بعد مرور أكثر من عقدٍ ونَيْفٍ على التحولات السياسية التي عرفتها ليبيا إثر ثورة السابع عشر من فبراير، التي أطاحت بنظام العقيد القذافي في أكتوبر 2011، ظل المشهد الليبي يعاني حالةً من الجمود السياسي، تتخلله مؤشرات متصاعدة تشي بانهيار مؤسسات الدولة واستمرار حالة التدهور الاقتصادي، نتيجة جملة من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة والمتشابكة، أسهمت في الوصول إلى مرحلة عجزت فيها كلُّ المبادرات والحوارات المتعددة الدولية والأممية، ولم تَفلح أي منها في فك رموز الأزمة الليبية المتفاقمة، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق الأمن وتثبيت دعائم الاستقرار وعودة الدولة موحدة بمؤسساتها.
لا يختلف كثير من المراقبين والمهتمين بالشأن الليبي حول صعوبة الأزمة القائمة وحلحلة كل تعقيداتها، وبالتبعية حاجة البلاد للخروج من دوامة الفشل المتكررة في العملية السياسية برمتها. وفي المقابل، يتفق الكثير منهم حول مسؤولية النخبة السياسية الليبية عن تلك التعقيدات وهذا الفشل، بالنظر إلى اختلاط الحسابات الوطنية بالحسابات الشخصية، وما زاد الأمر سوءًا تماهي العديد من الأطراف السياسية والعسكرية الليبية مع قوى أجنبية، ما يكشف عن غياب الإرادة الوطنية لديهم، وتأثير ذلك في تحديد مستقبل البلد السياسي.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال الانعكاسات السلبية للتدخلات الدولية والإقليمية وكثافتها الساعية لتحقيق أجندتها المتنافسة والمتناقضة مع المصالح الوطنية، لا سيَّما تلك القوى التي تستعين بأدوات عسكرية وشبه عسكرية ومرتزقة أجانب ومليشيات مسلحة.
والسؤال الذي بات يطرح نفسه اليوم وأكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد الإحاطة الأخيرة للمبعوثة الأممية “هانا تيتية”، هل باتت ليبيا نموذجًا لسقوط إنساني وسياسي أممي يتجاوز حدود الأزمة الداخلية؟ ليطرح تساؤلًا حول فاعلية الدور الأممي نفسه، لا سيما وأن مؤشرات الوضع الراهن تشير إلى أن ليبيا ربما تواجه في المدى المنظور مرحلة صعبة تضع مصير البلاد والمؤسسات الدولية المعنية بالأمر على المحك.
استمرار الانقسام السياسي الداخلي.
منذ تشكيل مجلس النواب الليبي للحكومة الموازية في شرق البلاد، ومع استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وتكمن الإشكالية الكبرى في كيفية إنهاء حالة الانقسام والتشظي المزمنة_ والنتيجة لا زالت مستمرة كما نراها اليوم، حكومتين معنيتين بإدارة الشأن العام الليبي، وتتنافسان على قيادة البلاد: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًّا في الغرب الليبي، يقودها عبد الحميد الدبيبة، تقابلها الحكومة الليبية في شرق البلاد، يقودها أسامة حماد. بالإضافة إلى انقسام المؤسسات التشريعية والسيادية، مثل: مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، هذا التعدد لا يعكس اختلافًا في الرؤى بقدر ما يعكس صراعًا محمومًا على الموارد والنفوذ، وتداخلت في نطاقهما ليس السياسة والأيديولوجيا فحسب، وإنما أيضًا المصالح والأجندات السياسية والأمنية والاقتصادية، المحلية والخارجية، في إطار التجاذب الكبير.
كل ذلك ألقى بظلاله على مسارات الاستحقاق الانتخابي الذي طال انتظاره، بعدما عجزت النخب السياسية الليبية عن التوافق على قاعدة دستورية وقانونية تفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة وشفافة، فضلًا عن حدود الدور الأممي في فرض الحلول الواقعية، مما أبقى على المؤسسات الانتقالية في السلطة لسنوات طويلة دون الحصول على تفويض شعبي جديد.
ولهذه الغاية تسعى الأمم المتحدة، من خلال بعثتها الخاصة بالدعم في ليبيا، على مقاربتها التي تعتمد على تقريب وجهات نظر الفرقاء الليبيين لإيجاد مخرج للصراع القائم. بيد أن البعثة الأممية لم تتمكن حتى الآن من تحقيق أي تقدم يذكر، ولم تسعفها كل الوسائل والآليات لإنهاء الأزمة الراهنة، ودعم الانتقال الديمقراطي المنشود. يمكن القول، إن خطة البعثة الأممية ربما تدخل في سياق إعادة تشكيل الأزمة الليبية بصورة أخرى، بدلًا من حلها.
تختلف الأطراف السياسية الليبية المسيطرة على العملية السياسية على كل شيء، إلا أنها تتفق على شيء واحد، وهو الاستمرار في مناصبها لأطول فترة مُمكنة؛ حيث (السلطة، والنفوذ، والمزايا)، يشجعها على ذلك حالة الاستسلام الشعبي للواقع، متزامنة مع توافق ضمني للقوي الإقليمية والدولية التي تشكل المشهد السياسي الليبي على نفس المعادلة؛ فلا مكان أو معنى لمفهوم وآلية التداول السلمي للسلطة. من الواضح أن التغيير السياسي في ليبيا في الوقت الراهن، يبدو صعبَ المنال، فمن يصل للسلطة يمنح الشرعية لنفسه إلى أن تُنتزع منه من خلال ثلاث (حرب، وحوار، وحكومة)؛ حرب تقود إلى حكومة، والحكومة تمهد لحرب، وحوار يمنح الشرعية للمرحلة، وهذه سمة تطبع المشهد السياسي والأمني الليبي منذ عام 2011.
هشاشة الوضع الأمني.
يتجلى ذلك في اختراق المؤسسات الأمنية؛ إذ لم تعد الدولة الطرف المركزي الوحيد القادر على احتكار القوة المشروعة، بل تحولت المؤسسات العسكرية والأمنية إلى مجرد هياكل شكلية أفرغت من محتواها الحقيقي، بعد أن باتت الميليشيات المسلحة بأبعادها المختلفة، تحكم سيطرتها الفعلية على كل مؤسسات الدولة، ولا تزال الميليشيات المسلحة تحتفظ بنفوذ وسيطرة كبيرين على الأرض، وتعوق جهود بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة وقوية، الاشتباكات المتكررة في طرابلس ومناطق أخرى تؤكد هذا الواقع.
إعادة التموضع الأمني لتثبيت النفوذ، فهناك صراع مستمر لتغيير موازين القوى على الأرض، تحت غطاء الشرعية؛ لإعادة تنظيم أو تفكيك بعض الميلشيات في الغرب وتحديدًا العاصمة (طرابلس)، ودمجها في مؤسسات الدولة الرسمية ولو بصورة شكلية. هذا الأمر يدفع في كثير من الأحيان إلى اندلاع صراعات عنيفة بين الجماعات المسلحة على النفوذ والمقار، بينما يستمر النفوذ العسكري والأمني في شرق البلاد تحت القيادة العامة للجيش الليبي، من خلال حماية الحقول والموانئ النفطية. المثير للانتباه، هو تثبيت الوجود العسكري الأجنبي في البلاد، وتحويله من مؤقت إلى دائم، وقد بدأت مؤشراته تظهر بعد عقد الاتفاقيات الدفاعية غير المعلنة.
برغم من بوادر خطة بدأت ملامحها تتبلور بعد الزيارات التي قام بها مسؤولون في حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش الليبي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تفضي هذه الخطة التي تبنتها واشنطن وبتفاهم دولي إلى ضرورة تفكيك الميلشيات المسلحة، وتوحيد العمل الأمني كمقدمة لتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية.
وكان أعضاء مجلس الأمن الدولي، قد أصدروا بيانًا في وقت سابق أعربوا فيه عن قلقهم العميق إزاء تصاعد العنف المسلح في العاصمة (طرابلس)، مؤكدين على التزامهم بتوحيد جميع المؤسسات، وأهمها: المؤسسات العسكرية، والأمنية، في إشارة صريحة إلى الموقف الدولي الموحد بشأن حل التشكيلات المسلحة في ليبيا.
وفي هذا السياق، بدأت حكومة الوحدة الوطنية تتجه نحو بسط سيطرتها على كامل المنطقة الغربية من خلال تحجيم الأجهزة الأمنية الموازية بل والقضاء عليها، ومن ثم إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية بتوحيد قياداتها تحت سلطة واحدة.
وفي تأكيد على هذه الخطوة، أصدر رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” عدة قرارات في هذا الشأن، شملت حل عدد من الأجهزة الأمنية، أبرزها: إدارة العمليات والأمن القضائي، التابعة للهيكل التنظيمي لجهاز الشرطة القضائية، الذي يخضع لإدارة أسامة نجيم، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
كما شملت القرارات حل هيئة أمن المرافق والتي كانت تقع تحت إمرة أسامة طليش، وتم نقل تبعيتها إلى وزارة الداخلية مباشرة.
وتجدر الإشارة إلى أن أول خطوة اتخذتها حكومة الدبيبة في هذا الاتجاه، كانت بعد مقتل عبد الغني الككلي الملقب بـ “أغنيوة”، ولتضييق الخناق أكثر على المقربين منه والموالين له، أمر الدبيبة بتشكيل لجنة لمتابعة أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز، برئاسة وزارة الداخلية، وعضوية وكيل عام وزارة العدل، وممثل عن المجلس الأعلى للقضاء.
تدهور الوضع الإنساني.
غالبًا ما تطلِق المنظمات الدولية والأمم المتحدة تحذيرات مستمرة من سوء الأوضاع وتفاقم الأزمة الإنسانية في ليبيا، في ظل الحاجة الماسة للعديد من المواطنين إلى المساعدة والحماية، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى عدم الاستقرار والفوضى الأمنية التي تعيق تحقيق الاستقرار المستدام.
لذا، تُطالب هذه المنظمات بضرورة دعم خطة الاستجابة الإنسانية لضمان وصول المساعدات للفئات الأكثر ضعفًا، مع التأكيد على أن الحل الوحيد لوقف هذا التدهور والاستنزاف يكمن في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وفي مقدمتها توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام السياسي.
يُسهِم التضخم وانهيار القيمة الشرائية للدينار في صعوبة وصول الفئات الأشد ضعفًا إلى السلع الأساسية. إضافة إلى ذلك، أدت الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ونقص الوقود إلى انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي ونقص المياه، مما يعوق عمل المرافق الأساسية الذي يدفع المواطن ثمنه باهظًا، ويهدد استقرار شريحة واسعة من الليبيين. مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية يغذي حالة الغضب والاحتقان الشعبي، وقد يدفع باتجاه مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
علاوة على ذلك، تعاني المستشفيات من نقص حاد في المستلزمات الطبية، والأدوية الأساسية، والكوادر الطبية المتخصصة، مما يهدد بـ “كارثة صحية” وتتوقف العديد من الأقسام عن العمل، خاصة في المناطق المتضررة من النزاعات. وهو ما يعكس تناقضًا كبيرًا في ليبيا، برغم الموارد النفطية الكبيرة التي تمتلكها البلاد.
قضايا حقوق الإنسان من أكثر القضايا خطورة، خاصة بالنسبة للفئات الضعيفة، مثل: النساء، والأطفال، والمسنين، كما النازحين داخليًّا، برغم من عودة الكثير منهم إلى ديارهم، لا يزال عشرات الآلاف بحاجة ماسة إلى دعم حقيقي لتحقيق حلول دائمة تفضي في نهاية المطاف إلى عودتهم إلى ديارهم بأمان. وفي السياق ذاته، يواجه المهاجرون واللاجئون انتهاكاتٍ منهجيةً واسعة النطاق تشمل: الاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والعمل القسري، في مراكز الاحتجاز الرسمية وغير الرسمية، التي تديرها جماعات مسلحة وأجهزة أمنية، في ظل ضعف القضاء وعدم قدرته على إنفاذ القانون ومحاسبة المتورطين. لا يقل خطورة عن ذلك، الألغام الأرضية والذخائر غير المتفجرة، التي باتت تشكل خطرًا يهدد حياة العديد من المواطنين، خاصة في المناطق التي شهدت اشتباكات عنيفة سابقًا.
يستمر مجلس الأمن الدولي في تمديد ولاية البعثة الأممية في ليبيا في مقابل تنصله من أي التزام حقوقي في الواقع، ولم يستيقظ إنسانيًّا أمام تلك الهجمات المروعة على المدنيين بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ، تغض الأمم المتحدة الطرف عن كل ما يحصل من انتهاكات، تظهر الأمم المتحدة عورها وكيلها بمكيالٍ غير سياسي ولا إنساني ولا رادعٍ لتلك الجماعات وإنقاذ الوضع الإنساني.
هل تنجح خطة الحوار المهيكَل في كسر الجمود السياسي؟
يبقى الدور الأممي في ليبيا من الأهمية بمكان بحيث لا بديل عن عنوانه العريض، رغم أن الفاعل المحرك لروافعه معروف، وهو ما بدأت معالمه واضحة من خلال ما حققه وفدا اللجنة العسكرية في جنيف 2021، من اتفاق شامل ودائم لإطلاق النار برعاية الأمم المتحدة.
لكن في ظل هذا التعقيد المتشابك، برزت إشارات عديدة ضمن جهود البعثة الأممية تمثلت بإطلاق مسار سياسي جديد بخصوص الأزمة في ليبيا، ضمن مقاربة أوسع وأكثر شمولًا، ما عرف بــ “الحوار المهيكل”، تحاول البعثة من خلاله تنشيط العملية السياسية وتجاوز الفشل المتكرر لكل الحوارات والمفاوضات السابقة.
وأكدت البعثة أن هذا المسار يعد محورًا رئيسًا في تنفيذ خارطة الطريق السياسية الجديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية عبر تنظيم انتخابات وطنية حرة ونزيهة يقبل نتائجها جميعُ الأطراف. بموازاة ذلك، طرحت علامات استفهام كثيرة حول فرص نجاح هذه الخطة في كسر حالة الجمود السياسي، وما إذا كانت تشكِّل منعطفًا نحو تسوية شاملة أم تكرارًا لتجارب سابقة، مثل: حوارات جنيف، وأبو زنيقة،… وغيرها، والتي لم تقدم أية نتائج تذكر في مسار حل الأزمة الليبية القائمة، بعدما فشلت في الوصول إلى قرارات ملزمة لكل الأطراف بسبب كثرة الأجندات السياسية وتشتتها.
إن الرهان على هذا الحوار يعكس إدراك البعثة لصعوبة تحقيق توافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بعد سنوات من الانقسام والتجاذبات، معتبرة أن الاتجاه نحو “منبر موازٍ” يشمل القوى (الاجتماعية، والاقتصادية، والمدنية) قد يفتح مسارًا بديلًا لإنهاء الجمود السياسي. لكن هناك محاذير من أن نجاح هذا المسار سيعتمد بدرجة كبيرة على مدى تجاوب الأطراف السياسية الرئيسة، واستعدادها للتعامل مع مخرجات الحوار المهيكل بفاعلية وجدية، وعدم تحويله إلى مجرد منصة شكلية جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات السابقة التي لم تصل إلى نتائج ملموسة وحاسمة.
من المفيد التذكير بأن “الحوار المهيكل” هو الركن الثالث من خريطة الطريق الجديدة التي اقترحتها البعثة الأممية في ليبيا، وترتكز على ثلاثة مكونات رئيسة، يركز كل منها على ملف سيادي محدد، وهي كالتالي:
المسار السياسي والقانوني، من خلال حل التحديات القانونية والإجرائية التي تعوق إجراء الانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية عبر وضع إطار انتخابي فني وقانوني قابل للتطبيق سياسيًّا لتنظيم الانتخابات الوطنية الرئاسية والتشريعية، ولن يتأتى ذلك إلا من خلال التوافق على القوانين الانتخابية النهائية والآليات الأمنية لتأمين الاقتراع، تشكيل لجان عمل مصغرة ومؤقتة تضم ممثلين عن مجلسي (النواب، والأعلى) للدولة، لكن بتركيز محدود جدًا على نصوص محددة قابلة للتعديل أو الإقرار.
المسار الأمني، يقوم على إعادة إدماج أو تفكيك الفصائل والتشكيلات المسلحة وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية المنقسمة في البلاد عبر تشكيل حكومة جديدة موحدة تُعنى بتهيئة المناخ العام للعملية الانتخابية، مع أهمية تفعيل اتفاقيات اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) والوصول إلى آليات عملية لسحب القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد. ومن ثم، عقد لقاءات محددة للقادة العسكريين والأمنيين الرئيسِين، بعيدًا عن الإعلام، لمناقشة ملفات حساسة، مثل تبادل السجناء وتوحيد الأرقام العسكرية.
المسار الاقتصادي والمالي، وهو الأكثر إلحاحًا؛ حيث يسعى لوقف التدهور الاقتصادي نتيجة لاستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، ومن ثم التوافق على آلية شفافة وموحدة للميزانية العامة والموارد النفطية، مع اختيار مسؤولين من المؤسسات السيادية الموحدة، مثل: المؤسسة الوطنية للنفط، والبنك المركزي، المنقسمة على نفسها، تحت إشراف أممي لضمان إدارة موحدة للمالية العامة، يتم التركيز على قضايا ذات أولوية قصوى، مثل: ديون الدولة والإنفاق على التنمية.
لا تزال ليبيا حتى اليوم تعاني من تأثير العامل الخارجي؛ فهناك قوىً دوليةٌ وإقليمية وعربية فاعلة تمتلك نفوذًا كبيرًا على الأطراف الليبية، فأي تسوية حقيقية أو توحيد للمؤسسة العسكرية من شأنه أن يهدد مصالح إحدى هذه القوى، قد يؤدي إلى تقويض الحوار بشكل مباشر أو عبر وكلائها. علاوة على ذلك، إن وقوع الأطراف الليبية تحت أسر الضغط الخارجي وتأثيراته قد يؤدي إلى انسحاب أحد هذه الأطراف من طاولة الحوار والمفاوضات في أي لحظة حاسمة، كما حدث في مرات سابقة والشواهد على ذلك كثيرة.
حدود الدور الأممي … السقوط السياسي.
حديث المبعوثة الأممية ” تيتيه” خلال تقديم إحاطاتها لمجلس الأمن في مطلع نوفمبر 2025، عن فشل المسار السياسي، هو اعتراف ضمنيُّ بأن الدور الأممي الذي يتمثل في إدارة الأزمة الليبية، وليس فرض الحلول، قد وصل إلى طريق مسدود، ويعود ذلك إلى غياب الإرادة السياسية لدى فرقاء العمل السياسي الليبي، ما قد يدفع إلى البحث عن حلول أخرى، بما في ذلك الحل العسكري، برغم قناعة الأطراف المتصارعة بعدم جدوى الرصاص؛ نظرًا لعدم قدرة أي طرف على تحقيق الحسم لصالحه، للتوازن على الأرض، وتقارب المواقف الدولية، خصوصًا بعد قناعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، واتفاقها على ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية التي طال أمدها، وإجراء الانتخابات. هذا الاتفاق ربما يتيح للبعثة الأممية فرصة استخدام آلية فرض العقوبات بفعالية أكبر على الأطراف المعرقلة للعملية الانتخابية أو اتفاقيات على ضرورة دعم وانجاح خطة الحوار المهيكل، وهو ما يضع المجتمع الدولي والأمم المتحدة نفسها في موضع النقد. وهي تحذيرات موجهة إلى مجلس الأمن الدولي لاتخاذ مواقف وقرارات أكثر حزمًا، أو تغيير إستراتيجية التدخل، بدلًا من الاكتفاء بإصدار البيانات والتعبير عن القلق فقط.
وفي ذلك رسائل أساسية، تفيد بأن المسار السياسي الحالي ربما يقود إلى مأساة إنسانية وسقوط سياسي محقق، ما لم تتحرك وبشكل حاسم كل القوى الفاعلة محليًّا ودوليًّا في الأزمة الليبية. وهل أفلست الأمم الإنسانية عن موقف رادعٍ يكبح الميلشيات المسلحة لارتكابها كل صنوف وألوان الانتهاكات لإنهاء الوضع الإنساني المزري؟
وعليه، فالبعثة الأممية مطالَبةٌ بتغيير لغة الخطاب من خلال الضغط الفعلي على الأطراف المتصارعة، وهو أقصى ما يمكن أن تقدمه، بحيث يرفع المسؤولية عن عاتق البعثة، وتضع الكرة في ساحة الأطراف الليبية ومجلس الأمن، من دون التخلي عن دور الوساطة والمفاوضات.
جُل المؤشرات تدفع باتجاه صعوبة مهمة المبعوثة الأممية “هانا تيتيه”؛ نظرًا لافتقارها إلى آليات ملزمة لتنفيذ قراراتها، وهذا بطبيعة الحال ما ينسحب على كل المبعوثين السابقين، وقد اتضح ذلك من خلال تعاقبهم على ليبيا وتعدد مهامهم، ويبدو جليًّا أنها لا تعدو أن تكون سوى تبادل أدوار وظيفية للمبعوثين الأمميين، لا تحضر الإرادة السياسية الحقيقية في حساباتهم. وبالتالي يصعب عقد آمال على البعثة الأممية لإحداث تغيير جذري، يفضي إلى إنهاء الانقسام السياسي وتحقيق المصالحة وتوحيد مؤسسات الدولة، والخروج من دائرة الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها ليبيا، في المدى المنظور.
خاتمة:
يتضح أن المشهد الليبي الراهن، أمام سقوط محتمل، بل ومتدرج في فخ الانهيار المؤسسي والإنساني؛ فليبيا تحتاج اليوم وأكثر من أي وقت مضى، إلى تحرك دولي فاعل لكسر حالة الجمود السياسي، وإلا سيبقى الانهيار السياسي والمؤسسي هو السمة الغالبة في المدي المنظور.
ما يجري اليوم في ليبيا، ليس خطة متكاملة لإنهاء الأزمة القائمة، بل مساومات على تقاسم (السلطة، والمال، والنفوذ)، بما يضمن استمرار الجمود السياسي بدلًا من الحل الجذري للأزمة؛ حيث يحافظ فيه كل طرف على نفوذه ومكاسبه، ويستفيد من غياب مؤسسة مركزية قوية. هذا الجمود يدفع ثمنه المواطن الليبي وهو الضحية المباشرة لهذا الجمود.
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب بالضرورة إقرار قاعدة دستورية متوافق عليها لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تكون نتيجتها ملزمة لجميع الأطراف، وهو أمر لم يتحقق بعد؛ بسبب استمرار رفض الأطراف الفاعلة التنازل عن مكاسبها المؤقتة. كما أن تحقيق الاستقرار وبناء دولة موحدة وقوية يتطلب معالجة جذرية للتحديات (الأمنية، والاقتصادية، والسياسية)، وبناء توافق وطني حقيقي، وتقليل التدخلات الخارجية، وتمكين المؤسسات الرسمية. دون هذه الخطوات الجادة والعملية، فإن خطر الانزلاق نحو مزيد من الفوضى والتقسيم يظل قائمًا.




