2026العدد 205ملف عربي

أحداث اليمن واتصالها بتوازن القوى في منطقة الخليج وبالقضايا الإقليمية المعقدة.

هدَّد الهجوم الواسع، الذي شنه المجلس الانتقالي الجنوبي على المناطق الشرقية في اليمن، التوازنات الهشَّة داخل اليمن وعلى المستوى الإقليمي، الأمر الذي استدعى تدخلًا حاسمًا من المملكة العربية السعودية، في محاولة استباقية لمنع قيام معادلات جديدة في منطقة ذات حيوية إستراتيجية للمملكة والإقليم؛ لارتباطها الوثيق بأمن الممرات والتجارة الدولية، ولمنع نشوب حالة من الفوضى في خاصرة الخليج العربي الجنوبية، في ظل تنافس خارجي محموم على السيطرة على طرق التجارة الدولية وإعادة تشكيل أمن المنطقة، بما يخدم مصالح أطراف من خارجها، ولا سيما إسرائيل التي تسعى إلى مد نفوذها وشبكاتها داخل المنطقة.

وقد شهد اليمن تاريخًا طويلًا من الصراع وعدم الاستقرار، في ظل حروب أهلية وصراعات نفوذ تداخلت فيها العوامل العشائرية والمناطقية والحزبية. ولم تستقر أية خارطة للانقسام السياسي – الجغرافي منذ انتهاء الاستعمار البريطاني في جنوب البلاد وسقوط النظام الملكي في شمالها.

الجغرافيا الحاكمة.

يشكِّل الموقع الجيوإستراتيجي لليمن المحرك الأساسي للتنافس الإقليمي والدولي على اليمن، في وقت تتنافس القوى الفاعلة على الحصول على أدوار في تشكيل خرائط التجارة الدولية عبر التحكم بمساراتها وطرق نقلها، وليس أدلُّ على ذلك من التنافس الحاد بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين على ترسيم خطوط تجارة منافسة تخدم مشاريعها الجيوسياسية، كما يتجلى في التنافس بين مشروع “الحزام والطريق” الصيني، ومشروع  “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” الذي تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية ليكون بديلًا، أو منافسًا على الأقل للمشروع الصيني.

يقع اليمن في قلب جغرافيا بالغة الأهمية الإستراتيجية، بين البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، ويمثل خليج عدن ومضيق باب المندب- المدخل الجنوبي للبحر الأحمر- أهميةً مضاعفة في تأمين عبور السفن البحرية الإقليمية والدولية، ويلتقي عند خليج عدن ثلاثة ممرات مائية بحرية دولية: الخط القادم من الخليج العربي، والخط القادم من شرق إفريقيا وجنوبها إلى البحر الأحمر، والخط القادم من شرق وجنوب شرق آسيا. وتؤثر هذه الخطوط الثلاثة في الملاحة شديدة الحيوية، في حركة النقل البحري وحركة التجارة العالمية.

وفق ذلك، يمكن قراءة الصراعات المحلية في اليمن أصداءً للتنافس الخارجي، وتعبيرًا حقيقيًّا عن ارتباط وتشابك الجغرافية اليمنية مع المشاريع الجيوسياسية؛ حيث تشكل السيطرة على الممرات البحرية قيمة مضافة لأي مشروع. من هنا، يبدو التسابق على إنشاء القواعد العسكرية في مناطق القرن الإفريقي المتاخمة لليمن، وكذلك تحريك الصراعات عبر وكلاء محليين، أدوات مهمة في هذا التنافس، الذي بات يأخذ أحيانًا صراعًا حادًا، حتى لو أدى إلى تقسيم الدول والعبث بمصائرها.

المخاطر على العالم العربي تبدو جسيمة، في ظل الأزمات التي تعيشها العديد من البلدان العربية، التي انهارت فيها الوحدة الوطنية ويجري العبث بجغرافيتها وديمغرافيتها، ويكاد الوضع في السودان، بكارثيته ومأساته أن يكون نسخة مطابقة لما سيكون عليه اليمن لو اكتملت المسارات التي وضعتها أطراف خارجية دون تدخل حاسم من المملكة العربية السعودية، التي سارعت لاستدراك المخاطر، لما بدا أنه محاولة لتطويق منطقة الخليج العربي وتشكيل مأزق إستراتيجي يغرق الخليج في أزمته ويُضعف مواقف وأدوار قواه التي بدأت بالفعل تظهر كفواعل مؤثرة وفاعلة في السياستين (الإقليمية، والدولية).

ولا يبدو مصادفةً اندلاعُ هذه التطورات في جنوب اليمن، مع تحركات إقليمية مريبة في المنطقة، فقد دقَّ الاعتراف الإسرائيلي في أرض الصومال جرس الإنذار في المنطقة، إزاء خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية خطيرة تتجاوز الإطار المحلي؛ حيث يعكس الاعتراف الإسرائيلي سعيًا لتثبيت موطئ قدم قريبة من مضيق باب المندب، بما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي. وبالتزامن، تتحرك إثيوبيا لخلق واقع جديد في المنطقة، من خلال الحصول على ممر إلى البحر الأحمر، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار دول الجوار، الذي يبدو أن إثيوبيا تحاول العبث به لخلق معادلات مريحة لها، فقد كشفت تقارير دولية عن إنشاء معسكرات في شمال إثيوبيا لتدريب قوات الدعم السريع السودانية، التي باتت تهدِّد أمن السودان وأمن مصر ومصالحها في المنطقة.

ولذلك، فإن المقاربة العربية، التي تقودها السعودية تقوم على عدم النظر إلى مشاريع الانفصال في جنوب اليمن وأرض الصومال بوصفها حلولًا داخلية لأزمات الحكم، بل كأدوات جيوسياسية تُستخدم لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، خصوصًا في المناطق المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن؛ إذ لا يمكن فصل هذه التطورات عما يجري من محاولات السيطرة على الموانئ الرئيسة والتي تُعد قواعد نفوذ لوجستي ومؤثرة على أمن الملاحة العالمي، ما يجعلها عناصرَ متداخلةً في حسابات القوى الفاعلة.

المجلس الانتقالي الجنوبي قفزة في الفراغ.

في ديسمبر/ كانون الأول 2025، سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي (حضرموت، والمهرة) ضمن عملية أُطلق عليها “مستقبل واعد”، ولم تكن هذه السيطرة مجرد تحوُّلٍ عسكري تكتيكي بل زلزال سياسي يعيد رسم خرائط النفوذ في جنوب الجزيرة العربية، وينهي حقبة من التوازنات الهشة بين القوى التي أدارت الصراع في تلك المنطقة، والأخطر أن هذا التحرك وضع الأمن القومي للمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان أمام تحديات غير مسبوقة؛ نظرًا لتأثيرات السيطرة على المحافظتين المتصلتين بريًّا بالسعودية وعُمان على الأمن القومي في البلدين.

أدى هذا التحوّل إلى انهيار الترتيبات الأمنية التقليدية، وحوَّل مناطق النفوذ التي كانت تعتبر عمقًا إستراتيجيًّا إلى خطوط تماس مباشرة، وهو ما دفع بالمملكة إلى تغيير قواعد الاشتباك المعمول بها في اليمن والتوجه إلى حسم الأمر؛ حتى لا تستقر معادلات جديدة في جنوب اليمن تؤدي إلى استنزاف المملكة وإضعاف موقعها الإستراتيجي، لصالح قوى غير مسؤولة ولديها ارتباطات وتشابكات مع قوى خارجية تسعى للضغط على المملكة؛ لتحقيق مكاسب جيوسياسية تمس مكانة المملكة وموقعها كقوة مؤثرة وفاعلة في منطقة الخليج والعالمين (العربي، والإسلامي).

وقد جاءت العملية في سياق مساعي “المجلس الانتقالي الجنوبي” الهادفة إلى تحقيق الانفصال عن اليمن، أو تحقيق هدف “الاستقلال الثاني”، وكان المجلس قد تأسس في مايو /أيار 2017، بإعلان من سياسيين وشخصيات قبلية وعسكرية في مدينة عدن، وأعلن حينها “عيدروس الزبيدي” محافظ عدن السابق، عن تشكيل جسم سياسي حمل اسم “هيئة رئاسة المجلس الانتقالي” برئاسته، ويتبنى المجلس الانتقالي الجنوبي مشروع إقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن، على غرار الوضع القائم قبل تحقيق الوحدة اليمنية 1990.

تمكن المجلس من فرض نفوذه على محافظات عدة في جنوب اليمن، وفرض واقع سياسي وأمني، من خلال أذرعه العسكرية، مثل: “قوات الحزام الأمني” و “النخب”، وفرض المجلس رؤيته للقضية الجنوبية بوصفها أولويةً سياسية منفصلة عن مسار الدولة اليمنية، مستثمرًا المظالم التي تعرض لها جنوب اليمن في زمن حكم الرئيس السابق “عبدالله صالح”، ولا سيما حرب عام 1994، والتي انتهت بهزيمة الجنوب وسيطرة القوى الشمالية، وما تعرضت له مناطق الجنوب بعد ذلك من تهميش واستبعاد على المستويات (الاقتصادية، والسياسية).

عمل المجلس على بناء مؤسسات موازية وتوسيع قواعده السياسية، ومع ذلك ظل يتحرك بحذرٍ سياسي، مدركًا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توافر ظروفٍ إقليمية ودولية مواتية، وتوازن قوى يسمح بفرض الأمر الواقع دون مواجهةٍ عسكرية شاملة أو رفضٍ دولي قاطع؛ لذا بقي المجلس ينتظر اللحظة السياسية المناسبة التي قد تتيحها تطورات الحرب، أو تغيُّرات في المواقف الإقليمية، أو ضعف الشرعية اليمنية المعترف بها دوليًّا؛ ليعلن بشكلٍ رسمي أو عملي خطوته نحو استعادة الدولة الجنوبية المستقلة، مستندًا إلى شعار “استعادة الدولة” الذي بات الركيزة الأيديولوجية الأساسية لحركته.

استفاد المجلس بقيادة عيدروس الزبيدي من الفراغ الذي أعقب انقلاب الحوثيين وتراجع نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًّا في المحافظات الجنوبية؛ ليقدِّم نفسه ممثِّلًا للقضية الجنوبية، معيدًا صياغة خطابها من مطالب إصلاحية داخل الدولة اليمنية إلى الدعوة إلى استعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل عام 1919.

لكن المجلس لم يحظَ بالإجماع لدى غالبية السكان في الجنوب، بل لقيَ رفضًا مطلقًا من قبَل محافظات الشرق أو الوسط، مثل: شبْوَة وأبيَن، اللتين لا تتفقان مع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تتزعمه قيادات أغلبها ينتمي إلى قبائل ما يُسمى “مثلث الضالع ويافع وردفان” ويتبادلان عداءً تاريخيًّا على خلفية ما جرى خلال أحداث 13 يناير 1985، التي خسرها الرئيس الأسبق “علي ناصر محمد” وحلفاؤه من قبائل شبْوَة وأبين  

لم يقرأ قادة المجلس الانتقالي، ولا القوَّة التي تدعمهم المشهد الإقليمي جيدًا؛ لذا فإن تقديرهم للموقف جاء غيرَ متوافق مع قدرات الفاعلين الآخرين، والواضح أن تقييمهم قام على أساس أن امتلاك القوة لفرض أمر واقع في المشهد اليمني، تكفي لحسم الموقف، ووضع الفاعلين الآخرين في موقف مربك سيضعف أوراقهم التفاوضية ويدفعهم لانتهاج واقعية سياسية والقبول بالأمر الواقع كما هو، ولا سيما بعد أن يثبت المجلس الانتقالي قدرته على حسم الصراع وإلغاء الفواعل المحلية، وبالتحديد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًّا، وبعد إثبات داعميه قدرتهم على تحريك الأوراق والتحكم بمفاصل الأمن في المنطقة.

ويبدو أن الحسابات الدولية كانت تسير في اتجاهات مغايرة، ذلك أن القوى الدولية باتت تتقاطع عند نقطة إعادة تفعيل دور الدولة بوصفها الضامن الحقيقي للمصالح الأمنية والاقتصادية، وإنهاء ظاهرة الكيانات الموازية التي تأسست في سنوات الفوضى السابقة، بعد النتائج الكارثية التي تحقَّقت على يد تلك الكيانات، أو الميليشيات، وتجربة الحوثيين وتداعياتها على أمن الملاحة ما تزال حاضرة، كما أن الميليشيات لا تستطيع إدارة دول ومراعاة مصالح دولية، وتبقى مجرد أدوات بيد مشغليها، الذين لهم في الغالب مصالح لا تتطابق مع المصالح الدولية بشكل عام.

نتيجة ذلك، وجراء المغامرة غير المحسوبة، انتهى المجلس الجنوبي الانتقالي كطرف شريك في إدارة اليمن، وجرى تفكيك أذرعه العسكرية ومؤسساته السياسية، وإخراجه نهائيًّا من المعادلة اليمنية، بعد هرب رئيسه “الزبيدي” واختفاء أغلب قياداته، والأهم انفضاض القواعد عنه، بعد اكتشاف خطورة توجهاته وضعف بنيته الفكرية وانشغاله بتأمين المصالح الخارجية بدلًا من إيجاد الحلول اللازمة لإخراج اليمن من أزمته التي يغرق بها منذ سنوات، نتيجة الحسابات قصيرة المدى لبعض القيادات السياسية.

إسرائيل ومساعي تشكيل الخريطة الشرق أوسطية.

يشكِّل تحرك المجلس الانتقالي الجنوبي، جزءًا من سياق إستراتيجي رسمته إسرائيل في السنوات الأخيرة، بهدف الإمساك بمفاصل منطقة الشرق الأوسط والتحكم بمساراته وإجبار دوله على الخضوع للمصالح الإسرائيلية في المنطقة، وربما بدأت الفكرة  كمخرج لإيجاد حل لمعضلة الحوثيين التي لم تستطع إسرائيل التخلص من خطرها، ولا سيما قدرة الحوثيين على استهداف مصالح إسرائيل في البحر الأحمر الذي تعتبره شريانًا حيويًّا لمصالحها في آسيا وإفريقيا، وتدرك إسرائيل من خلال تجربتها في الحرب على الحوثيين أنه بدون شريك على الأرض لن تستطيع القضاء على الخطر الحوثي، لذلك فإن الأمر يستلزم دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وإبعاد السعودية نهائيًّا عن جنوب اليمن، ذلك أنه بالرغم من تقاطع مصالح الطرفين في محاربة الحوثيين، إلا أن السعودية لن تقبل بوجود إسرائيلي في خاصرتها الجنوبية تحت أي مبرر.

ليست السياسة الإسرائيلية في المنطقة خافية عن السعودية ومصر، وما حاولت فعله في اليمن يتماشى مع نسق تتبعه في أكثر من بلد عربي، هذا النسق يقوم على دعم تقسيم الدول، أو على الأقل تقسيم السلطة السياسية فيها، كما هو حاصل في (سوريا، ولبنان، والسودان، والصومال،… وغيرها) الأمر الذي من شأن نجاحه أن يؤدي إلى تعميم حالة التقسيم في المنطقة، ولن يسلم أيُّ طرف عربي من تداعياته، من خلال تحوُّل نجاح التقسيم في بلد عربي إلى محفز لحركات الانفصال التي أطلت برأسها في أماكن عديدة في الجغرافية العربية، الأمر الذي سيضع الدول العربية أمام مأزق حقيقي، سيدفعها إلى الانكفاء عن مواجهة المشاريع الإسرائيلية والبحث عن السلامة، وترك إسرائيل تشكِّل المنطقة على مقاساتها وبما يتناسب مع مصالحها الإستراتيجية.

ينطلق الاهتمام الإسرائيلي باليمن من أهمية مضيق باب المندب بوصفه أحد أكثر الممرات حيوية في العالم؛ إذ عدا عن أهميته المباشرة بالنسبة لإسرائيل، كونه يؤثر على حركة التجارة في ميناء إيلات، فإن المضيق يشكِّل ورقة ضغط إستراتيجية من شأن وقوعه تحت سيطرة خصومها، وعلى رأسهم إيران، وضع إسرائيل في مأزق إستراتيجي، من هنا يأخذ الاهتمام باليمن طابعًا مركبًا، جزءٌ منه مواجهة التهديد الإيراني عبر تحييد الحوثيين وإضعافهم من خلال صناعة وكيل يمني يتكفل محاربتهم والقضاء عليهم، أو على الأقل إضعاف فعاليتهم إلى أدنى حد، ما يعزز من موقع إسرائيل في معادلة الصراع الإقليمي.

وقد بدت لافتةً تصريحات رئيس المجلس الانتقالي “عيدروس الزبيدي” بعد سيطرة قواته على معظم الجنوب؛ حيث أكد لصحيفة “معاريف” الإسرائيلية، أن قيام دولة جنوبية مستقبلية سيفتح الباب أمام الانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية وصياغة سياسة خارجية مستقلة، وكانت صحيفة “التايمز” قد كشفت عن اتصالات مباشرة بين المجلس الانتقالي ومسؤولين إسرائيليين لبحث “قضايا مشتركة” وفي مقدمتها مواجهة الحوثيين، بالتوازي مع إبلاغ دبلوماسيين غربيين وأعضاء في مجلس الأمن بأن وحدة اليمن باتت من الماضي، وأن الاستعداد جارٍ لإعلان دولة جنوبية مستقلة.

تطبق حكومة نتنياهو إستراتيجية إسرائيلية قديمة خطها ديفيد بن غوريون، ويُطلق عليها مصطلح “إستراتيجية الأطراف” والتي تهدف إلى تطويق العالم العربي وحرمانه من عمقه الإستراتيجي، بحيث يتم فصل أجزاء من اليمن والصومال وإغلاق مجالاتهما أمام العالم العربي، بل وتحويلهما إلى مراكز استنزاف للدول العربية، مستغلة “الفراغ الإستراتيجي” الذي خلَّفه تراجع الدور العربي نتيجة الانشغال بالصراعات الداخلية، ويشكل نجاح إسرائيل في اختراق الجدار العربي فشلًا لمنظومة الأمن القومي العربي في صياغة رؤية موحدة تجاه أمن البحر الأحمر ومعابره إلى المحيط الهندي.

ويكشف التحرك الإسرائيلي في اليمن، وفي القرن الإفريقي عمومًا، تحولًا في العقيدة السياسية الإسرائيلية من “إدارة الصراع” إلى “حسم الصراع” عبر إيجاد وقائع جيوسياسية جديدة.

من الواضح أن إسرائيل تعمل على صناعة مشهد شرق أوسطي مختلف، من خلال إعادة صياغة كاملة لمفاصله الأساسية واستثمار الظروف التي تمر بها المنطقة، ولا سيما رغبة بعض الفاعلين المحليين بالانفصال وتشكيل كيانات مستقلة، حتى لو كانت مرتهنة لإسرائيل بالكامل، وهذا ما بدأت تتنبه له العديد من الأطراف العربية، ولا سيما تلك التي تعتبر نفسها في موقع القيادة في المنطقة، ولا سيما المملكة العربية السعودية ومصر، اللتان تشهدان تطورًا في العلاقات الإقليمية يوازي حالة النمو في البلدين ويتسق مع اتساع مصالحهما في الإقليم.

محور إسرائيلي -هندي-إثيوبي.

أنتج التنافس الجيوسياسي العالمي أنماطًا جديدة من التحالفات، في ظل انشغال الولايات المتحدة الأمريكية بالتركيز على شرق آسيا، وانشغال العالم العربي بأزماته الداخلية، فقد تشكَّل محورٌ ثلاثي يضم (إسرائيل، والهند، وإثيوبيا) تتركز مصالحه بدرجة كبيرة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

تسعى إسرائيل من خلال هذا التحالف إلى توفير عمق إستراتيجي لها بإقامة قواعد عسكرية مشتركة مع الهند في سواحل “أرض الصومال”، والوصول إلى الأسواق الناشئة في شرق إفريقيا (كينيا، وأوغندا، وإثيوبيا) فيما تعتزم الهند إدارة الأمن البحري الإقليمي عبر إستراتيجيتها التي تتمحور حول المحيط الهندي وتهدف إلى ترسيخ مكانة الهند كشريك له أفضلية في الأمن والتنمية، وتسعى إثيوبيا (الدولة الحبيسة) إلى توفير الوصول للمنافذ البحرية الحيوية، وتعزيز نفوذها في المنطقة.

يطرح هذا التحالف تحديًا عميقًا للأمن القومي العربي، عبر سعيه إلى تحويل الإقليم إلى ساحة لتأمين هيمنتهما على أهم ممر بحري في المنطقة، ومن خلال تقسيم الدول (اليمن، والصومال) ويطرح نفسه على أنه بديل مقبول لحماية سلاسل التوريد، بعيدًا عن الهيمنة الصينية على الموانئ في المنطقة، وتأمين الممرات الملاحية من محاولات التشويش الإيرانية وذراعها الحوثي في اليمن.

يهدف هذا التحالف الناشئ إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الإقليمية، من خلال بناء شبكات نفوذ وتحالفات قادرة على التحكم في تدفقات التجارة والمعلومات والاستخبارات، ويمثل ذلك عملية إعادة هيكلة إستراتيجية؛ حيث تُرسخ أطراف المحور مكانتها كقوى واضعة للقواعد من خلال الشراكة والهيمنة الفعَّالة، ما يمثل نموذجًا بديلًا عن النظام الإقليمي القائم، وهذا ما سيضع عددًا من الفاعلين الإقليميين (مصر، والسعودية، وتركيا) والدوليين (الصين) أمام ضرورة إعادة ترتيب أوراقهم والسعي إلى صيغ تفاهم جديدة؛ لمنع فرض هيمنة كاملة على الإقليم على حساب مصالحهم وأمنهم القومي.

تنطوي أهداف هذا التحالف على مخاطر أمنية وإستراتيجية على الأمن القومي المصري والخليجي، وقد يُستخدم ورقة ضغط في ملفات أخرى، مثل: مياه النيل والتطبيع مع إسرائيل، الأمر الذي سيضع دول المركز العربي في موقف ضعيف جدًا، وهو ما يستدعي الحذر والتخطيط الإستراتيجي لمنع حصول تداعيات سلبية على الأمن القومي العربي

الخاتمة:

ما حصل في جنوب اليمن أعمق وأبعد من أن يكون مجرد صراع داخلي، بقدر ما ينطوي على دلالات عن تحوُّله إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها حسابات القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما في ظل تنامي الحضور الإسرائيلي، وتشكيل تحالفات تسعى إلى السيطرة على المنطقة عبر إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة، وقد كان الهدف من تحريك المجلس الانتقالي الجنوبي في هذه اللحظة، محاولة لاختبار حاسم لمعادلات الاستقرار الإقليمي برمته.

ولعل ما قامت به المملكة العربية السعودية من مبادرة شاملة لاحتواء اليمن (تنمويًّا، وسياسيًّا) عبر الدعم الاقتصادي ودعم الحكومة الشرعية، يمثل قمة الواقعية السياسية؛ وذلك بهدف سد الفراغ وعدم السماح للاعبين خارجيين يعيدون تشكيل المنطقة وفقًا لمصالحهم الخاصة، ويجب عدم الوقوف عند ذلك، بل بات لزامًا على دول المنطقة تشكيل تحالف سياسي وعسكري يملأ الفراغ الإستراتيجي ويمنع عبث اللاعبين الخارجيين.

اظهر المزيد

غازي دحمان

كــاتب ســـوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى