2025العدد 203ملف ثقافي

هل انصرف الجمهور العربي عن المسرح؟

هل انصرف الجمهور العربي عن المسرح؟ كثيرًا ما نرى ونسمع في وسائل الإعلام عن عزوف الجمهور عن مشاهدة العروض المسرحية ويصاحب ذلك تحسر على الأيام الخوالي؛ حيث كانت المسارح مليئة بالمشاهدين، وتشهد تسابقًا على حجز تذاكر المسرح، خاصة في فترتي الستينيات وما تلاها من عقدين.

بل إن بعض المقالات النقدية قد أسهبت في تحليل أسباب عزوف الجمهور عن المسرح، وأرجعت ذلك إلى سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي، ومن قبلها وسائل الإعلام كـ(التليفزيون)، وما تقدمه من مسلسلات وأفلام، والسينما.

وتمادى البعض في إطلاق مصطلح “أزمة المسرح” وأسهب في تحليل الأسباب طارحًا أسئلة، مثل: هل هي أزمة مؤلف أم مخرج أم إنتاج أو جمهور؟  

وفي حقيقة الأمر، إن كل هذه الآراء، والتي لا يمكن إغفالها بالطبع، تفتقد إلى الدراسة العلمية والحقيقة بقدر ما تفتقد إلى المعطيات التي تتيح للباحث أو الدارس التعرف على أبعاد المشكلة؛ فليس لدينا دراسة حقيقية عن جمهور المسرح العربي أو توجهاته ورغباته وآرائه. بل إن الدراسات الكَمِّية نفسهَا تفتقد إلى التصنيف الدقيق لأعداد الجمهور وفئاته العمرية وطبقاتها الاجتماعية وغير ذلك من التصنيفات، وهنا يجب أن ننتبه إلى عدة عناصر لا يمكن إغفالها.

فالمسرح ” العروض المسرحية” نشاط إنساني لا ينفصل عن حركة المجتمعات؛ فهو يتغير بتغير توجهات المجتمع، والمناخ السائد، والرغبة في الانفتاح على الآخرين والتواصل معهم، ومن ثم فهو يتأثر بالأحداث السياسية المحيطة بنا وحالة الاستقرار الموجودة في المنطقة والدول المحيطة وبمساحة الحرية المتاحة.

وبالدعم الاقتصادي الذي توفره الدول أو المؤسسات الداعمة للفن والثقافة، سواء الخاصة أو العامة

وبتوفر الكوادر الفنية التي تقدم منتجها المسرحي بشكل يتواءم مع متطلبات المجتمعات، مثل: المؤلفين، المخرجين، الممثلين، مهندسي الديكور، الموسيقيين (مؤلفين، وعازفين)، مصممي الاستعراض، الراقصين المدربين.     

ولا يمكننا إغفال أماكن العرض المجهزة لتقديم هذه العروض ومدى مسايرتها للتقدم التكنولوجي المتسارع والذي نلمسه في كل ما هو لنا، فما بالنا بفن المسرح الذي يسعى لتحقيق حالة من السحر والإبهار الفني.

وحتى لا يتم فهمنا خطأً فإن عناصر السحر والإبهار لها أشكال متعددة تبدأ من الفكر وطريقة طرح الأفكار وطبيعة الموضوعات المقدمة مرورًا بأساليب الأداء التمثيلي وانتهاء بعناصر الإبهار المادية، والتي يمكن تحقيقها في الملابس والديكور وأعداد الراقصين والمجاميع، وكذلك بتوظيف التكنولوجيا الحديثة كالشاشات والليزر والهولوجرام وتقنيات الصوت والضوء والعرض والتصوير التي لا تنتهى.

إن المسرح العربي مثله مثل المسرح العالمي، قد تأثر في الثلاثة عقود الأخيرة بالمتغيرات التي طرأت على العالم إلى الحد الذي جعل الدراسات المتخصصة كلها تتجه إلى دراسة الجمهور ودراسة عملية التلقي بوصف المتلقي هو الهدف الرئيس من العملية الفنية والعرض المسرحي.

حيث قل إقبال الجمهور على مشاهدة العروض، ووقع المسرحيون في حَيرة وشعروا بالخطر، وهو الأمر الذي جعل المخرج الإنجليزي الكبير “بيتر بروك” يطلق مصطلح “المسرح المميت” على العروض المسرحية بأشكالها السائدة، مطالبًا بضرورة التغيير وتقديم تجارب مختلفة تجذب الجمهور وتؤثر فيه وتجدد شباب المسرح وتضخ فيه دماءً جديدة، وظهرت الدعوة العالمية إلى ضرورة تجديد دم المسرح والعرض المسرحي، وضرورة البحث إلى لغات فنية جديدة (بصرية، وسمعية) تجذب الجمهور وتعيده إلى المسارح مرة أخرى.

ودارت نقاشات كثيرة فيما يتعلق بخصوصية المسرح والاتصال المباشر بين الممثل “المرسل” والجمهور “المستقبل”، وطبيعة هذا الاتصال، وظهور عروض مسرحية تسعى لتحقيق التفاعل مع الجمهور، سواء في القاعات الصغيرة والتي تضم عددًا قليلًا من المشاهدين يتم إشراكهم في العرض أو توريطهم فيه، وإلى ظهور عروض تقدم في الشوارع والمقاهي والحدائق وحتى على ظهور القطارات أو السفن أو في المصانع، ولقي هذا الاتجاه “التجريبي” رواجًا؛ حيث اعتمد على عدد قليل من الجمهور أو الذهاب إلى الجمهور حيث يوجد. وعلى جانب آخر ظهر اتجاه يقلل من أهمية الكلمة ويعتمد على عناصر الصورة، والاهتمام بجسد الممثل، والعناصر البصرية، والرقص بأشكاله المختلفة، والإضاءة، والملابس، والموسيقى.

ورغم أن هذا الاتجاه قد لاقى جدالًا كبيرًا ونقاشًا بين المسرحيين وأحدث خلافًا بينهم على توجهاتهم، إلا أن الجميع قد تقبل هذا التوجه التجريبي مع الوقت، غير أن الجمهور من خلال التجربة وتعدد العروض التجريبية أصبح بينه وبين هذه العروض فجوة أو مسافة؛ حيث إنها لا تطرح قضايا فكرية أو اجتماعية، بل تقتصر على جماليات أو ما يسمى الحالة المسرحية.

لقد أصبحت هذه العروض الراقصة أو الحركية قاصرة على النخبة أو المتخصصين، وارتفعت الأصوات مطالبة بحتمية التغيير ومراجعة التوجه المسرحي، فما هو تجريبي اليوم يصبح قديمًا وعاديًّا بعد فترة، وما لم يتقبله الجمهور، سينتهي حتمًا، فالهدف الرئيس من العرض المسرحي هو الجمهور وبدون الجمهور لا يتحقق العرض ولا المسرح، ولذا كانت النظرة إلى تكاملية عناصر العرض المسرحي بما فيها الكلمة والعناصر الفكرية هو التوجه الرئيس للمسرحيين في السنوات الأخيرة.

ومع التقدم المتسارع في مجال التكنولوجيا ظهر خلاف كبير بين المسرحيين حول مساحة توظيف التكنولوجيا واحتياجات العرض، فهناك من اتجه إلى البساطة وما يعرف “بالمسرح الفقير” دون الحاجة إلى عناصر الإبهار دون الدخول في تفاصيل متخصصة، في حين اتجه البعض الآخر إلى تقديم عروض ضخمة بميزانية ضخمة تستوعب التكنولوجيا وتسعى إلى تحقيق الإبهار الفني لدى الجمهور.

وظهرت عروض مسرحية وفرق عالمية تجوب العالم وتضع برنامجها السنوي على خارطة السياحة الدولية، وإلى محاولة تقديم عروض مسرحية متميزة تقدم في مواقع وأماكن سياحية أو أثرية، وأصبحت هذه العروض ظاهرة مهمة؛ حيث يتم تجهيز مسارح خاصة بها ورصد ميزانيات ضخمة ويتم الترويج لها بحملات دعائية وإعلامية كبيرة، الأمر الذي جعل الجمهور السياحي يحرص على حجز تذاكر هذه العروض بمجرد الإعلان عنها، وقبل بداياتها بشهور عديدة. ومن الجدير بالذكر، أن هذه العروض تحرص على عناصر الجذب الجماهيري بحيث يجد كل فرد من الجمهور عناصر المتعة الخاصة به والتي يحبها، فجاءت هذه العروض موسيقية تجمع بين عناصر التمثيل والرقص والغناء وبتكنولوجيا حديثة مبهرة، رغم أن موضوعاتها غالبًا كانت كلاسيكية أو مستمدة من موضوعات ونصوص أدبية عظيمة.

وفي المسرح العربي: لأن المسرح العربي ارتبط بالنقل عن المسرح الأوروبي ثم سعى لتطويره وتوظيفه من حيث الموضوع والشكل لتلبية الذوق العربي.

وحتى اليوم قد قسمت العروض المسرحية إلى:

  1. عروض تقدمها فرق مسرحية تجارية أو خاصة: وهي عروض تعتمد على عناصر الإبهار وعناصر الجذب الجماهيري وأهمها “عنصر النجم”، وقد ازدهرت هذه العروض في فترات كثيرة في معظم الدول العربية، في: مصر، وسوريا، ولبنان، والكويت، وقطر، وتونس، والمغرب.

وإذا تجاوزنا فترة البدايات، والتي تركزت فيها الحركة المسرحية في مصر وبلاد الشام فقط (سوريا، ولبنان)، فإن معظم الدول العربية قد ازدهر فيها المسرح بداية من الستينيات وما تلاها من عقود، وظهرت أسماء عديدة لمؤلفين ومخرجين وممثلين، ولكن عروض القطاع الخاص قد ارتبطت بأسماء الممثلين بشكل كبير؛ حيث ظهرت أسماء عادل أمام، سمير غانم، محمد صبحى،… وغيرُهم في مصر، عبد الحسين عبد الرضا بالكويت، غانم السليطي قطر، دريد لحام ومنى واصف سوريا، صقر الرشود الإمارات، الطيب الصديق وعبد القادر البدوي المغرب،… وغير ذلك من الأسماء التي قدمت عروضها على خشبات المسارح، وحققت شهرة ونجاحًا كبيرًا، ونلاحظ أنها في أغلبها كانت كوميدية. وأقبل الجمهور العربي على مشاهدة هذه العروض في فترة الستينيات، كما قامت الفرق المسرحية بجولات لتقديم عروضها في البلدان العربية الأخرى، مخاطبة الصفوة المنفتحة على الثقافات الأخرى، والتي تملك القدرة الاقتصادية أيضًا، وارتبطت بعض هذه العروض بحركة السياحة وبارتفاع أسعار التذاكر، مما جعل الجمهور الخاص بها نوعيًّا، ويتمثل فيمن يقدرون على دفع ثمن التذاكر.

  • النوع الثاني :-

وهو الذي تكفله وتدعمه الدولة؛ حيث سعت الدول العربية بداية من الستينيات لإنشاء مسارحها الوطنية ودعم الفرق لتقديم العروض، وصاحب ذلك الاهتمام بتدريس وإنشاء المعاهد الفنية المتخصصة في فنون المسرح (التمثيل، التأليف والديكور)، فتم إنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت، على غرار معهد القاهرة، الذي تم إنشاؤه في النصف الأول من القرن العشرين، وتلا ذلك إنشاء معاهد (تونس، والجزائر، وسوريا ، والمغرب). واهتمت الجامعات بإنشاء أقسام للمسرح في كليات الآداب، وانعكس ذلك على الحركة الفنية في الوطن العربي، والتي صاحبت التطور الاقتصادي أيضًا، خاصة في دول (الخليج، وليبيا والجزائر). وقدمت عروض مسرحية وتجاربًا عديدة أفرزت أسماء كبيرة في مجالات التأليف والإخراج على وجه الخصوص، مقارنة بنجوم التمثيل في مسرح القطاع الخاص.

بدأت المنافسة بين مسارح الدولة لتصل إلى ذروتها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ لتصبح هناك منافسة بين عروض القطاعين: التجاري بنجومه وإمكاناته، وبين المسرح العام “الرسمي” المدعوم من الدولة، والذي يقدم غالبًا نصوصًا من التراث العالمي أو المحلي تتسم بالجدية وبالأهداف الاجتماعية وبكونها تراجيديا في أغلبها. وجاءت هذه المنافسة والمقارنة بين القطاع الخاص التجاري ومسرح القطاع العام ظالمةً؛ نظرًا لعدم توفر عناصر الجذب الجماهيري في مسرح القطاع العام مما جعل الجمهور ينحاز للقطاع التجاري “الترفيهي”، وأصبحت المنافسة بين الفرق الخاصة على جذب الجمهور وتقديم مواسم مسرحية عديدة، بينما اكتفى مسرح القطاع العام والدولة بعدة عروض وليالي عرض محدودة تقدم للنخبة والطبقة المتوسطة وتقلص عدد العروض تدريجًا بسبب عدم إقبال الجمهور عليها. وبينما ارتبطت عروض القطاع الخاص بمواسم سياحية خاصة فصل الصيف؛ حيث الإجازة الدراسية في المدارس والجامعات وسعي الأسرة العربية إلى السفر والسياحة، ووضعت في برنامجها السياحي مشاهدة عروضًا مسرحية لنجوم التمثيل العربي، وأحدث هذا رواجًا كبيرًا، وتم تصوير العديد من هذه المسرحيات تليفزيونيًّا وبثها على الشاشات لتجتمع حولها الأسرة العربية وليشاهد هذه العروض ملايين المشاهدين، خاصة مع تكرار بثها على قنوات مختلفة.

وقد رسخت هذه المسرحيات صورة ذهنية لدى المشاهد العربي عن المسرح بوصفه كوميديًّا أو استعراضيًّا، وأن الهدف الرئيس هو الضحك والاستمتاع والترفيه. ومع تزايد إنشاء المحطات التليفزيونية العربية وحاجتها لملء ساعات الإرسال بها ورغبتها في جذب المشاهدين، تم إنتاج العديد من المسرحيات الخفيفة، معظمها من نوع الفودفيل، وهو نوع مسرحي يعتمد على الموضوعات البسيطة غالبًا “عاطفية”، وتعتمد على منظر وديكور واحد، وتهتم في الأساس بالممثل النجم، ولم تقدم هذه العروض للجمهور في الأساس، ولكن كانت تعرض ليوم أو يومين فقط ويتم تصويرها وبثها على القنوات التليفزيونية.

ورغم أن الهدف كان نبيلًا إلا أنه مع مرور الوقت أصبحت هذه المسرحيات نكبة على المسرح العربي؛ حيث تم إنتاج المئات من العروض المسرحية التي لم تأخذ حقها من الإعداد والبروفات والإنتاج وجاءت ركيكة وسطحية وخالية من الإبداع، وقد أساءت هذه النوعية للمسرح بشكل عام؛ حيث اكتفى الجمهور بمشاهدة ما يقدم له على شاشات التليفزيونات العربية ولتتكون صورة نمطية مشوهة عن المسرح باعتباره كوميديا لفظية ورقصًا وترفيهًا فقط، وهو ما يجب أن نشير إليه حيث إن ذلك الوضع قد تكرر مع ما يُسمى مسرح التليفزيون المصري في الستينيات، والذي بدأ قويًّا ثم انحرف بعد ذلك، وكذلك ما قدمه الفنان أشرف عبد الباقي وفرقته “مسرح مصر” حديثًا؛ حيث بدأ بتقديم عروض جيدة، ثم سرعان ما تغير المستوى الفني بسبب التعجل في الإنتاج وعدم الإعداد الجيد للعروض المنتجة، ثم ارتفاع أجر الفنانين المشاركين في العروض بمجرد وصولهم إلى مرحلة النجومية، حتى وصلت إلى توقف هذه العروض تمامًا.

لقد استمرت الصورة المتخيلة في ذهن الجمهور العربي عن المسرح بوصفه ترفيهًا فقط حتى بدايات القرن الواحد والعشرين؛ حيث أثرت مجموعة من العناصر على هذا النوع من العروض التجارية:

  1.  ثبات الشكل الفني لهذه العروض وعدم تطورها، سواء من حيث الموضوعات أو التقنيات الفنية وأسلوب أداء النجوم أنفسهم.
  2. اعتماد صيغة “الممثل النجم” الذي تُسخَّر كل عناصر العرض لخدمته وتهميش باقي العناصر، والاعتماد على النكات اللفظية.
  3. ارتفاع أسعار تذاكر العروض التجارية بحيث أصبحت الأسرة المتوسطة غير قادرة للذهاب إليها مما جعل هذه الأسر تسقطها من حساباتها.
  4. عدم ظهور أعداد كبيرة من النجوم الذين يهتمون بالمسرح واتجاه النجوم للعمل بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التليفزيونية؛ حيث المجهود الأقل والعائد الأكبر.
  5. التقدم التكنولوجي وظهور القنوات الفضائية بما تقدمه من أفلام ومسلسلات متنوعة بعضها غير عربي.

ثم جاءت الطفرة الكبيرة من خلال العصر الرقمي والإنترنت؛ لينفتح المشاهد العربي على العالم من خلال: الكمبيوتر، والأقمار الصناعية، ثم الموبايل، الذي يتيح له حرية اختيار الموضوع والمادة والتوقيت والتحكم في عملية المشاهدة نفسها من خلال المنصات.

لقد أدت العوامل السابقة إلى تقلص دور مسرح القطاع الخاص أو التجاري، أو ما يطلق عليه مسرح النجم، وانصرف الجمهور عنه. وتتخذ السياحة أشكالًا أخرى، ولكن الحكومات العربية لم تتخلَّ عن المسرح بل سعت إلى دعمه. ولكن بطبيعة الحال، فإن الشكل الرسمي الحكومي فرض على هذا المسرح الشكل الجاد حتى ولو كان العرض كوميديًّا أو استعراضيًّا، كما أن استقطاب النجوم لهذه العروض كان صعبًا؛ نظرًا للأجور الباهظة، والجهد الكبير الذي يبذل، ولقلة عدد هؤلاء النجوم، فجاءت العروض المسرحية فيما يطلق عليه “مسرح الدولة، وهو النوع الذي يقدم تجارب مسرحية شبابية في معظمها، تقدم على المسارح الوطنية وبميزانيات معقولة، وهو النوع المسرحي الذي استمر حتى الآن.

ويمكننا أن نحدد التجارب المسرحية الحالية في:

  1. تجارب مسرحية مدعومة من الدولة وهذه التجارب نجدها بغزارة في (مصر، وتونس، والمملكة العربية السعودية، والمغرب)، وجمهور هذه العروض يتغير من عرض لآخر، ولكنه بأية حال من الأحوال جمهورٌ قليل نسبيًّا وهو أحد خصائص المسرح عمومًا، فالجمهور الذي سيشاهد عرضًا مسرحيًّا لمدة ثلاثين ليلة في أكثر حالاته من يتجاوز عدة آلاف من الأشخاص.
  2. عروض مسرحية شبابية ترتبط بالمهرجانات؛ حيث ترتبط العروض بجمهور نوعيٍ، مثل: مهرجانات المسرح الجامعي، المسرح المدرسي، ثم مهرجانات المسرح المتخصصة، مثل: مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، المهرجان القومي للمسرح، مهرجان قرطاج، مهرجان الرياض المسرحي، مهرجان المسرح الخليجي، مهرجان أيام الشارقة، مهرجان المسرح العربي، مهرجان الفجيرة، مهرجان الدوحة المسرحي، مهرجان صلالة، مهرجان مسقط، مهرجان الكويت، مهرجان المسرح الحر بالأردن، بالإضافة للعديد من المهرجانات المحلية والدولية، والتي تسعى كل مدينة لإقامتها لأهداف سياحية أو ثقافية وتلجأ غالبًا إلى الدعم الحكومي أو المؤسسي. وجمهور هذه المهرجانات والملتقيات نوعيٌّ، وغالبًا من المتخصصين؛ حيث يتم تقديم العرض الواحد لمدة ليلتين على الأكثر، وهذه المهرجانات تتيح العرض للجمهور والمتخصصين على السواء؛ للتعرف على إبداعات الآخرين والاتجاهات الحديثة في المسرح.

لقد تغيرت طبيعة الجمهور العربي مع زيادة نسبة الانفتاح على العالم ومع التطور التكنولوجي في وسائل الاتصال، ورغم ذلك تبقى للمسرح وللعرض المسرحي خصوصيته وجمالياته، ولكن تبقى الحاجة إلى حالة التنوع في العروض التي تقدم بحيث يجد كل مشاهد هدفه وذوقه المفضل في المسرح. فهناك من يقبل على المسارح الرسمية وهناك من يفضل التجارب الشبابية والمهرجانات، ولكن تبقى الحاجة إلى نوع مهم من المسرح وهو الأكثر جذبًا للجمهور وهو المسرح الخاص الذي يجذب المشاهد العادي لشراء تذكرة والذهاب لمشاهدة العرض والاستمتاع به، وهو النوع المسرحي الذي يهتم بعناصر الجذب الجماهيري، وعناصر الإبهار وأولها الارتباط بالنجم المفضل المحبوب، الموضوعات البسيطة باعتبار الجمهور يذهب للمتعة والترفيه في الأساس، ثم يأتي دور المتعة الفكرية، استخدام عناصر الإبهار من (إضاءة، وخدع، ومجاميع، واستعراضات، وموسيقى.. وإلخ)، وهي كلها عناصر جذب لا يمكن إغفالُها.

لا يمكن إغفال محاولات إحياء عروض القطاع الخاص التجارية التي تراعي هذه المقاييس في كل من (مصر، وتونس، ولبنان)، ولا يمكن أن ننسى الدعم الهائل الذي قدمته هيئة الترفيه بالمملكة العربية السعودية في تقديم وإنتاج عروضًا مسرحية لنجوم المسرح العربي في موسم الرياض والمواسم الأخرى بالمملكة، مما كان له أكبر الأثر في عودة النجوم- وخاصة نجوم السينما- إلى المسرح مرة أخرى. وامتلأت المسارح بالمسرح، وصاحَب ذلك عدة محاولات جادة لتقديم عروضًا خاصة في معظم الدول العربية ولكنها لم تحقق الجذب الجماهيري المطلوب أو الاستمرارية؛ ربما بسبب الضغوط المالية وارتفاع سعر التذكرة للوفاء بمتطلبات العرض.

كيف نجذب الجمهور العربي إلى المسر؟

إن عناصر الجذب كما سبق وذكرنا تتمثل في:

  • التنوع في الموضوعات والشكل، والتنوع بين الكوميديا والترجيديا والاستعراض، هذا التنوع يتيح للجمهور أن يجد مبتغاه، وأن يذهب لمشاهدة العرض الذي يتفق وذوقه.
  • استقطاب النجوم الذين هجروا المسرح إلى السينما والتليفزيون، بل واتجه بعضهم إلى تقديم أعمال على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل فردي.
  • الاهتمام بالدعاية للعروض المسرحية وتسويقها وتوضيح خصوصية المسرح واختلافه عن الوسائط الفنية الأخرى.
  • تجهيز المسارح بالتكنولوجيا الحديثة، التي تحقق الإبهار: كالشاشات، وأجهزة الإضاءة، والصوت، والخدع.
  • إنشاء أشكال جديدة لخشبات المسارح وعدم الإصرار على شكل خشبة المسرح الإيطالية التقليدية.
  • الخروج إلى أماكن غير تقليدية لتقديم عروض مسرحية: كالأماكن التاريخية، والحدائق، والمطاعم، وتقديم عروض على متن السفن والقطارات، وهي تجارب سبق تقديمها في كثير من دول العالم وحققت نجاحًا كبيرًا.
  • ربط العروض المسرحية بخريطة السياحة العربية.
  • الاهتمام بالموضوعات والقضايا التي تهم الجمهور العربي.
  • الدراسة الاقتصادية وربط أسعار التذاكر بدخل الفرد بحيث تكون تذكرة المسرح في متناول الأسرة.

إن تجربتي في إدارة المسرح القومي بالقاهرة لمدة ثلاث سنوات، قد أثبتت أن الجمهور متعطش لمشاهدة العروض المسرحية بشرط توفر عنصر المتعة حتى ولو كان العرض تراجيديًّا، وأول عناصر المتعة هو النجم المحبب الذي سيحرص على مشاهدته، ثم الثقة في الموضوع والمسرح، وأن ما يقدم له لن يتسبب في أي أذى أو خروج عن المبادئ والتقاليد، وأنه سيستفيد فكريًّا وبصريًّا وسمعيًّا مما سيراه، وسيقضي أمسية لطيفة مع أسرته، وأن ثمن التذكرة لن يكون عبئًا على ميزانيته، بل إنه لن يتكبد مشقة في الوصول إلى المسرح؛ حيث سيتوفر له وسائل النقل أو مكان لسيارته.

قُدمت عروض عالمية ولكن تتفق والذوق العربي، وقُدمت العروض الموسيقية الغنائية، والكوميدية، والنص الكلاسيكي، وكانت كلها محجوزة بالكامل وتجاوزت بعضها أكثر من مئة وعشرين ليلة عرض، بل وتستمر العروض حتى الآن، مصحوبة بجملة “كامل العدد” أو “محجوزة” لعدة أسابيع قادمة، في عرض “الملك لير” بطولة الفنان يحيى الفخراني ونخبة من الفنانين الجدد، ويتسابق الجمهور لحضور العرض فهل نقول إن الجمهور انصرف عن المسرح؟   

اظهر المزيد

د.ايمن الشيوي

مدير المسرح القومي المصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى