2026العدد 205ملف عربي

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: التطورات- التداعيات- السيناريوهات

يبدو أن الشرق الأوسط يتجه إلى مرحلة مختلفة من التصعيد العسكري بين واشنطن وتل أبيب من جانب وطهران من جانب أخر بعد توجيه ضربات عسكرية أمريكية وإسرائيلية منسقة ومشتركة، صباح يوم 28 فبراير 2026، ضد طهران، وهو ما يختلف عن حرب الإثنى عشر يوما في عام 2025، من حيث التجهيز الاستباقي الأمريكي لها والمدى الزمني المخصص وبنك الأهداف لاسيما بعد استهداف المرشد الأعلى للثورة الإسلامية أية الله على خامنئي باعتباره أعلى سلطة سياسية ودينية ورمزية في البلاد وعدد من القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية التي تمثل قلب النخبة المركزية، بحيث تمثل تلك الحرب “الوجودية” مرحلة فارقة في تاريخ الدور الإقليمي لإيران منذ الثورة الإسلامية لعام 1979 بل والنظام الإقليمي الشرق أوسطي.

أولا: التطورات الرئيسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

تمثلت المحطات الرئيسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، خلال أيامها الثلاث الأولى فيما يلي:

  1. استهداف واشنطن وتل أبيب عصب النظام السياسي في إيران:

تعمل واشنطن وتل أبيب على تهيئة الظروف العسكرية لإسقاط النظام الإيراني وليس مجرد استهداف مقرات البرنامج النووي والقضاء على الصواريخ الباليستية، وهو ما ذكره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شن عملية “الغضب الملحمي”، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو في إطلاق عملية “زئير الأسد” خلال الساعات الأولى لاندلاع الحرب على نحو ما انعكس في استهداف مواقع حساسة ومهمة في عدة مدن إيرانية مثل طهران وأصفهان وقم وكرج وكرمانشاه وغيرها مثل قصر الرئاسة الإيرانية ومقر المخابرات والقواعد العسكرية في جابهار وكنارك في بلوشستان ومقرات وزارة الأمن الداخلي.

كما تعهدت الدولتان بالقضاء الكامل على وحدات الدفاع الجوي والقدرات البحرية الإيرانية ومخازن الصواريخ الباليستية ومقرات المنشأت النووية، فضلا عن محاولة اغتيال بعض القيادات الدينية السياسية والعسكرية وأبرزهم المرشد وعلي شمخاني أمين عام مجلس الدفاع ومستشار المرشد ومحمد باكبور قائد الحرس الثوري وعبد الرحيم موسوي رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، وصلاح أسدي رئيس هيئة الاستخبارات في قيادة الطوارئ العسكرية في الأركان العليا للقوات الإيرانية، ومحمد شيرازي رئيس المكتب العسكري للمرشد وعزيز نصير زاده وزير الدفاع ورضا مظفر نائب وزير الدفاع لشئون التدريب، على نحو يجعلها حرب اصطياد “الرؤوس الكبيرة”، بما يؤدي إلى إحداث أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية وشلل قدرات طهران.

هذا وتشير التفاعلات الميدانية الأولية إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تراهن على توجيه ضربات واسعة ومشتركة ومنسقة موجعة لإيران، تسمح للداخل الإيراني بالخروج في احتجاجات واسعة تطالب بإسقاط النظام، وهو ما انعكس في شعار “ساعة حريتكم تقترب” مع محاولة وضع قوات الحرس الثوري بين خيارين “الحصانة أو الموت المحتوم” في سياق حرب نفسية تعمل على إحداث فجوة داخل بنية الدولة أو بين الدولة وقوى المجتمع المناوئ لسياسات النظام الإيراني في الداخل وبالخارج. ومن المستبعد أن يستسلم الحرس الثوري لأنه يقف في صف واحد مع القوات المسلحة وهياكل الدولة في إيران بل أن الحرس الثوري يعزز من الدور الإيراني في الإقليم عبر ارتباطاته بالفاعلين المسلحين في لبنان والعراق واليمن، بما يجعل عناصر وكوادر الحرس في مقدمة الأهداف الحاكمة لواشنطن وتل أبيب.

وقوبل ذلك برد إيراني في إطار عملية “الوعد الصادق 4” اتسم بأنه سريع مقارنة بفترات سابقة، سواء باستهداف مدن رئيسية في إسرائيل بضربات صاروخية باليستية وطائرات مسيّرة واستهداف معظم القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج (قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة السالم الجوية في الكويت، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، والقاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، بالإضافة إلى قاعدة أمريكية في شمال العراق)، فضلا عن الأهداف المدنية (المطارات والموانئ) والمناطق السكنية والمواقع الخدمية والمصافي النفطية في دول الخليج.

ويتواز مع ذلك تعيين بعض الشخصيات التي تخلف من تم اغتيالهم مثل تعيين سيد مجيد بن الرضا قائمًا بأعمال وزير الدفاع وأحمد وحيدي كقائد للحرس الثوري لضمان استمرارية إدارة شؤون الدولة ومنع حدوث أي فراغ قيادي. ولعل النهج الإيراني يحاول أن يرسل إشارات في اتجاهات متعددة وهي قدرتها على استيعاب صدمة المفاجأة التي تمثلت في الساعة الأولى للهجمات، والعمل على إحداث خسائر بشرية ومادية في الجانبين الإسرائيلي والأمريكي وإن كانت أقل نسبيا مقارنة بالخسائر التي تعرضت لها إيران.

  • توسيع نطاق الحرب وزيادة عدد الأطراف المتداخلة:

يشير اتجاه في الكتابات إلى أنه ربما يكون اتساع مسرح الحرب الحالية هو الأكبر من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية في ظل تداخل أكثر من 10 دول في الضربات والرشقات برا وبحرا وجوا، وإعلان بعض الدول الأوروبية الانخراط في الحرب إذا ما طلبت الولايات المتحدة ذلك لوقف التهديد الإيراني للاستقرار العالمي والإقليمي، إذ أبدى قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا في بيان مشترك صدر في 1 مارس 2026، استعدادهم لاتخاذ “خطوات دفاعية متكافئة” بهدف “تدمير مصدر قدرة ايران على إطلاق صواريخ ومسيرات”. فضلا عن انخراط بعض الفاعلين المسلحين ما دون الدولة لدعم إيران في إطار ما يعرف بوحدة الساحات إذ دخل حزب الله في الحرب بعد يوم من اشتعالها، على الرغم من تحوط بيروت من انزلاق البلاد لحرب إقليمية، ووضعت إسرائيل اسم نعيم قاسم الأمين العام للحزب على قائمة المستهدفين.

  • غياب الأفق الزمني لنهاية الحرب:

على الرغم من تصريح الرئيس ترامب في بداية الضربات بأن الحرب ستستغرق أربعة أيام، خاصة بعد عملية اغتيال المرشد (الذي أمضى 36 عاما على رأس الدولة وتعاقب في عهده 6 رؤساء لها، وكان شاهدا على أصعب التحديات التي واجهتها إيران خلال العقود الماضية، مما يعني أنه شخصية محورية من الناحيتين السياسية والدينية) لإظهار ضعف قدرة المؤسسة الأمنية والعسكرية الإيرانية على حماية كبار قادتها إلا أن تصريحاته وتصريحات بعض الجنرالات في الجيشين الأمريكي والإسرائيلي، وكذلك بعض مسئولي النظام الإيراني توحي بأنها (أي الحرب) ستستمر أسابيع وليس أيام، والولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى إرهاق إيران في المواجهات الجوية والبحرية في ظل ضعف سيناريو الاجتياح البري، في حين تسعى إيران إلى إطالة أمدها ليكون هدفا محوريا في إرهاق الداخل الإسرائيلي، واستنفار الداخل الأميركي، وحث المجتمع الدولي على التحرك لفرملة الولايات المتحدة.

  • إدانة جامعة الدول العربية السياسات الإيرانية باستهدافها الدول الخليجية:

إذ أعربت جامعة الدول العربية في بيانها الصادر بتاريخ 2 مارس 2026 عن إدانتها واستنكارها الشديد لاستهداف سيادة وسلامة أراضي الدول العربية، التي تعرضت لاعتداءات إيرانية في انتهاك سافر للقوانين والمواثيق الدولية ومبادئ حسن الجوار، وما ينطوي على ذلك من مخاطر جسيمة تهدد أمن واستقرار الدول العربية والمنطقة برمته، وأكدت الجامعة، أن أمن الدول العربية كُل لا يتجزأ وترفض رفضًا قاطعًا المساس بسيادة أي من الدول العربية تحت أي مبرر، داعية إيران إلى الوقف الفوري للأعمال التصعيدية وتحكيم العقل وعدم توسيع رقعة الصراع، وما ينتج عن ذلك من عواقب وخيمة لا تحمد عقباها.

  • ضعف تأثير القوى الدولية في مجريات الحرب:

كانت هذه الحرب كاشفة لحالة الضعف حيث أصدرت دول الاتحاد الأوروبي بيانات دعوا إلى ضبط النفس ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة، وأدانت روسيا الضربات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ووصفتها بأنها تصعيد خطير يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وطالبت الصين بوقف التصعيد في الشرق الأوسط، دون دعوات لجلسة دائمة بمجلس الأمن بشأن حالة الحرب في الإقليم. كما عُقدت جلسة طارئة بطلب من عدة دول، وشهدت نقاشاً حاداً بين الأعضاء الدائمين. كما طُرحت مسودة بيان يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار واحترام سيادة الدول وحماية المدنيين. لكن لم يتم التوصل إلى قرار ملزم بسبب تباين المواقف. ثم دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى فتح قنوات اتصال عاجلة لتفادي كارثة إنسانية وأمنية والتأكيد على أولوية الحلول السياسية. غير أن الحرب الدائرة اليوم لا تمس فقط توازنات الردع في المنطقة، بل تشمل مباشرة مصالح أوروبية حيوية تتصل بأمن الطاقة، واستقرار الملاحة الدولية، ومنع الانتشار النووي، فضلا عن أمن الجاليات الأوروبية المنتشرة في بؤر التوتر. 

ثانيا: التأثيرات المحتملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

ثمة تداعيات انتشارية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، على النحو التالي:

  1. توحش السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط:

إن أحد التأثيرات الرئيسية لتلك الحرب يتعلق بسعي إسرائيل للهيمنة على تفاعلات الشرق الأوسط ومحاولة تشكيل شرق أوسط جديد، بما يتفق مع مصالحها الاستراتيجية في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023، حيث تم إضعاف كبير لدور حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان بعد استهداف كوادرهما وقيادتهما في الصفوف المختلفة، وإسقاط نظام الأسد في سوريا، وتوجيه ضربات نوعية لبعض قيادات جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، واستهداف دقيق لقيادات محورية في الحرس الثوري والجيش الإيراني بل والمرشد وتوجيه رسائل ردع لأطراف متعددة في الإقليم بضرورة التطبيع السياسي والاقتصادي معها تجنبا لتحمل تكلفة معاداتها مع تغذية اتجاه في الشرق الأوسط بأن أي تظام سياسي جديد في إيران بعد الحرب سوف يكون متحالفا أو صديقا لإسرائيل، وهو ما يعبر عن ما تسعى إليه تل أبيب لتدشين الحقبة الإسرائيلية في الشرق الأوسط من خلال قوتها وقدرتها العسكرية والاستخباراتية والسيبرانية وتحالفاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية وأن يسمح “النظام الإقليمى الجديد” بمزيد من دمج إسرائيل فى الإقليم.

  • تعميق فجوة الثقة بين دول الإقليم وإيران:

ثمة تحول في مسارات علاقات دول الإقليم، وفي مقدمتها دول الخليج، بإيران، التي يغلب عليها التوتر والتصعيد بعد استهداف إيران في هجماتها لكل دول الخليج، بلا استثناء، بما فيها سلطنة عُمان التي كانت الطرف الوسيط في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حيث تعرض ميناء الدقم التجاري لاستهداف بطائرتين مسيّرتين، فضلا عن استهداف دبي التي تعد الشريك التجاري الأول لإيران في الإقليم وكذلك استهداف السعودية التي وقعت معها اتفاق بكين في مارس 2023، على الرغم من دور دول الخليج في منع الحرب ووقف التصعيد ضد إيران على مدى شهور، الأمر الذي اعتبرته دول الخليج تجاوز للخطوط الحمراء، لاسيما مع عدم استهداف إيران قواعد أمريكية في دول أخرى مثل تركيا وأذربيجان وأرمينيا.

وعلى الرغم من إصدار دول الخليج، سواء بشكل فردي أو جماعي، بيانات للتنديد بهذه الهجمات التي تمس السيادة الوطنية لدول الخليج، وتستهدف منظومة الرادارات وتمثل إضرارا بالمصالح الاقتصادية، فضلا عن قيام السعودية باستدعاء سفير إيران لدى الرياض وسحب أبوظبي سفيرها وبعثتها كاملة من إيران إلا أن هناك بعض الأصوات وخاصة داخل السعودية والكويت ترى أن هذه الردود محدودة، وتطالب بتعزيز القدرات الذاتية العسكرية الخليجية والتحول من الدفاع إلى الهجوم وتفعيل قوات درع الجزيرة في ظل المصلحة الخليجية المشتركة التي تستوجب التوحد لحماية المواطنين والمقيمين، الاستثمارات والمنشأت. غير أن هناك أصوات أخرى طالبت بضرورة التأني والعقلانية وعدم الانسياق وراء الدعوات الرامية إلى توسيع نطاق الحرب، وبما يؤدي إلى استنزاف دول الخليج والمساس بخططها التنموية على مدى سنوات.

  • تعزيز مضاعفات عدم الاستقرار الإقليمي:

إن التصعيد العسكري لن يحقق الاستقرار في الإقليم بل يدفع في اتجاه عدم الاستقرار الممتد، وهو ما ينسجم مع موقف بعض الأطراف الإقليمية الرئيسية مثل مصر الثابت الداعم للجهود الدبلوماسية لتسوية القضايا الدولية، ومواصلة المسار التفاوضى وتجنيب التصعيد بالمنطقة وتسوية الخلافات المعلقة فى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووى، والتوصل إلى حلول وسط بعيدا عن الحلول العسكرية وتداعياتها الوخيمة التي لن ينجو منها أحد، وهو ما يرفع منسوب المخاطرة المقبلة عليه دول المنطقة وهو ظروف حرب مفتوحة وليس جولات تصعيد محدودة خبرناها سابقا.

وفي هذا السياق، حذر رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد دواود أوغلو في تصريحات على حسابه على أكس بتاريخ 1 مارس 2026 من أي انهيار محتمل في طهران لن يكون حدثا معزولا، بل قد يشكل نقطة انطلاق لما وصفه بـ”تسونامي الدومينو” الذي يمكن أن يمتد تأثيره إلى عواصم وعروش عدة في المنطقة. وأكد أن سقوط مركز ثقل إقليمي بحجم طهران من شأنه أن يطلق سلسلة تفاعلات سياسية وأمنية متلاحقة تعيد رسم موازين القوى وتفتح الباب أمام اضطرابات تتجاوز حدود الدولة المعنية، لتطال بنية الاستقرار الإقليمي بأكمله.

  • إثارة التوترات داخل بعض دول الإقليم:

ولعل ذلك ينطبق على الدول التي تتضمن جماعات مسلحة بداخلها، والتي ترتبط الأخير بعلاقات مناوئة وداعمة لأطراف الحرب الحالية، ولبنان تعد حالة مثالية لذلك. وفي هذا الإطار، أعلن رئيس وزراء لبنان نواف سلام، في مؤتمر صحفي بتاريخ 2 مارس 2026، الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية وحصر عمله بالمجال السياسي، وتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، وهو ما قد يقود إلى مواجهات مفتوحة لحزب الله مع أجهزة الأمن وقوات الجيش في لبنان. كما أن ثمة انتقال لتأثيرات الحرب داخل الساحة العراقية وخاصة من جانب بعض القوى والأحزاب السياسية مثل كتائب حزب الله-العراق لاستهداف السفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء. فإدخال دول الجوار في هذه الحرب يفاقم ويعمّق حالة التوتر الإقليمي.

  • المساس بحركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية:

لاسيما في ظل محاولة إيران إشعال المنطقة وتوسيع دائرة النار وتهديد ممرات الطاقة وإغلاق المضايق وخاصة مضيق هرمز واستخدام الزوارق البحرية المفخخة والقنابل المائية، وهو ما انعكس في توقف عبور السفن وتعليق الرحلات عبر قناة السويس ومضيق باب المندب وتجنب مرور السفن بمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات المائية الدولية، ويعبر من خلاله 20 مليون برميل يوميا من تجارة النفط العالمية، إذ أنه منذ 28 فبراير 2026 تراجعت حركة السفن بنسبة تتراوح ما بين 40-75 في المئة، وانخفضت صادرات النفط إلى 4 ملايين برميل يوميا من النفط، ويذهب 80 في المئة للاقتصاد الأسيوي، ويمر 20-25 من تجارة الغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التأمين والنقل الجوي والبحري والتخزين فضلا عن اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد. فاستقرار منطقة الخليج العربي ليس مسألة إقليمية فحسب بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي والملاحة البحرية.

  • استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج والتأثير على الأسواق العالمية:

يرتبط هذا العامل بالعامل السابق عليه إذ تعمل إيران على رفع التكلفة الاقتصادية العالمية للحرب إذ يمثل النفط والغاز شريانا حيويا للاقتصاد العالمي إذ استهدفت إيران بعض المصافي النفطية في منطقة الخليج، وهو ما أدى إغلاق منطقة مصفاة رأس تنورة أكبر مصفاة للنفط في السعودية والشرق الأوسط وبها أكبر ميناء لتصدير النفط. فضلا عن ارتفاع أسعار الغاز المسال بنسبة تقترب من 47 في المئة في الأسواق الأوروبية بعد توقف منشأة قطر عن الإنتاج في أعقاب استهداف منشأتها التشغيلية. فالرسالة الإيرانية تتمثل في وضع الاقتصاد العالمي أمام خطر الركود.

ثالثا: السيناريوهات المحتملة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران

توجد ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهي:

  1. سيناريو التصعيد:

لا يوجد إطار زمني محدد لنهاية الحرب، إذ أن قرار انطلاقها يختلف جذريا عن قرار وقفها. وفقا لهذا السيناريو، قد تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على زيادة منسوب هجماتها ضد إيران، مع محاولة قطع الاتصال بين الحرس الثوري من جانب والهيئات المختلفة المنفذة للتعليمات، مع احتمال دخول دول أوروبية، وفقا لسيناريو أسوأ حالة بعد توسع الهجمات الإيرانية لتطال قبرص واليونان، وكلاهما أعضاء في حلف الناتو. بل صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لصحيفة “نيويورك بوست”، في 2 مارس 2026، بأنه لا يستبعد إرسال قوات برية أميركية إلى إيران “إذا لزم الأمر”، وهو ما يثير إشكالية الجغرافيا الإيرانية التي تبلغ مساحتها أربعة أضعاف مساحة العراق ويتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، مع تضاريس جبلية معقدة، وعمق استراتيجي صعب الاختراق. ولعل ذلك يتطلب قوات برية ضخمة تتجاوز ما تم الاستعانة به خلال غزو العراق في عام 2003. ويقود ذلك إلى عدم اليقين بشأن ما تؤول إليه التفاعلات سواء على أرض المعركة أو في تشكيل حكومة بديلة في إيران.

  • سيناريو التهدئة:

قد يتجه الطرفان إلى محاولة البحث عن مخرج للحرب، واللجوء للتفاوض مرة أخرى، لاسيما بعد اتصال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره العُماني بدر البوسعيدي في الأول من مارس 2026، ومفاده أن طهران منفتحة على أي جهود جادة ‌لتهدئة ‌الأوضاع بعد الهجمات الإسرائيلية والأمريكية. كما أوضح ترامب لصحيفة (ذا أتلانتيك) في حوار بتاريخ 1 مارس 2026 إلى تطلعه للحوار مع ما أسماه الإدارة الإيرانية الجديدة قائلا “إنهم يريدون التحدث، وقد وافقت على التحدث، لذلك سأتحدث معهم. كان ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك في وقت أبكر. كان ينبغي لهم أن يقدموا ما كان عمليًا وسهل التنفيذ في وقت أبكر. لقد انتظروا طويلًا”. ويدعم هذا السيناريو غياب الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة المناوئة للنظام الحالي في طهران، وكذلك عدم ظهور انشقاقات داخل بنية النظام حتى الآن، واتخاذ السلطة الحالية في إيران قرارات مختلفة من شأنها القدرة على وضع الخطط اللازمة لمرحلة ما بعد خامنئي وتشكيل قيادة ثلاثية للمرحلة الانتقالية يتولاها كل من الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي إضافة إلى فقيه من مجلس صيانة الدستور، وتقرر لاحقا اختيار علي رضا أعرافي.

وتوضح الخبرات الدولية إلى أنه من المتعذر سقوط النظام الإيراني بالضربات الجوية وتنفيذ الاغتيالات السياسية لرؤوس النظام بل تقتضي أبعاد أخرى من بينها استدعاء قوات للتدخل البري أو تنفيذ عملية كوماندوز نوعية على نحو ما جرى في النموذج الفنزويلي أو اختراق استخباري ضخم يعكس الانقسام بين أجنحة النظام، وهو ما سوف تنضح ملامحه خلال المرحلة المقبلة. وقد تكتفي الولايات المتحدة بإضعاف القدرات الإيرانية وليس إسقاط النظام، حيث قال ⁠وزير الحرب الأميركي بيت ​هيغسيث، في إحاطة الجيش الأمريكي بتاريخ 2 مارس 2026، إن العمليات العسكرية ‌ضد ‌إيران لن تؤدي إلى “حرب ‌بلا ‌نهاية”، ⁠وإن الهدف هو تدمير صواريخ ⁠طهران ‌وبحريتها ⁠وبنيتها التحتية الأمنية الأخرى، الأمر الذي يفسر صعوبة المستهدف.

  • سيناريو الهجين:

يقوم على الجمع بين السيناريوهين السابقين بمعنى أن نمط الحروب الترامبية لا تتجاوز فترة زمنية طويلة بل هي حرب محدودة يعقبها مفاوضات سياسية سريعة، والتي لن تقود إلى تنازلات متبادلة من الجانبين الأمريكي والإيراني، الأمر الذي يدفع إسرائيل بدعم من اللوبي الصهيوني لتوجيه ضربة عسكرية جديدة لإسقاط النظام الإيراني وتعديل سلوكه السياسي وهكذا لأن مسألة إسقاط النظام واستبداله بنظام جديد أمر صعب الحدوث إلا في ظل حدوث خسائر جسيمة لدول الخليج من جراء الهجمات الإيرانية بحيث تسمح الأخيرة باستخدام قواعدها ومطاراتها وفضائها لضرب إيران، وربما تشكيل تحالف دولي لإسقاط نظام الملالي في إيران. وحتى بافتراض، وإن كان ذلك مستبعدا، تنجح الحرب على إيران في إسقاط النظام، لكنها قد لا تنجح بالضرورة في بناء نظام جديد وفق الرؤية والمصالح الأمريكية/ الإسرائيلية، وهو ما تشير إليه الخبرات العملية في الإقليم سواء في العراق أو أفغانستان أو ليبيا. 

خلاصة القول أن كل السيناريوهات متاحة الحدوث، وما يرتبط بها من تكلفة وعائد للأطراف الثلاثة المتحاربة، فضلا عن الأطراف الأخرى المتضررة في الشرق الأوسط. كما أن السيناريوهات تتراوح في جميع الحالات بين بقاء النظام حتى مع تغيير الأشخاص أو الفوضى والحرب الأهلية المفتوحة، أو هيمنة نظام أكثر تشددا.

اظهر المزيد

د. محمد عزالعرب

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى