في 29 تشرين الأول / أكتوبر 1923، أعلن مصطفى كمال(أتاتورك لاحقًا) تأسيس الجمهورية في تركيا على أنقاض السلطنة العثمانية، التي انهارت في الحرب العالمية الأولى، واعتُبر هذا التاريخ يوم الاستقلال التركي.
وإذ باشر أتاتورك سلسلة من الإصلاحات الثورية على الصعيد الداخلي، فقد سارت السياسة الخارجية على قاعدة “سلام في الوطن سلام في العالم”، أي الانكفاء عن التورط في المحاور الخارجية والانكباب على الشؤون الداخلية.
من هنا يمكن القول إن سياسة تركيا الخارجية كانت -إلى حد ما- في عهد أتاتورك “حيادية”، وبقيت على هذا النحو حتى وفاته عام 1938، واستمرت مع خليفته “عصمت إينونو” حتى العام 1947.
بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مرحلة جديدة ثانية في السياسة الخارجية التركية؛ ففي إثر الخلاف بين تركيا والاتحاد السوفيتي حول اتفاقية المضائق (مونترو 1936) وبعض الأراضي في الشرق التركي، وقَّعت تركيا اتفاقية عسكرية عام 1947 مع الولايات المتحدة الأمريكية، واعترفت بإسرائيل عام 1949، وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952؛ ليكون عنوان الحقبة الثانية الانحياز في الصراع الدولي خلال الحرب الباردة، إلى جانب حلف شمال الأطلسي والقوى الغربية وإسرائيل في مواجهة الاتحاد السوفيتي وحركات التحرر العالمية ومنها العربية. واستمرت هذه المرحلة إلى ما بعد انتهاء الحرب الباردة وإلى العام 2002، وكان عماد السياسة التركية خلالها الانخراط كدولة في الاصطفافات العالمية في مواجهة الأعداء.
هذا كان مغايرًا بالكامل لسمات المرحلة الثالثة من السياسة الخارجية التي بدأت مع وصول حزب العدالة والتنمية عام 2002 إلى السلطة، وكان من أبرزها اعتماد عقيدة أيديولوجية جديدة تمثلت في اعتبار الأراضي العثمانية السابقة التي خسرتها تركيا، مجالًا جديدًا للتحرك الخارجي. وثمة عدد كبير من المواقف التركية التي تعتبر سوريا شأنًا داخليًّا تركيًّا والدعوة لاستعادة حدود الميثاق الملِّي التركي لعام 1920، الذي يشمل شمال سوريا وشمال العراق. وعملت تركيا على دعم الحركات المناهضة للأنظمة في العديد من الدول العربية، ونجحت في ذلك في (مصر، وتونس، والمغرب، وليبيا). ورأى زعيم حزب العدالة والتنمية ورئيس الجمهورية “رجب طيب أردوغان” أنه لم يدخل بقواته إلى سوريا إلا ليسقط الحاكم بشار الأسد، وأنه يريد أن يصلي في الجامع الأموي. وقد عُرفت هذه العقيدة الجديدة في السياسة الخارجية بالعثمانية الجديدة، ولم ينكرها أصحابها السابقون والحاليون، وهي تجمع بين النزعة القومية التركية والنزعة الدينية(المذهبية) الإسلامية.
وكان من الطبيعي أن تواجه تركيا اعتراضات وتحديات أمام المضي في هذه السياسة، التي تعتبر تهديدًا لقوى أساسية في المنطقة العربية والإسلامية، وهكذا نشأ التنافس والتصادم بين الإسلام التركي (العثماني) مع كل من: الإسلام الوهابي، والإسلام الأزهري، والإسلام الشيعي.
وقد وصل الصدام أحيانًا إلى مستويات دموية في معظم الساحات الخلافية من (سوريا، والعراق، ومصر، والخليج، وليبيا، والسودان،… وغير ذلك). أما المراحل التعاونية من هذا الصراع فلا تغفل أو تسقط جذر الخلافات بين هذه الإسلامات والإسلام العثماني.
وباستثناء التقدم التركي الأبرز في ليبيا، بعيدًا عن الحدود التركية، فإن الاهتمام التركي تركز أكثر ما يمكن في الساحتين (العراقية، والسورية) المجاورتين، وإذ كانت الذريعة التركية المباشرة لاحقًا هي “التهديد”، الذي يشكله حزب العمال الكردستاني على تركيا من شمال العراق أو وحدات الحماية الكردية في شرق الفرات وغربه(عفرين) في سوريا، فإن الهدف الأساسي العام هو محاولة الهيمنة التركية على المنطقة انطلاقًا من العراق وسوريا.
تركيا في سوريا.
مع ذلك فإن سوريا، وعبر التاريخ الحديث، كانت هي- لا العراق- بوابة تركيا إلى العالم العربي، وهي بالتالي العقبة التي تحول دون اختراق الأمن القومي العربي من جانب العثمانيين الجدد في أنقرة، وسقوط سوريا كان ليعني إزالة لهذه العقبة وفتح المنطقة العربية أمام الهجمة العثمانية.
هذا ما عملت له تركيا جاهدة على امتداد حكم حزب العدالة والتنمية تارة، في المرحلة الأولى، بالدبلوماسية والاقتصاد والفنون وحفلات السباحة (بين أردوغان والأسد في سواحل تركيا الغربية). وتارة، بعد العام 2011، بدعم المجموعات المسلحة التي استقدمتها من كل العالم للمساعدة على إسقاط نظام الأسد، وطورًا بإقدام تركيا نفسها على الدفع بجيشها للتقدم واحتلال القسم الشمالي الغربي من سوريا بدءًا من العام 2016.
وقد عملت تركيا على إفشال كل مساعي المصالحة مع دمشق والانسحاب من سوريا وعرقلة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، ومضت في عمليات تغيير الواقع (الإثني، والمذهبي، والتعليمي، والديني، والمالي) في المناطق المحتلة من سوريا.
ولم تُغمض عين تركيا عن سوريا. وبمعزل عن العوامل التي ساهمت في سقوط النظام في سوريا في الثامن من كانون الأول / ديسمبر 2024، فإن هذا السقوط كان حدثًا استثنائيًّا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ويمكن الوقوف عند بعض الملاحظات التالية:
- أنهى سقوط الأسد 54 عامًا من حكم عائلة الأسد، و61 عامًا من حكم حزب البعث، الذي كان إحدى الحركات القومية العربية الرائدة، مثلما كان انتهى عام 1970 بوفاة “جمال عبدالناصر” تيار الحركة القومية العربية الناصرية في مصر.
- تبين من المداولات التي ظهرت في عواصم مختلفة، أن إسقاط النظام السوري كان نتيجة تقاطع جهود العديد من القوى المعادية لمحور المقاومة، الذي كانت دمشق أبرز ركائزه، ولا سيما (إسرائيل، والولايات المتحدة، وتركيا).
- وقد ظهر واضحًا أن إسرائيل كانت من المستفيدين الرئيسين من إسقاط النظام؛ من خلال احتلال المزيد من الأراضي السورية، ومحو القدرات العسكرية للجيش السوري عبر الغارات التدميرية التي طالت جميع أصول القدرات العسكرية من: مطارات، وطائرات، وموانئ وسفن، ودبابات، ورادارات، ومراكز عسكرية، ومراكز أبحاث.
- ولا شك أن تركيا كانت من أبرز المستفيدين بل المشاركين في إسقاط النظام:
- أنها حققت هدفًا قديمًا ومزمنًا في إسقاط الأسد، سواء كنظام يعارض ويعترض المخططات العثمانية أو الإطاحة بالأسد كخصم شخصي لرجب طيب أردوغان.
- حققت هدف ضمان استمرار احتلال شمال سوريا في إطار الميثاق الملِّي وتوسيع الاحتلال والهيمنة على جزء كبير من سوريا تقريبًا.
- إلحاق هزيمة ثقيلة بإيران والإسلام الشيعي في المنطقة، وهذا أحد أهم أهداف سياسات حزب العدالة والتنمية الخارجية، ولا سيما في سوريا والعراق.
- وقوع السلطة في بلد عربي مركزي، مثل: سوريا، بيد دولة غير عربية، مثل: تركيا. ومع أن القول إن إيران كانت دولة غير عربية تهيمن على الحكم في دمشق، غير أن تركيا تنتمي إلى المحور الغربي – الأطلسي غير المعارض للسياسات الغربية.
- إن إسقاط سوريا عمومًا بيد فصائل تابعة لتركيا يعتبر هزيمة للإسلامات الأخرى غير العثمانية، مثل: الإسلام الوهابي، والإسلام الأزهري، وما تحمله من مشاريع مغايرة للمشروع التركي.
- بهيمنة تركيا على نظام الحكم الجديد في سوريا برئاسة أحمد الشرع، إنما توسِّع نطاق تأثيرها ونفوذها في المنطقة؛ فتركيا خرجت بذلك من حدودها وأصبحت عمليًّا جارة جديدة لكل جيران سوريا، مثل: لبنان، والأردن، والعراق لجهته الغربية، كما أصبحت تركيا وجهًا لوجه أمام إسرائيل التي تحتل الجولان وأراضي أخرى من سوريا.
كما ستجاور تركيا، عبر المياه البحرية السورية، كلًا من المناطق الاقتصادية الخالصة البحرية لكل من: لبنان، وقبرص الجنوبية، وسيتاح لها مبدئيًّا ترسيم حدودها البحرية مع سوريا وفقًا لما تمليه على دمشق.
وفي حال تمكنت تركيا من هندسة المجتمع السوري (بشرًا، ومؤسسات، وقطاعات) وفقًا لما ترغب، فستكون سوريا عمليًّا هذه المرة محافظة جديدة تضاف إلى المحافظات الـ 81 القائمة في تركيا.
- وبالتأكيد سينعكس ذلك على الوضع الداخلي في تركيا بما يعزز قوة حزب العدالة والتنمية وزعيمه “رجب طيب أردوغان”، الذي يصوَّر في تركيا باعتباره “فاتح سوريا” ومجدد أمجاد العثمانيين، وسيحاول الاستفادة من ذلك لتقليص نفوذ التيار العلماني في تركيا، وفي قلبه حزب الشعب الجمهوري ويحاول حتى تصفيته. وهذا كله سيصب مبدئيًّا لصالح إعادة ترشيح أردوغان للرئاسة وبقائه فترة إضافية، وربما أكثر، في السلطة بعد العام 2028، في حال نجح في تعديل الدستور بما يسمح للترشح مجددًا للرئاسة.
تحديات إحكام القبضة التركية على سوريا.
مقابل المكاسب الكبيرة لتركيا من إحكام قبضتها على سوريا أو معظمها فهي تواجه تحديات ليست سهلة على الحل، إذا لم تتماهَ السياسات التركية مع حقائق ووقائع الوضع السياسي والاجتماعي والثقافي في سوريا وفي المنطقة وطبيعة الصراعات الإقليمية.
- التحدي الأول: هو الوضع الداخلي السوري؛ حيث لا تختلف سوريا كثيرًا بتعددها المذهبي والعرقي عن تركيا، وعندما تولى أحمد الشرع السلطة في دمشق قال الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”: إنه سيضع التجربة التركية في خدمة النظام الجديد للنهوض بسوريا على مختلف المستويات.
وإذا كانت القدرة المادية لتركيا هي موضع نقاش في ما إذا كانت مستعدة لتلبية الاحتياجات السورية أم لا في مختلف القطاعات الاقتصادية والبُنى التحتية التي دمرتها حرب بدأت عام 2011، لكن الخطوة الأهم تقف عند النسيج الاجتماعي والسياسي السوري وطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يتأسس تبعًا لهذه الوقائع.
إن واحدة من الشكوك الكبيرة أن تحاول تركيا فرض نموذجها الاجتماعي أو السياسي على سوريا؛ فالنموذج التركي في الأساس ليس نظامًا سليمًا، بل يعاني من عدد كبير من الاعتلالات البنيوية المهمة: أولها، التمييز بين القومية التركية الأكبر وسائر الأقليات العرقية وفي رأسها (الأكراد، والعرب)، والتي لا يعترف بوجودها. وثانيها، التمييز بين الأكثرية السنية والأقليات المذهبية الأخرى وفي رأسها (العلويون) ويقدر عددهم بـ 15-18 مليونًا. كذلك فإن الأقليات الدينية من مسيحيين وأرمن ويهود، التي اعترفت بها معاهدة لوزان 1923، هي أيضًا تعاني من تمييز وتصفية، وخصوصًا المسيحيين والأرمن.
إذا انسحب هذا النموذج على سوريا وأراد النظام الجديد في دمشق محاكاة النموذج التركي فهذا يعني أن الأكثرية السنية الجديدة(إذا افترضنا أنها موحدة) في سوريا، سوف تمضي إلى التمييز ضد الأقليات المختلفة وهي أقليات وازنة بعددها وموقعها الجغرافي، مثل: الأكراد، والعلويين، والمسيحيين، والدروز.
وهذا انعكس حقيقة على أرض الواقع، عندما مضى النظام الجديد في فرض نفسه حاكمًا مطلقًا وفرديًّا من دون إعداد أي دستور جديد أو العمل على إجراء انتخابات تشريعية تمنح شرعية للنظام، الذي ينشأ من انتخابات ومن دون الدخول في أي حوار جدي مع الأطياف الأخرى.
بل الأمر كان أسوأ من ذلك بكثير عندما تعرضت الأقلية العلوية في الساحل السوري وريفه، في مطلع آذار/مارس من العام الجاري 2025، لحملة ذبح طالت على الأقل ستة آلاف شخص من العلويين، وتهجير عشرات الآلاف، واغتصاب عدد كبير من النساء العلويات وحرق منازلهم.
وفي 23 حزيران/ يونيو 2025، تعرضت كنيسة في دمشق لتفجير أودى بحياة أكثر من 25 شخصًا تلاه هجرة العديد من المسيحيين من سوريا إلى لبنان.
وفي منتصف تموز/يوليو 2025، تعرضت الطائفة الدرزية في السويداء لهجمات مماثلة أودت بالمئات من أفرادها، وتهجير الآلاف واغتصاب المئات من النساء.
أما الأكراد المتواجدون في شرق الفرات، فيرفضون الاندماج بالدولة وتسليم سلاحهم، رغم تهديدات النظام الجديد بدمشق لهم.
نسوق هذه الوقائع في إشارة إلى أن المنحى الذي يسلكه النظام الجديد في دمشق، يبتعد كثيرًا عن أسباب الاستقرار بتمييزه بين مكونات المجتمع السوري، وهذا ما كان ممكنًا حدوثه لولا التأثر الكبير للنظام الجديد في دمشق بمواصفات النموذج التركي نفسه، وهذا لن يجلب الاستقرار لسوريا، وبالتالي لن تقف تداعياته عند الحدود السورية، التي أن تفاقمت سترتد أيضًا على تركيا ودول أخرى.
- التحدي الثاني لتركيا في سوريا: هو حجم النفوذ العربي هناك، والمقصود التأثير السعودي والإماراتي؛ حيث إن جهود هاتين الدولتين كانت خلال سنوات الحرب مواجهة للنفوذ التركي، خصوصًا أنه يحظى بدعم من دولة قطر المتخاصمة مع السعودية والإمارات، فلا يجب أن ننسى أن سوريا في الأساس بلد عربي الأكثرية وعضوٌ في جامعة الدول العربية ومن مؤسسيها، والأكثرية العربية من السكان في سوريا ستكون عاملًا مهمًّا في كبح جماح محاولات تركيا تطويع سوريا بالكامل لها، وهذا ما يدفع السعودية والإمارات لمحاولة جذب الرئيس السوري الانتقالي “أحمد الشرع” إلى جانبهما؛ كي لا يقع بالكامل في الحضن التركي. ومع أن الجانبين (التركي، والعربي- الخليجي) كانا من المستفيدين من سقوط النظام باعتباره إسقاطًا للنفوذ الإيراني- الشيعي في سوريا، فإن التنافس الإقليمي، وعلى مستوى العالم الإسلامي بين الطرفين (العربي، والتركي)- سيكون من ملامح المرحلة الآن وفي المستقبل، وهو ما لا يجعل تركيا كما يقال تنام على حرير.
- التحدي الثالث وربما الأكبر أمام تركيا: هو الدور الإسرائيلي في سوريا، فللمرة الأولى يكون المشروعان (العثماني، والصهيوني) وجهًا لوجه؛ فتركيا تريد أن تكون سوريا ساحة لنفوذها بل جزءًا منها في المستقبل، وقد عملت جاهدة ونجحت في ذلك، في إسقاط النظام بعد 14 عامًا من محاربته. كذلك فإن إسرائيل بعدما فتكت بغزة، ووجهت ضربة قوية لحزب الله في لبنان، ساهمت بإسقاط نظام بشار الأسد وأعقبت ذلك- كما أسلفنا أعلاه- بحملة تدمير لكل القدرات العسكرية السورية، كما احتلال المزيد من الأراضي في سوريا.
وإذ انتقدت تركيا التوسع الإسرائيلي في سوريا، فقد أعلنت إسرائيل-في المقابل- أنها تستهدف من إحدى غاراتها قرب مدينة تدمر منع تركيا من إقامة قواعد عسكرية متقدمة في سوريا.
وهكذا وجد المشروعان (العثماني، والصهيوني) نفسيهما أمام تنافس علني في ساحة جغرافية واحدة هي سوريا. أكثر من ذلك، أعلن أردوغان أن تركيا ستكون مستهدفة من الأطماع الإسرائيلية، كما انطلقت في تركيا حملة إعلامية واسعة تحذر من أنه بعد (غزة، ولبنان، وسوريا، وإيران)، فإن الدور سيأتي على تركيا من جانب إسرائيل.
ومر التنافس التركي- الإسرائيلي في عملية اختبار قاسية في 13 حزيران/يونيو 2025، عندما تدخلت إسرائيل بحجة الدفاع عن دروز السويداء من هجمات قوات النظام السوري الجديد، وضربت طائراتها للمرة الأولى قلب دمشق ومبنى هيئة أركان الجيش في ساحة الأمويين، وكانت توجه بذلك رسالة قوية إلى دمشق كما إلى أنقرة بأن هناك حدودًا للنفوذ التركي يجب عدم تجاوزه. وكانت المفاجأة أن النظام السوري كما القوات التركية المتواجدة في سوريا لم يردَّا على القصف الإسرائيلي، وبدا بوضوح أن الكلمة الفصل في صراع حرب السويداء كانت أولًا وأخيرًا لإسرائيل بدعم ضمني من الولايات المتحدة، ولا شك أن هذا الرد الإسرائيلي سيترك تأثيراته على موقف تركيا من تقاسم مناطق النفوذ في سوريا. وعلى ما يبدو، فإن تركيا التي كانت تتطلع إلى أن تكون سوريا بمعظمها من حصتها، لن تحصل بعد أحداث السويداء على ما تريد، وأن تحديد مناطق النفوذ في سوريا بين تركيا وإسرائيل سيكون موضع مواجهة شرسة بين الطرفين.
مواجهة أم تقاسم نفوذ؟
والسؤال الذي يُطرح:هل يمكن أن تصل المواجهة بين تركيا وإسرائيل في سوريا إلى حد الصدام العسكري المباشر بينهما؟
الجواب يكمن في الإشارة إلى النقاط التالية:
- إن إسقاط النظام في سوريا كان مصلحة مشتركة تركية – إسرائيلية، خصوصًا لجهة إنهاء النفوذ الإيراني هناك.
- تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي ولا يمكن لعضو في الحلف أن يكون معاديًا لإسرائيل مهما تعاظم الخطاب النظري ضدها.
- تركيا تعترف بإسرائيل منذ العام 1949، ونسجت ولا تزال أفضل العلاقات والشراكات معها ولغير صالح العالم العربي، وخلال مرحلة طوفان الأقصى صعَّدت تركيا من نبرتها ضد الحرب الإسرائيلية في غزة، ومع ذلك لم تتخذ تركيا أي إجراء عملي ضد إسرائيل، لا على الصعيد الدبلوماسي ولا الاقتصادي أو السياسي أو القانوني أو في المحافل الدولية. وكانت التجارة والسفن المرسلة إلى إسرائيل تتعدى الثماني سفن يوميًّا، ولم يرضخ النظام التركي للتظاهرات الشعبية التركية التي كانت تطالبه بوقف العمل برادار كوريجيك في ملاطية، والذي كان يخدم الحرب الإسرائيلية في المنطقة، ولم يحاول وقف تدفق النفط الأذري عبر الأنابيب التركية إلى إسرائيل. حتى على الصعيد العسكري، فقد هدد أردوغان مرة (23 تموز/يوليو 2024) إسرائيل بأنه” كما دخلنا قره باغ، وكما دخلنا ليبيا فإننا سندخل عليهم(الإسرائيليين)”، ولكن أردوغان ليس فقط لم يفعل ذلك بل لم يكرر هذا التصريح ثانية قط. وهذا كله يؤكد أن “عراقة” تاريخ العلاقات بين تركيا وإسرائيل هو عامل كابح لأي صدامات مباشرة بين الطرفين.
- يحاول الرئيس التركي “أردوغان” أن ينسج علاقات جيدة مع الرئيس الأمريكي الجديد “دونالد ترامب”، لا سيما بعدما كال ترامب المديح لأردوغان ووصفه بالرجل القوي وصنع جيشًا قويًّا، وبأنه هو الحاكم في سوريا. وإذ انتشى أردوغان بمديح ترامب فهو يتجنب أي انتقاد لسياسات ترامب وينشد رضاه في كل المسائل، وأبرز دليل على ذلك أن أردوغان التزم الصمت المطبق بشأن تصريحات ترامب الفجة جدًا حول تهجير أهل غزة وشراء القطاع، كما أن تركيا أدانت العدوان الإسرائيلي على إيران في 13 حزيران/يونيو 2025، فيما لم تدن العدوان الأمريكي على إيران بعد ذلك بأيام واكتفت بالتعبير عن “القلق” من التصعيد العسكري.
انطلاقًا من هذه العوامل من الصعوبة الاعتقاد أن التنافس بين دولتين تنتميان إلى المعسكر الغربي- الأطلسي- الأمريكي، مثل: إسرائيل، وتركيا، ويديرهما مايسترو واحد هو واشنطن، يمكن أن يتحول إلى حرب بينهما؛ لذلك فإن عمليات الشد والجذب الحالية في سوريا والمنطقة أيضًا، تهدف إلى تحديد مناطق النفوذ وتقاسم المغانم لما فيه مصلحتهما خارج أي اعتبار جدي للعوامل الأخرى.
ويمكن الوصول إلى بعض الخلاصات الوجيزة كما يلي:
- إن إسقاط نظام بشار الأسد في سوريا هو تعزيز كبير لسلطة الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” من أجل البقاء في السلطة لسنوات خمس أخرى بعد العام 2028. وقد تتعزز أكثر هذه السلطة في حال نجاح الجهود لحل المشكلة الكردية بعد حل حزب العمال الكردستاني نفسه وتسليم السلاح.
- إسقاط النظام السوري هو انتصار كبير لتركيا في معركة مفتوحة بدأتها أنقرة منذ العام 2011؛ أولًا على النظام البعثي، وثانيًا على الإسلام الشيعي والنفوذ الإيراني في المنطقة، وثالثًا على الإسلام الوهابي والأزهري، ورابعًا هو انتصار للنزعة العثمانية على النزعة العربية في سوريا.
- إن سيطرة تركيا على سوريا والإمساك بالسلطة الجديدة يعاظم التأثير التركي في الشرق الأوسط؛ حيث بإمكان تركيا أن تمارس نفوذًا إضافيًّا على جيران سوريا، كما في محيطها الإقليمي في شرق المتوسط تجاه (قبرص اليونانية، واليونان)، والقوقاز، ولا سيما في ضوء محاولة تركيا تعزيز الربط -خصوصًا في قطاع الطاقة- بين النظام الجديد في سوريا وأذربيجان.
- واستطرادًا، إن الدور المركزي لتركيا في نصر أذربيجان على أرمينيا عامي (2020 و 2023) أسهم في توقيع اتفاقية سلام بين (يريفان، وباكو) في واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الثامن من تموز/يوليو 2025. ومن أهم نتائج هذه الاتفاقية: فتح ممر بري أُطلق عليه اسم “ممر ترامب”(يطلق عليه الأتراك اسم ممر طوران) عبر أرمينيا يصل تركيا، ومقاطعة نخجوان الأذرية ذات الحكم الذاتي بالأراضي الأذرية وصولًا إلى باكو وآسيا الوسطى. وهذا سوف يعاظم بشكل هائل النفوذ التركي في آسيا الوسطى ومع الدول الناطقة بالتركية؛ لتكون تركيا حلقة الوصل المركزية بينها وبين ما يعرف تاريخيًّا ببلاد الشام.
- ومع أن التحدي الآخر للمشروع التركي في سوريا هو المشروع الإسرائيلي، غير أن كلا المشروعين يستهدفان الهوية السورية ويعتبران سوريا ساحة للمغانم ويشكلان- برعاية أمريكية- وجهين لعملة واحدة في استهداف خصومهما من العرب والإيرانيين.
- إن الانخراط والالتزام شبه الكامل بالسياسات الغربية برعاية الولايات المتحدة، سيكون السمة الأبرز لسياسات تركيا الإقليمية والدولية، وما يحمله ذلك من احتمالات تردي العلاقات مع روسيا وإيران ومواصلة التنافس الضمني مع القوى العربية المنافسة. وكل ذلك على حساب مشروع عربي غائب عن سوريا وغير سوريا.




