2018العدد 174ملف اجتماعي

مسيرة المرأة العربية في معادلة ثقافة وبنية المجتمعات العربية

العوامل الاجتماعية والسلوك

هناك إجماع تام بين علماء  الاجتماع في القديم والحديث على مدى تأثير العوامل الاجتماعية على سلوكيات الناس في المجتمعات. فابن خلدون يصف الإنسان بأنه كائن ابن محيطه الاجتماعي: “إن الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقًا وملكة وعادة تنزل منزل الطبيعة والجبلة. واعتبر ذلك في الآدميين تجده كثيرًا صحيحًا” ([1]). ومن جهة أخرى، أنشأ عالم الاجتماع المعاصر أميل دوركايم مفهومًا سماه الوقائع الاجتماعية ذات القدرة القاهرة في التأثير على سلوكيات الناس مما يجعلهم يتبنونها باقتناع ويدافعون عنها ([2]).                                                                                  

تقسيم الأدوار بين الجنسين

ويجوز تلخيص التأثير الاجتماعي عند هذين العالمين إلى عنصرين اجتماعيين: ثقافة المجتمع وبنيته. فالثقافة هي عادات وتقاليد وقيم وأعراف وديانات المجتمعات. وتتمثل بنية المجتمع في تركيبة تنظيمه. فتقسيم المجتمعات إلى طبقات وإلى إناث وذكور و إلى الأدوار التي يلعبها كل منهما في المجتمع تعتبر بنية للمجتمع. وتتجلى معالم البنية الاجتماعية في المجتمعات في تقسيم أدوار الجنسين عموديًا وأفقيًا. فعلى المستوى العمودي تُقصى المرأة العربية عمومًا إلى يومنا هذا من رئاسة نظام الحكم في المجتمعات العربية. أما على المستوى الأفقي، فهناك تقسيم للعمل بين الجنسين ابتداء من الأسرة وفي ميادين متعددة في المجتمعات العربية.

الجنس والنوع الجنسي                                                                                       

تعتبر مارجريت ميد عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية الشهيرة رائدة في ميلاد مفهوميْ الجنس والنوع الجنسي .إذ اكتشفت من خلال دراستها لقبائل أراباشس بغينيا الجديدة أن الرجال يتصفون ببعض السلوكيات التي تُنسب عادة في مجتمعات أخرى إلى النساء مثل حب الأطفال والانفعال والحساسية. لقد نُشر أول عمل في 1972 بعنوان “الجنس والنوع الجنسي و المجتمع للعالمة آن أوأكالي” (Sex, Gender and Society/ Ann Oakaly).

تعرّف أوأكلي النوع الجنسي بطريقة معاكسة لمفهوم الجنس. فكلمة الجنس تشير عندها إلى الفروق الفيزيولوجية والبيولوجية بين المرأة والرجل، بينما يفيد مصطلح النوع الجنسي بأنه سلوك الجنسين المتأثر بثقافة مجتمعهما، أي  أن النوع الجنسي هو نتيجة لتصنيف اجتماعي ثنائي لما هو ذكوري أو أنثوي كما تراهما ثقافة المجتمع. ووفقا لمنظور علماء الاجتماع، فالمجتمع طالما يقوم بتقسيم الأدوار على الجنسين بطريقة غير متساوية.فالنوع الجنسي هو مفهوم سوسيولوجي مشروع ومفتاح لدراسة وفهم وتفسير العديد من الظواهر الاجتماعية العربية المتنوعة والمختلفة بين النساء والرجال في المجتمعات العربية في المشرق والمغرب العربيين ([3]).

مفاهيم أخرى لوضع الجنسين في المجتمع                                                                

تستعمل العلوم الاجتماعية الحديثة مجموعة من المفاهيم لتحليل وضع الرجال والنساء في المجتمعات. تتمثل هذه المفاهيم في التالي: الطبيعة والثقافة والمساواة والعدالة أو الإنصاف. فمفهوم الطبيعة يشير إلى الفروق في المعالم الخلقية الفطرية في الجنسين. فالمرأة تلد والرجل لا يلد. وهذا الأخير يعتبر عمومًا أقوى عضليًا من المرأة. وبالتالي، لا يجوز الحديث عن المساواة المطلقة (بمعنى المساواة في كل شيء بين الجنسين). لذا طُرح مفهوم الإنصاف أو العدالة بين الجنسين كبديل لمفهوم المساواة المطلقة. فمن العدالة أو الإنصاف، مثلاً، أن يشارك الذكر في القيام بالأعمال المنزلية مع الزوجة أو البنت أو الأخت الذي لا تتبناه تقريبًا جميعُ ثقافات المجتمعات في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب. ومن ثم، فمفهوم الثقافة يشير إلى ما تمليه ثقافة المجتمعات من سلوكيات مختلفة للجنسين ابتداء من الولادة كما هو الحال في اختيار اللون البنفسجي للطفلة واللون الأزرق للطفل في لباسهما بعد الولادة. ولتغيير الوضع بين الجنسين لصالح الإنصاف أو العدالة بينهما في المجتمع، فإن الأمر يتطلب استثمارَ دور بنية وثقافة المجتمع المشار إليهما سابقًا. فتغيير العناصر الثقافية في المجتمعات عامل حاسم في تجسيد العدالة أو الإنصاف بين الذكر والأنثى. ويلعب تغييرُ بنية المجتمعات دورًا مشابهًا لدور تغيير ثقافة المجتمعات. فعلى سبيل المثال، كانت ثقافة المجتمعات العربية في مطلع القرن العشرين لا ترحب بتعليم البنت والمرأة. لكن تغيرت تلك الثقافة تغيرًا جذريًا لما سمحت بنية تلك المجتمعات بحضورهما في صلب بنية أنظمة التعليم في الوطن العربي. فانتشرت اليوم ظاهرة التعليم في المشرق والمغرب للجنسين انتشارًا واسعًا بحيث أصبح عدد الإناث يتفوّق على عدد الذكور في كثير من التخصصات الجامعية.

الدعوة لتغيير ثقافة وبنية المجتمعات العربية

تلقى قضية المرأة العربية اهتمامًا متزايدًا في مطلع القرن الحادي والعشرين. فلم تلفت بعض الملامح المشينة لوضع المرأة العربية المسلمة المعاصرة انتباه الكتّاب والإعلاميين الغربيين فحسب، بل شدّت هذه الملامح أيضا نظر رجال ونساء عرب في المجتمعات العربية المعاصرة. يُعتبر المفكر التونسي الطاهر الحداد أبرز الشخصيات التونسية الفكرية العربية الحديثة التي ألقت الضوء على تردي حال المرأة التونسية. رأى الحداد أن السبيل للخروج بها من ذلك الوضع يكون عن طريق العودة إلى المبادئ والأفكار والتشريعات … الأصيلة التي جاء بها الإسلام ([4]). ومن ثم، جاء تأليفه في الثلاثينات من القرن الماضي لكتابه القيّم  الشهير الذي سمّاه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”. فالطاهر الحداد خرّيج التعليم الزيتوني ذو التكوين المعرفي  العربي الإسلامي الأصيل مثله مثل الشاعر الكبير أبي القاسم الشابي. وكان الرجلان ينتميان إلى نفس الجيل.

 فمقولة كتاب الحداد تتلخص في أن المجتمع التونسي الذي عايشه الحداد كان يعامل المرأة التونسية المسلمة معاملة تفتقد إلى كثير من المعالم الإسلامية المضيئة  وذلك على عدة مستويات. فبينما عامل الإسلام المرأة بدرجة عالية من الاحترام وأعطاها مكانة سامية، كان المجتمع التونسي دون المستوى الإسلامي بكثير في تعامله مع المرأة التونسية. وفي هذا إشارة بليغة إلى أن تدهور حال المرأة التونسية يومئذ هو انعكاس فاضح لتردي المجتمع التونسي نفسه ترديًا خطيرًا. فالحداد يطرح هنا ما يسمى في العلوم الاجتماعية الحديثة بالحتمية الاجتماعية، أي أن تدني مكانة المرأة التونسية في عهده وقبل ذلك يعود أولا وقبل كل شيء إلى الحالة المتردية للمجتمع التونسي ككل: أي على مستوى ثقافته وبنيته. وهكذا فكتاب الحداد هو دعوة للتونسيات والتونسيين والعرب والمسلمين بصفة عامة إلى تغيير أنفسهم من الداخل (ثقافيًا وبنيويًا) بالرجوع إلى التعاليم الإسلامية النيّرة حتى يستطيعوا تغيير مكانة المرأة إلى ما هو أحسن “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”. وهكذا، يصبح كتاب الحداد مرجعًا ودليلاً قيّمًا لرفع مكانة المرأة العربية في إطار المنظور الإسلامي النير. فكأن الطاهر الحداد يقول إن ما نحتاج إليه في المجتمعات العربية هو ميلاد حركات نسائية ورجالية ذات مرجعية إسلامية أصيلة ومتفتحة للعمل على التخلص من العديد من ملامح عدم المساواة والإنصاف والعدالة بين الذكور والإناث في المجتمعات العربية.

المساواة الكاملة بين الجنسين

ذكرنا أن المساواة المطلقة (أي في كل شيء) بين الجنسين أمر لا يقبله واقع فطرتهما الخلقية. لكن المساواة الكاملة بينهما في معظم الأشياء مشروعة للغاية في ثقافة الإسلام. نكتفي هنا بذكر ثلاثة أمثلة قرآنية للمساواة الكاملة بين الذكر والأنثى:

1- ينتشر في المجتمعات العربية وكذلك في معظم المجتمعات الأخرى، ما يمكن أن نسميه بالممارسة ذات المكيالين لصالح الذكر في السلوكيات الجنسية المنحرفة. فمعظم المجتمعات البشرية تتسامح أكثر مع السلوك الجنسي المنحرف للذكر بينما تتشدد كثيرا مع الأنثى التي ترتكب نفس السلوك. فالممارسة الجنسية للشابة قبل الزواج، مثلاً، تلقى عقوبة أكثر صرامة من تلك التي يتعرّض لها الشاب الذي قام بنفس السلوك الجنسي المنحرف.

 وفي مقابل استعمال مبدأ المكيالين المشار إليه يستعمل القرآن مكيالاً واحدًا لذلك بالنسبة لارتكاب النساء والرجال للزنا (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (سورة النور: الآية 2). فاستعمال مبدأ المساواة التامة بين الجنسين في التعامل مع مقترفي تلك السلوكيات الجنسية المنحرفة يجب أن تلتزم بتطبيقه المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة. إن دلالة هذه الآية القرآنية ينبغي أن تشد انتباه كل ملاحظ نبيه. فموقف القرآن إزاء الانحراف الجنسي قد ألغى إحدى ميزات الرجل في مجتمع عربي ذكوري. فالعدالة يجب أن تحل محل فقدانها والمساواة الكاملة يجب أن تعوّض انعدام المساواة بين الجنسين في السلوكيات الجنسية المنحرفة. وبالتعبير الحديث، فالانتساب إلى جنس الذكر أو الأنثى لا يجب أن يتدخل في الحكم على السلوكيات الجنسية المنحرفة التي يرتكبها الإناث والذكور في المجتمعات العربية والإسلامية. فالأهم هنا هو الضرر الذي تحدثه الجناية نفسها. ومن ثم، جاء مبدأ المساواة التامة في النص القرآني بالنسبة لعقاب النساء المسلمات والرجال المسلمين الذين يرتكبون سلوكيات جنسية منحرفة. وبالرغم من شفافية القرآن في مسألة المساواة في العقاب بين الذكر والأنثى المرتكبين لنفس الانحراف الجنسي في المجتمعات العربية ، فإن كلا من القوانين الرسمية والرأي العام في المجتمعات العربية تتسامح مع الذكور أكثر من الإناث في السلوكيات الجنسية المنحرفة. فتلك القوانين وذلك الرأي العام هي في حقيقة الأمر مخالفة لأخلاقيات الرؤية القرآنية. وإنما هي حصيلة لإرث ثقافي عرفته المجتمعات العربية قبل الإسلام  أو هي نتيجة لعوامل أخرى حاضرة غير إسلامية لا تزال تؤثر في سلوكيات الناس في تلك المجتمعات.

2- وفي الفترة الأولى لإنشاء المدارس العامة في القرن الماضي في المجتمعات العربية كان أولياء التلاميذ يشجعون الذكور أكثر من الإناث على الذهاب إلى التعليم ومزاولته حتى المرحلة الجامعية. إن مثل هذا الموقف هو بالتأكيد لا يتناسق مع رؤية الإسلام. فواضح أنه موقف معاد لروح أول آية قرآنية تلقّاها الرسول العربي ( صلى الله عليه وسلم ) : “اقرأ باسم ربك… اقرأ وربك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم” (سورة العلق: الآيات 1-5). فالتركيز على أهمية القراءة والتعليم في أول آية لم يكن صدفة، بل كان أمرًا مقصودًا تمامًا من الوحي الإلهي في أول لقاء مع الرسول. فاكتساب المعرفة هو حصيلة لاكتساب مهارات القراءة والتعليم المستمر. فربح رهان المعرفة والعلم يمثل أهم إستراتيجية لدى الإنسان الذي يسعى إلى التقدم في هذا العالم على أسس متينة، من ناحية، وكسب معرفة أحسن حول أسرار هذا الكون المترامي الأطراف، من ناحية أخرى.

فسياسات عدم المساواة بين الجنسين في قطاع التعليم بالمجتمعات العربية المعاصرة هي سياسات لا يقبلها الإسلام. هذه السياسات كانت بكل بساطة أعراضًا خطيرة لتخلف المجتمعات العربية. فتبني موقف المعارضة و العداء إزاء تعليم الأنثى هو موقف متناقض تماما مع موقف الإسلام الذي يؤكد بقوة على ضرورة تعليم الذكر والأنثى (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).وبالتأكيد، فإن تلك المواقف والسلوكيات السلبية كانت نتيجة لتدهور وضع النسيج الاجتماعي (على مستوييْ الثقافة والبنية) للمجتمعات العربية نفسها. ولحسن الحظ فإن إقصاء الأنثى العربية من التعليم لم يعد مشكلا اجتماعيا اليوم في المجتمعات العربية. وكما أشرنا، فعدد الطالبات الجامعيات العربيات هو اليوم أكبر من عدد الطلاب في العديد من المجتمعات العربية المعاصرة.

ليس هناك من شك في أن الرغبة في التنمية والتحديث تقف وراء تغيّر هذا الموقف عند المسلمين إزاء تعليم الإناث. وبعبارة أخرى، فقد أصبح يُنظر في هذه المجتمعات إلى التعليم على أنه أهم شيء يجب على الفرد أن يكتسبه لتعزيز آفاق مستقبله. وعلى مستوى جماعي، فقد عملت معظم المجتمعات العربية منذ الاستقلال على تطوير قطاع التعليم، إذ أن قيادات هذه المجتمعات رأت بأن التعليم هو مفتاح التحديث والتنمية في بلدانها. وبالرغم من أن هذا التغيير في الموقف لصالح التعليم هو ذو طبيعة غير دينية فإنه تغيير يلقى كل المساندة من ثقافة تعاليم الدين الإسلامي. فتشجيع تعليم الأنثى في المجتمعات العربية المعاصرة يسانده عاملان، أحدهما دنيوي والآخر ديني. فالإسلام ،كما هو معروف، لا يفصل بين هذين العاملين كمؤثرين في السلوك البشري. إن الانسجام بين هذين العاملين يساعد على تفسير التغيير الإيجابي السهل لصالح تعليم الأنثى في معظم المجتمعات العربية والإسلامية الحديثة. لقد تحدث عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن روح البروتستينية وظهور الرأسمالية. وبالمثل نستطيع أن نتحدث عن الأخلاقيات الإسلامية للتعليم. فالقراءة والتعليم ما قبل الجامعي والجامعي هي أوليات رئيسية للجنسين في الإسلام، كما ذكرنا. فالمجتمع الإسلامي غير المبالي أو المعادي لتعليم أعضائه من الجنسين هو مجتمع قد فقد الأخلاقيات الإسلامية للتعليم. فالمساواة الكاملة في تعليم الجنسين هي أحد أعمدة الإسلام الأساسية. كيف يمكن للإسلام أن يقبل منطق عدم المساواة بين الجنسين في أمر تأتي أهميته في الصدارة بالنسبة لمصير الإنسان وعلاقته بخالقه. ألم يبدأ الوحي القرآني بفعل “اقرأ” في صيغة الأمر ؟

يحتضن الخطاب القرآني حرصًا كبيرًا جدًا على أهمية الثقافة للجنس البشري. وهو ما  أعطى مشروعية ضخمة لبدء الوحي القرآني بفعل ‘اقرأ’ بدلاً عن غيره من الأفعال الأخرى المناسبة أيضًا لبدء الوحي بها. إذ كان ممكنًا وملائمًا، مثلاً، أن يُخاطَب الرسول (ﷺ) في أول لقاء مع جبريل بأحد الفعليْن في العبارتين :”تاجرْ باسم ربك” أو “فلّحْ باسم ربك “.. وفي رأينا، يجوز القول بسهولة إن الفعل ‘اقرأْ’ يحمل في عمقه شحنة التأهل لبناء الحضارات الإنسانية في أشكالها المختلفة عبر العصور منذ الزمن السحيق. ففعل اقرأ يمثل الرمز العملاق لميلاد منظومة الثقافة في صميم الكائن البشري. تتمثل منظومة الثقافة البشرية في اللغة والفكر والدين والمعرفة / العلم والقوانين والقيم والأعراف الثقافية والأساطير… أي إن هذه الرموز الثقافية هي بيت القصيد في كينونة الإنسان. فبها فقط أتت مشروعية سيادة الإنسان وخلافته في هذا الكون. فهذه المنظومة هي الأساس لتجسم ما يسميه ابن خلدون بظاهرة العمران البشري. وبعبارة أخرى، فلا وجود لمعالم العمران الإنساني على الأرض وفي الفضاء دون امتلاك الجنس البشري لناصية منظومة الرموز الثقافية وفي طليعتها مهارة القراءة والكتابة التي يتميز بها الإنسان عن بقية المخلوقات. وهكذا، فافتتاح نزول الوحي على النبي العربي بفعل ‘اقرأ’ يشير بوضوح إلى أن الإنسان كائن ثقافي في المقام الأول. ومن ثم، ففهم وتفسير سلوكيات الناس وحركية العمران البشري يتطلبان علم اجتماع ثقافي بالتعبير السوسيولوجي الحديث ([5]).

3) أما المثال الثالث والأخير الذي نسوقه لتأكيد أهمية قضية المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى في الإسلام فهو يتمثل في مساواتهما في الإنسانية في نظر القرآن. تؤمن بعض الثقافات بأن هناك في طبيعة الأنثى نزعة أكثر شرّا من الذكر. ترى أساطير واعتقادات تلك الثقافات  بأن حواء هي التي دفعت آدم للأكل من الشجرة المحرمة. تُتهم حواء بأنها كانت هي الأولى التي خالفت الأمر الإلهي في عدم الأكل من هذه الشجرة. وبالتالي ،فأكل آدم من تلك الشجرة كان ضربا من التقليد لسلوك حواء العاصية التي أكلت من الشجرة المحرمّة. إن موقف القرآن بخصوص من المتهم بالعصيان لأمر الله، يختلف تماما عن تصوّر وموقف تلك الثقافات. فالقرآن يقول بكل وضوح بأن الشيطان هو الذي دفع بحوّاء وآدم معا إلى ارتكاب تلك الفعلة الشنعاء:”وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين” (سورة البقرة : الآيتان 35-36).

فالطبيعة البشرية لكل منهما استسلمت لمؤامرة الشيطان.فشل كل منهما في الاختبار الإلهي، أي أن نقائص إنسانية حواء ليست أكثر ولا أقل من نقائص إنسانية آدم. فهما متجانسان تماما في فشل طبيعتهما البشرية في هذا الاختبار الإلهي.تبيّن هذه الأمثلة الثلاثة أن أسس المساواة العامة بين الذكر والأنثى هو أمر غير قابل للنقاش في الرؤية القرآنية:

أ ) المساواة بين الرجال والنساء هي القاعدة الأساسية في الإسلام وأن الاختلاف بينهما هو أمر استثنائي يعود في الأساس إلى عوامل بيولوجية فطرية تميز الجنسين عن بعضهما البعض.

ب) يجب أن يكون هناك سبب (أو أسباب) يستعمله الإسلام كأرضية للاعتراف ببعض الاختلافات القليلة بين الجنسين. إن اعتراف الرؤية القرآنية بتلك الاختلافات بين الجنسين يجعلها رؤية واقعية بعيدة عن المثالية والجنوح إلى الخيال. يمكن اعتبار الرؤية الإسلامية للمساواة بين الرجل والمرأة رؤية خالية من البساطة الساذجة والضيقة. فقضية المساواة بين الجنسين ذات طبيعة رحبة ومعقدة. ويتفق هذا مع طبيعة الوجود الإنساني نفسه الذي هو وجود معقد ومتطور. فهو وجود أكثر تعقيدا بكثير من عمل الإنساني الآلي robot والآلات صاحبة الذكاء الاصطناعي. فنظرة الإسلام إلى المساواة بين الجنسين هي نظرة تؤمن في العمق بالمساواة بينهما، ولكنها لا تلغي وجود بعض الاختلاف بين الذكر والأنثى في بعض المجالات، كما بيّنا. إنها نظرة تتماشى مع نظرة العلم الحديث التي ترى أن الحياة الاجتماعية البشرية هي ظاهرة معقدة جدا إذا ما قورنت بغيرها. فجدلية قضايا المساواة والاختلاف بين الإناث والذكور في دنيا عالم البشر ما هي إلا ملمح من ملامح تعقيد وتكامل معالم الحياة البشرية الاجتماعية في العمران البشري ([6]).


([1]) ابن خلدون: مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار الكتب العلمية، 1993، ص100.

([2])  Durkheim, E, Les règles de la méthode sociologique, Paris, Quadrige/PUF, 1981, p. 9.

([3]) اليونسكو: الدراسات الاجتماعية عن المرأة في العالم العربي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1984، ص23-24.

([4]) الطاهر الحداد: امرأتنا في الشريعة والمجتمع، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسة –  تونس، 1992.

([5]) محمود الذوادي: المقدمة في علم الاجتماع الثقافي برؤية عربية إسلامية، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2010.

([6]) النوع الاجتماعي والتنمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: المرأة في المجال العام، بيروت ، دار الساقي 2205.

اظهر المزيد

د.محمود الزوادي

استاذ وباحث في علم الاجتماع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى