مهارة خاصة من العازفين، أو تحتاج لآلات موسيقية لم يتم وضعها في برامج الكمبيوتر بعد.
أعطت التكنولوجيا الرقمية الحديثة أيضًا نقاءً صوتيًّا عظيمًا؛ حيث يمكن التحكم في الألحان وتنقية الصوت من أية شوائب قد تقلل من جودته، وينعكس ذلك على جودة الصوت والألحان، بل إن صوت المغني ذاته يمكن أن يخضع لعملية تنقية ومعالجة للعيوب مما يجعل صوت المطرب أو المغني يصل إلى درجة من الإتقان والنقاء وإمكانية التطريب وجمال الصوت والقدرة على التعبير والتغيير في الإيقاع وعلاقة الصوت المغني بالموسيقى والآلات التي تعزف بدقة عالية والصوت البشري.
إن الأستوديوهات الرقمية التي انتشرت في كل الدول العربية لتحل محل الأستديوهات القديمة ذات التكلفة العالية قد صاحبها أيضًا الانتقال من الشريط الصوتي إلى الأقراص المدمجَة ثم “الهارد ديسك” لتنتهي أيضًا بوضعها على لينكات وتخزينها على النت بأكواد خاصة.
إن الأستديو الرقمي يمكن أن يكون عبارة عن كمبيوتر صغير أو لابتوب محمَّل ببرامج موسيقية، وميكروفون هوائي. مما يجعل الفنانين الشباب قادرين على الإبداع وتقديم أعمالهم الفنية بدرجة جودة عالية، وهو ما يفسر ظهور عدد كبير من الملحنين والموزعين العرب في الفترات الأخيرة، بعضهم دارسٌ للموسيقى، والبعض الآخر يعتمد على الموهبة فقط ويستعين بالتكنولوجيا الحديثة والبرامج لتعويض ما ينقصه من دراسة متخصصة. وظهرت كذلك أعدادٌ كبيرة من الفرق الغنائية العربية المستقلة التي تعبر عن الأجيال الجديدة من الشباب؛ حيث استخدمت أشكالًا موسيقية جديدة تعتمد على الموسيقي الإلكتروني، وقد اكتسبت هذه الفرق شهرة واسعة من خلال تقديم أعمالها عبر التواصل الاجتماعي مستهدفةً جمهورَ الشباب، الذي يقبل على هذه الوسائل ويعتبرها جزءًا مهمًّا من حياته اليومية؛ حيث تغير نمط الاستماع ووسيلة الانتشار أيضًا؛ فالأغاني والموسيقى التي تقدَّم على اليوتيوب وغيره من فنون الاستماع تنتج:-
- انتشارًا واسعًا ومستمرًا بتكلفة بسيطة.
- المستمع يختار ويحدد ما يريد الاستماع إليه في الوقت الذي يريده ويتحكم في عدد مرات الاستماع.
- المزج بين الصوت والموسيقى مما يجعل هناك نمطًا مصاحبًا للموسيقى والغناء من العناصر البصرية، كالرقص أو المناظر الطبيعية أو توظيف الدراما في الأغنية.
- الجمهور هو الذي يختار ويعبر عن رأيه بشكل لحظي بعد أن كانت المحطات الإذاعية هي التي تختار له وتتحكم في كل شيء، وقد أدى ذلك إلى ظهور الفرق المستقلة والمطربين المستقلين وعدم خضوعهم للمنتجين والإذاعات والشركات المنتجة.
وقد أعطتهم التكنولوجيا الحديثة حرية أكبر في التعبير ومساحة أكبر من الانتشار وقدرة على التجريب والتغيير، وظهر ذلك جليًّا في دخول الموسيقى الإلكترونية لتمتزج من الآلات الشرقية والعربية؛ حيث اندمجت الآلات التقليدية كـ(الدفِّ، والعود، والمزمار) مع الموسيقى الإلكترونية لتقدم لنا طعمًا وذوقًا موسيقيًّا جديدًا. ومن خلال تلك الموسيقى وهذا الانتشار تعرَّف العالم على الموسيقى العربية والمطربين العرب بشكل كبير، وأصبحت الموسيقى والأغاني العربية تُسهِم في الحركة الفنية العالمية، وظهرت تجارب لتطوير المقامات الشرقية ومزجها بالإيقاعات الإلكترونية، والتي وجدت مجالًا خِصبًا في الدول العربية الموجودة في شمال إفريقيا (تونس، المغرب، الجزائر) وبعض الأشكال الموسيقية الصوفية ومزجها بموسيقى غربية في مصر.
قام بعض الملحنين والمنتجين العرب باستخدام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستخدام بصمة صوت لفنانين لتقديم أغانٍ جديدة لا تقل جودة عن صوت الفنان الحقيقي المسجِّل، وهو ما يفتح الباب أمام توظيف هذه التكنولوجيا والتي نتوقع لها السيطرة على الغناء والموسيقى في العالم، والتي تفتح أبوابًا لا نهائية في المستقبل، والتي سينتج عنها أشكالٌ إبداعية جديدة مختلفة أكثر عالمية؛ فالبرامج يمكنها إنتاج أعمال فنية وتساعد المبدعين على تطوير أفكارهم وأعمالهم الفنية، وتفتح الباب أمام مفاهيم وفلسفات جديدة.
أفادت التكنولوجيا الرقمية الموسيقى العربية في تدوين وتوثيق وأرشفة التراث الموسيقي العربي؛ حيث تم التعامل مع أعمال: أم كلثوم، فيروز، محمد عبد الوهاب،… وغيرهم من الفنانين، وكذلك الأعمال التراثية الموسيقية، مما يحافظ عليها من الاندثار أو السرقة، وكذلك تتيح انتشارها وإمكانية الوصول إليها عبر الإنترنت، والتي تحافظ عليها من خلال حقوق وقوانين الملكية الفكرية التي تنظم التعامل مع المقطوعات الموسيقية والغنائية العربية.
طالما نتحدث عن الموسيقى والصوت والتكنولوجيا، فلا يمكننا إغفال فن الدوبلاج في الدراما على وجه الخصوص (التليفزيونية، والسينمائية)؛ حيث يتم ترجمة الأعمال الفنية العالمية وتمثيلها بحرفية عالية تضمن تطابق الأصوات وملاءمتها وأدائها التمثيلي أيضًا من خلال عملية المونتاج والمكساج، وهو ما يتيح أيضًا للأعمال الفنية العربية بأن تُقدم بلغات أخرى مما يجعلها أكثر انتشارًا وتأثيرًا في المشاهِد.
إذا انتقلنا إلى السينما العربية والتكنولوجيا الحديثة، فقد واكبت السينما العربية التطورات التكنولوجية الحديثة من حيث تقنيات الإنتاج، فاستخدمت الكاميرات الرقمية الحديثة؛ حيث انتهى عصر الشريط السينمائي وفكرة التحميض والصبغ والمونتاج من خلال أجهزة ضخمة ومعقدة تكلف مالًا ووقتًا وجهدًا، فقد أعطت التكنولوجيا الرقمية كاميرات ذات جودة فائقة تصل إلى 8k، وهي كاميرات صغيرة سهلة الحركة ولا تحتاج إلى إضاءة كبيرة بل تستطيع تصوير أدقِّ اللحظات وتوظيف أقل كمية ضوء لإعطاء التأثير الفني المطلوب، واستخدمت السينما العربية الدرونز أو المسيَّرات للتصوير في الأماكن الدقيقة ومن الجو. وأصبحت هناك حركة فنية جديدة للكاميرا من خلال المسيرات التي تستطيع التصوير بجودة فائقة وتقدم أفكارًا ومجالاتٍ بصرية جديدة.
لقد اقتربت جودة الصورة في السينما (المصرية، والتونسية، والسعودية، واللبنانية) من الجودة العالمية من خلال توظيف التكنولوجيا الرقمية فائقة الجودة في مجال التصوير والإضاءة، ومن خلال توظيف الكاميرات المتحركة فائقة الثبات والمسيرات، ويضاف إلى ذلك إنشاء أستديوهات جديدة في كلٍّ من (المملكة العربية السعودية، والإمارات، والمغرب)، وتطوير بعض الأستديوهات القديمة وتزويدها بالتكنولوجيا في (مصر، وتونس).
لقد أسهمت التكنولوجيا الرقمية الحديثة في عملية المونتاج والخدع البصرية بشكل كبير؛ حيث أصبح المونتاج يتم من خلال برامج خاصة ومتعددة توضع على أجهزة كمبيوتر متخصصة عالية الجودة. وأصبح استخدام الكروما والخلفيات الافتراضية التي تفيد في الديكور وتصميم المعارك الحربية، وكذلك في التعبير عن المشاهد الخيالية والحالات النفسية غير الواقعية، مما أعطى أبعادًا جديدة وإمكانات كبيرة لتصوير أفلام ومسلسلات بوليسية وتتضمن حالات سيكولوجية، كما أن تقنية التزييف العميق deep fake، قد أعطت إمكانية تقديم خدع باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنْ كانت السينما العربية لم تتناول بعدُ أفلام الخيال العلمي بشكل كبير ولكن هناك محاولات قليلة لاقتحام هذا المجال؛ حيث يتم فيها توظيف رسوم الجرافيك والخدع البصرية وبرامج التصميم ثلاثي الأبعاد، مثل: مسلسلات النهاية، سرايا عابدين، سره الباتع،… وغيرها.
إن توظيف السينما العربية للتكنولوجيا الحديثة قد قلل من تكلفة الإنتاج بشكل كبير، وتخفيض الميزانيات، ونتج عن ذلك ظهور “السينما المستقلة” وسينما الأفلام القصيرة، واستطاعت أعدادٌ كبيرة من الشباب اقتحام المجال السينمائي والتليفزيوني بإنتاج أعمال قليلة التكلفة عالية الجودة، وبدورها تم طرح أفكار جديدة وتناولات مغايرة عن التناولات السابقة. ووصل الأمر إلى قيام بعض هؤلاء الشباب بإنتاج أعمال سينمائية وتليفزيونية قصيرة وبيعها للمنصات والقنوات التليفزيونية، وهو ما يقودنا بدوره إلى اهتمام الدول العربية بالمنصات. لقد اهتمت الدول العربية بإنشاء منصات رقمية، مثل: شاهد، و وتش،… وغيرها؛ حتى لا تترك المجال، والشباب العربي فريسة سهلة للمنصات الغربية، مثل: نت فيلكس،… وغيرها، والتي تنتج أحيانًا محتوىً دراميًّا لا يتماشى مع الأخلاقيات والمبادئ العربية. وقد أسهمت هذه المنصات في عدة عناصر إيجابية، أهمها: إعطاء الفرصة للفنانين الشباب والمستقلين لتقديم أعمالهم وأفكارهم في أعمال فنية بميزانيات قليلة، كما أتاحت عرض الأعمال الفنية العربية للعالم كله مما جعل الثقافة العربية تشارك في الحركة الفنية العالمية وتتيح إمكانية تعرض الجمهور الأوروبي والأمريكي وغيره من الجمهور للأعمال الفنية العربية (بعد أن كانت حكرًا على السينما الأمريكية والأوروبية)، كما سمحت المهرجانات السينمائية وخاصة الشبابية في التعريف بالدراما العربية بشكل عام وكسب أسواقٍ وجمهور جديد.
لقد أسهمت التكنولوجيا الحديثة في إنقاذ التراث (السينمائي، والتليفزيوني، والإذاعي العربي) من خلال “رقمنة” هذه الأعمال بعد ترميمها وتوثيقها، حتى إن هناك بعض التجارب في تلوين الأعمال السينمائية القديمة المصورة (أبيض وأسود) وتصحيح أخطائها، ومن ثم يتم الحفاظ عليها وعرضها بمستوى عالي الجودة، وقد تم إنقاذ كمٍّ كبير من الأفلام المصرية القديمة من خلال استخدام التكنولوجيا الرقمية.
يعتبر افتتاح المتحف المصري الكبير، والعروض التي تقدَّم في المعارض الفنية الخاصة في (الكويت، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات) نقلةً خاصة في توظيف التكنولوجيا الحديثة؛ حيث يتم توظيف الإضاءة، والفيديو آرت، والطابعات ثلاثية الأبعاد، والمزج بين الفنون المختلفة، واستخدام الوسائط المتعددة، والتجارب التفاعلية، والواقع الافتراضي والمعزز، وكذلك النظارات المجسمة. كل هذه التجارب، أدت إلى جعل الجمهور في قلب الحدث، وأعطى أبعادًا فنية أكثر تأثيرًا ومشاركة من الجمهور، كما أن التجارب التي تمت للمزج بين الفنون التراثية والحديثة قد جعلت الفن العربي أكثر تفاعلًا مع الفنون العالمية.
والمثال على ذلك هو توظيف الخط العربي في المعارض الفنية، مما جعل عددًا كبيرًا من الفنانين العالميين يهتمون بجماليات الخط العربي ويسعون إلى توظيفه في أعمالهم الفنية، وأثار ذلك اهتمام بيوت الأزياء العالمية؛ فسعت إلى توظيف الخط العربي بأشكاله والوحدات الزخرفية العربية، وخاصة الشعبي منها، في أحدث خطوط الموضة والأزياء.
في مجال حفظ التراث العربي وإعادة إحيائه، قدمت التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي إمكانات وتصورات كبيرة لترميم الصور والمحفوظات، سواء البرديات أو المخطوطات العربية. وأقامت بعض الدول مراكز كبيرة للترميم والتوثيق مستعينة بالتكنولوجيا الحديثة كما في (ميكنة قطر الرقمية، المتحف المصري، مشروع الترميم بالشارقة).
لقد تم كسر مركزية المعارض التقليدية، وتقديم الأعمال الفنية العربية عبر المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، وشجع ذلك الأجيال الشابة في تقديم وتطوير فنِّهم. ووصلت فنون العرض البصرية والتشكيلية العربية إلى العالمية، كما ظهرت أنماط جديدة، مثل: الفيديو آرت، وما يُعرف بالفن الرقمي، كما ساعد ذلك على بحث قوانين الملكية الفكرية لحماية الفنون العربية، وكذلك الحفاظ على الهوية العربية وتوثيقها.
إن أساليب العرض في المسرح العربي بوصفه يجمع بين كل الفنون البصرية والسمعية، قد استفادت من التكنولوجيا الرقمية الحديثة؛ حيث أصبح تشغيل المسرح في الدول العربية كلها يتم رقميًّا (إضاءةً، وصوتًا، وتغيير مناظر)، بل إن الديكور أصبح يستخدم الفيديو برو جيكتور والشاشات الرقمية؛ لإعطاء بُعدًا وعمقًا للديكور المجسم، وحرصًا على سرعة تغيير المشاهد، وابتكار خلفيات جديدة يصعب تخفيفها على المسرح.
وأصبح توظيف الجرافيك شيئًا عاديًّا وتخطاه إلى تجارب توظيف الوسائط المتعددة والنظارات المجسمة والذكاء الاصطناعي. كما أن بث العروض المسرحية عبر القنوات الفضائية والمنصات ووسائل التواصل الاجتماعي أتاح جمهورًا جديدًا، وأصبح للمسرح العربي وجود من خلال تلك العروض التي تُبث.
إن التراث الفني العربي على مستوى (الموسيقى، المسرح، السينما، والتليفزيون، الإذاعة، المعارض والفنون التشكيلية والبصرية) قد استفاد من التكنولوجيا الحديثة من حيث: التوثيق والحفاظ على التراث، إعطاء فرص جديدة للشباب المبدعين، وإمكانية نشر الأعمال الفنية العربية عالميًّا، والإسهام في التراث الإنساني بشكل عام، والحضور الدائم من خلال المنصات والمهرجانات والمعارض على الساحة الفنية العالمية، مما حقق فعاليات كثيرة للإسهام في الحركة الإنسانية العالمية وتعريف العالم بالعالم العربي.




