2025العدد 204ملف إقليمي

الدور التركي في اتفاق السلام في المنطقة إضافة هامة لطموحات أردوغان الإقليمية

تركيا في سوريا.

كان الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” يردد دائمًا أن تركيا ستصل إلى آخر نقطة وطأتها سنابك خيل السلطان “سليمان القانوني”. لم يكن ذلك مجرد انعكاس لعقيدة “العثمانية الجديدة” التي اعتنقها قادة حزب العدالة والتنمية بتأثير مباشر من أحد قادته المنظر والأكاديمي “أحمد داوود أوغلو”؛ إذ تحولت هذه العقيدة إلى أحد أهم محددات السياسة الخارجية التركية على امتداد سنوات حكم حزب العدالة والتنمية.

وإذا كان داوود أوغلو مهندس ومؤسس هذا التوجه غير أن شطب داوود أوغلو من المعادلة السياسية عام 2016، لم يكن كابحًا لهذا التوجه، بل انطلق أردوغان إلى مرحلة التطبيق الفعلي لهذه السياسات التي تتطلع إلى خارج حدود تركيا الجغرافية. واشتهرت عبارة أردوغان أن “تركيا هي أكبر من تركيا الجغرافية”، فيما كان سلفه في الرئاسة “عبدالله غول” يقول إن: “تركيا لا يمكن أن تُحبس داخل حدود الأناضول”. وعلى هذا، كانت سياسات حزب العدالة والتنمية تمضي على وقع سنابك العثمانية الجديدة.

من هذا المنطلق، كان اعتبار أردوغان سوريا، بعد اندلاع أحداث ما سُمِّي بـ “الربيع العربي”، “شأنًا داخليًّا تركيًّا” متوعدًا بالصلاة في الجامع الأموي ومتخذًا موقفًا داعمًا بكل الوسائل للمعارضة السورية من أجل إسقاط نظام الرئيس السوري السابق “بشار الأسد”، قائلًا في العام 2016:” لم أدخل إلى سوريا إلا لإسقاط نظام الطاغية بشار الأسد وليس لأي سبب آخر”.

وعلى المنوال نفسه، كانت تدخلات تركيا الخارجية المتعددة، والتي كان أولاها بعد سوريا احتضان حكومة فايز السراج الجديدة في طرابلس الغرب في ليبيا في مواجهة معارضيها بقيادة خليفة حفتر في الشرق الليبي، طارقًا بذلك وبقوة باب الحديقة الخلفية لمصر.

ولم يتخلف أردوغان عن دعم الجيش الأذري ومشاركة أذربيجان في حربيها ضد أرمينيا عامي (2020 و 2023)، ومن ثم فارضًا على يريفان ورئيس حكومتها “نيكول باشينيان” اتفاقية واشنطن في 10 آب/أغسطس 2025؛ لتوسع تركيا نفوذها في القوقاز. واعتمدت تركيا بقيادة أردوغان عقيدة القواعد العسكرية في العديد من الدول (من قطر إلى جيبوتي والصومال) ودخلت طرفًا في حروب السودان.

وبذلت تركيا جهودًا كبيرة لتكون دائمًا “في الصورة” سواء عبر الوساطات أو المشاركة في أية قوات تشكلها الأمم المتحدة في مناطق متعددة من العالم، وتجلى ذلك أكثر شيء في جهود الوساطة لوقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث لعبت على العلاقات الجيدة مع الطرفين لكنها في النهاية كانت تقف في مكان آخر، وهنا بيت القصيد بالنسبة للسياسة الخارجية التركية، ولا سيما في العام 2025.

بتقديرنا أن سياسات تركيا الخارجية كانت تحركها منذ الحرب العالمية الثانية أربعة محددات:

1- العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية: رفضت تركيا بعد الحرب العالمية الثانية المطالب السوفيتية باستعادة أراضٍ من تركيا والمشاركة باتفاقية مونترو للمضائق، واتجهت إلى الولايات المتحدة وأبرمت معها اتفاقية عسكرية في آذار/مارس 1947، كانت بداية تحالف إستراتيجي عسكري وسياسي بين أنقرة وواشنطن، لا يزال مستمًرا حتى الآن.

2- العلاقات مع إسرائيل: في آذار/مارس 1949، اعترفت تركيا بدولة إسرائيل الجديدة لتكون أول دولة مسلمة تعترف بها، واستمرت تلك العلاقات المتنوعة العلنية منها والسرية حتى الآن، ولم يغيِّر من ثباتها تبدل السلطة في تركيا، كانت (علمانية، وإسلامية، وقومية).

3- الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي: في شباط/فبراير 1952، أصبحت تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلسي لتكون أيضًا الدولة المسلمة الأولى والوحيدة حتى الآن العضو في حلف يضم دولًا كلها مسيحية وحليفة لإسرائيل.

هذه الثوابت الثلاثة كانت تتحكم ولا تزال بالسياسة الخارجية التركية على امتداد العقود اللاحقة وصولًا إلى اليوم، ولم يكن يخفف من تماسكها والوفاء لها بعض الخلافات أو المواقف التي كانت تعتري علاقات تركيا بكل من (أمريكا، وإسرائيل، والأطلسي). وهذه الثوابت برأينا من أهم مفاتيح فهم الموقف والدور التركي في المنطقة وفي العالم.

4- عقيدة السلطة الحاكمة: تحكمت بسياسة تركيا الخارجية خلال عهد أتاتورك عقيدة العلمانية والحياد وعلى قاعدة “سلام في الوطن سلام في العالم”. في مرحلة الحرب الباردة استمرت عقيدة العلمنة تؤثر في صوغ السياسة الخارجية، لكن مع التحالف مع (أمريكا، وإسرائيل، والأطلسي). كذلك وهذا مهم للغاية، تعاطت تركيا مع الدول الخارجية من مبدأ عدم التدخل في شؤونها الداخلية فكانت العلاقات من دولة لدولة ومن باب الند للند. ولم تكن أعقد المشكلات قضية “عبدالله أوجالان” زعيم حزب العمال الكردستاني، في العام 1998؛ لتجعل تركيا تعيد النظر بهذه السياسة.

مع تولي حزب العدالة والتنمية الحكم عام 2002، كانت تركيا تحافظ على ثوابتها الثلاث الأولى، ولكنها أضافت في مقاربتها السياسة الخارجية منطلقًا جديدًا هو العثمانية الجديدة القائمة على شقين: الشق القومي التركي، والشق الديني- المذهبي، والتي سيكون لها تأثير حاسم في بعض الملفات الخارجية المهمة.

وإذا كان الشق القومي مشتركًا بين كل الأحزاب التركية بما فيها اليسارية، فإن اعتماد الأيديولوجيا العثمانية أدخل إلى السياسة الخارجية التركية معيارًا جديدًا لم يكن من قبل إلا بمقدار محدود جدًا. وبدت واضحة أولويات التوسع التركي في عهد أردوغان، على ما عداه من سلوكيات “مبدئية”، من خلال أكثر من مثال نكتفي هنا بعرض بعض منها حصلت في الأشهر الأخيرة من العام 2025:

1-  تهجير الفلسطينيين من غزة.

 تجنب الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” الحرج والدخول في “المحظور” عندما اكتفى بعبارة عامة ردًا على دعوة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى الأردن ومصر وإقامة مشاريع سياحية فيها على غرار الريفييرا الفرنسية.

 كان واضحًا أن أردوغان لا يريد افتعال أزمة مع ترامب في بداية عهد الأخير، خصوصًا أنه يراهن على مواقف ترامب بالنسبة لسحب القوات الأمريكية من سوريا. وأظهرت كتابات الموالين لأردوغان أن الأخير تجنب الدخول في سجال مع ترامب لأسباب كثيرة؛ فقد قال “أحمد حاقان” رئيس تحرير صحيفة “حرييات”: إن “عدم رد رئيس الجمهورية على ترامب مباشرة هو عين الصواب”، واتهم المعارضة بأنها تريد إحداث إسفين بين أردوغان وترامب والإساءة للقضية الفلسطينية، وقال حاقان: إن أي رد على ترامب من أردوغان سيفجر احتمالات الحوار الذي سيؤسس له أردوغان مع ترامب، وناشد حاقان :” السيد رئيس الجمهورية: لا ترد على ترامب”.

غير أن نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض “دينيز يوجيل” قال: “إن صمت أردوغان ليس إلا لإخفاء الحقائق بشأن علاقته بترامب ورغبته في مواصلة الصداقة معه واللعب بأدوار في إطار الشرق الأوسط الكبير”. وأضاف يوجيل أن “صمت أردوغان على دعم إسرائيل في إبادة الفلسطينيين  ليس فقط لا يخدم القضية الفلسطينية، بل يقلل من احترام تركيا في العالم”.

2-  الهجوم الأمريكي على إيران.

فجر 22 حزيران/يونيو 2025، شنت الطائرات الأمريكية عدوانًا واسعًا على منشآت إيران النووية في أكثر من نقطة، وهي المرة الأولى التي تهاجم أمريكا بنفسها إيران.

المثير في الأمر، أن ردود الفعل التركية التي كانت تدين اعتداءات إسرائيل على إيران فيما امتنعت عن إدانة واشنطن وتجنبت وصف ما جرى بالعدوان، واكتفت بالتعبير، في بيان للخارجية التركية، عن ” قلقها البالغ” من عواقب الهجوم الأمريكي. أما الرئيس التركي أردوغان فاكتفى بالتحذير من عواقب التطورات على الوضع في المنطقة متجنبًا أية إدانة للهجوم الأمريكي، وبالتالي عدم إغضاب الرئيس دونالد ترامب.

3-  إعلان نيويورك.

لم يكن “إعلان نيويورك”، في 31 تموز/يوليو 2025 الصادر عن مؤتمر حل الدولتين، الذي انعقد في الأمم المتحدة برعاية فرنسا والسعودية، مجرد واحد من بيانات توقع عليها تركيا، بل يمكن القول إن التوقيع التركي كان “لحظة افتراق” عن حركة “حماس” بكل توجهاتها التي عرفتها في السنوات العشرين الماضية وتماهيًا مع النظرة الإسرائيلية – الأمريكية للوضع في غزة وكيفية إنهائه.

“إعلان نيويورك” حاول أن يكون على مسافة واحدة من حركة حماس وإسرائيل في الدعوة إلى حل القضية الفلسطينية. وإذا كان التباين في التفكير والممارسة قائمًا بين “حماس” وكل من (السعودية، والإمارات، ومصر)، فإن الأمر يبدو “غريبًا” بعض الشيء بالنسبة لتركيا التي يجمعها مع  “حماس” جوانب أيديولوجية مشتركة كما وحدة مسار برزت على الساحة الفلسطينية، كما في محاولات تغيير الأنظمة في العديد من الدول.

لكن بنود البيان في ما خص حركة حماس بالتحديد كانت جديدة على الخطوط العامة للسياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية.

يتحدث الإعلان الذي وقَّعت عليه تركيا و17 دولة أخرى عن إسرائيل وحماس كما لو أنهما طرفان متساويان في المسؤولية عما يجري، في تجاهل تام وظالم لكل الوقائع وفي رأسها أن ما تبقى من فلسطين في الضفة وغزة، هو تحت الاحتلال والحصار ومن حق أي حركة فلسطينية أن تسعى لتحرير أرضها بكل الوسائل.

  1. جاء في البند الرابع من الإعلان “إدانة الهجمات التي ارتكبتها حركة حماس ضد المدنيين في 7 تشرين الأول/أكتوبر، مع أن العملية كانت نتيجة للاحتلال وليست سببًا لما جرى لاحقًا.
  2. في البند الخامس يتحدث الإعلان عن أن حل الدولتين هو أفضل السبل “لوضع حد لجميع أشكال العنف والدور المزعزع للاستقرار الذي تؤديه الجهات من غير الدول”، في إشارة واضحة لحركة حماس كونها “جهة غير دولية”، بل أكثر من ذلك اتهامها بزعزعة الاستقرار.
  3. والأهم في الإعلان ما يتعلق بالتحول التركي، هو الدعوة في بنده الحادي عشر أنه “يجب على حركة حماس إنهاء حكمها في غزة وتسليم أسلحتها إلى السلطة الفلسطينية”. وفي البند 13 “تشكيل لجنة إدارية انتقالية فورًا لتولي العمل في غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية” مع طلب تشكيل قوات دولية لحفظ الأمن في غزة.

بمعزل عن كل البنود الأخرى التي بلغ عددها أربعين بندًا ومع أن الإعلان غير ملزم وليس رسميًّا أو أمميًّا فإن توقيع تركيا على الإعلان كان يعني:

  • دعوة حماس للتخلي عن الكفاح المسلح كسبيل لتحرير الأرض.
  • إنهاء سلطتها في غزة وتسليمها للسلطة الفلسطينية مع دور محوري للمؤسسات الدولية لإدارة قطاع غزة أمنيًّا واقتصاديًّا.

ومع أن السلطة التركية بررت توقيعها على الإعلان بأعذار مختلفة، لكن هذا الموقف يعني تخلي تركيا عن موقف معلن، نظري، بدعم حماس وختم حقبة كانت تركيا تستخدم حماس، كما حركة الإخوان المسلمين عمومًا، مطية لحسابات تخص المصالح القومية التركية ببعدها العثماني في المنطقة، ولحسابات داخلية لكسب الصوت المؤيد للقضية الفلسطينية.

وما يمكن هنا التوقف عنده، أن موافقة تركيا على نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها في غزة، هو رسالة قوية إلى الولايات المتحدة، تعكس التماهي المطلق لأنقرة مع مواقف دونالد تجاه القضية الفلسطينية، ورغبة أردوغان في مواصلة استرضاء ترامب في قضية إضافية.

4- التحالف التركي- العربي- الكردي.

 يحتفي حزب العدالة والتنمية كل عام بمعركة ملاذكرد بين السلاجقة والروم البيزنطيين في 26 آب/ أغسطس من العام 1071، في شرق الأناضول وتمكن خلالها سلطان السلاجقة ألب أرسلان من هزيمة خصومه، بل أسر قائدهم الأمبراطور “رومانوس الرابع ديوجينيس”، لكن الأهم في نتيجة المعركة أنها فتحت أبواب الأناضول واسعة أمام السلاجقة وأمام تتريكها وأسلمتها، وهي معركة تعتبر من المعارك الكبرى الحاسمة في التاريخ الإسلامي والعالمي.

احتفل أردوغان وشريكه في السلطة “دولت باهتشلي” زعيم حزب الحركة القومية بذكرى الانتصار بمعركة ملاذكرد، وما ميَّز خطاب أردوغان في الاحتفال هو تكراره لما كان أطلقه فجأة، في 12 تموز/يوليو 2025، بعد حل حزب العمال الكردستاني نفسه وتسليم سلاحه (الرمزي) من أن “تركيا تكبر بالأكراد والعرب”.

لم تنلْ تلك التصريحات نصيبها من الاهتمام الكافي والمطلوب في العالم العربي. في مدينة أخلاط؛ حيث جرت المعركة، قال أردوغان: “إن الأتراك والأكراد والعرب سيواصلون تحالفهم الذي حقق انتصارات تاريخية حافلة”. وقال:” عندما نحب، نحن الأتراك والأكراد والعرب بعضنا البعض في سبيل الله ونسير معًا نحو أهدافنا المشتركة نحقق نجاحات كثيرة. هذه هي الروح التي سادت جيوش سلطان الشرق الحبيب/ صلاح الدين الأيوبي، وجدُّنا السلطان/ ألب أرسلان، والسلطان/ ياووز سليم. بهذه الروح انكسرت عقدة ملاذكرد وبهذه الروح فتحت أبواب القدس وفتحت إسطنبول. هذه هي الروح التي جعلت تشاناق قلعة(الدردنيل) عصية على العبور”.

غير أن حديث أردوغان عن تحالف تركي- عربي-كردي لم يكن سوى طريق لتوظيف ذلك من أجل تحقيق هدف تركي صرف؛ إذ أضاف أردوغان:” بإذن الله وبدعم أمتنا سنمنح الأجيال المقبلة هدية وهي جعل تركيا عظيمة وقوية، وسيسجل التاريخ أن هذا القرن سيكون قرن تركيا”.

تفسير ذلك، أن أردوغان يعمل للمصالحة مع الأكراد ويدعم التقارب مع العرب، ويقصد هنا سوريا، بعد إسقاط النظام، ليس لأن في ذلك ضرورة وطنية تركية داخلية بالنسبة للأكراد، أو ضرورة إقليمية مساعدة على الاستقرار  والتعاون، بل لأن في ذلك دفع قوي نحو إنشاء “القرن التركي”.

5- أسطول الصمود.

انطلقت سفن “أسطول الصمود العالمي” الهادف إلى كسر الحصار عن غزة ووقف الإبادة الجماعية فيها من ميناء برشلونة وموانئ في إيطاليا وتونس في مطلع أيلول/سبتمبر 2025، والتقت في ميناء سيدي بوسعيد في تونس، وضم الأسطول أكثر من خمسين سفينة على متنها مئات الناشطين من أكثر من 70 دولة ينتمون لمختلف الطبقات الاجتماعية، وانتهت رحلة الأسطول قبيل وصوله إلى الساحل الإسرائيلي بإيقافه واعتقال السلطات الإسرائيلية جميع أفراده.

لكن المفارقة أن أيًّا من هذه السفن لم تنطلق من تركيا بسبب الجواب السلبي المسبق من السلطات التركية بمنع الانطلاق من موانئ تركية للمشاركة في الأسطول؛ لذلك اضطر أكثر من مئة تركي(ثلث المشاركين) الذهاب إلى تونس أو برشلونة للمشاركة في الأسطول. وقال منسق الوفد التركي “حسين دورماز” : “إن تحرك الأسطول هو الأكبر في تاريخ البشرية”. وقال “إن تركيا لا تعطي الإذن لانطلاق سفن منها بسبب الخوف من ضغوط إسرائيل؛ لذا كان القرار بالتوجه للانطلاق من موانئ أخرى، وعدم التفكير أصلًا بتقديم طلب إلى السلطات التركية”.

وقال الكاتب المعارض “إبراهيم كيراس” في صحيفة قرار: “إن السلطة لا تريد إشعال غضب ترامب عليها”. وقال: إن “حساسية” الحكومة تجاه غزة “هدفها إدارة المشاعر العامة، ومهما يكن فإن تقبل العجز والوقوف متفرجًا على إبادة جماعية، يتكشف يوميًّا أمام أعيننا”.

***

تعمل تركيا بقيادة أردوغان على استغلال أي فرصة يمكن من خلالها التعبير عن حرصها الكامل على أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة أساسًا. والمؤسف، أن هذا الحرص يأتي خلافًا للشعارات التي ترفعها أنقرة بمساندة المظلومين، ولا سيما في غزة، والشعوب وإقامة علاقات حسن جوار مع الدول العربية والإسلامية، والتشهير بإسرائيل في المحافل الدولية. وتكاد آراء القوى المعارضة في تركيا تجمع على أن من أهداف أردوغان الرئيسة من وراء استرضاء دونالد ترامب هو دعمه للترشح مجددًا لرئاسة تركيا عام 2028، والفوز والبقاء في السلطة تحت ذريعة أن المجتمع الدولي يدعم الاستقرار في تركيا، الذي يضمنه بقاء أردوغان رئيسًا لولاية جديدة وربما أخرى بعدها.

تبرز رغبة أردوغان في البقاء في السلطة وتوسيع نطاق النفوذ التركي، في التماهي مع ترامب في دور تركيا في التوصل إلى اتفاق وقف النار بين إسرائيل وحركة “حماس” في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2025، عشية الذكرى الثانية لعملية “طوفان الأقصى”.
كانت البداية مع مشاركة أردوغان في اجتماع الدول الإسلامية الثمانية مع ترامب في نيويورك، والذي عرضت خلاله خطة ترامب لوقف النار في غزة والمؤلفة من عشرين بندًا.

وصف أردوغان الاجتماع بأنه “مثمر جدًا”. وبعد عودته إلى بلاده كتب على منصة “إكس” أنه مستعد ليكون مشاركًا في وقف الحرب وإحلال السلام في غزة، ولم يفُت أردوغان توجيه التحية لترامب لجهوده لوقف النار.

وأوردت صحيفة  “قرار” أن رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالين يضغط بقوة على حماس لكي توافق على الخطة التي تعمل قطر على تسويقها لدى حماس، وقد ذهب إلى الدوحة لهذه الغاية. ويقول الخبير التركي في الشأن الإسرائيلي “رمزي تشيتين”: “إن مهمة إقناع حماس بقبول الخطة أُوكلت إلى تركيا”. وتأكيدًا لذلك، يقول أردوغان في طريق عودته من مؤتمر قمة الدول الناطقة بالتركية، الذي انعقد في باكو عاصمة أذربيجان في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2025: “إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طلب منه في اجتماع الدول الإسلامية الثمانية في نيويورك إقناع حماس بقبول الخطة حول غزة”.

لم يخيِّب أردوغان ظن ترامب، وقال إنه تحرك “فورًا وبسرعة” للتواصل مع حماس سواء عبر مُوفده إلى الدوحة رئيس الاستخبارات “إبراهيم قالين” أو في اجتماعات شرم الشيخ. وفي 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلن ترامب أن “حماس” وافقت على الخطة شاكرًا كلٍّ من (قطر، ومصر، وتركيا).

ولفت في مواقف أردوغان المعلنة أن “حماس” وافقت على الخطة بعدما “لم يعد هناك أي سقف يظللون رأسهم به”، أي مرغمة، فيما وجه الشكر لترامب الذي “أبدى الإرادة السياسية اللازمة لتشجيع الحكومة الإسرائيلية على الموافقة على وقف النار”.

وفي مؤتمر شرم الشيخ الذي انعقد بتاريخ 13 /10/2025، كان الرئيس التركي من بين رؤساء الدول الأربع الضامنة لاتفاق وقف النار إضافة إلى كل من: ترامب، والرئيس المصري” عبدالفتاح السيسي”، وأمير قطر “تميم بن حمد آل ثاني”.

أدت تركيا دورًا محوريًّا لإقناع حماس بوقف النار رغم أنه ينهي حكم حماس ووجودها المسلح في غزة، وليس في ذلك انتقاد؛ فهو من طبيعة سياسات المصالح التي تتحكم بالدول، لكن الموقف التركي هنا يتعارض مع مواقف تركيا المعلنة الداعمة ولو نظريًّا حركة حماس بصفتها “حركة تحرر”. يقول السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث إلى سوريا ولبنان “توم براك” إنه: “لولا تركيا لما كان هناك وقف للنار في غزة. لقد شكر ترامب تركيا أربع مرات على ذلك”. وترجمة تلك العملية أن أولوية تركيا كانت تلبية رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق بمعزل عن أي أمر آخر. وتظهر أولوية التماهي مع الولايات المتحدة وإظهار “الزعامة”، في أن المسؤولين الأتراك وجهوا الثناء إلى “رئيسنا الذي حمل العبء بمفرده نيابة عن الإنسانية جمعاء؛ حيث جعل النضال من أجل الإنسانية محور حياته”. كما أثنى هؤلاء المسؤولون على ترامب “الذي أظهر ارادة سياسية لتحقيق السلام”.

حققت تركيا مع نهاية العام 2024، وعلى امتداد العام 2025، إنجازات سياسية وعسكرية مهمة سواء في (سوريا، أو ليبيا، أو القوقاز)، وهي تأمل أن تضيف اتفاق غزة إلى هذه الإنجازات، مع الاعتقاد أنه من المبكر الجزم بما ستؤول إليه هذه التطلعات في ظل العديد من العوائق والتعقيدات المحيطة بمسألة غزة وحماس. وإذا كان أردوغان يربط كل إنجاز بمسيرة تركيا نحو القرن التركي والزعامة الإقليمية، فإن دورها الضاغط على حركة “حماس” للقبول باتفاق وقف النار، لن يزيد أردوغان سوى المزيد من الاعتداد بالنفس والمضي في تنفيذ مشاريعه في الحضور والنفوذ على مستوى المحيطات الإقليمية لتركيا بل أيضًا أبعد منها، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يصف أردوغان بالقائد الشجاع والذكي.

ومع أن هذه التطلعات تهدد القوى الإقليمية الأخرى الموجودة في محيطات تركيا (العربية، وغير العربية) فلا يجب تجاهل أن تركيا تنطلق في هذه المشاريع من المحددات الثلاث التي بدأنا بها، وهي: التماهي المطلق مع الولايات المتحدة، والعلاقات العريقة مع إسرائيل، وانتمائها الأطلسي؛ لتأتي الأيديولوجيا العثمانية لتسدَّ الحلقة الناقصة من الطموحات التركية المتناسلة التي لا حدود لها.

اظهر المزيد

د. محمد نورالدين

أستاذ في الجامعة اللبنانية - بيروت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى