مقدمة:
بعد الغارات الجوية الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، ثم فرض وقف إطلاق النار، حان الوقت للتأمل وتقييم ما تغير في الشرق الأوسط، وفرص ترجمة النجاح العسكري إلى مكاسب إستراتيجية دائمة.
في أزمة الأمن القومي، قد يكون ما لا يحدث بنفس أهمية ما يحدث، وهذا ينطبق بشكل خاص على الصراع الأخير مع إيران؛ إذ لسنوات، توقع المحللون أن ضربة أمريكية لإيران ستؤدي إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، ومئات إن لم يكن آلاف الضحايا الأمريكيين، وتصاعدًا في مستوى التوتر قد تُسيطر عليه طهران في نهاية المطاف من خلال وسائل غير متكافئة، مثل: الميليشيات المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة والمجهزة بأسلحة قادرة على ضرب الأفراد والمواقع الأمريكية.
اتضح أن كل هذه الادعاءات مُبالغ فيها؛ إذ إنها نتاج دعاية إيرانية أكثر من أنها تحليل سليم، خاصة في هذه الأزمة، التي اندلعت بعد تدهور القوة الإيرانية على يد إسرائيل لمدة تقارب 18 شهرًا؛ ردًا على قرار طهران بالانضمام إلى حرب ضد منافستها بعد وقت قصير من هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.
اليوم، ليس لدينا مجرد نظريات وتوقعات حول رد إيران على هجوم أمريكي، بل تجربة عملية، وحتى الآن، اتضح أن المتشائمين كانوا مخطئين؛ إذ ردت إيران بشكل ضعيف بهجوم صاروخي مُعلن ومُحبط على قاعدة أمريكية في قطر، مما أدى فقط إلى اصطفاف دول الخليج في إدانة إيران، وانسحبت الميليشيات الإيرانية – من حزب الله في لبنان، الذي تدهور بالفعل بعد خسارته صراعه مع إسرائيل عام 2024، إلى الميليشيات العراقية الخاضعة لسيطرة الحرس الثوري الإسلامي الإيراني – بشكل كامل.
وفي أماكن أبعد، لم يهبَّ أحد لمساعدة إيران؛ إذ إن هناك رؤية في دوائر السياسة الخارجية مفادها أن تجمعًا يُسمى “كرينك” (الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية) قد يتَّحد في أزمة أو صراع مع الغرب، ولا شك أن هذه المجموعة من الدول قد تُشكل شراكات تكتيكية وقضايا محددة، مثل: دعم كوريا الشمالية وإيران لروسيا في حربها ضد أوكرانيا.
ولكن عندما تفاقمت الأزمة في الشرق الأوسط، ومع معاناة إيران من أكبر نكساتها العسكرية منذ ثورتها عام 1979، اختفى هؤلاء الشركاء، وأوضحت الصين أن على إيران ألا تفكر في إغلاق مضيق “هرمز” نظرًا لاعتمادها على صادرات النفط الخليجية، وعندما زار وزير الخارجية الإيراني روسيا في خضم الأزمة، لم يغادر إلا ببيان حميد من موسكو يدعو إلى خفض التصعيد، وذلك بعدما أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الروسية، المعروفة باسم S-300، عدم جدواها ودُمرت بسهولة بواسطة الأنظمة العسكرية الإسرائيلية، ومعظمها من الولايات المتحدة.
كل ذلك – بالإضافة إلى حرب روسيا في أوكرانيا، التي كبدت روسيا ما يقرب من مليون إصابة عسكرية ولم تحقق قط تفوقًا جويًّا فوق الأراضي الأوكرانية، وهو أمر حققته إسرائيل فوق الأراضي الإيرانية في غضون 24 ساعة – يجعل موسكو غير راغبة وغير قادرة على إبراز قوتها في الشرق الأوسط، ناهيك عن تقديم المساعدة الملموسة لإيران.
في النهاية، ما لم يحدث في هذه الأزمة لا يدل على ضعف إيران فحسب، بل يدل أيضًا على هشاشة التحالف المناهض للغرب بقيادة روسيا والصين.
أولًا: الوزن الإستراتيجي للتهديدات النووية الإيرانية وفق المعطيات الأمريكية.
ادعت إيران أن برنامجها النووي مُخصَّب للأغراض السلمية فقط، لكن إيران دأبت منذ فترة طويلة على تخصيب اليورانيوم بمستويات تفوق بكثير المستويات المدنية، وتسارعت وتيرة ذلك بعد انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، أو الاتفاق النووي عام 2018؛ إذ تُشير التقييمات الأخيرة إلى أن إيران زادت بسرعة مخزونها من اليورانيوم ومستويات تخصيبها، مما قلَّص زمن تجاوز العتبة النووية – وهو الوقت اللازم لتحويل اليورانيوم عالي التخصيب إلى سلاح نووي – إلى أقل من عام، إضافةً إلى ذلك، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الرقابية التابعة للأمم المتحدة، أن إيران لا تمتثل لالتزامات حظر الانتشار النووي، وقدَّرت أن إيران تمتلك ما يكفي من اليورانيوم المُخصَّب لصنع تسع قنابل نووية. ومع ذلك، يتفق المحللون الدوليون، بمن فيهم أجهزة الاستخبارات الأمريكية، على أن إيران لم تتسلح بعد.
في المقابل، سارعت الولايات المتحدة إلى النأي بنفسها عن الضربات الإسرائيلية الأولية؛ حيث أكد وزير الخارجية “ماركو روبيو” عدم تورط الولايات المتحدة، بل إن إدارة ترامب كانت قد أبلغت إسرائيل سابقًا أنها لن تشارك مباشرةً في أي عملية عسكرية، وتماشى هذا مع الإدارات الأمريكية السابقة، بما في ذلك إدارة الرئيس السابق “جو بايدن”، التي كانت حذرة من دعم الضربات الإسرائيلية على إيران، حتى مع الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تمتلك القنابل الوحيدة القادرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض.
هذا وفي ضوء الرؤى الأمريكية للوزن الإستراتيجي للتهديد النووي الإيراني، تمحورت مخاوف الولايات المتحدة حول التوجس من أن تُلحق مثل هذه الهجمات الضرر بالقدرات النووية الإيرانية دون تدميرها، مما قد يُسرِّع البرنامج النووي الإيراني أو يدفعه إلى مزيد من السرية. علاوة على ذلك، أعربت واشنطن عن قلقها من أن تردَّ إيران أو وكلاؤها بضرب قواعد عسكرية أمريكية أو أصول أمريكية أخرى في المنطقة، مما قد يجرها إلى صراع أوسع، الأمر الذي كان وراء إضفاء ترامب إلى حساباته طابعه الشخصي باعتباره “صانعَ صفقات”، مُشيرًا مرارًا وتكرارًا إلى تفضيله للحل التفاوضي على الحل العسكري.
لكن مع مرور الوقت وإدراك إدارة ترامب أنه سيُنظر إليها على أنها تمنح إسرائيل “ضوءًا أخضرَ معقولًا ” لشن العملية ، وأنها متواطئة في هذا الهجوم، ويعود ذلك إلى حد كبير إلى استمرار المفاوضات الأمريكية الإيرانية بشأن البرنامج النووي. وفي أسوأ الأحوال، سيُنظر إلى المحادثات على أنها غطاء متعمد لإسرائيل لتوجيه ضربة مفاجئة، وقد يكون لهذا الانطباع تداعيات خطيرة على الدبلوماسية الأمريكية على نطاق أوسع، بما في ذلك غزة.
من هنا، صب ترامب الزيت على النار عندما وصف لاحقًا ضربات إسرائيل بأنها “ممتازة” وحذر إيران من “المزيد في المستقبل”، ساعيًا على ما يبدو إلى الحصول على الفضل في هجوم عارضَه علنًا، إلى أن تدخلت الولايات المتحدة بالفعل لتعكس بذلك التدخل عدة أمور أهمها ما يلي :
- استعراض قوتها إذ إنها الدولة الوحيدة في العالم التي تمتلك القنابل خارقة التحصينات.
- تجريد إيران من بعض جوانب قوتها التي كانت تعتمد عليها في أثناء التفاوض، وإجبارها على الرجوع لنقطة معينة تُرضي الطرف الأمريكي والإسرائيلي ليبدأ من خلالها التفاوض.
- ترسيخ القوة كبديل متاح للولايات المتحدة في العقيدة الإيرانية لوضع خطوط حمراء للطرف الإيراني تجبره على الرضوخ للشروط الأمريكية في أي مفاوضات مقبلة.
ثانيًا: التداعيات العالمية للحرب الإسرائيلية الإيرانية، وتأثيرها على النهج الدبلوماسي.
بعد وقت قصير من هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، كانت جماعة حزب الله المدعومة من إيران قد فتحت جبهة ثانية في الشمال، مطلقةً الصواريخ والقذائف على شمال إسرائيل، و قد قدَّم نتنياهو تقييمًا صريحًا لـلرئيس بايدن للوضع الناشئ مضمونه ” في الشرق الأوسط: من يُنظر إليه على أنه ضعيف، فهو ضحية”.
من هذا المنطلق، فأيدولوجية إسرائيل تكمن على معتقد أن الضعف يُولِّد العدوان، وخاصةً بالنسبة لإسرائيل، التي اُضطرت لعقود للتعامل مع إيران المُصرِّة على تدميرها، وأمضت إيران ذلك الوقت في دعم أذرعها المسلحة، مثل: حزب الله، وحماس؛ لوضع ما عُرف بـ”حلقة النار” حول إسرائيل، بهدف الضغط عليها وخنقها باستمرار، وقد نجحت إسرائيل لسنوات في إدارة هذه التهديدات الناشئة واحتوائها حتى 7 أكتوبر 2023، لكن هجوم حماس في ذلك التاريخ غيَّر عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي إلى الأبد، التي تمحورت بعدم قبول إسرائيل مجددًا بوجود جماعات إرهابية مدعومة من إيران على حدودها، وبعد هجمات طهران المباشرة على إسرائيل من الأراضي الإيرانية في أبريل وأكتوبر من 2024، ترسخت لدى إسرائيل ضرورة توجيه ضربات مباشرة إلى إيران عند الضرورة، وبرزت تلك المعادلة الجديدة كليًّا في الشرق الأوسط.
هذا ما حدث بالفعل فيما بعد، ففي غضون اثني عشر يومًا، قضت إسرائيل على كبار القادة العسكريين الإيرانيين، وعلمائها النوويين البارزين، ومنشآت إنتاج الصواريخ، ومعظم منشآتها ومواقعها النووية، باستثناء تلك المدفونة تحت الأرض، مثل: منشأة فوردو للتخصيب، أو مناطق التخزين في أصفهان، وسيتردد صدى هذا الاستعراض الاستخباراتي والعسكري في جميع أنحاء الشرق الأوسط لسنوات قادمة في إطار من الرؤية الأمريكية والإسرائيلية بأن إسرائيل أصبحت الآن القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة، وهو تحول ملحوظ في الأحداث عما كانت عليه قبل عشرين شهرًا فقط.
هذا وقد يحمل تأكيد الولايات المتحدة الأمريكية على قوتها العسكرية تداعيات عالمية أيضًا؛ إذ انطلقت قاذفات ( B-2) التي ضربت إيران من الولايات المتحدة الأمريكية، وألقت ذخائر موجهة لا تمتلكها أي دولة أخرى بدقة متناهية، عبر ثلاث فتحات تهوية، كل ذلك دون الحاجة إلى منصة أو قاعدة إقليمية، وقد أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” أن الولايات المتحدة شنت “ضربة ناجحة” على ثلاثة مواقع نووية في إيران، هي: فوردو ونطنز وأصفهان، وذلك مع دخول الصراع بين إسرائيل وإيران أسبوعه الثاني.
من هنا، يمكن القول بأن الردع في الشؤون العالمية يكمن في الجمع الفريد بين القدرات العسكرية والإرادة الملموسة لاستخدامها؛ إذ سيلاحظ قادة العالم الآخرون وعلماء السياسة والعلاقات الدولية هذا التأكيد على استخدام القوة دون التورط في أهداف موسعة وغايات غير واضحة، وقد يفكرون الآن أكثر من مرة قبل اختبار الولايات المتحدة، وهذا في حد ذاته سيكون عاملًا مشجعًا على انتهاج التفاوض بتوسط أمريكي.
ثالثًا : تأثير الحرب الإسرائيلية الإيرانية على الدفع نحو التفاوض بين الطرفين .
أدت الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران إلى وجود عقبات كبيرة أمام المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وذلك على النحو التالي:
- هشاشة الثقة المتبادلة.
أدت الحرب الإسرائيلية، التي شُنت بمساعدة أمريكية، إلى تعميق انعدام الثقة الإيراني تجاه الولايات المتحدة؛ إذ شاركت واشنطن في عملية تضليل ضد إيران، مما ساهم في نجاح الضربة الإسرائيلية الأولية ضد القادة العسكريين والعلماء النوويين الإيرانيين، قبل أن تنضم مباشرةً إلى الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية.
عززت هذه الإجراءات الرواية التي يروجها الأصوليون في إيران، الذين يُعارضون المفاوضات مع الولايات المتحدة، مُعتبرين إياها استسلامًا وضعفًا وخداعًا و”غباءً سياسيًّا”. ويستشهدون كدليل على ذلك بقبول فريق التفاوض الإيراني بقيادة “حسن روحاني”، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني آنذاك، ثم رئيسًا لاحقًا_ شروط تجميد الأنشطة النووية بموجب إعلان سعد آباد لعام 2003، مع الترويكا الأوروبية (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا). في ذلك الوقت، خشيت طهران غزوًا أمريكيًّا مشابهًا لما حدث في العراق المجاور خلال رئاسة محمد خاتمي. ومع ذلك، فُرضت ست حزم من عقوبات الأمم المتحدة على إيران في عهد خليفته الرئيس “محمود أحمدي نجاد”.
ويشير مؤيدو هذا الموقف أيضًا إلى انسحاب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” عام 2018 من الاتفاق النووي لعام 2015، وفرضه سياسات “الضغط الأقصى” على إيران، وقد جعلت هذه الإجراءات الوعود الأمريكية موضع تساؤل لدى العديد من الإيرانيين، حتى أن البعض اتهم المفاوضين بـ”الخيانة”.
في المقابل، تعتقد الإدارة الأمريكية أنها أتاحت لطهران فرصةً عندما أرسل ترامب رسالةً إلى المرشد الأعلى “علي خامنئي” مُبينًا أن أمام إيران 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، ومع ذلك- من وجهة نظر واشنطن- فإن نهج إيران في المماطلة والتعنت في الشروط قوّض الثقة في التزام طهران بالتوصل إلى اتفاق، وقد ساهمت هذه العوامل في سماح واشنطن لإسرائيل بشن ضربات عسكرية ضد إيران.
- إظهار الخيار العسكري كأحد البدائل المتاحة.
من النتائج الملحوظة للحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة تحويل الصراع من “دبلوماسية المسار الثاني أو حروب الظل” إلى “حرب استعراضات للقوة”، اسُتخدمت فيها قدرات عسكرية وأمنية واستخباراتية وسيبرانية شاملة لإلحاق أقصى قدر من الضرر.
هذا وتُمثل الضربات الأمريكية الأخيرة على المنشآت النووية الإيرانية أول استهداف أمريكي مباشر للأراضي الإيرانية، وقد كسرت هذه الإجراءات حواجز راسخة في التفكير الإستراتيجي للبلدين فيما يتعلق بالمواجهة العسكرية المباشرة، مما أتاح خيارات مناورة أكثر مرونة لصانعي القرار، لكن لا تزال معظم القضايا الخلافية التي أشعلت الحرب الأخيرة دون حل، بما في ذلك المخاوف بشأن البرامج النووية والصاروخية، ونفوذ إيران الإقليمي من خلال دعم الجماعات المسلحة المعادية لإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي أعقاب الحرب، فرضت طهران قيودًا على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ إذ أصدر مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) قرارًا يُلزم الحكومة بتعليق التعاون مع الوكالة، ناقلًا سلطة التعامل معها إلى مجلس الأمن القومي الإيراني؛ حيث اتهمت إيران الوكالة بتقديم معلومات عن منشآت نووية وعلماء سهَّلت استهدافها. ونتيجةً لذلك، غادر مفتشو الوكالة إيران، مما أنشأ حالة من “الغموض النووي” لدى المجتمع الدولي، تقصد إيران من وراء ذلك الإجراء تكوين ورقة تفاوضية تستغلها فيما بعد خلال المفاوضات.
وفي هذا الشأن، لا تزال إسرائيل- بدعم من الولايات المتحدة- مستعدة لإحباط أي محاولات إيرانية لاستعادة قدراتها النووية أو الصاروخية؛ إذ يؤكد المسؤولون الإسرائيليون دائمًا على الاستعداد لاستئناف المواجهة مع إيران، ونفس الشيء مع المسؤولين الإيرانيين؛ فوفقًا للمتحدث باسم الحرس الثوري “علي محمد نائيني” في 30 يونيو 2025، فإن “طبيعة الرد وساحة المعركة قد تغيرتا عن الجولة السابقة، وستكون ردود الفعل أشد من ذي قبل”.
- تصادم سقف المطالب.
تتجه المطالب بين الطرفين حاليًّا إلى مزيد من التعنت و التعمد في رفع سقف المطالب بشكل يلبي الطموحات الحقيقية لكل طرف، وذلك على النحو التالي:
- السقف التفاوضي الأمريكي الإسرائيلي:
- التجميد الكامل للبرنامج النووي الإيراني.
- تحييد “تهديد الصواريخ الباليستية”.
- وقف “الأنشطة التي تزعزع استقرار الأمن الإقليمي”.
وقد عبَّر رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” عن هذه المواقف في 13 يوليو 2025، وكررها وزير الخارجية الفرنسي “جان نويل بارو” في 27 يوليو.
- السقف التفاوضي الإيراني:
- رفض إدراج القضايا غير النووية في المفاوضات.
- رفض التخلي عن تخصيب اليورانيوم، معتبرةً إياه حقًّا قانونيًّا بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، التي انضمت إليها عام 1970.
وفي الحقيقة، فإنه من الصعب تخلي إيران عن تلك المطالب؛ إذ يدعو اتجاه متزايد بين الأصوليين إلى إنتاج الأسلحة النووية، مبررين حجتهم بأنه لا يمكن هزيمة الدول المسلحة نوويًّا عسكريًّا أو تغيير أنظمتها بالقوة خارجيًّا، كما تم التهديد بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ولأول مرة، هاجمت العديد من الوكالات الإيرانية، مثل: وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري الإيراني، الرئيس الإيراني بعد تصريحه في 13 أغسطس 2025، باستعداد إيران على الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة إذا توفرت الشروط المناسبة.
رابعًا: الطرق الدبلوماسية مقابل المواجهة العسكرية في إطار السيناريوهات المقترحة.
من المرجح أن العملية العسكرية قد أعاقت طموحات إيران النووية بشكل كبير، لكن تحويل هذه المكاسب العسكرية التكتيكية إلى نجاح إستراتيجي يتطلب اتفاقًا دبلوماسيًّا، وقد يكون الأمر بسيطًا، كوفاء إيران بالتزاماتها بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، التي تُلزم الوكالة الدولية للطاقة الذرية الإعلانَ عن جميع المواد والمعدات النووية الإيرانية وإخضاعها للتفتيش، أو قد يعني اتفاقًا أشمل يحظر على إيران تخصيب اليورانيوم إلى الأبد، على الأرجح، مقابل تخفيف العقوبات ودعم دولي لبرنامج نووي سلمي.
وفي الحقيقة ينبغي أن يكون الهدف هو الأخير؛ حيث إن الدبلوماسية هنا تتضمن موعدًا نهائيًّا مُحددًا بـ”إعادة فرض العقوبات الدولية”، وهو ما تقول كل من (فرنسا، والمملكة المتحدة) إنهما مستعدتان له في حال رفض إيران للاتفاق، ومع انتهاء صلاحية إعادة فرض العقوبات في أكتوبر2025، فإن هذه تعتبر ورقة رابحة يمكن لواشنطن استخدامها بفعالية بالتنسيق مع لندن وباريس لفرض مهلة نهائية على الدبلوماسية، وكلما تأخرت إيران في العودة إلى طاولة المفاوضات، قلَّ الوقت المتاح لها للتفاوض على اتفاق يجنّبها تجديد العقوبات واحتمال توجيه ضربات عسكرية إضافية إذا اختارت إعادة بناء برنامجها للتخصيب.
- تحديات التفاوض بعد الحرب الإسرائيلية الإيرانية.
من الناحية النظرية، لا يزال من الممكن التوصل إلى خفض تصعيد عن طريق التفاوض، لكن التكاليف السياسية والإستراتيجية لطهران ستكون باهظة، خاصة لإرضاء الرئيس دونالد ترامب، والمفاوض الجديد على الطاولة- رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” – فمن المرجح أن تقدم طهران ما يلي:
- الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم إلى الصفر.
- التفكيك الكامل للبنية التحتية للتخصيب، بما في ذلك (فوردو، ونطنز)، تحت عمليات تفتيش صارمة بقيادة الولايات المتحدة.
- تخفيضات حادة في ترسانتها من الصواريخ الباليستية وقدراتها التصنيعية، وربما في ترسانتها من الطائرات المسيرة ومصانعها أيضًا. بالإضافة إلى ذلك، ستصر إسرائيل على تفكيك أو حل الميليشيات الإقليمية في (لبنان، والعراق، واليمن).
أما بالنسبة للجمهورية الإسلامية، ستكون هذه التنازلات بمثابة استسلام، أو ما أسماه ترامب “استسلامًا غير مشروط”، وتتمثل تداعيات ذلك كما يلي:
- خارجيًّا: سيُجرد ذلك النظام من قدرات الردع والنفوذ الجيوسياسي.
- داخليًّا: سيترك النظام أيضًا عرضة لردود فعل عنيفة من المتشددين، وعرضة لشعب ساخط مُحبط أصلًا من عقود، من سوء الإدارة الاستبدادية والعزلة الدولية، مما يُبرز ضعفه بوضوح تام.
علاوة على ذلك، من غير المرجح أن تميل الإدارة الأمريكية إلى رمي طوق نجاة لنظام يبدو أنه ينهار تحت الضغط؛ حيث إن أي اتفاق في اللحظة الأخيرة قد يُخاطر بالحفاظ على نظام ضعيف، في الوقت الذي تبدو فيه فرصة الإطاحة به، أو تقليص قدرته النووية بشكل كبير، في متناول اليد.
لذلك، من المرجح أن تفقد إيران ما تبقى من قدراتها على تخصيب اليورانيوم – أي فوردو- كما لم يعد لديها خيار “التسرع في امتلاك قنبلة”، وهو خيار ربما كان متاحًا لها قبل أشهر أو سنوات، عندما كانت لا تزال تسيطر على مجالها الجوي وأمنها، وربما في وقت كانت فيه إسرائيل أو الولايات المتحدة منشغلتين، أما اليوم، من المرجح أن يتم كشف هذا التسارع وتدميره قبل أن يكتسب أي زخم حقيقي.
ربما كانت هناك فرصة قصيرة للدبلوماسية في أوائل ولاية ترامب الثانية، لكن طهران أخطأت في قراءة اللحظة، وضيَّق نتنياهو نافذة الوقت، وتبدو هذه النافذة الآن شبه منقطعة.
- مغامرة التصعيد عالية المخاطر.
إذا اقتنعت طهران إلى أن الحل الدبلوماسي قد انتهى أو تلاشى، فإن أحد البدائل الأكثر توقعًا هو التصعيد، ومن المرجح أن يشمل ذلك على ما يلي :
- شن هجمات على قواعد أمريكية في المنطقة؛ حيث لا تزال لدى إيران القدرة على ذلك.
- تعطيل حركة الملاحة في الخليج أو شن هجمات على البنية التحتية للطاقة في مجلس التعاون الخليجي أو أهداف أخرى.
لكن هذه الإستراتيجية أكثر جدوى في مرحلة التهديد منها في مرحلة التنفيذ؛ إذ سيكون قرارًا مصيريًّا أو انتحاريًّا لنظام لم يُثبت في الماضي أنه انتحاري، بل كان دائمًا يركز بشدة على بقائه. لذا، يبقى هذا السيناريو مستبعدًا؛ إذ تُدرك الجمهورية الإسلامية أن مثل هذا الإجراء سيؤدي ببساطة إلى تدخل عسكري أمريكي واسع النطاق، على الأرجح، بدعم إقليمي وأوروبي قوي، وربما حتى صيني- لأن الصين لا تستطيع تحمل ارتفاع أسعار النفط على المدى الطويل – وسيؤدي إلى تدمير أسرع لمؤسسات النظام وقدراته.
- الانتقام غير المتكافئ والعودة إلى الظل.
حتى في حالة التدهور، ستعمل إيران بالاحتفاظ ببعض القدرات غير المتكافئة؛ إذ تصبح شبكاتها السرية العالمية والإقليمية – التي بُنيت على مدى عقود من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، وأجهزة الاستخبارات، والميليشيات التابعة له – أدواتها الرئيسة في المقاومة، وقد يشمل ذلك هجمات بالوكالة على المصالح الإسرائيلية أو الأمريكية أو الحليفة، وهجمات إلكترونية على البنية التحتية والأنظمة المالية، وعمليات اغتيال أو اختطاف مستهدفة في الخارج، وجهود زعزعة الاستقرار الإقليمي في (لبنان، وسوريا، واليمن، وفلسطين، والعراق).
ويعكس هذا الموقف “الغارق” سلوك الأنظمة السابقة المحاصرة؛ إذ لن يُعيد هذا الموقف لإيران هيمنتها الإقليمية، ولكنه قد يُكلف خصومها ثمنًا باهظًا، فبالنسبة للولايات المتحدة وشركائها في المنطقة وعلى الصعيد الدولي، سيُمثل هذا تحديًا طويل الأمد لزعزعة الاستقرار ومكافحة الإرهاب والتمرد.
- تحوُّل النظام.
على الرغم من صعوبة التنبؤ بمساره، إلا أن هناك سيناريو محتملًا آخر في مرحلة ما، وهو التحول الداخلي، إما من خلال “انقلاب” داخل النخبة أو انتقال مُدبَّر وحاد، وقد يُسفر انقسام داخل الحرس الثوري الإيراني أو إعادة تنظيم النخبة العسكرية والسياسية عن قائد جديد، أو قيادة جديدة، منفتحة على صفقة تحويلية مع الولايات المتحدة، وبشكل غير مباشر مع إسرائيل.
لن يكون هذا بمثابة “لحظة جورباتشوف”، بل شيئًا مشابهًا؛ إذ سيكون وسيلة للحفاظ على هيكل جمهورية إسلامية ضعيفة، ولكن مع إعادة صياغتها في اتجاهات إستراتيجية جديدة.
خاتمة:
تتراوح المسارات المُستقبلية بين تغييرٍ بطيءٍ للنظام الإيراني وترسيخٍ غير مُتكافئ، لكن المُؤكَّد بالفعل هو أن إيران أواخر عام 2025 ستبدو مختلفةً تمامًا عن إيران أوائل عام 2023، والسؤال الأكثر خطورة هو ليس فقط ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستبقى على قيد الحياة، بل ما إذا كانت ستتطور، أو تنهار، أو تتراجع إلى شفقٍ طويلٍ من انعدام الأهمية الإستراتيجية والمقاومة التخريبية؟
ولمحاولة الإجابة عليه، فإن هناك دائمًا احتمال أن يبذل النظام الإيراني، المتلهف للبقاء، كل ما في وسعه لتجميع ما تبقى من برنامجه النووي والسعي جاهدًا للحصول على قنبلة نووية، ومن المهم الوقاية من مثل هذا الاحتمال، لكنه يبدو مستبعدًا، سواءٌ فيما يتعلق بما قد تكون إيران مستعدة وقادرة على فعله في ظل انتكاساتها، أو ما قد تراه إسرائيل والولايات المتحدة وتوقفانه.
ومن جهة أخرى، ستتعمد الولايات المتحدة الأمريكية – من خلال التفاوض أو غيره – إلى إعاقة طموحات إيران النووية نهائيًّا، وهذا يوحي بأن المنطقة الآن على أعتاب أحداث دراماتيكية وإيجابية تشمل توسيع اتفاقيات إبراهيم، بل وحتى احتمال تفكك النظام الديني في طهران، وهو تغيير تاريخي في الشؤون العالمية .




