2023العدد 196ملف ثقافي

هل يمكن إنعاش الحركة الثقافية بمبادرات فردية دون الاعتماد على سياسة قومية شاملة؟

هل يمكن إنعاش الحركة الثقافية بمبادرات فردية دون الاعتماد على سياسة قومية شاملة؟ يبدو السؤال سهلًا وبسيطًا ومباشرًا يمكن حصر الإجابة عنه ما بين الإجابة بـ(نعم) أو الإجابة بـ(لا)، لكن الموضوع أكثر تعقيدًا من إن يتم اختزاله في الإجابتين السابقتين.

لا يمكن الاستغناء عن المبادرات الفردية أو عن دورها البارز و الجاد في تحريك الوعي العام و الذوق المجتمعي و حركة الثقافة بشكل عام، قد يبدو أثر هذه المبادرات الشخصية محدود القوة و محدود النطاق يخدم تجمعات بعينها، لكن بقليل من التدقيق يمكن اكتشاف أن هذا الأثر يكبر بالوقت، ربما هو يكبر ببطء لكنه يكبر بثقة، و يمكن ملاحظة طبيعة هذا الأثر – على سبيل المثال- في تجربة من نوعية مركز ساقية الصاوي الثقافي الموجود في أحد أحياء القاهرة، والذي أفرز كُتابًا و شعراء و موسيقيين و عددًا من الأسماء الجادة في: الفن التشكيلي، والتصوير الفوتوغرافي، والإخراج المسرحي، وفن العرائس المتحركة، أسماء تحتل الآن مكانة مهمة في الخريطة الثقافية على نطاق أوسع من مركز ثقافي بجمهوره، هذه التجربة التي فتحت الباب قبل عشرين عامًا بإمكانات محدودة أقرب ما تكون لإمكانات شخصية كان للمجهود الذي بُذل من خلالها الأثر الذي جعل هذه المبادرة الفردية تتحول إلى مؤسسة فاعلة، لكن بالرغم من كل ما سبق يظل الإنجاز محدودًا إذا ما قارنته بحجم المجتمع و ما خلفه المجهود المخلص المبذول في مساحة بحجم الوعي العام.

الأمر الذي يجعل الاعتماد على مشروع قومي ثقافي أمرًا لا يمكن الاستغناء عنه، و يجعل كل المبادرات الفردية في غياب هذا المشروع محدودة الأثر، تصنع مجالًا يشبه الدوامات التي يخلفها إلقاء حجر كبير بقوة في ماء النهر، نحن بحاجة لما هو أكبر من هذه الدوامات فالنهر كله راكد.

إنعاش الحركة الثقافية يحتاج لكل ما يشمله  تعبير (مشروع قومي)، تقوم مشروعات الدولة على تخطيط زمني يقسم الأهداف لـ(قصيرة المدى، ومتوسطة، وبعيدة)، و يتحرك مشمولًا بكل ما يكفل تنفيذه بنجاح: تمويل، وفرق عمل، ومراقبة، ومحاسبة، وتقييم مستمر للإنجاز الذي تحقق، وخطة تحرك نفسها بنفسها ولا ترتبط بوجود شخص بعينه ينهار المشروع بغيابه، مشروع قومي يتحرك وهو مشمول بطبيعة الحال بمجهودات وخطط الدعاية والترويج والتحفيز، وربط ما يجري بالبيئة المحيطة، وقدرات تسمح بالمكافأة، وقوانين تلوح بالعقاب في حالة التراخي أو الإهمال، يتحرك في ظل ميزانية واسعة ومرنة ومتفهمة وجريئة و قادرة على النمو والاستثمار، مشروع قومي يعني ببساطة أدوات تسمح بالخروج من العاصمة و المركز إلى الأقاليم و أطراف الوطن على اتساعه؛ ليصل التأثير إلى كل نقطة ممكنة ولا يكون حبيسًا مقر الأضواء والتغطية الإعلامية.

كل ما سبق يخدم (الثقافة، والذوق، والوعي العام) بالطريقة التي تحقق أثرًا لا تحققه المبادرات الشخصية المجتمعة، بل أنه يطور المبادرات الفردية و يحتضنها ويساعد في نمو أثرها بوضعها داخل نقطة نظام.

على سبيل المثال، وفي ظل الارتفاع الجنوني في أسعار الكتب بعد ارتفاع أسعار مستلزمات طباعاتها، يبدو توفير الكتاب الرخيص في تجربة مماثلة لتجربة مشروع مكتبة الأسرة (القراءة للجميع) في نهاية التسعينيات، هو أمرًا لا يقدر على تكلفته سوى مشروع قومي؛ لأنه عمل غير هادف للربح المادي و يطمح لأرباح مجتمعية طويلة العمر. الشق الثاني المرتبط بفكرة من هذه النوعية وهو لا يقل أهمية عن شقيقه، له علاقة بالطريقة التي يمكن أن توفر بها الكتاب الرخيص في كل مكان، وهو أمر يحتاج لعضلات مشروع قومي يمكنه أن يعرض و يضع (ستاندات) الكتب قليلة السعر الصادرة في كل مكان: محطات المترو، ومحطات البنزين، ومحطات القطار، وحتى الوحدات الصحية، ومكاتب المصالح الحكومية التي تخدم المواطنين.

تحتاج إلى قدرات مشروع دولة لإقرار ما يخدم مكانة مكتبة المدرسة، ويجعلها أقرب ما يكون لفرض تعليمي وليست مجرد مساحة- كمالة عدد- في لوحة العملية التعليمية، تحتاج للقدرات التي تعيد للمكتبة حضورها وفعاليتها، عودة لمكتبة الحي ومكتبة المدرسة ومكتبة الجامعة ومكتبة المؤسسة الحكومية، التي تخدم وتعير وتناقش وتقيم الندوات وتكافئ و تتبنى المواهب.

مشروع قومي يكفل للحركة الثقافية تمويلًا يسمح بالاستعانة بالخبراء القادرين على تمييز المعرفة التي تستحق الدعم واختيار العناوين التي يليق بها حبر المطابع والورق المُستهلك، والاستعانة بخبراء الدعاية والإعلان القادرين على تسويق مثل هذا النشاط و تقديمه للناس بما يحررهم من ثقل دم أو مشقة أو صعوبة مرتبطة بالقراءة والكتاب، والاستعانة بقدرات شابة يقظة تتواجد في هذه الأماكن بروح المرشد السياحي الذي يعلم وينور ويعين ويشرح، لا بروح أمين المكتبة الموظف المسؤول عن العهدة ومواعيد الحضور والانصراف، والاستعانة بخبراء تسويق هم أدرى بالطريقة التي يمكن من خلالها أن تستدرج المواطن العادي غير المهتم إلى أرصص الكتب ليمد يده و يسحب واحدًا يمنحه شعورًا ما غير مألوف يفتح له باب العودة إلى هذه النقطة أكثر من مرة.

تحتاج الحركة الثقافية إلى مشروع قومي؛ لأن الدولة لديها قدرات تساعدها في التفنن في تقديم أهم ما يحتاج إليه أهل حرفة الكتابة والثقافة(التقدير)، المشروع القومي لديه أدوات أكبر من المكافأة بـ(البيست سيلر)، وجوائز موسمية- عدد الأفراد الذين يحصلون عليها كل عام لا يتجاوز عشرة أشخاص- لكن بقدرات أكبر تستطيع أن تكافئ و تقدر كل شهر العدد نفسه على مساحة أوسع كثيرًا من مساحة الجوائز الشائعة، تستطيع بإمكاناتها (المادية، والتنظيمية، والدعائية) أن تكافئ و تهنئ و تشير بأصابع ملونة كل شهر لكاتب الرواية، والمؤرخ، والمترجم، والشاعر، ومحقق التراث، والكاتب الصحفي، و القصاص، والزجال، وصانع الأغلفة، والناشر، والناقد، والبوكتيوبر، وفي الوقت نفسه تكافئ القارئ، وأمين المكتبة، ومسؤول التوزيع، ومقرر الندوات.

مشروع قومي يحتاج لمتخصصين قادرين على التخلص من الخشونة التي تحكم علاقة كثيرين بالكتاب والقراءة، في لا وعي كثيرين يتواجد الكتاب في المنطقة الخاصة بـ(المدرسة، والجامعة، والاستذكار، والامتحانات، والنجاح والرسوب)، استقر في عقل كثيرين دون سابق تخطيط أن فكرة الكتاب تعني أن هناك شخصًا ما سيخوض امتحان لسؤاله عما يعلمه، نحتاج لخبراء يفتحون باب المحبة والخيال، يشرحون للمواطن العادي أن القراءة لعبة اسمها “ماذا تفعل لو كنت مكاني؟”.

ماذا تفعل لو كنت مكاني أمام هذا الجمال؟ الخوف، الحيرة، الوحدة، الفراق، القلق، الخطر، الوجد، اللوعة، الاختيارات الإنسانية المحيرة، الحب الذي يكاد يعصف بجدران حياتك، الرغبة في الانتقام التي تطير النوم، مشقات الصعود، إحباطات الهزيمة، أسئلة الوجود، صمت الراحلين، رائحة من تحبهم، علامات الطريق الغامضة، وعلامات الأحداث القديمة في الروح، وعلامات الاستفهام التي تكبر حتى تكاد أن تلتهم كل ما يقابلها. 

خبراء لديهم الفرصة والمقدرة والتمويل والوقت لاستخدام كل الأدوات المتاحة (ندوات، فيديو، برامج، مقالات، لقاءات مفتوحة)؛ ليشرحوا أن القراءة سحر يجعل فرص الحياة المؤجلة تتحقق، يفتح أمامك الباب لتمتلك البلاد التي لم تزرها، الثروة التي لم تجنِها، و الأشخاص الذين حلمت بهم و لم تلتقِهم، أن يصنع مزاجًا عامًا يحيل الكتاب لهدية في بساطة تشبه إهداء بعض الورود الطازجة إلى شخص تود أن تعبر له عن مشاعر ما.

يساعد المشروع القومي في أن تكون هذه الروح عابرة لمركز ثقافي بعينه أو تجمع ثقافي محدود بأعضاء يزيدون واحدًا كل شهر، تستطيع أن تستخدم: شاشات التليفزيون، وبرامج الراديو، والمقالات الصحفية، والوجوه المحبوبة؛ لتزرع في الوجدان العام ما يجعل القراءة مغرية و جذابة، أن تشرح لهم ما سيعثرون عليه بين صفحات الكتب، فرصة التعلم في مدرسة الآخرين مجانًا، أن تعيش 1000 حياة و تحب 1000 مرة و تنجو دائمًا دون إصابة واحدة، هدايا المطابع وموسيقى الإضاءة الخافتة وشغف الصفحة المقبلة، هناك بقية للقصة موجودة عندك دائمًا، لديك حلول ربما أفضل، و نهايات قد ترضيك و كلام كنت تتمنى لو أنه يقال في هذا الموقف، أنت شريك في اللعبة، وهي اللعبة الوحيدة تقريبًا التي تعلو فيها الإثارة بلا ضجيج، وتسرع ضربات قلبك دون خطر، وتحيط بك على هامشها الأناقة مهما كان الذي ترتديه وقتها، وتخطفك سعادة تحير من قد يمر إلى جوارك في هذه اللحظة، مغامرة الوقت التي لا تعرف الخسارة، لن تندم على وقت ضاع بين صفحات كتاب ما، الكتاب الرديء يخبرك عن نفسك أضعاف ما يخبرك به الكتاب الجيد، الكتاب الرديء يقول لك أنك أصبحت أفضل، تحسن ذوقك في القراءة وفي الفهم وفي استطعام ما تخبئه السطور، ولم يعد هذا المستوى يرضيك، نضجت و انتقلت إلى مستوى أعلى بما يشمله هذا الانتقال من كل المعاني (الإنسانية، والذوقية، والمعرفية).

مهما كانت درجة وعي أصحاب المبادرات الشخصية و قدرتهم على العمل والإنجاز وضخ الحيوية في العقول (وهي كلها فائدة عظيمة ولا يمكن الاستغناء عنها أبدًا)، فإن الحكم على الفكرة يظل مرتبطًا بما تطمح إليه الإجابة، هل تطمح إلى نقاط منتشرة تحتضن و تقدم و تفرز مثقفين أصحاب درجة عالية من الوعي والذوق والمعرفة أم أنك تطمح لأن يكون هذا هو سمة المجتمع كله؟

قد تبدو المخاطرة مختبئة و غير ظاهرة بين ثنايا جملة ما تقدمه المبادرات الشخصية من: عظمة، ورقي، ونبل، ومجهودات، وتكلفة قد تصل في بعض الأحيان إلى تضحيات شخصية، المخاطرة في أن تنتج المبادرات الفردية عددًا من الشخوص أصحاب وعي عالي و متميز سيعيشون بقية حياتهم بين أفراد مجتمع يفتقد (الوعي، والثقافة، والذوق)، وفي الأمر عذاب مقيم و معاناة قد تقودك للإحباط و قد تجعلك تقرر بمحض إرادتك أن تنفصل عن مجتمعك، وأنت هنا تدفع ثمن المعرفة والوعي غاليًا.

الأثر المترتب على غياب أو حضور الثقافة والوعي في حياة البلاد وسكانها ليس بحاجة لأي مجهود لإقناع أي شخص بحتمية أن تكون المسألة مشروع قومي، القاعدة القديمة التي تحولت لإكليشيه من غزارة ترديدها مجانًا (بناء البشر أهم من بناء الحجر) لازالت صالحة للعمل، ويدلل التاريخ و تشرح أحداثه كيف كان الوعي فارقًا في لحظات الأزمة؛ عاشت مصر كبلد يواجه هزيمة عسكرية لمدة ست سنوات في الفترة (1967-1973)، وبالرجوع لوقائع هذا الحيز الزمني ستقف مندهشًا تتأمل بلدًا لم تسقطه الهزيمة بل إنه قدم خلال هذه الفترة قِطعًا فنية وأدبية رفيعة لازلنا نتعلم منها حتى يومنا هذا، كان (الوعي، والثقافة، والذوق العام) دعائم أن يظل هذا البلد عظيمًا رغم النكسة يقدم أفلامًا وروايات ومسرحيات، ويدعم المجهود الحربي بالفن والغناء، وينتج كتبًا وترجمات لم تتوقف يومًا واحدًا، وكان معظم ما سبق يدور تحت إدارة دولة تخوض حربًا وظروفًا اقتصادية صعبة في الوقت نفسه، لكنها كانت تؤمن أن الوعي سيخرج بالبلد و سكانه من هذه الأزمة سالمين، بل أنه في لحظة ما سوف يكون مفتاح بوابة الانتصار، كان البلد المتماسك بفضل وعيه هو أفضل دعم يمكن تقديمه لمقاتل يقف على خط النار؛ إذا ما التفت خلفه سيجد نفسه في مواجهة بلد يستحق أن يحارب من أجله و من أجل أن يعبر هذه المحنة.

الثقافة و الحركة الثقافية أوسع كثيرًا من كتب تنتشر و ندوات و معارض فنية، البداية بالمعرفة، لكن السياق أوسع، والنتيجة تصنع فارقًا، ولا يقتصر الأمر على الأزمات فقط، لكنه يرتبط أيضًا بالإنجازات، أن تعرف خطتك و أهدافك و تجيد الحفاظ على ما أنجزته؛ لأنك تعرف جيدًا قيمته وعلى علم بتكلفته. المعرفة تقودك لأن تحافظ على تاريخك و أيقوناته، وأن تتمسك بهويتك وتستطيع بسهولة أن تقدر قيمتها وتضعها في المكانة التي تستحقها، وهي أمور تقدمها المبادرات الفردية بنجاح لكنها تستحق أن تكون سمة مجتمع لا سمة أفراد.

نحتاج لكل مقدرات و إمكانات مشروع تتبناه دولة من أجل فتح الباب لإعادة تعريف فكرة القراءة، مجهود شاق ومستمر يقوده إدارة واعية ومراقبة مستمرة و تمويل كافٍ ليزرع في يقين الناس ووجدانهم أن القراءة فعل أكبر من الكتب، وأنها طريقة للتعامل مع تجربة الحياة، أن تضع ولو إرشادات مكتوبة في الأماكن العامة تخاطب كل شخص تطلب منه أن يقرأ الأشخاص، واللوحات، وخرائط البلاد، وعروق يديك، وابتسامة من تحبهم، والتمريرات الذكية التي تنتهي بهدف.

 أن تقول لكل واحد أن القراءة هي مرآة المصعد التي تخبرك عن نفسك مالم تكن تعرفه، وأن تجعله يؤمن أنها مخبأ يدلك على طريق، وطريق يدلك على مخبأ، وأن تشير له ناحية حياة جديدة ممتعة قوامها: الحبر، والورق، والمعرفة، وبعض الخيال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى