2026العدد 205ملف إقليمي

موقع القرن الإفريقي في السياسة الإسرائيلية والاعتراف بإقليم “أرض الصومال”

 مقدمة:

يشغل القرن الإفريقي موقعًا مهمًّا، وإن كان ليس أساسيًّا، في السياسة الخارجية/ الدفاعية الإسرائيلية. سعت إسرائيل منذ الخمسينيات من القرن العشرين لأن يكون لها موطئ قدم في القرن الإفريقي – هذه المنطقة التي تضم كل من إثيوبيا، وإريتريا، وجيبوتي، والصومال، وجنوب السودان جزئيًّا – لأمرين: أولهما، بحكم الموضع الجغرافي الذي يقع على ممرات ملاحية حيوية لإطلاله على مضيق باب المندب، الذي تمر من خلاله التجارة العالمية من المحيط الهندي إلى البحر المتوسط عبر البحر الأحمر، وما لذلك من تأثير على ميناء إيلات في خليج العقبة. أما الأمر الثاني، فهو وقوع القرن الإفريقي، ضمن مناطق أخرى من العالم شملت عندئذٍ تركيا الكمالية وإيران تحت حكم الشاه، فيما عُرف بـ”عقيدة الأطراف Periphery Doctrine”، ومفادها تعاون إسرائيل وتقديم الدعم في مجالات مختلفة لخصوم أعدائها من العرب على أطراف منطقة الشرق الأوسط.([1]) سمحت هذه السياسة لإسرائيل، بما في ذلك في إفريقيا، باختراق العزلة الدبلوماسية التي كانت تطوقها، وتوسع شبكة التجارة الخارجية، وتنمية علاقات مع شركاء فيما وراء العالم العربي؛ إذ ساعدت برامج التنمية التي قدمتها، خاصةً في مجالات (الري، والطب، والتعليم) على تقديم إسرائيل بوصفها دولة متقدمة تكنولوجيًّا ومتعاونة في آنٍ لدعم الدول المستقلة حديثًا عن الاستعمار، فيما ظل الغرض استنزاف وتشتيت القدرات العربية.

جرت مياه كثيرة في النهر منذ انتهاء الحرب الباردة وتداعياته على المنطقة حتى يومنا هذا، وإن كانت التغيرات التي وقعت في منطقة القرن الإفريقي، وهي إجمالًا تغيرات سلبية، سواءٌ فيما يخص دول المنطقة ذاتها فرادى أو فيما يخص تأثيرها على مجمل العالم العربي. ذلك أنه في أعقاب سقوط نظام “سياد بري” في الصومال عام 1991، دخلت البلاد في دوامة من الأزمات، بدءًا بالوضع الاقتصادي الصعب مرورًا بظاهرة القرصنة البحرية، وظهور مجموعات إرهابية نشطة وانتهاءً بالحركات الانفصالية عن الجمهورية الفيدرالية. يضاف إلى ذلك، أن استقلال إريتريا عن إثيوبيا في أعقاب سقوط نظام الدرج عام 1991، لم يسفر عن سلام دائم بين الجانبين، وإنما انخرطا في صراع على الحدود تصاعدت للحرب (1998-2000) وإن استمر التوتر بينهما مثل اتهامات كل طرف بدعم المتمردين على الجانب الآخر، بالإضافة إلى انفصال جنوب السودان عن شماله عام 2011 بعد حرب أهلية طاحنة. نجحت جيبوتي في الحفاظ على استقرارها وتمكنت من جذب شراكات دولية تستثمر في موقعها الجغرافي المتميز، بما في ذلك وجود قواعد لعدد من الدول على رأسها (الولايات المتحدة، وفرنسا، والصين)، غير أن اليمن واجه- ولا يزال- أزمةً عميقة في أعقاب سقوط نظام “علي عبدالله صالح” نتج عنها ما تواجهه الحكومة الشرعية هناك من سيطرة جماعة الحوثي على مناطق واسعة شمال وغرب البلاد، فضلًا عن مساعي انفصال الجنوب، واستمرار الصراع الذي يفاقم المعاناة الإنسانية.

جاء اعتراف إسرائيل في 26 ديسمبر 2025، بإقليم الشمال الغربي بالصومال، ما يسمى “إقليم أرض الصومال” – اختصارًا صوماليلاند – كنقطة تحول في سياسة إسرائيل تجاه منطقة القرن الإفريقي، بحكم أنها كانت تتجنب عادةً العلنية والاعتراف الدبلوماسي. استعرض فيما يأتي بيانه أدناه نقطة التحول هذه ضمن الإطار الأشمل لما يطلق عليه “عقيدة الأطراف” الإسرائيلية، كون تلك الأخيرة تتشابك بدورها مع عدد من التطورات الإقليمية والعالمية بما يحقق فرصًا بقدر ما يضع تحديات أمامها.

أولًا: الأهداف الإسرائيلية.

تسعى إسرائيل في المرحلة الحالية لتحقيق هدفين رئيسين في القرن الإفريقي: تأمين الممرات البحرية، ومواجهة النفوذ المعادي، مضافًا إليهما هدفٌ فرعي يتمثل في تدعيم شرعيتها دوليًّا. يتصل الهدفان الرئيسان اتصالًا مباشرًا بالوضع الحالي في منطقة القرن الإفريقي وجواره في اليمن، كما سبقت الإشارة أعلاه، وذلك من حيث الدعم الذي تقدمه إيران لجماعة الحوثي، مثل: نقل الأسلحة والتدريب والدعم الاستخباري، واستهداف الأخيرة للملاحة البحرية العالمية، بما يتعدى ادعاءات الحوثيين المتعلقة باستهداف السفن الإسرائيلية والسفن المملوكة لدول غربية داعمة لدولة لإسرائيل، كجزء مما أطلق عليه “معركة الإسناد” لحركة حماس في قطاع غزة خلال الحرب التي بدأتها عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023. شنت الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس “ترامب” هجمات عنيفة ضد جماعة الحوثي في اليمن، ما أسفر عن تحقيق وقف لاستهداف السفن الأمريكية عبر مضيق باب المندب (وإن كان لم ينسحب على وقف هجمات الحوثي على إسرائيل، التي لم تتوقف سوى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025). غير أن الدرس المستفاد هو أن استمرار جماعة الحوثي مدعومةً من إيران سوف يمكنها من استهداف الملاحة، خاصةً تلك المتجهة إلى إسرائيل، مجددًا في أي مواجهة مستقبلية مع أطراف “محور المقاومة”، والأخير من ذلك أن تتمكن جماعة الحوثي من الحفاظ على قدرات الصواريخ بعيدة المدى التي أصابت بالفعل الأراضي الإسرائيلية خلال الحرب الإقليمية.

المغزى، أن موطئ قدم على الجانب الآخر من البحر الأحمر في القرن الإفريقي سوف يتيح لإسرائيل استهداف الحوثيين في اليمن، واستباق أي محاولات من جانبهم لعرقلة الملاحة في مضيق باب المندب أو توجيه ضربات لإسرائيل مع إمكانية استهداف شحنات السلاح المتوجهة إليهم من إيران. تبعد سواحل صوماليلاند مسافة تتراوح من (300 إلى 500 كم) عن سواحل اليمن التي تسيطر عليها جماعة الحوثي، بما في ذلك ميناء الحديدة، الأمر الذي يتيح إمكانية استخدام أراضي صوماليلاند لمهام متعددة تتراوح بين: جمع المعلومات الاستخبارية، وبين شن عمليات هجومية مباشرة، بما يحد من نفوذ إيران في المنطقة ونشاطها في البحر الأحمر عمومًا. يدعم ذلك ما سبق وأن نُشر من تقارير تشير إلى تقارب بين الحوثيين وبين حركة الشباب الإرهابية في الصومال بحيث تسهل الأخيرة، بالتنسيق مع تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية الذي يتمركز في اليمن، سلاسل الإمداد للحوثيين في مقابل حصول حركة الشباب على التسليح.([2])

في حالة تحقق سيناريو مثل هذا، فلن يكون استمرارًا فحسب لنهج إسرائيل بـ”المعركة ما بين الحروب” بعد التوصل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة ومن قبلها انتهاء الحرب على إيران، وإنما أيضًا تطبيقًا معاكسًا لمفهوم “الدفاع الأمامي” الذي شكَّل العنصر الهجومي في العقيدة العسكرية الإيرانية بعد ثورات “الربيع العربي”، بمعنى أن تواجه إيران أعداءها خارج حدودها استباقًا لشنهم هجمات عليها، ويتضمن حربًا هجين من خلال إنشاء قدرة جديدة خارج الحدود -بالإضافة إلى تطوير قدرات المسيرات وحرب العصابات البحرية استُخدم بعضها في الهجمات على ناقلات النفط في خليج عمان، وإسقاط طائرات أمريكية مسيرة عام 2019، بالإضافة إلى الهجمات على منشآت أرامكو السعودية عامي (2019 و2021).([3]) قد تأمل إسرائيل في أن تتمكن من الحصول على تواجد أمني في صوماليلاند يتيح لها استهداف حلفاء طهران في اليمن، مثلما سعت من قبل أن تشكل علاقاتها الدفاعية الممتدة مع أذربيجان تهديدًا لإيران المجاورة.

الأخطر من ذلك، أن تواجدًا إسرائيليًّا في منطقة القرن الإفريقي عبر بوابة صوماليلاند قد يمتد لتهديد المصالح العربية، ليس فقط في مضيق باب المندب الذي طالما كانا جانباه عربيين خالصين- بما سهَّل على البحرية المصرية إغلاق المضيق أمام السفن الإسرائيلية إبان حرب أكتوبر 1973- وإنما في منطقة القرن الإفريقي بالكامل. ليس بالضرورة أن يكون هذا التواجد في صورة قاعدة دائمة، وإنما يمكن أن يكون بالنفاذ والتسهيلات. وهنا، قد تتقاطع المصالح الإسرائيلية مع مصالح دول أخرى في ظل حالة التنافس الدولي بين القوى الكبرى، لاسيما ما يخص الصين والهند حول التموضع في هذه المنطقة بحكم الموقع الجغرافي حول ممرات الملاحة العالمية من جانب وكمدخل للنفوذ في منطقة شرق إفريقيا من جانب آخر. وفي هذا الشأن، ومنذ الإعلان الإسرائيلي حول الاعتراف بصوماليلاند، ظهر عدد من المقترحات التي تدفع نحو إمكانية أن يخدم التواجد الإسرائيلي في صوماليلاند مصالح الهند بحيث تقدم إسرائيل إمكانياتها في مجالات الاستخبارات لصالح الهند، التي تسعى لحماية “الجوار البحري” الواسع الممتد في المحيط الهندي وأطرافه في مواجهة الصين ومبادرتها “الحزام والطريق”، ويمكنها تقديم برامج لبناء القدرات وكذلك منشآت البنية الأساسية.([4])

ومما ساعد التحرك الإسرائيلي، الوضع فيما يسمى “إقليم أرض الصومال” ذاته، الذي تم النظر إليه- من وجهة نظر إسرائيل- باعتبار أنه يتمتع باستقرار نسبي منذ التسعينيات من القرن العشرين، ونظام الحكم يميل للغرب وبعيد عن التأثيرات الإسلاموية، فضلًا عن طبيعة تحالفاته الإقليمية والدولية؛ إذ ترتبط حكومة صوماليلاند بعلاقات وثيقة مع تايوان، فضلًا عن ارتباطها بإثيوبيا التي وقعت معها عام 2024 مذكرة تفاهم لتسمح لها بالسيطرة على ميناء بربرة، وذلك كله في إطار السعي الدائم من جانب صوماليلاند للحصول على الاعتراف الدولي.([5]) لم يكن الاعتراف الإسرائيلي- بالتالي- وليد اللحظة، وإنما كانت له مقدماته وأسبابه التي قد لا تبتعد كثيرًا، في جزء منها على الأقل، عن وصف الصيد في الماء العكر. وعلى سبيل المثال، فإن بحثًا لمعهد العلاقات الإسرائيلية/ الإفريقية نُشر في أبريل 2025، دعا صراحةً إسرائيل لاستغلال الفرصة المتاحة من هجمات حركة الشباب الإرهابية في الصومال وتهديدها للعاصمة مقديشيو عندئذ لدفع العلاقات قُدمًا مع صوماليلاند، بما في ذلك: الاعتراف الدبلوماسي، وتشجيع الولايات المتحدة على القيام بالأمر نفسه، بحيث تعرض إسرائيل نفسها للمعسكر الغربي باعتبارها عنصرًا داعمًا ضد الإرهاب في المنطقة من خلال المساعدات الأمنية والتنموية التي سوف تقدمها إلى صوماليلاند. ولم يفتْ البحث أن يشير، ضمن جملة المزايا التي يقدمها هذا التحرك لإسرائيل، إلى مواجهة النفوذ التركي المتزايد في المنطقة، بخلاف إمكانية تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى صوماليلاند.([6])

أما الهدف الفرعي بتعزيز شرعية إسرائيل دوليًّا، فأسبابه يمكن استنباطها بسهولة، وتتمثل في الأهمية التي توليها الدولة العبرية حاليًا لتعزيز هذه الشرعية في ظل الاتهامات المنظورة أمام محكمتي (العدل، والجنايات) الدوليتين بارتكاب إسرائيل ومسؤوليها جرائم حرب وإبادة جماعية في قطاع غزة، بالإضافة إلى النجاحات التي حققتها القضية الفلسطينية سياسيًّا، سواءٌ فيما يخص موجة الاعترافات بدولة فلسطين من جانب دول بارزة في المعسكر الغربي ذات صلات قوية بإسرائيل، وأهمها (فرنسا، وبريطانيا)، أو فيما يخص تصاعد حملة المقاطعة لإسرائيل على المستوى الشعبي في مختلف أنحاء العالم. المغزى أن علاقات رسمية مع كيان أغلب سكانه من العرب المسلمين سوف تمثل اختراقًا دبلوماسيًّا لإسرائيل تأمل منه، إذا ما نجحت في توطيده، أن يوازن مساعي إدانة إسرائيل والنجاحات السياسية الفلسطينية. 

ثانيًا: تحديات تواجه المسعى الإسرائيلي.

يواجه المسعى الإسرائيلي على النحو المشار إليه أعلاه تحديات عدة: أهمها، الموقف العربي الجماعي، الذي عبَّر عنه البيان الصادر عن مجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين في دورته غير العادية في 28 ديسمبر 2025، برئاسة دولة الإمارات العربية المتحدة. لم يكتفِ هذا البيان بإدانة الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى صوماليلاند ورفض أي إجراءات تترتب عليه وتأكيد التضامن الكامل مع جمهورية الصومال الفيدرالية للحفاظ على وحدة أراضيها، وإنما نبَّه إلى الأهداف الإسرائيلية من وراء ذلك، وتحديدًا تحقيق أجندات (سياسية، وأمنية، واقتصادية) وتسهيل مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني. وأكَّد هذا الموقف العربي الثابت التحركات التي قادتها الدول العربية خاصةً (مصر، والمملكة العربية السعودية)؛ لدعم الصومال، البوابة الجنوبية للأمن العربي، بمختلف الأشكال. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى الزيارتين اللتين أجراهما في فبراير 2026 الرئيس الصومالي “حسن شيخ محمود” إلى القاهرة، التي شهد بها اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وإلى الرياض، التي شهد بها توقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي الدفاع في البلدين تهدف لتعزيز أطر التعاون العسكري بين البلدين.

التحدي الثاني: فهو موقف تركيا التي أكد رئيسها “رجب طيب أردوغان” خلال زيارته للقاهرة في فبراير 2026، على الرفض القاطع للاعتراف الإسرائيلي والتأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة وسيادة الصومال ورفض أي محاولات لتقسيمه، علمًا بأن أنقرة قد استقبلت الرئيس الصومالي في نهاية ديسمبر2025، وتم التأكيد خلال الزيارة على التعاون الدفاعي بين البلدين لدعم قدرات القوات المسلحة الصومالية من خلال قاعدة TURKSOM العسكرية التركية في مقديشيو. وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن الموقف التركي الداعم لوحدة الأراضي الصومالية، خاصةً فيما يتعلق بصوماليلاند، ليس عرضيًا بل وثبتت فعَّاليته من قبل في اتفاقه مع الموقف العربي الموحد إبان واقعة توقيع صوماليلاند مذكرة تفاهم مع إثيوبيا عام 2024 تسمح لها بالسيطرة على ميناء بربرة، بما أسفر لاحقًا عن إجهاض مضامين هذه المذكرة عمليًّا، خاصةً مع الأخذ في الاعتبار آراء محللين اعتبروا أن التوافد العسكري من مصر وتركيا بشكل متزامن في الصومال يقوم على التكامل والتعاون، لا التنافس.([7])

أما التحدي الثالث الذي يواجه المسعى الإسرائيلي: فهو موقف الولايات المتحدة. تمثل إدارة الرئيس “ترامب” الحليف الأهم لإسرائيل “نتنياهو” دوليًّا، إلا أن ذلك لا يعني أن تقوم واشنطن بإعلاء مصالح تل أبيب على مصالحها حال تعارضهما. صحيح أن نائبة المندوب الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة قد دافعت خلال الاجتماع الطارئ لمجلس الأمن الذي انعقد لهذا الغرض في 29 ديسمبر 2025، عن القرار الإسرائيلي بالاعتراف بصوماليلاند، مقارنةً إياه بالاعترافات بدولة فلسطين، غير أن الرئيس “دونالد ترامب” نفسه قد صرح علنًا برفضه اعتراف الولايات المتحدة بصوماليلاند، متهكمًا بأن أحدًا لا يعرف ماهية هذا الكيان.([8]) يضاف إلى ذلك، احتمال له وجاهته بأن تأخذ الولايات المتحدة في الاعتبار موقف شركائها العرب وتركيا، وهو موقف حاسم كما تقدم، علمًا بأن موقف الولايات المتحدة الرسمي المعلن منذ عقود هو الحفاظ على “صومال واحدة”، وقد يؤثر اعترافٌ أمريكيٌّ بصوماليلاند على مجمل السياسة الأمريكية في القرن الإفريقي ككل الذي لا يعدم بؤرًا للتوتر والحركات الانفصالية.

هناك تحديان آخران قد لا يكونا على القدر نفسه من الأهمية والتأثير، على الأقل في الوقت الراهن، مقارنةً بالتحديات الثلاثة المشار إليها: أولهما ذا جانب عملي؛ إذ إن تطوير علاقات إسرائيل مع صوماليلاند قد يكون له أثرٌ سلبي ليس فقط على هدف إسرائيل المتعلق بتعزيز شرعيتها الدولية، من حيث إنه سوف يعقد أي مساعٍ لتوسيع علاقات التطبيع في العالمين (العربي، والإسلامي)، وإنما أيضًا على صوماليلاند ذاتها في ظل معارضة الدول العربية والإسلامية إجمالًا لخطوتها مع إسرائيل.([9]) أما التحدي الثاني: فيتمثل في موقف الصين التي سيكون لديها شواغل جادة من تواجد إسرائيلي مدعوم غربيًا، وذي اتصال بخطط الهند في شرق إفريقيا، من جانب ومن جانب آخر سوف تدافع دبلوماسيًّا عن “صومال واحدة”، في ضوء الموقف الصيني الثابت المعارض للحركات الانفصالية بحكم تشبثها بمبدأ “الصين الواحدة” اتصالًا بقضية إقليم تايوان.  

الخلاصة:

أسفر تطور الأوضاع، بالسلب إجمالًا، في منطقة القرن الإفريقي عن إيجاد بيئة خصبة لاستمرار وتطوير سياسة “عقيدة الأطراف” الإسرائيلية. يأتي الاستمرار من حيث الجوهر– نسج تحالفات مع الدول وجماعات الأقليات على أطراف العالم العربي لمواجهة العداء العربي حيال الدولة العبرية عبر تقديم إسرائيل لنفسها باعتبارها “مفيدة” في مجالات التنمية والأمن – فيما يأتي التطور من حيث العلنية والاعتراف الدبلوماسي. تسعى إسرائيل لتحقيق هدفين رئيسين في القرن الإفريقي: تأمين الممرات البحرية، ومواجهة النفوذ المعادي، مضافًا إليهما هدف فرعي يتمثل في تدعيم شرعيتها دوليًّا. ورأت الدولة العبرية في صوماليلاند، التي تسعى للانفصال عن جمهورية الصومال الفيدرالية، مدخلًا لذلك، لتطرح نفسها مرةً أخرى باعتبارها شريكًا موثوقًا به يمكنه في المقابل ليس فقط تقديم المساعدات الأمنية والتنموية، وإنما أيضًا المساهمة في تحقيق “استقلال” صوماليلاند فعليًّا عبر الاعتراف الدبلوماسي الإسرائيلي والسعي لدى الولايات المتحدة للقيام بذلك أيضًا.

غير أن هذه الخطوة الإسرائيلية قد قوبلت باعتراض عربي واسع انضمت إليه تركيا، فيما لا يزال الموقف الأمريكي يراوح نفسه. غير أن الوضع في القرن الإفريقي نفسه، للمفارقة، قد يكون أحد العوامل الأساسية في إجهاض المسعى الإسرائيلي. قائمة الأوضاع المتشابكة في القرن الإفريقي طويلة، وتتراوح بين هجمات الحوثيين على السفن في مضيق باب المندب بما أثَّر على حركة الملاحة العالمية عبر قناة السويس، ونشاط حركة الشباب الإرهابية في الصومال، ومساعي صوماليلاند للانفصال، واتصال ذلك بمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ من خلالها للبحر الأحمر بما يحقق شواغل أمنية للدول العربية تضاف إلى شواغلها الجادة بشأن السد الإثيوبي، إلى التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة بحكم موضعها الجغرافي. هذه الأوضاع المتشابكة ذاتها – والتي سعت إسرائيل إلى استغلالها – كانت دافعًا إضافيًّا للدول العربية لدعم الصومال، بخلاف دافع التضامن مع الأشقاء، وهو ما ينطبق أيضًا على تركيا بشكل ما.

يمثل الدعم الذي قدمته الدول العربية للصومال، على المستويين (السياسي، والدفاعي) عاملًا يمكن التعويل عليه في مواجهة المسعى الإسرائيلي، ومن المرجح أيضًا أن يتوازى هذا الدعم بتواصل عربي مع الولايات المتحدة والقوى الكبرى، لاسيما الصين، التي يعنيها استقرار الأوضاع في منطقة القرن الإفريقي؛ للتحذير من مغبة الخطوة الإسرائيلية بالاعتراف بصوماليلاند وحشد التأييد للموقف العربي الجماعي بدعم وحدة الصومال. ويبقى عنصر مهم لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، والذي يتمثل في سد منافذ التدخل الخارجي. سبق وأن رعت جيبوتي جولات للمحادثات بين الحكومة المركزية في مقديشيو وبين ممثلي إقليم الشمال الغربي، قبل أن تنقطع هذه المحادثات عام 2025. هناك إمكانية لاستئناف هذه المحادثات والتوصل إلى حلول توافقية استنادًا لتوجه الحكومة الصومالية في تعزيز الحوار الوطني الداخلي لمعالجة كافة القضايا في إطار الدولة الصومالية الواحدة، وفق ما أشار الرئيس الصومالي في تصريحات صحفية له في فبراير 2026.([10])


([1]) Jean-Loup Samaan, Israel’s Foreign Policy beyond the Arab World: Engaging the Periphery (New York: Routledge, 2018).

([2]) Michael Horton, “Looking West: The Houthis’ Expanding Footprint in the Horn of Africa,” CTC Sentinel (Dec. 2024).

([3]) عمرو يوسف، “إسرائيل ومحور المقاومة بعد حربها على إيران”، شؤون عربية (العدد 203)، شتاء 2025، ص 82-91.

([4]) Lauren Dagan Amos, “India, Israel and the Rewiring of the Horn of Arica” (BESA Center Perspectives Paper no. 2361, Jan. 7, 2026); The Cradle.co, “A New Red Sea Axis” (Feb. 6, 2026).

([5]) Asher Lubotzky, “Somaliland and Israel: Considerations Regarding Recognition and Cooperation” (INSS Insight no. 2062, Nov. 24, 2025).

([6]) معهد العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، “الصومال تنهار وصوماليلاند تقدم فرصة إستراتيجية لإسرائيل” (بالعبرية) (20 أبريل 2025).

([7])  هشام المياني، “الوجود العسكري المصري – التركي في الصومال… تنافس أم تكامل؟” الشرق الأوسط، 12 فبراير 2026.

([8]) Steven Nelson, “Trump tells The Post he’s not ready to embrace Somaliland independence — unlike pal Netanyahu,” New York Post (Dec. 26, 2025).

([9]) Lubotzky, “Somaliland and Israel.”

([10]) فتح الرحمن يوسف، رئيس الصومال: ساعون مع شركائنا بقيادة السعودية لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ”أرض الصومال”، الشرق الأوسط (11 فبراير 2026).

اظهر المزيد

عمرو يوسف

وزير مفوض متخصص فى الشؤون الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى