2025العدد 202عروض كتب

اتفاقات وخلافات العرب كما عايَشَهُا عبد الخالق حسونة أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية

عبد الخالق حسونة رائد من الرعيل الأول من الدبلوماسيين المصريين، مارس الدبلوماسية المصرية والعربية على مدى نصف قرن من الزمن؛ حيث التحق بوزارة الخارجية عام إنشائها 1922، وتدرج في مختلف مناصبها حتى أصبح وزيرًا للخارجية عام 1952، ثم انتقل إلى جامعة الدول العربية إثر انتخابه بإجماع الدول العربية الأعضاء أمينًا عامًا للجامعة، وهو المنصب الذي ولِيَهُ عشرين عامًا. والواقع، أن المنطقة العربية شهدت عبر تلك السنوات تحولات تاريخية وأحداثًا جسامًا انعكست على مناخ العلاقات العربية، فواجه الأمين العام للجامعة العربية مسؤولية احتواء الأزمات التي نشأت بين صفوفها وحل الخلافات التي هزت أركانها حتى كاد بعضها يطيح بكيان الجامعة ذاتها، ويذكر منها: أزمة الحدود بين مصر والسودان عام 1958 حول منطقتي (حلايب، وشلاتين)، وأزمة لبنان عام 1958 بأبعادها الإقليمية الدولية، وأزمة سوريا ومصر المترتبة على الانفصال عام 1961، وأزمة الكويت عام 1961 أيضًا، إثر تهديد استقلالها من قبل العراق التي شهدت أول قوات أمن عربية.

وقد احتلت القضية الفلسطينية، طوال الفترة التي قضاها السيد /عبد الخالق حسونة أمينًا عامًا للجامعة العربية، مكان الصدارة ضمن اهتمامات الجامعة وأولويات العمل العربي المشترك، بالإضافة إلى الاهتمامات الأخرى، مثل: ميثاق الجامعة، واتفاقية الدفاع العربي المشترك.

أما عن تبويب الكتاب، فهو يضم قسمين كبيرين يحتوى كلاهما عددًا من الفصول، فجاء القسم الأول بعنوان “من الميلاد إلى وزارة الخارجية” وفيه يذكر أن عبد الخالق حسونة تخرج من مدرسة الحقوق سنة 1921، بعد حصوله على الليسانس عمل محاميًّا، وكانت ممارسة المحاماة أمام القضاء المختلط حكرًا على الأجانب في الأغلب الأعم؛ لأن إجراءات التقاضي كانت تُجرى باللغات الأجنبية، لكن إجادة السيد / عبد الخالق حسونة لبعض هذه اللغات مكنته من شق طريقه في تلك المحاكم بنجاح واضح.

وفي سنة 1922، التحق السيد/ عبد الخالق حسونة بوزارة الخارجية، واختير عضوًا في أول بعثة تعليمية توفدها الوزارة لكوادرها لاستكمال دراستهم وتأهيلهم العلمي في الخارج، فسافر لنيل الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة كمبردج البريطانية، وحصل على هذه الشهادة العلمية وعاد إلى مصر عام 1925.

كان التمثيل الدبلوماسي لمصر بدأ بأربع مفوضيات؛ لأن مصر لم تعرف التمثيل على مستوى السفارات إلا بعد توقيع معاهدة 1936 مع الجانب البريطاني، الذي عزز استقلال مصر مقارنة مما حصلت عليه بموجب تصريح 28 فبراير 1922، المفوضية الأولى: كانت في لندن، وتم تعيين عبد العزيز باشا عزت مندوبًا فوق العادة على رأسها، وهو ألباني وكان متزوجًا من “بهية يكن” حفيدة الخديوي إسماعيل. والمفوضية الثانية: كانت في باريس، التي ترتبط بمصر بعلاقات خاصة، وعُين على رأسها الوزير المفوض فوق العادة محمود باشا فخري، وهو جركسي الأصل، وزوج الأميرة “فوقية” الابنة الكبرى للملك فؤاد الأول. والمفوضية الثالثة: كانت في روما، التي كان لها أكبر جالية في مصر بعد الجالية اليونانية، ووَلِيَها الوزير المفوض فوق العادة أحمد باشا زيوار، وهو جركسي الأصل، وبعد ذلك عُين وزيرًا مفوضًا في العاصمة البريطانية، ثم صار رئيسًا للوزراء عام 1924. والمفوضية الرابعة: فكانت واشنطن عاصمة الولايات المتحدة، القوة البازغة الجيدة بعد الحرب العالمية الأولى، وتم تعيين سيف الله يسري باشا مندوبًا فوق العادة على رأسها، وهو ألباني الأصل والزوج الثالث للأميرة “شيوه كار” التي كانت الزوجة الأولى للملك فؤاد.

وعند عودة السيد/ حسونة إلى مصر بعد دراسته فوجئ هو وزملائه بأن باب العمل في المفوضيات المصرية في الخارج قد أُوصِد أمامهم.

وبِناءً على ما شُهد عام 1925، قررت الخارجية المصرية بناءً على أوامر ملكية إنشاء تسع مفوضيات، في كل من: ألمانيا، بلجيكا، إسبانيا، تشيكوسلوفاكيا، اليونان، تركيا، النمسا، سويسرا، وفارس، مما شكل أضخم حركة في تاريخ التمثيل الدبلوماسي المصري في الخارج، وصدرت أوامر ملكية بتعيين أعضاء البعثات الدبلوماسية للبلدان المذكورة، منهم السيد/ عبد الخالق حسونة ملحَقًا في المفوضية الملكية المصرية في العاصمة الألمانية برلين، التي كان على رأسها سيف الله باشا يسري مندوبًا فوق العادة ووزيرًا مفوضًا.

وأظهر عبد الخالق حسونة كفاءة في عمله ملحقًا في المفوضية المصرية في برلين. وفي سنة 1927، صدر قرار بنقله قائمًا بالأعمال في المفوضية الملكية في براج عاصمة تشيكوسلوفاكيا. ثم بعد ذلك في أوائل عام 1929، نُقل عبد الخالق حسونة من براج سكرتيرًا ثانيًا في المفوضية الملكية في العاصمة البلجيكية بروكسل التي قررت الحكومة المصرية تبادل التمثيل الدبلوماسي معها سنة 1925، فعُين صادق باشا وهبه مندوبًا فوق العادة ووزيرًا مفوضًا لديها، وبعد ذلك تم نقله إلى روما وبعد مرحلة عمل قضاها السيد/ حسونة امتدت حوالي ست سنوات في المفوضيات المصرية المذكورة عاد إلى ديوان وزارة الخارجية بالقاهرة في سبتمبر عام 1932 للعمل مديرًا لمكتب الوزير/ عبد الفتاح يحيى حاصلًا على درجة سكرتير أول، واستمر في هذا المنصب مع أكثر من وزير مرورًا  بوزارة إسماعيل صدقي وجورجي المطيعي ثم صليب باشا سامي في وزارة صدقي الثانية وأخيرًا عبد الفتاح يحيى في الوزارة التي ألفها لنفسه، واحتفظ بها بوزارة الخارجية في سبتمبر عام 1933 حتى 4 نوفمبر 1934، ثم ترقى السيد/ عبد الخالق حسونة إلى مدير إدارة الشؤون السياسية والتجارة في وزارة الخارجية بدرجة مستشار. وفي 5 مارس عام 1938، تولى منصب سكرتير عام وزارة الخارجية بدرجة وزير مفوض، ويُعد هذا المنصب ثالث المناصب من حيث الأهمية في تلك الفترة بعد وزير ووكيل الخارجية.

وبعد أن صدر في يوم 6 فبراير عام 1942، المرسوم الملكي بتأليف وزارة النحاس الخامسة وبعد أن شرع في التخفيف عن المواطنين الآثار الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، صوب وجهته ناحية الإسكندرية التي كانت تمثل الخط الأمامي للقتال، وفي ذلك الوقت استدعى النحاس باشا السيد/ عبد الخالق حسونة؛ ليبلغه أنه جرى تعيينه محافظًا للإسكندرية وحاكمها العسكري، وصدر مرسوم بذلك التعيين في 25 أبريل 1942، وكان قبل ذلك التاريخ يعمل وكيل لوزارة الشؤون الاجتماعية منذ ديسمبر 1939، الذي بدأ نجمه يصعد من خلالها في الحياة العامة المصرية، وعاش السيد/ حسونة أيام عصيبة في الإسكندرية؛ إذ لم تكن هذه المدينة الوديعة، بل كانت مهددة من روميل بعد غزو مرسى مطروح، فكان بينه وبين الإسكندرية حوالى 150 كيلو ليغزوها هي الأخرى، حتى أن أهلها استعدوا للرحيل منها.

وفي سياق حديثه عن وقائع تلك الأيام العصيبة التي عاشتها مصر خلال صيف 1942، روى الكاتب الصحفي الأستاذ/ محمد حسنين هيكل، حوارًا تليفزيونيًّا دار بين النحاس باشا وعبد الخالق حسونة، الذي طلب توجيهات من رئيس الوزراء المصري بشأن كيفية التصرف إذا ما دخلت القوات الألمانية الإسكندرية، فذكر رئيس الحكومة نصح المحافظ بعدم التدخل في القتال، وأتاح له حرية التصرف وفق الظروف والملابسات وقال النحاس باشا للسيد/ عبد الخالق حسونة: إنه في حالة تأهب الألمان للهجوم على المدينة عليه الذهاب شخصيًّا للقائد الألماني “روميل” ويسلمه مفاتيح المدينة وإبلاغه أنها مدينة مفتوحة. وعند سؤال السيد/عبد الخالق حسونة من قبل ابنة مؤلف الكتاب إذا كانت توجيهات النحاس باشا قد تضمنت فعلًا تسليم مفاتيح المدينة إلى روميل فنفى ذلك السيناريو واكتفى بقوله ربنا ستر وأنقذ أهل الإسكندرية من اجتياح المدينة.

وعن إنجازات السيد/ عبد الخالق حسونة في الإسكندرية، وتحمسه فور تعيينه محافظًا للإسكندرية لإنشاء جامعة هناك، والتي جرى افتتاحها في عهده رغم ظروف الحرب الضاغطة، فوفر لها المباني الصالحة لتقام فيها الجامعات ، وصدر مرسوم ملكي بإنشاء جامعة الإسكندرية تحت مسمى ” جامعة فاروق الأول ” في أغسطس 1942، وهو ذات العام الذي اُفتتحت فيه الجامعة رسميًّا وكانت تحمل اسم “جامعة فاروق الأول ” لمدة عشر سنوات وبعد قيام الثورة سميت باسم “جامعة الإسكندرية”.

أما عن أسعد لحظات السيد/ حسونة في الإسكندرية، هي لحظة جلاء القوات البريطانية عن مواقعها في الإسكندرية، وذلك عام 1947.

ثم ينتقل بالحديث عن السيد/ عبد الخالق حسونة، عندما كان وكيلًا لوزارة الخارجية نفس يوم دخول الجيش المصري لحرب فلسطين في 15 مايو 1948، فكانت وزارة الخارجية تستعد هي الأخرى للدخول في الحرب الدبلوماسية الموازية للحرب العسكرية والمكملة لها؛ ولذلك سعت لتدعيم كوادرها وفريق العمل فيها، فصدر في نفس اليوم قرار بعودة عبد الخالق حسونة إلى وزارة الخارجية في موقع الرجل الثاني فيها، وهو وكيل وزارة الخارجية في 14 مايو 1948 وهو آخر يوم له محافظًا للإسكندرية، وعمل جنبًا إلى جنب مع “أحمد خشبة” وزير الخارجية –آنذاك- في حكومة محمود فهمي النقراشي الثانية في إدارة الجهد الدبلوماسي المصري. وفي هذه المواجهة العربية – الإسرائيلية الأولى 1948 في الساحة الدولية من خلال نظام متعدد الأطراف المتمثل في الأمم المتحدة والجامعة العربية، أو على المستوى الثاني عبر حشد جهود السفارات والمفوضيات المصرية في الخارج للتخديم على السياسة المصرية في هذا الصراع المسلح ومكافحة النشاط الإسرائيلي في المحافل الدولية.

وفي نوفمبر عام 1949، كان السيد/ عبد الخالق حسونة على موعد مع مرحلة مهمة في مسيرته المهنية والوطنية؛ حيث جرى تعيينه وزيرًا للمرة الأولى؛ حيث شغل منصب وزير الشؤون الاجتماعية في وزارة حسين سري الرابعة، وبعد حريق القاهرة عام 1952، وتسلم مصطفى النحاس في منزله إقالة وزارته موقعةً من الملك فاروق، الذي كلف في نفس اليوم على ماهر بتشكيل الوزارة الجديدة، واختار فيها عبد الخالق حسونة وزيرًا للمعارف العمومية، ثم بعد ذلك وزيرًا للخارجية في وزارة الهلالي.

أما القسم الثاني من الكتاب فعنوانه “عبد الخالق حسونة أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية”.

بعد قيام ثورة 23 يوليو بقيادة محمد نجيب وجمال عبد الناصر، بدا أن رجال الثورة مهتمين بجامعة الدول العربية وإمكاناتها، لكن اهتمامهم كان مسايرًا للشعور العربي العام الذي كان يلقي مسؤولية الفشل العربي في فلسطين على الجامعة العربية، كأن الجامعة العربية قوة مستقلة فوق كل الأوضاع العربية، تملك القدرة على تحويل عجزهم إلى إدارة غالبة. ومن هنا، فقد كان عبد الناصر من أوائل المتحمسين لخروج عبد الرحمن عزام باشا من موقعه بوصفه أمينًا عامًا للجامعة العربية. وفي 14 سبتمبر عام 1952، انعقدت الجلسة الثانية من اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، تحدث وزير خارجية العراق محمد فاضل قائلًا: “يسرني باسم وفد العراق أن أرشح عبد الخالق حسونة، وزير الخارجية المصري الأسبق؛ ليشغل منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية” وانتهى الأمر بالموافقة على اختيار عبد الخالق حسونة أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية بإجماع الآراء.

وقد بذل السيد/ عبد الخالق حسونة جهدًا كبيرًا في موقعه كأمين عام لجامعة الدول العربية على مدار عقدين كاملين ( 1952-1972) خاصة في ملف حركات التحرر في البلاد العربية التي كانت واقعة تحت الاحتلال الأجنبــي. وفي هذا الصدد، قاد الجامعة العربية وأجهزتها في دعم دول المغرب العربـــــــــــي (تونس، المغرب، والجزائـر) وكذلك دول الخليج العربي، واليمن الجنوبي، على نيل الاستقلال، كما كان له دور في دعم مصر في مكافحة العدوان الثلاثي عام 1956.

كما أن دعمه الكبير للقضية الفلسطينية يندرج أيضًا تحت عنوان دعم الدول العربية، بل نيل استقلالها من المحتل الأجنبي.

ثم يشير الكاتب إلى أن كثيرًا من سهام النقد التي تطول جامعة الدول العربية، والتعبير عن خيبة الأمل في قيامها بتحقيق الأهداف التي أُنشئت لأجلها، إلا أن الكاتب يرى عكس ذلك، فمثلًا: الدور الجديُّ الذي قام به الأمين العام لجامعة الدول العربية ليس فقط في مساهمتها في حركة التحرير، خاصة (تونس، المغرب، والجزائر)، وإنما أيضًا في الحفاظ على عروبة إمارات الخليج العربي، والتصدي إلى المخطط البريطاني الهادف إلى تعزيز التواجد الاستعماري البريطاني في المنطقة، والقضاء على نضال الخليج العربي من أجل الاستقلال، علمًا بأن المصالح البريطانية قد تلاقت مع المطامع الإيرانية في محاولة السيطرة على الخيرات النفطية الموجودة في هذه المنطقة الهامة من خريطة العالم العربي، ويحسب للجامعة العربية وأمينها العام الوعي بذلك المخطط والتحرك لمواجهته بعد أن فضح الإعلام المصري والعراقي الحكومة البريطانية، التي تسامحت مع الهجرة الإيرانية الواسعة النطاق في الخليج العربي وتشجيعها لها.

وأيضًا في سنة 1954، وقفت الجامعة العربية ضد إيران عندما أبلغت الحكومة الإيرانية السفارات الأجنبية في طهران، أن نزول الطائرات الأجنبية في مطار البحرين أمر محظور إلا بتصريح مسبق من إيران، بدعوى أن البحرين جزءٌ من إيران، وإقليم من أقاليمها، وعلى الفور دعا عبد الخالق حسونة مجلس الجامعة العربية للاجتماع وقرر المجلس معارضة الادعاء الإيراني، وتأييد استقلال البحرين، وتأكيد عدم ارتباطها بإيران ولا بغيرها من الدول بأي علاقة.

وكان السيد عبد الخالق حسونة قد قام بدور هام في إنشاء جبهة مقاطعة إسرائيل في الجامعة العربية واتخاذ دمشق مقرًا لها؛ حيث قامت هذه الجبهة بمراقبة إسرائيل وخاصة في اتخاذها إيران مركزًا لتهريب منتجاتها وخاصة ضد الدول العربية، ومقاومة التسلل الإسرائيلي عن طريق إيران إلى الخليج.

وبعد ذلك، يتطرق الكاتب إلى واحدة من كبريات الأزمات التي واجهها السيد/ عبد الخالق حسونة في موقعه أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، وهو تعرض بلد عربي من أعضاء الجامعة العربية ومن المؤسسين لها وهو (مصر) للعدوان الثلاثي (البريطاني، والفرنسي، والإسرائيلي) في أكتوبر عام 1956، وهو ما تطلب عملًا شاقًا للاستفادة من أعلى سقف ممكن للعمل العربي المشترك لدعم مصر سياسيًّا. وفي هذا الصدد، كانت اللجنة السياسية بالجامعة العربية في حالة انعقاد دائم بعد رد الفعل العنيف من جانب بريطانيا وفرنسا ومن خلفهما إسرائيل على قرار الرئيس/ جمال عبد الناصر بتأمين قناة السويس في 26 يوليو 1956، وتدرج الأمر إلى قمة عربية في بيروت في نوفمبر 1956؛ لدعم مصر والتأكيد على سيادتها على كامل أراضيها بما فيها قناة السويس.

ثم ينتقل بحديثه إلى دعم القضية الفلسطينية؛ حيث يقول الكاتب إنه على مدار عقدين من الزمن (عشرين عامًا) شغل فيها السيد “عبد الخالق حسونة” الأمين العام للجامعة العربية كانت القضية الفلسطينية في قلب اهتماماته، وهو ما انعكس على اهتماماته بداية بمشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من ديارهم وطرح قضيتهم باستمرار على المجتمع الدولي، بالإضافة إلى دعمه قيام الكيان الفلسطيني وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، كما سعى إلى مكافحة اضطهاد عرب 1948، وتهويد القدس، وكان دائمًا مقاومًا للنشاط الإسرائيلي في المحافل الدولية، وكان يؤمن بأن قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين (عربية، ويهودية) والصادر في 29 نوفمبر 1947، قد انتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إلا أنه شكل كذلك اعترافًا من قبل الأمم المتحدة بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، ولذا وجب الاستناد إليه في تمسكهم بهذا الحق وتسوية النزاع على أساس حل الدولتين، وكان خير تعبير عن موقف السيد/ عبد الخالق حسونة إزاء القضية الفلسطينية _تضمُّنُ ندائه إلى الفلسطينيين عند حضوره إلى مجلس وطني فلسطيني في القدس في مايو 1964؛ حيث أعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية وأكد أن قضية العرب الأولى هي القضية الفلسطينية.

ثم يتحدث بعد ذلك عن دور السيد/ عبد الخالق حسونة في تسوية النزاعات العربية – العربية؛ حيث إنه عاصر من موقعه أقسى فترات التشرذم العربي، أو ما يمكن أن نطلق عليه فترة الحرب الباردة التي أعقبت حرب العدوان على مصر 1956، وصولًا إلى انتهاء ولايته في يونيو 1972، وما رافقه من صعود نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط على حساب النفوذ التاريخي البريطاني الفرنسي، وهنا أطلقت الولايات المتحدة على سياستها الجديدة في المنطقة سياسة “ملء الفراغ ” فيما عرف بمشروع “إيزنهاور” سنة 1957، الذي كان يهدف إلى تطويق وضعف وانحسار النفوذ البريطاني الفرنسي في المنطقة العربية، كما شهدت هذه الفترة عام الوحدة بين (مصر، وسوريا) 1958، ثم انفصالهما عام 1961، كما شهدت حرب بين دولة عربية وأخرى، ويمكن القول أن حفاظ الأمين العام “عبد الخالق حسونة” على جامعة الدول العربية في ظل هذه الظروف، بل النجاح من خلالها على حل العديد من هذه النزاعات لأمر يستحق الدراسة والتقدير.

ثم تناول الكاتب بعد ذلك دور السيد / عبد الخالق حسونة في إجهاض أي دعم تتلقاه إسرائيل من الدول المختلفة بالضغط بورقة تصالح هذه الدول مع العالم العربي، وكانت الحالة الأشهر في محاولة الجامعة العربية منع أو تحجيم تقديم مساعدات سخية لإسرائيل هي حالة ألمانيا الاتحادية (الغربية) التي كانت تشعر تجاه إسرائيل بعقدة الذنب نتيجة الانتهاكات التي تعرض لها اليهود على أيدي النازية.

وقد عملت الجامعة العربية على المزيد من العزلة لألمانيا داخل العالم العربي، وذلك نتيجة لاستمرار دعمها وذلك في حرب 1967، وبدأت البلدان العربية تعترف بألمانيا الشرقية، وهو ما أثار حفيظة ألمانيا الغربية، وبدأ الاعتراف بداية من العراق في 30 أبريل عام 1969 مرورًا بمصر 10 يونيو 1969.

وعلى كل حال، نجح عبد الخالق حسونة في قيادة الجامعة العربية إبان عملها في قضايا التحرير العربي والعالمي، والتعاون الآسيوي – الإفريقي، وتنظيم التعاون بين الجامعة العربية والأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصـــــة، وتوحيد المواقف العربية في المحافل الدولية، وما ترتب عليها من مكاسب قومية، وأيضًا بمجرد ما تولى منصبه كان مقتنعًا بأن أي تطوير في مؤسسات العمل العربي المشترك تحتاج إلى أن يكون للأمانة العامة للجامعة، التي هي قاعدة هذا التطور المنشود، والدينامو المحرك له _ مقرٌ يليق باسم جامعة الدول العربية وهو ما تمخض في نهاية المطاف عن ذلك المبنى الأنيق الموجود في ميدان التحرير، وجرى افتتاحه في 22 مارس عام 1960، وأقيم في المبنى  حفلة بعد استقلال الجزائر عام 1962.

ويتضح بعد ذلك أن إنجازات كثيرة قد نمت في عهد السيد/ عبد الخالق حسونة في مجال العمل العربي المشترك وكان يؤمن دائمًا بأن شرط نجاح أي مظهر من مظاهر ذلك العمل هو توفر الثقة بين القائمين به والإيمان بجدواه وأهميته، وهو ما يتطلب قيام الدول الأعضاء بتنفيذ أحكام الميثاق نصًا وروحًا وتطبيق قرارات الجامعة وتنفيذ الاتفاقيات المتعددة المعقودة في ظلها في مختلف المجالات .

وفي الأول من يونيو عام 1972، تنحى السيد/ عبد الخالق حسونة عن منصبه عند انعقاد مجلس الجامعة في دورة انعقاده العادية (السابعة والخمسين) بمقر الجامعة العربية برئاسة السفير “حسن فهمي عبد المجيد” مندوب مصر الدائم ورئيس الدورة، فبعد افتتاح الجلسة المغلقة قال رئيسها: “إن جدول الأعمال يتضمن موضوعين: الأول منهما، منصب الأمين العام”. وفيما يخص هذا البند، عرض الأمين العام المساعد السيد /نوفل الخطاب الموجه من الأمين العام “عبد الخالق حسونة” إلى أصحاب الجلالة والفخامة الملوك والرؤساء العرب بتاريخ 14 مايو 1972، ونص الرسالة عبارة عن توديع وإنهاء عمله في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية.

اظهر المزيد

عماد الدين حلمي عبدالفتاح

الأمانة العامة لجامعة الدول العربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى