بقرار من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” وبسبب الضغط الدولي (الشعبي، والرسمي)، والمداخلات العربية، توقَّفت حرب الإبادة الوحشية في 9/10/2025، التي شنَّتها إسرائيل ضد فلسطينيي قطاع غزة، واستمرت على امتداد عامين، من دون التيقُّن من انتهائها تمامًا، لكن وفقًا لشروط إسرائيل (المدعومة أمريكيًّا)، التي تتمثل باستعادتها كل الرهائن أو الأسرى (الأحياء والأموات) في غزة، مع نزع سلاح “حماس” وإخراجها من المشهد السياسي الفلسطيني، وفرض نوع من إدارة أو وصاية دولية وإقليمية على القطاع.
وكما شهدنا فإن الرئيس ترامب هو الذي فرض ذلك، بطرحه خطة من 20 بندًا، تضمَّنت الشروط الإسرائيلية، مقابل وقف الحرب، وإدخال المساعدات إلى غزة، وتمكين إعمارها مستقبلًا، ووعدٍ بخروج إسرائيل منها، مع تشكيل هيئة دولية لقيادتها، هي بمثابة وصاية دولية عليها، مع إنشاء هيئة تنفيذية تعمل تحت إشرافها، تتشكل من شخصيات من التكنوقراط الفلسطينيين المستقلين_ لمرحلة انتقالية، من عدة سنوات، قد تفضي إلى تشكل دولة فلسطينية.
تبعًا لكل ما تقدم، من المبكِّر، في هذه الظروف المعقدة والمداخلات المتعددة، التكهُّن بالكيفية التي ستؤول إليها الأوضاع؛ لأن ذلك يتوقف على مدى وفاء مختلف الأطراف بالتزاماتها، وبالكيفية التي تتصرف فيها في حال أخلَّ أحد الأطراف المعنيين بأي التزام.
وعلى وجه الخصوص، فإن ذلك سيتوقف أيضًا على الطريقة التي سيتم بها نزع سلاح “حماس” في غزة، وما إذا كانت ستوافق على ذلك حقًا، كما سيتوقف على الكيفية التي سيتم فيها إدارة المرحلة الانتقالية في القطاع، وكيفية تعامل إسرائيل والفلسطينيين مع هذه المسألة، إضافة إلى أن ذلك سيتوقف على شكل الترتيبات الإقليمية في الشرق الأوسط، وكيفية تموضع، وتفاعل، سائر الأطراف الفاعلة فيها.
ما بعد الطوفان ليس كما قبله.
على ذلك، وبغض النظر عن كل تلك الاعتبارات والتحفظات، فإن أكثر شيء يمكن التيقن منه هو أن شيئًا لن يبقى على حاله، بعد السابع من أكتوبر 2023، أي بعد عملية “طوفان الأقصى”، وبعد حرب الإبادة الوحشية التي شنَّتها إسرائيل على غزة، التي وجدت في تلك العملية بمثابة فرصة سانحة لها لشنِّ حرب وحشية ومدمرة وطويلة ومكلفة، بشكل غير مسبوق، في تاريخ هذه الدولة، أدت في النتيجة إلى تغيير واقع الفلسطينيين وقطاع غزة وحركة “حماس”، بل وحتى المشرق العربي بمجمله، وصولًا إلى إيران، لصالحها.
فقد تمكنت إسرائيل- في النتيجة- بقيادة الحكومة الأكثر تطرفًا فيها، منذ إقامتها 1948، من فرض هيمنتها على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، مع محاولاتها الدؤوبة لوأد أيِّ مسعى لتوليد دولة فلسطينية، بفصل غزة عن الضفة، تبعًا للواقع الناشئ حاليًّا، وبمحاولتها فرض تغييرات في معنى ومبنى السلطة الفلسطينية في الضفة، وضمن ذلك تعزيز الاستيطان، وإطلاق يد المستوطنين في الضفة، مع تحويلهم إلى ميليشيا مسلحة، تعمل بالتوازي مع الجيش والقوى الأمنية الإسرائيلية.
أيضًا، وكما شهدنا، فقبيل نهاية العام الأول لحرب الإبادة الإسرائيلية، قامت إسرائيل بإخراج “حزب الله” من ساحة المعركة، أو من معركة “إسناد غزة”، وفقًا لتعبيراته، وذلك بعد عملية “البيجر” 17/9/2024، وبعد اغتيال قيادة قوة “الرضوان” “في حزب الله” 20/9/2024، واغتيال زعيمها حسن نصر الله 27/9/2024، وخليفته وكل ذلك جرى في أيلول/سبتمبر 2024، وقد تلا ذلك انهيار كل معسكر المقاومة والممانعة إثر انهيار النظام السوري (أواخر العام 2024)، وبعد حرب الـ12 يومًا ضد إيران، التي شنتها إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية (صيف 2025)، بحيث أخرجتها من المشرق العربي، أو أضعفت نفوذها فيه، في (سوريا، ولبنان، والعراق).
اللافت إنه ورغم كل هذا التصعيد، ورغم انكشاف قوة إسرائيل التدميرية، وهيمنتها بواسطة تفوقها الهائل (تكنولوجيًّا، وعلميًّا، واستخباراتيًّا) مع الدعم الأمريكي اللامحدود، إلا أن قيادة “حماس” لم تبالِ بكل ذلك ولم تأخذه في عين الاعتبار، للبحث عبر الوسطاء عن صفقة ممكنة، وتجنيب الفلسطينيين أهوال الحرب، كأن المقاومة أهم من الشعب، أو كأن “حماس” أهم من غزة، علمًا أن “حزب الله” كان وافق على وقف إطلاق النار في لبنان في نوفمبر 2024، أي أن موافقة “حماس” أتت متأخرة عن “حزب الله” بمقدار عام كامل.
وما يمكن استنتاجه من ذلك أن “حماس” فقدت السيطرة على التطورات الميدانية والسياسية، بعد كل ما حصل في غزة، وفي الإقليم، من لبنان إلى سوريا وصولًا إلى إيران، بحيث بات موقف قيادتها بمثابة تحصيل حاصل، رفضًا أو قبولًا، بخاصة مع موافقة الأطراف العربية والإسلامية، وضمنها القريبة من “حماس”، والحاضنة لها، على خطة ترامب.
بمعنى آخر، وبغض النظر عن اللهجة الانتصارية (الدعائية) فإن “حماس” اُضطرت للإذعان لخطة ترامب، لا سيما مع نضوب مصادر التمويل والتسلح وحتى الدعم السياسي، ما فرض عليها قبول ما لم تقبله من قبل، وبشروط أقل، وضمن ذلك خروجها من المشهد، وقبولها بنزع سلاحها، مع المناورة بمستوياتها، وإطلاقها الأسرى الإسرائيليين، علمًا أن تلك الورقة لم تكن يومًا في يدها، بقدر ما كانت ورقة استعمالية في يد نتنياهو؛ إذ حتى مظاهرات إسرائيل لم تزحزحه عن مكانه، باعتبار أن أغلبية الإسرائيليين تمحوروا حوله في ما اعتبروه دفاعًا عن وجود إسرائيل. في المقابل، كانت إسرائيل تمسك، أو تتحكم بحياة ولقمة عيش أكثر من مليوني فلسطيني تحت رحمتها في حياة باتت بمثابة عذاب، أو جحيم خالص.
تداعيات “الطوفان”.
في المحصلة، فإن عملية “طوفان الأقصى”، سنحت لإسرائيل الاستثمار فيها كفرصة سانحة لها، إنْ كانت على شكل حرب إبادة في غزة للتخلص من خطرها الديمغرافي والوطني، وكحرب للهيمنة من النهر إلى البحر لإضعاف الكيانية الفلسطينية، وأيضًا كحرب لهندسة جديدة للمنطقة، وضمن ذلك لإنهاء نفوذ إيران في المشرق العربي، ويمكن إجمال ذلك في الآتي:
- دخول الفلسطينيين في تاريخ جديد، من النكبة الأولى 1948، بولادة مشكلة اللاجئين، وقيام إسرائيل، إلى النكبة الثانية 1967، التي نجمَ عنها استيلاء إسرائيل على كل فلسطين من النهر إلى البحر، إلى النكبة الثالثة، المتمثلة بحرب الإبادة في غزة، والتي هي ربما أقسى وأشد مرارة وفظاعة من سابقتيها. وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن “حماس” لم تستطع تحقيق أي من الأهداف التي انطلقت من أجلها عملية الطوفان، بالنسبة لإضعاف إسرائيل، ودحر احتلالها للضفة، ورفع الحصار عن غزة، ووقف انتهاكات إسرائيل في القدس، وتبييض السجون.
- أغلقت الحرب صفحة في تاريخ الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني، التي شكلها الكفاح المسلح، والتي انطلقت في منتصف الستينيات، ومرت بمراحل عديدة، بإخراجها من الأردن 1970، وبعدها من لبنان نتيجة الاجتياح الإسرائيلي 1982، ثم بانقسامها على ذاتها بعد ظهور حركة “حماس” 1987، كحركة إسلامية مسلحة، بعد أن تمنعت عن ذلك لـ22 عامًا، وصولًا إلى تحولها إلى حركة استقلال وطني في الضفة وغزة، مع عقد اتفاق أوسلو 1993، وهي المرحلة التي شهدت انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية (سياسيًّا، وجغرافيًّا) 2007. وعليه، فقد أتت عملية “الطوفان” 2023، التي هي ذروة الكفاح المسلح الفلسطيني؛ لتشكل ذروة انهيار أو إخفاق هذا الشكل الكفاحي أيضًا، رغم كل التضحيات والبطولات التي بذلت طوال تاريخه؛ لأنها بُنِيت على رهانات خاطئة، وعدم إدراك أن إسرائيل بالذات تتفوق في المجال العسكري، كقوة نيران، وكقوة تدميرية، وكقدرات هائلة (تكنولوجية، وعلمية، وإدارية، واستخباراتية)، عدا الدعم المتأتي لها من الولايات المتحدة الأمريكية.
- أيضًا، إذا كانت حرب تشرين1 أكتوبر 1973، مثلت نهاية الخيار العسكري في الصراع العربي – الإسرائيلي ببعده الدولتي، فإن عملية “طوفان الأقصى”، والتداعيات التي نجمت عنها، خاصة بتقويض قدرات “حزب الله” في لبنان، و”حماس” في فلسطين، شكلت نهاية الخيار العسكري في الصراع اللادولتي، أو الميليشياوي ضد إسرائيل (فلسطينيًّا، وعربيًّا)؛ إذ باتت إسرائيل قوة عسكرية مهيمنة على الفلسطينيين بين النهر والبحر، وفي محيطها أيضًا، مع محاولتها فرض مناطق عازلة في عمق سوريا ولبنان، مع ذراع طويلة ضاربة تصل إلى إيران وحتى إلى قطر.
- بات قطاع غزة منطقة منكوبة، مع حوالي مليونين من الفلسطينيين، الذين يفتقدون كل مقومات الحياة، بما في ذلك المأوى، والذين يعتمدون في العيش على المساعدات الخارجية، بخاصة بعد تدمير عمرانه، وبناه التحتية، وجعله بمثابة خرابة غير صالحة للعيش، إلا بتوافقات دولية وإقليمية، أي أن شرط إعادة الاستقرار والإعمار في غزة مرهون بالتكيف مع الاشتراطات والتوافقات الدولية والإقليمية والعربية.
- من المبكر التكهن بالشكل الذي سيتموضع عليه قطاع غزة في اليوم التالي للحرب، مع فصله عن الكيان الفلسطيني مع الضفة، على الأقل مرحليًّا؛ إذ ثمة عدة خيارات لإدارته، عبر إدارة دولية، أو إدارة مختلطة (عربية، ودولية) مع أو بدون بعد فلسطيني؛ وهذا الأمر أيضًا، تضمن في خطة الرئيس ترامب.
- على الصعيد الفلسطيني العام، ثمة تناقض في المشهد السياسي، بين توجه عديد من الدول الغربية للاعتراف بمشروعية إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، وبين اضمحلال هذه الدولة على الأرض في الواقع وفي الجغرافيا؛ بسبب الوقائع التي كرستها إسرائيل في الضفة، إن لجهة تعزيز الاستيطان، ومحاصرة المدن الفلسطينية بالمستوطنات، والجدران العازلة، والطرق الالتفافية، وميليشيات المستوطنين المسلحين؛ وبسبب التضييق على السلطة الفلسطينية، من كل النواحي، وضمن ذلك حرمانها من الموارد المالية اللازمة. مع ذلك، فإن ما تقدم لا يعني أن فكرة الدولة الفلسطينية ستنتهي؛ إذ هي ربما ستبقى على رأس جدول الأعمال، لكن ترجماتها في المدى المنظور، ستتراوح بين كيان في جزء من الضفة يفتقد لسيادة حقيقية، وبين نوع من الحكم الذاتي تحت الهيمنة الإسرائيلية.
- فيما يخص إسرائيل، فهذه رغم جبروتها، أو تفوقها (العسكري، والتكنولوجي، والإداري، والاقتصادي)، باتت أكثر اعتمادية على الولايات المتحدة الأمريكية، وأكثر انكشافًا وعزلة في العالم بطبيعتها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية، وأيضًا كدولة إبادة جماعية. واللافت أن تلك الحرب، على الصعيد الداخلي، عززت من تغليب طابع إسرائيل كدولة يهودية ودينية وعنصرية، على حساب طابعها كدولة ليبرالية وديمقراطية وعلمانية، ما أدى إلى مفاقمة التصدعات الداخلية فيها بين الغربيين والشرقيين، والعلمانيين والمتدينين، والمعتدلين والمتطرفين، وكل هذه التحولات تجعل منها مجرد “غيتو”، على شكل قلعة في المنطقة، الأمر الذي يتناقض مع كل المساعي للسلام أو للتطبيع معها.
- من كل تلك الأوجه، فإن إسرائيل ما بعد “طوفان الأقصى” وتداعياته، باتت في حالة جديدة، أو كإسرائيل جديدة، في شكل علاقتها الصراعية مع الفلسطينيين، وفي شكل تموضعها في المنطقة، وأيضًا في رؤيتها لذاتها في (الإقليم، والعالم) في محاولتها التحول من “إسرائيل الصغرى” إلى “إسرائيل الكبرى”، بحسب ما ذكر بنيامين نتنياهو مؤخرًا، عن الحلم الذي عاش من أجله، وأيضًا لجهة مصير تحولها، من دولة ديمقراطية ليبرالية إلى دولة يهودية دينية، وأيضًا من اعتبارها ذاتها كملاذٍ ليهود العالم إلى كونها عبئًا على اليهود في العالم، وعلى المجتمعات التي يعيشون بين ظهرانيها (سياسيًّا، وأمنيًّا، وماليًّا، وأخلاقيًّا).
- مع ملاحظة أن إسرائيل ما كان بإمكانها أن تخوض تلك الحرب الهمجية، التي تذكر بما فعلته النازية، إبان الحرب العالمية الثانية، لولا الدعم الأمريكي اللامحدود (عسكريًّا، وسياسيًّا، وماليًّا، واستخباراتيًّا، وتكنولوجيًّا)؛ علمًا أنها أطول حرب في تاريخها، فإن هذا الوضع أكد أيضًا، بأن الولايات المتحدة هي صاحب القرار في شأن مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط، وأن مصلحتها هي التي تحدد شكل تموضع إسرائيل وأولوياتها، في حال التعارض بين الجانبين. وفي النتيجة، فقد أتى القرار بوقف الحرب نتيجة توفر قناعة لدى صانع القرار الأمريكي تفيد بأن إسرائيل، بعد تلك الحرب، باتت بمثابة عبءٍ سياسي وأخلاقي، وإنها باتت تضر بمكانة الولايات المتحدة الدولية، ما تمثل بعزلتها في التصويت في مجلس الأمن، وفي الجمعية العامة للأمم المتحدة، حتى إزاء الدول الغربية، وضمنها (بريطانيا، وفرنسا، وكندا، وأستراليا، وهولندا) مثلًا.
اليوم التالي للخطة.
في المحصلة، ثمة عديد من المشكلات والتعقيدات والنواقص خطة ترامب ستؤثر على مآلاتها، ومثلًا، فهي:
أولًا: حسمت في التركيز على تحرير الأسرى أو الرهائن الإسرائيليين لدى “حماس”، وفق جدول زمني واضح، في المرحلة الأولى، لكنها لم تحسم في شأن وقف نهائي للحرب، وانسحاب إسرائيل من كامل قطاع غزة، ورفع الحصار عنه؛ إذ كل ذلك ترك لمفاوضات لاحقة، لا يستطيع أحد التكهن بمصيرها، تبعًا للتجربة التاريخية مع إسرائيل التي لا تلتزم بعهد، ولا باتفاق (مثلًا اتفاق أوسلو 1993)، وهي أصلًا لا تعترف حتى بقرارات مجلس الأمن الدولي.
ثانيًا: نأت بنفسها عن الإشارة إلى واقع إسرائيل كدولة احتلال، وتعاطت مع الفلسطينيين باعتبارهم مجرد سكان، وليس كشعب، له حق تقرير المصير، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية.
ثالثًا: تضمنت فرض نوع من الوصاية الدولية على قطاع غزة، مع فصله عن الضفة الغربية، وإخراجه من المعادلات السياسية الفلسطينية.
رابعًا: بيَّضت صفحة إسرائيل؛ إذ ولا كلمة عن تحميلها مسؤولية حرب الإبادة الوحشية الجماعية التي ارتكبتها بحق الشعب الفلسطيني، وتدميرها عمران غزة، وبُناها التحتية.
ويتضح من التطورات الحاصلة، بعيد التوافق على خطة ترامب، أن إسرائيل لا تبتغي من الاتفاق المذكور سوى تبييض صفحتها، أمام الرأي العام، وتخفيف الضغوط الداخلية عليها، والاستجابة لطلب الرئيس الأمريكي، بمعنى أن ذلك الاتفاق لا يعني بالنسبة لها وقف الحرب على غزة، بقدر ما يستهدف أخذ الأسرى الإسرائيليين (الأحياء، والأموات)، والتخلص من حركة “حماس” بنزع سلاحها وإخراجها من السلطة، وصولًا لفرض وصاية وإدارة دولية على قطاع غزة، مع بقاء الجيش الإسرائيلي في محيطه، وفيما يناهز 40 بالمئة من مساحته.
الفكرة هنا أن رئيس حكومة إسرائيل “بنيامين نتنياهو” ورغم كل ما يقال في إطار الترويج لخطة ترامب، مازال متشبثًا بخطته بشأن “السلام الاقتصادي”، و”أمن إسرائيل أولاً”، وفرض “السلام بالقوة”، واستبعاد الفلسطينيين؛ إذ هو كرس نفسه وفقًا لعقيدته الصهيونية؛ لإنهاء أي بعد فلسطيني في التسوية، وفي الهندسة الإقليمية للمنطقة، وهو الذي أعلن قبل فتره حلمه بإسرائيل الكبرى، التي تتجاوز حدودها فلسطين الجغرافية، لذا فمن يعلن حلمًا كهذا لا يمكن أن يقبل بأي تنازل للفلسطينيين، وهذا ما يفسر كل سلوكياته ومواقفه وعلاقاته الدولية والإقليمية، منذ أتى في ولايته الأولى على رأس الحكومة الإسرائيلية (1996 – 1999)، وواصل ذلك في عهده الثاني والثالث على رأس تلك الحكومة (2009 – 2021، و2022 – حتى الآن). وربما إن ما تقدم يفسر أيضًا، لا مبالاة نتنياهو حتى بالسلام أو التطبيع مع الدول العربية، فمن يحلم بـ”إسرائيل الكبرى” لن يتنازل فيما يعتبره “إسرائيل الصغرى”، فهذا هو الأمر وفقًا لموازين القوى، والمعطيات (الدولية، والإقليمية، والعربية)، إلى أن تتغير تلك الظروف والمعطيات والموازين.
القصد من كل ما تقدم التذكير بالحقائق، ونزع الأوهام، والتعامل بواقعية وعقلانية مع التلاعبات أو المناورات السياسية، بالتوازي مع المطالبة بوقف حرب الإبادة الجماعية الوحشية التي تشنها إسرائيل منذ عامين ضد فلسطينيي غزة.
لعل أهم ما يفترض إدراكه هنا، إن الحديث عن إخفاق الخيار العسكري، لا يعني البتة نجاح الخيار السياسي/التفاوضي؛ إذ في الحالين تم فقدان السيطرة؛ لأن الوضع الدولي والإقليمي لا يسمح للفلسطينيين باستثمار كفاحهم وتضحياتهم، تبعًا لموازين القوى، والمعطيات (الدولية، والإقليمية، والعربية) السائدة منذ منتصف القرن الماضي، وهي معطيات لا تسمح بحل فلسطيني، مهما كان مستواه.
أما سؤال ما الحل؟ أو ما العمل؟ فهو سؤال متأخر جدًا؛ إذ كان يفترض بالفلسطينيين مراجعة إستراتيجياتهم السياسية والكفاحية، وعلاقاتهم ببعضهم وبالعالم، منذ نصف قرن، وعلى الأقل بعد الخروج من لبنان 1982، أو بعد الانتفاضة الأولى، وعقد اتفاق أوسلو 1993، أو مفاوضات كامب ديفيد 2(2000)؛ إذ تم تضييع عقود على أوهام السلطة، وأوهام الكفاح المسلح مع فصائل متكلسة، بدل التوجه لصوغ إستراتيجيات جديدة، سياسية وكفاحية.
على ذلك يبقى أن الأنسب، أو الحل الآن، يتمثل بتركيز الجهود نحو تعزيز صمود الشعب الفلسطيني في أرضهم، فهذا أهم شيء، وتاليًا الشروع في إعادة بناء البيت الفلسطيني، على أسس جديدة، تقطع مع التجربة الماضية، وتبني على إيجابياتها، وتراعي إمكانات الشعب، بدون أوهام ومبالغات، مع صوغ رؤية جمعية تتأسس على المطابقة بين الشعب والأرض والقضية والرواية التاريخية، وإدخال مضمون جديد للكفاح يقوم على حق الفلسطيني بالحرية والعدالة والمساواة؛ إذ هذا هو الخطاب الذي يفهمه العالم اليوم، والذي يقف مع الفلسطينيين من أجله، وهو المتاح، بخاصة في المعطيات الدولية والعربية الراهنة.
ومع كل ما تقدم، فإن المكسب الوحيد في هذه الظروف، بالنسبة لفلسطينيي غزة، يتمثل بوقف حرب الإبادة ضدهم، ووقف محاولات التشريد والتهجير والاعتقال، ووقف محاولة إعادة احتلال القطاع، والإفراج عن أسرى، وهي مكسب كبير، ومهم، بالقياس للجحيم الذي عانوا منه طوال عامين، ولنأمل أن هذه الحرب الفظيعة انتهت إلى غير رجعة.
وبصراحة وبعيدًا عن الشعارات والأوهام، ومع كل الاحترام للتضحيات والبطولات، فإن المرتجى الآن، وبعد كل ما جرى، بقاء الشعب الفلسطيني في أرضه بأمان، وتمكينه من الصمود ومن أسباب الحياة، قبل أي شيء آخر، وضمن ذلك ربط أو إحالة أي مسار في شأن طبيعة الصراع مع إسرائيل، وفي شأن مكانة الكيانية الفلسطينية، بالوضع العربي، بخاصة أن النظام العربي يتجه نحو التصلب في مواجهة توسعية إسرائيل، وعلى الضد من محاولاتها الهيمنة على المسارات المؤسسة، أو المهندسة، للنظام الإقليمي الجديد في المنطقة.




