2026العدد 205ملف عربي

سوريا تكتشف نفسها: صراعات الداخل وأجندات الخارج

عاشت سوريا في يناير 2026، فصلًا دراماتيكيًّا جديدًا من فصول مكثَّفة شهدتها البلاد منذ سقوط نظام الرئيس السابق “بشار الأسد” وقيام نظام جديد ابتداءً من 8 ديسمبر 2024، برئاسة أحمد الشرع. ولئن شهد الوضع الداخلي صدامات دموية في منطقة “الساحل” غرب البلاد في مارس 2025، وفي السويداء في مايو من نفس العام جنوب البلاد، فإن شهر يناير من هذا العام شهد أزمة جديدة متوقَّعة هدفت إلى حسم الموقف من حالة الاستعصاء التي تمثلها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات القيادة الكردية في شمال شرق سوريا، وتحديدًا في منطقة “الجزيرة” ذات المحافظات الثلاث: دير الزور، الرقَّة، الحسكة. ويعكس هذا الفصل بحث سوريا في ظل العهد الجديد عن نفسها وطبائعها، واستطلاعها شكل نظامها السياسي وهُوياتها (الدينية، والثقافية، والقومية)، كما موقعها الجيوسياسي الجديد. ويكشف التطوُّر بُعدًا من أبعاد تعقُّد الحالة السورية على مستوى التركيبة الاجتماعية والسياسية الداخلية، لكن أيضًا على مستوى التقاطعات الخارجية المتناقضة المصالح.

خرجت سوريا بعد سقوط نظام الأسد من مرحلة تاريخية طويلة ساد فيها حزب البعث العربي الاشتراكي حكم البلد لعقود ستة، منها 54 عامًا تولى فيها حافظ الأسد ثم ابنه بشار الحكم دون منازع. عرفت تلك الحقبة قلاقل بنيوية تمثَّلت في تعرُّض البلد إلى حربين مع إسرائيل في عامي (1967 و1973)، وفي اندلاع تمرد داخلي لجماعة الإخوان المسلمين في ثمانينيات القرن الماضي. غير أن المواجهات التي اندلعت بين النظام والمعارضة ابتداءً من عام 2011، تحولت إلى حرب حقيقية استخدمت فيها الأسلحة الفتاكة، وأدت إلى تدمير منهجي أصاب المدن والقرى، وشوَّه هياكل المجتمع، وترك جروحًا سهَّل ظهورها بعد سقوط النظام.

كشفت لحظة سقوط النظام السابق عن تداخل محلي إقليمي دولي أنضج لحظة ملتبسة قادت إلى انتهاء حقبة موجعة من تاريخ البلد والدخول في حقبة صعبة الاستشراف، بالنظر- على الأقل- إلى هوية وطبيعة الفاعلين الجدد. وقد كشفت ردود فعل العواصم القريبة والبعيدة عن توق سريع للتعامل مع الحدث ومواكبته ودعمه وتمكينه، على الرغم من التحفظات الكثيرة بشأن تحدُّر الحاكمين الجدد من خلفيات إسلامية جهادية، بعضها كان مدرجًا على لوائح الإرهاب في العالم.

وبعيدًا من الخوض في سيناريوهات الانخراط الدولي المسبق بسياق (سياسي، وعسكري، وأمني، ومخابراتي) أدى إلى الوصول إلى ما صار عليه الحكم في دمشق، فإن المشهد يكشف عن إعادة المنطقة والعالم الاهتمام بسوريا بصفتها موقعًا إستراتيجيًّا مفصليًّا في راهن المنطقة ومستقبلها. يأتي ذلك بعد مرحلة يائسة بدا فيها أن البلد تُرك لمصيره؛ بحيث تجاوز الصراع بُعده السوري المجتمعي، ليندرج داخل حرب مصالح بين دول مختلفة، مثل: روسيا، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وتركيا، وإيران، توزعت مناطق نفوذها العسكري على كامل المساحة السورية.

تحوُّل في ظلال مواكبة دولية لافتة.

ظهر جليًّا، ومنذ فجر 8 ديسمبر 2024، أي يوم سقوط نظام الأسد، وقبل ساعات من دخول قوات “هيئة تحرير الشام” بزعامة أبو محمد الجولاني (الاسم الذي كان يتَّخذه سابقًا الرئيس الشرع)_ صدور بيان عن وزارة الخارجية السعودية يدعم التحول السوري، أظهر الأمر أول تقدم لرعايات عربية للحدث في سوريا. بالمقابل، أظهر تدفُّق الدبلوماسيين الغربيين، بما في ذلك من الولايات المتحدة، اندفاعًا للتعامل مع التطوُّر بإنصاتٍ وإيجابية. وبدا لاحقًا أن عودة فتح السفارات العربية والأجنبية أُلحقت بمواقف صادرة عن عواصم عربية ودولية معنيَّة بالشأن السوري بقيت مواكبة وداعمة للدولة السورية الجديدة. حتى أنه، رغم مرحلة اتهامات وُجِّهت لدمشق بالتورُّط في ارتكاب انتهاكات في أحداث الساحل والسويداء، فإنه كان واضحًا أن تلك المواقف حرصت على عدم إدانة الحكم الجديد (كما حال البيانات الأوروبية) ومطالبته بملاحقة الجناة (كما حال البيانات الأمريكية) أي الاعتراف بدمشق مرجعًا موثوقًا للتحقيق والملاحقة والمحاسبة في الولايات المتحدة.

وكان واضحًا أن سوريا الجديدة باتت قيمة جيوستراتيجية بعد أن فقدت إيران نفوذًا على البلد الذي شكَّل قاعدة بنيوية لما عُرف بـ “هلال” طهران بيروت، مرورًا ببغداد ودمشق، ويُعتبر هذا التحوّل جذريًّا ومغيِّرًا لموازين القوى الإقليمية وخرائط النفوذ داخلها. وبدا أن ذلك التحوُّل شجع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” للاستجابة لضغوط سعودية تركية للإعلان من الرياض في مايو 2025 عن رفع العقوبات جزئيًّا عن سوريا، وصولًا إلى رفعها كليًّا بتصويت الكونغرس في ديسمبر من ذلك العام.

وقد أدت الولايات المتحدة دورًا مباشرًا، لا سيما عبر موفدها إلى سوريا السفير “توم باراك” في العمل على تخفيف التوتر بين إسرائيل وسوريا بعد تصعيد عسكري استهدف البنى التحتية العسكرية، وصولًا إلى العمل على ترتيب اتفاق ينظم علاقة الطرفين، لا سيما الحدودية، ويوقف الصدام العسكري، بما في ذلك وقف التدخل في ملف دروز السويداء وعدم التدخل- كما لوحظ- في الصدامات بين قوات دمشق وقوات “قسد”.

ورغم الاهتمام الأوروبي الغربي، غير أن دمشق اهتمت بنسج علاقات مع العواصم القريبة- لا سيما في العالم العربي- والبعيدة كانت مشوَّهة إبَّان عهد النظام السابق، كما انتقلت دمشق إلى علاقات متقدمة مع موسكو، على الرغم من تورط روسيا في دعم عسكري لنظام الأسد منذ عام 2015، كما نجحت الدبلوماسية السورية في تطوير علاقات مع الصين التي كانت أبدت تحفُّظًا في التعامل مع النظام السوري الجديد؛ بسبب وجود فصائل جهادية إيغورية صينية معادية لبكين في صفوف قوات دمشق المسلحة.

دمشق ومسألة المكونات.

تقوم دينامية النظام الجديد في سوريا على مسلَّمة، جرى التوكيد عليها، بالحفاظ على وحدة البلد، والتمسك بمركزية نظامه السياسي، ورفض أي شكل قد يُشتم منه نزوع نحو لامركزية أو الفيدرالية أو كونفدرالية. ولطالما ردَّد الرئيس السوري “أحمد الشرع” رفضه لأنظمة المحاصصة الطائفية أو القومية المنتهجة في الحالتين (اللبنانية، والعراقية) على سبيل المثال، والتي توزِّع السلطة والثروة على ممثلي المكونات ما يفقد البلد وحدته وانسجامه.

وفيما أظهر الصراع الذي انفجر عام 2011، طابعًا طائفيًّا وقوميًّا -في البعد الكردي- للمجتمع السوري لطالما جهدت أيديولوجيات القومية العربية التي حكمت البلاد على نكرانه أو تهميش مساحاته، فإن ذلك الواقع استُخدم رافعة لخطاب دمشق الجديد في تعويم قيم وطنية سورية تشمل السوريين كافة مهما تعددت انتماءاتهم (الدينية، والمذهبية، والقومية) بحيث يتساوى المواطنون في الحقوق والواجبات.

غير أن الخطاب الطوباوي الموعود اصطدم بعجزه عن طمأنة المكونات السورية، سواء تلك التي كانت تجد في النظام السابق ملاذًا أكثر أمانًا للأقليات، أو تلك التي لا تثق بنظام سياسي جديد لا يحمل مشروعًا موثوقًا به يعمل على احتضان السوريين كافة تحت جناحه. وفيما برز المكون العلَوي كحالة نافرة خرجت من بيئتها مجموعات من فلول النظام السابق للتمرد بشكل مسلَّح في منطقة “الساحل” غرب البلاد، فإن العنف الذي واجهت به سلطات دمشق تلك الحالة في مارس 2025، وما واكب الأمر من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وسَّع الهوة بين ذلك المكون والنظام السياسي الجديد.

انسحب أمر مركزية السلطة ووحدة الدولة في طريقة التعامل مع الحالة الدرزية في محافظة السويداء في الجنوب السوري، وعلى الرغم من اعتراف نظام دمشق الجديد بفوضى وعدم انضباط، واندفاع عشوائي لقوات نظامية وغير نظامية أدى إلى الانتهاكات والتجاوزات التي طالت مدنيين في منطقة “الساحل”، وعلى الرغم من تشكيل لجنة تحقيق أقرت بالوقائع وهوية المذنبين، إلا أن سلطات دمشق لم تستطع السيطرة على تدخلها العسكري في محافظة السويداء في يوليو 2025، بداعي فضِّ اشتباكات اندلعت بين ميليشيات درزية وأخرى تابعة لعشائر عربية في المنطقة.

خلَّفت واقعة السويداء انتهاكاتٍ دمويةً واسعة ضد المدنيين، واستدرجت تدخلًا إسرائيليًّا شرسًا ضد القوات الحكومية أو تلك التابعة لـ “فزعات” العشائر العربية، وصل التدخل الإسرائيلي المدفوع من قبل قيادات دينية درزية في إسرائيل، إلى حدِّ قصف مقريّ وزارة الدفاع وهيئة الأركان وحتى محيط القصر الرئاسي في العاصمة السورية. وكشف الحدث السوري عن ديناميات إسرائيلية متدخلة في الشأن الداخلي السوري أجبرت دمشق على أخذ ذلك التطوُّر بعين الاعتبار، كما كشف التطور عن بروز جماعات من داخل الطائفة الدرزية، لا تمثل الطائفة برمتها، لكنها بدت طاغية فارضة لأمرها الواقع، تطالب، بقيادة الشيخ حكمت الهجري، بالانفصال التام عن سوريا من أجل كيان مستقل أو يكون جزءًا من إسرائيل.

دمشق-قسد: نهاية أوهام كردية.

وجدت الواقعتان (الساحل، والسويداء) في صراع دمشق مع الحالة الكردية شمال شرق البلاد، دينامية متبادلة منطقية تعوِّل على نجاح تلك الحالة فيما فشلتا في فرضه، وعوّلت شرائح سياسية معارضة في الساحل والسويداء على فرض الحالة الكردية واقعًا يتم من خلاله الإقرار لها بحكم ذاتي أو شكل من أشكال اللامركزية بإدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة مظلوم عبدي؛ فنجاح “التجربة الكردية” كان من شأنه أن يكون سابقة يمكن تعميمها لتشمل قيام أقاليم أو كيانات ذاتية الإدارة في غرب سوريا وجنوبها ترفع أسوارًا سياسية وقانونية، وربما أمنية عسكرية، تفصل بين سلطة دمشق والسلطات التي ترعى شؤون العلويين في الساحل والدروز في السويداء.

وقد تحدثت تقارير قريبة من دمشق عن حالات تعاون وتنسيق جرى تسجيلها بين السويداء والساحل و”قسد”، وعن أدلة على تقديم الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق البلاد ملاذات آمنة لآلاف من جنود وضباط وقيادات فلول النظام السابق. كما أن تقارير (محلية، ودولية، وإسرائيلية) كانت تحدثت عن التزام الحكومة الإسرائيلية، على لسان وزير الخارجية “جدعون ساعر”، بالدفاع عن الأقلية الدرزية والكردية والعمل على حصول إسرائيل على ممر داخل الأراضي السورية ما بين السويداء وشمال شرق سوريا المعروف باسم “ممر داوود”.

وقد عملت “قسد” على الاشتغال على حرج نظام دمشق من واقعتي (الساحل، والسويداء) وما أنتجته من ضغوط خارجية ومن تقارير إدانة من قبل المنظمات الدولية المختصة، من أجل تحسين شروط المطالب الكردية، لكن المفارقة أن دمشق نهلت بنجاح من دروس التجربتين للتموضع وفق قواعد جديدة في مواجهة التحدي الذي شكلته حالة “قسد” في مناطق الشمال والشمال الشرقي للبلاد.

فقد ظهرت تحوُّلات جوهرية في تعامل دمشق العسكري مع المناطق التي تسيطر عليها “قسد” ابتداءً من حييِّ الشيخ مقصود في مدينة حلب غرب نهر الفرات، وصولًا إلى محافظتي (الرقة، ودير الزور) في منطقة الجزيرة شرق النهر، انتهاءً إلى إبرام اتفاق ينظِّم وجود سلطات دمشق داخل محافظة الحسكة. وقامت هذه التحولات على تحديث لقواعد الاشتباك، وإدخال أنماط تكتيكية تخلط ما بين الضغوط العسكرية الشاملة والمكثَّفة ومنح المدنيين ( والعسكريين ضمنًا) مُهَلًا وممرَّات أمنة لإخلاء جبهات القتال، ما خفف الأثمان المدنية للمعارك.

وكان لافتًا نجاح قوات دمشق في تحقيق حسم ميداني سريع في منطقة كانت “قسد” تعتبرها قلعة تتحصن بالأنفاق والأسلحة الثقيلة، وأظهر الأمر سرعة في تراجع قوات “قسد” وانسحابها العاجل، لا سيما من المناطق ذات الأغلبية العربية. لكن لذلك التراجع، إضافة إلى الضغوط العسكرية، سبب بنيوي يتمثل في فقدان صادم لرعاية الولايات المتحدة بما في ذلك عدم دعمها أي مشروع يُشْتم منه تمردًا أو ابتعادًا عن سلطات دمشق. وفيما لم يؤيد المبعوث الأمريكي الخاص “توم باراك” فكرة اللامركزية واعتبرها نظامًا “غير مناسبًا وغير ناجح”، وعمل على توصل الطرفين إلى اتفاق مارس 2025، فإن الرئيس الأمريكي كان أكثر وضوحًا في التعبير في يناير 2026، عن دعم دمشق والرئيس أحمد الشرع وكيل المديح له، بما جعل خضوع “قسد” لموازين القوى خيارًا حتميًّا.

سوريا والجوار: احتضان وتحفُّظ وحذر.

أحدث التحوُّل السوري زلزالًا جيوستراتيجيًّا في توازنات منطقة تعايشت مع نظام حكم، في ظل حافظ وبشار الأسد، طوال 54 عامًا، ورغم أن نظام دمشق في ذلك العهد ارتبط بعلاقة ملتبسة متوتِّرة مع المحيط الإقليمي وصلت إلى حدود شبه القطيعة مع نظام بشار الأسد حتى قبل اندلاع صراع عام 2011، إلا أن سقوط هذا النظام أحدث حالة قلق شديدة لدى عواصم المنطقة في ظل مجهول لم يعرفه النظام الإقليمي قبل ذلك.

وجد هذا القلق تجلياته في اجتماع عاجل دعا إليه الأردن في مدينة العقبة في 14 ديسمبر 2024، أي بعد 6 أيام من سقوط نظام الأسد، ضمَّ الاجتماع إضافة إلى وزير الخارجية الأردني، وزراء خارجية كل من: السعودية، والعراق، ولبنان، ومصر، والإمارات، والبحرين، وقطر، إضافة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية. وقد أظهر البيان الختامي للاجتماع العناوين التي تقلق المنطقة والشروط التي تضعها للتعامل مع التحوّل الجديد واحتضانه. ولم تكن هواجس المنطقة بعيدة عن هواجس أوروبية عبَّرت لدمشق الجديدة عما هو مطلوب في مسائل الحوكمة والتمثيل الشمولي ومكافحة الإرهاب واحترام التنوّع المجتمعي، من أجل أن تكون مقبولة من قبل البيئات السياسية العربية والإقليمية.

ورغم التطمينات التي صدرت من دمشق وتدخل أطراف داعمة، مثل: تركيا، والسعودية؛ لطمأنة العواصم العربية، فإن بعض البلدان العربية احتاجت إلى مراحل تجريبية لتذليل كثير من عقبات الثقة بالوافد الجديد إلى النظام العربي. ولئن ظهرت منذ اللحظات الأولى للحدث السوري الجديد أعراض علاقة دعم تركي وسعودي لنظام دمشق الجديد، فإن الأردن الواقع على الحدود الجنوبية لسوريا استطاع بسرعة تجاوز مراحل التحفظ والحذر والتعاون مع النظام الجديد على حسم معضلات أمنية، لا سيما مسألة تهريب المخدرات، التي كانت عمَّان تتهم أساسًا النظام السوري السابق بالوقوف خلفه وحمايته، وبدا لاحقًا أن عمّان باتت رقمًا أساسيًّا في توفير حاضنة بدعم من المبعوث الأمريكي “توم باراك”؛ لتوفير بيئة تفاهم واتفاق بشأن مشكلة دمشق مع السويداء.

وقد عملت دمشق بصعوبة على تخفيف حدَّة الهواجس التي عبَّر عنها العراق وحكومة محمد شياع السوداني، وكان الشرع قد توجه باكرًا برسالة مصورة إلى السوداني قبل أيام من سقوط نظام دمشق يطلب منه الاطمئنان إلى التحولات السورية وعدم التدخل في مجرياتها، في تلميح إلى أنباء كانت تروج بشأن حشود لقوات “الحشد الشعبي” والجيش العراقي تتحرك صوب الحدود مع سوريا.

ورغم تبادل بغداد ودمشق الزيارات الأمنية والسياسية، إلا أن أجواء العلاقات بقيت متشنجة إلى درجة عزوف الرئيس السوري عن المشاركة في القمة العربية في بغداد في مايو 2025، وسط تهديدات صدرت عن قوى عراقية شيعية قريبة من طهران معادية لنظام دمشق، منها ما صدر عن رئيس الحكومة الأسبق “نوري المالكي” من أنه لو كان في منصب رئاسة الحكومة لحرّك الجيش العراقي لمنع سقوط نظام الأسد.

ينسحب هذا الحذر على طبيعة العلاقة الجديدة بين دمشق وبيروت، فرغم تأكيد الرئيس السوري حرصه على سيادة واستقلال لبنان وعدم التدخل في شؤونه، في تلميح لحالة الوصاية التي فرضها وجود القوات السورية في لبنان (1976-2005)، وعلى الرغم من وعده بفتح صفحة جديدة مع كل لبنان، رغم تورط حزب الله في ارتكاب ما تعتبره المعارضة السورية جرائم بحقها دعمًا لنظام الأسد، إلا أن لبنان- المنقسم بطبيعته- قارب التحوّل السوري بردود فعل متناقضة ما بين الترحيب والدعم من قبل شرائح اجتماعية وطائفية من جهة، والتحفّظ والعداء من جهة أخرى من قبل شرائح أخرى.

ومع ذلك فإن دمشق وبيروت تمكنتا برغبة مشتركة في الاعتراف بعِقَد العلاقة وعقباتها، والتمسك بالتواصل والحوار على مستويات (عسكرية، وأمنية، وقضائية، وسياسية)، بما في ذلك زيارة رئيسين لحكومات لبنانية لدمشق ولقاءات جمعت رئيسي الجمهورية في مناسبات خارجية (إقليمية، ودولية)؛ من أجل وضع قواعد لعلاقة سوية وندِّيَّة تطمئِن لها دمشق القلقة من أنشطة حزب الله في دعم فلول نظام الأسد، كما تطمئِن لها كافة المكونات اللبنانية.

ورغم عودة سوريا إلى النظام السياسي العربي من خلال جامعة الدول العربية ولقاء الرئيس السوري خلال القمم العربية أو في الزيارات التي قام بها إلى عدد من عواصم المنطقة بعدد كبير من الزعماء العرب، إلا أن علاقة دمشق ما زالت متفاوتة مع عواصم المنطقة، وما زالت بعض الدول العربية حذرة متمهلة في نسج علاقاتها مع دمشق والارتقاء بها إلى حالة صحية يسودها الثقة والتعاون.

سوريا-إسرائيل: تفاهمات أقل من التطبيع.

تعاملت إسرائيل مع النظام السوري الجديد بالريبة والحذر، كانت مرتاحة لقواعد الاشتباك التي التزم بها الطرفان منذ اتفاق عام 1974. سكتت جبهة الجولان تمامًا، ولم يتحرّك الجيش السوري بعد ذلك التاريخ في عهدي الأسد (الأب، والابن) للقيام بأي أنشطة تشكِّل تهديدًا على إسرائيل. ولطالما نقلت تقارير أمريكية، عند بدء الصراع الداخلي في عام 2011، أنباء عن ممارسة إسرائيل ضغوطًا على واشنطن لعدم الإطاحة بنظام لم يكن يشكل تهديدًا عليها، من الحدود السورية على الأقل، وعدم التعويل على نظام بديل مجهول الطبيعة والهوية والنوايا.

وقد انكشف جزع إسرائيل من سقوط ذلك النظام وقيام النظام الحالي البديل من خلال حملة قصف مكثفة دمرت القدرات الإستراتيجية الثقيلة للجيش السوري. ذهبت إسرائيل لاحقًا إلى اختراق الحدود واحتلال مناطق جنوب سوريا، كما قصف أي محاولات عسكرية تركية للتمركز في قواعد سورية، ناهيك من تدخلها الناري في صراع دمشق مع ميليشيات درزية في السويداء، بما أُريد له أن يفرض قواعد تجعل من إسرائيل رقمًا صعبًا في أي تحولات سورية داخلية.

بالمقابل، قامت السياسة السورية، التي دافع عنها النظام السياسي الجديد، على مجموعة من القواعد تصبُّ في هدف تصفير المشاكل مع كل دول العالم وغياب أي خطط أو سياسات عدائية ضد أي دولة في العالم (بما في ذلك إسرائيل). وجاء هذا التحول الجديد نقيضًا لعقائد النظام السابق التي قامت على عقيدة العداء لإسرائيل حتى لو تواكب الأمر مع تجميد كامل منضبط لجبهة الجولان مع إسرائيل. وعبّرت السياسة المنفتحة على حوار مع إسرائيل عن رشاقة نظام دمشق الجديد في التعامل مع واقع إسرائيل كما مع واقع المشهدين (الإقليمي، والدولي)، وكشفت هذه المرونة عن تمتعها ببيئة حاضنة سورية تشجع على الخروج من خطاب النظام السابق وجموده، وعقد التوافقات الضرورية لرد الحرب عن البلد للانتقال إلى مراحل بنائية لإعادة تشكل السلطة والمجتمع والهياكل الاقتصادية وإعادة الإعمار.

ومع ذلك، فإن دمشق ابتعدت عن الانخراط في ورش لتطبيع العلاقات بين سوريا وإسرائيل، مدافعة عن سيناريو العودة إلى اتفاق عام 1974، الذي ينظم العلاقات الحدودية، بما يحصر أي اتفاق مع إسرائيل بالجوانب الأمنية التقنية، مع التلويح بقبول مبدأ السلام والذهاب إلى أبعاد سياسية، وفق المنظور العربي العام للسلام الذي أقرته القمة العربية في بيروت عام 2002، بما يعني أن سوريا ملتزمة بالإجماع العربي ولن تخرج عنه.

خاضت دمشق الحوار مع إسرائيل بشكل علني وإن تخللته حقبات غير معلنة، وقد باتت جلسات التفاوض تعقد علنًا في عواصم متعددة، برعاية الولايات المتحدة بشخص المبعوث الخاص “توم باراك” من أجل التوصل إلى اتفاق جديد، قد يتضمن تدابير مستحدثة لتنظيم التماس بين سيادة دمشق على حدودها الجنوبية مع إسرائيل وسيطرة إسرائيل على قواعد اشتباك جديدة لضمان أمنها على الحدود الشمالية مع سوريا. ورغم عدم صدور نصٍّ نهائي لاتفاق محتمل جرى نقاشه في مفاوضات جرت في باريس في يناير 2026، غير أن امتناع إسرائيل، وعلى خلاف ما حصل من أجل السويداء، عن التدخل عسكريًّا (وحتى سياسيًّا) في صراع دمشق مع أكراد “قسد”، يعطي مؤشرًا يجب تأمله بشأن ما وصلت إليه التفاهمات بضيافة فرنسا ورعاية الولايات المتحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى