2025العدد 204ملف إقليمي

تداعيات حرب غزة على الداخل الإسرائيلي (2023–2025)

مقدمة:

وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “إيهود باراك” أحداث السابع من أكتوبر 2023، بأنها أسوأ كارثة أمنية شهدتها إسرائيل. لم تكن تلك الأحداث الأولى التي تشهد أَسْر إسرائيليين، وإن كانت الأكبر من حيث عدد الأسرى، فقد سبقها أسر جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله وبسببها اندلعت حرب 2006 بين إسرائيل والحزب، وأسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط من قبل حركة حماس. ومع ذلك تبقى أحداث السابع من أكتوبر الأولى من نوعها التي تشهد تخطيطًا مختلفًا من قبل حركات المقاومة فاجأ إسرائيل مفاجأة مروعة لم تستطع معها التحرك لمنع الهجوم، الذي مثل مساسًا خطيرًا وغير مسبوق لنظرية الأمن الإسرائيلي، فحماس بادرت بالهجوم وخططت له جيدًا ونقلت المعركة إلى أرض إسرائيل. بهذا المعنى فإن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة تمثل محطة فارقة يصح معها أن يكون ما قبلها ليس كما أتى ويأتي بعدها للإسرائيليين، سواءٌ فيما يتعلق بالداخل الإسرائيلي أو ما يتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين عمومًا وحركات المقاومة بشكل خاص.

مثل قطاع غزة ولا يزال معضلة كبيرة للسياسة الإسرائيلية، سواء كان القرار الإسرائيلي الانسحاب منه أو احتلاله؛ فمنذ طرح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “أرئيل شارون” خطته المعروفة بالانفصال الأحادي الجانب أو فك الارتباط عن الفلسطينيين، والتي تضمنت الانسحاب من غزة وإخلاء المستوطنات الموجودة بها، إضافة إلى أربع مستوطنات أخرى موجودة في شمال الضفة الغربية_ ارتفعت “درجة حرارة الساحة السياسية” في إسرائيل بشكل غير مسبوق لتصل إلى درجة الغليان للمرة الأولى في ظل حكومة شارون؛ حيث نظر المراقبون الإسرائيليون إلى الفترة التي تمر بها إسرائيل آنذاك على أنها مرحلة حسم تاريخي بالنسبة لها؛ إذ إن اليمين الذي يشهد أقوى سيطرة على مقدرات الحكم في إسرائيل منذ قيامها سيبدأ مسيرة التنازل عن أهم مبادئه وأحلامه المتمثلة في أرض إسرائيل (فلسطين) الكاملة؛ حيث نظروا لتطبيق الخطة على أنه سيُسجَّل كبداية تراجع للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المستمر منذ عام 1967، بل إن أقرب حلفاء شارون وهو “روبي ريفلين” رئيس الكينست، اتهمه بـ “خيانة أرض إسرائيل” معتبرًا خطة الانسحاب من غزة خطوة أولى على طريق التخلي على الضفة الغربية والقدس.

لقد أحدث ذلك الانسحاب من غزة استقطابًا حادًا داخل الساحة السياسية في إسرائيل دفع بكثيرين من الإسرائيليين للتحذير من أن إسرائيل قد أصبحت على حافة حرب أهلية لن يدفع ثمنها سوى الشعب الإسرائيلي، وبات مصطلح الحرب الأهلية من المفردات الأساسية في الخطاب السياسي في إسرائيل في تلك الآونة، فقد أكد شارون أن الخطر الداهم هو حصول حرب أهلية. كما عبر “تومي لبيد” زعيم حزب شينوي عن أمله ألا تطور الأمور إلى حرب أهلية. إضافة إلى ذلك فقد بعث البروفيسور “بوعز جانور”، الذي سبق له أن حذر من اغتيال رابين، برسالة إلى شارون حضَّه فيها على إجراء استفتاء عام بخصوص خط فك الارتباط؛ وذلك لمنع نشوء منظمات يهودية إرهابية وقيام حرب أهلية.

حالة الاستقطاب التي سادت الساحة السياسية الإسرائيلية في أعقاب الانسحاب من غزة 2005، عبرت عن نفسها مجددًا إزاء الحرب الإسرائيلية على غزة 2023؛ حيث إن  الحرب كشفت عن المشكلات المتجذرة في المجتمع الإسرائيلي، ووضعت أزمة الثقة في قيادة الدولة موضع التساؤل مجددًا، خاصة في ظل غياب الزعامات التاريخية أو الكاريزمية لإسرائيل، كما فجرت الأسئلة والمخاوف المتعلقة بهوية الدولة، ووحدَة المجتمع، ووضعت الجيش الإسرائيلي كما لم يحدث من قبل داخل دائرة الانتقادات، وكذلك العلاقة بين الجيش والسياسة باتت محل تساؤل وشكوك كبيرة. علاوة على ذلك، فقد انعكست الحرب على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بما يجعل من تلك الحرب زلزالًا حقيقيًّا من زاوية تأثيره على توجهات الرأي العام ومن زاوية ما أطلقه من مخاوف بشأن صلابة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها، والأهم التخوفات المتعلقة بمستقبل الدولة وهي على أعتاب عامها الثمانين.

أولًا: تراجع الثقة في الحكومة.

أدت أحداث السابع من أكتوبر 2023 إلى تراجع كبير في ثقة الإسرائيليين في الحكومة ورئيسها نتيجة الصدمة التي أحدثتها تلك الأحداث، فبعد نحو أسبوعين من تلك الأحداث، أظهرت نتائج استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تدني ثقة الإسرائيليين في الحكومة إلى أدنى مستوى لها في 20 عامًا؛ حيث قال 20.5% من الإسرائيليين اليهود و7.5% من الإسرائيليين العرب، إنهم يثقون في حكومة رئيس الوزراء “نتنياهو”. بينما أظهر استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية قبل نحو أسبوعين من أحداث السابع من أكتوبر، أن الجمهور الإسرائيلي غير راضٍ عن أداء الحكومة في مجال السياسة الخارجية بتسجيل 4.82 درجات من أصل 10 درجات، ما يشير إلى أن الإسرائيليين راضون بنسبة 50% تقريبًا عن أداء الحكومة. إضافة إلى ذلك، فقد أظهرت استطلاعات الرأي التي أجراها معهد الديمقراطية الإسرائيلي خلال عام 2024، أن نسبة الإسرائيليين الذين يثقون بالحكومة تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيس الدولة؛ إذ عبر أكثر من 72% من المستطلعين عن اعتقادهم بأن القيادة السياسية تتحمل المسؤولية الكاملة عن فشل السابع من أكتوبر، كما حمل نحو 65% من الإسرائيليين نتنياهو مسؤولية الفشل الاستخباراتي والأمني.

ثانيًا: تراجع الثقة في الجيش الإسرائيلي.

أظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أجراه معهد دراسات الأمن القومي منذ بداية الحرب، أن الإسرائيليين يواصلون إبداء ثقتهم العالية بالجيش الإسرائيلي؛ فبعد خمسة أسابيع من نشوب الحرب، كانت نسبة من يجزمون بثقتهم العالية بالجيش الإسرائيلي، عالية ومستقرة، قد بلغت90%. وعلى الرغم من أن تلك النسبة العالية يمكن إرجاعها إلى تأثير “الارتباط العاطفي” الواضح للإسرائيليين بالجيش الإسرائيلي خلال أوقات الحرب الصعبة، فإن تلك الثقة لم تستمر على ما هي عليه رغم استمرار الحرب؛ فبعد عشرة أشهر من بداية الحرب أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي انخفاض الثقة في الجيش 11% عما كانت عليه في الاستطلاع السابق الإشارة إليه، كما انخفضت نسبة الثقة في القيادات العليا في الجيش، وبات 55% يقولون إنه لم تعد لديهم ثقة أيضًا بالقيادة العسكرية، وهذه تعتبر أدنى نسبة منذ 75 عامًا. وفي استطلاع المعهد سبتمبر 2025، اتضح أن ما يقارب ثلث الإسرائيليين (31%) فقدوا جزءًا من ثقتهم بالجيش منذ اندلاع الحرب.

ثالثًا: تصدع نظرية الأمن الإسرائيلي.

بنت إسرائيل سياستها الأمنية على ما يُعرف بـ”عقيدة الردع” القائمة على مبدأ أن أي تهديد لأمنها سيُواجَه بقوة ساحقة تمنع تكراره مستقبلًا، ويمثل الردع واحدًا من أهم المحاور أو العمود الفقري للعقيدة الأمنية الإسرائيلية التي صاغها رئيس الوزراء الإسرائيلي “دافيد بن جوريون” في خمسينيات القرن العشرين، والتي بُنيت على مبدأين مركزيين: “جيش الشعب” بمعنى فرض التجنيد الإجباري على جميع الإسرائيليين، و”الثالوث الأمني” الذي يتضمن الردع، والإنذار، والحسم. يتحقق “الردع” من خلال شن هجمات انتقامية مدمرة تجاه العدو؛ ما سيقوده إلى الامتناع عن مهاجمة إسرائيل خشية من ردة فعلها القاسية. بينما يمكن تحقق “الإنذار” المبكر من خلال إيجاد قوة استخبارية متفوقة، قادرة على التنبؤ بنوايا الخصم، وإحباط خططه قبل تنفيذها. أما “الحسم” فالهدف منه تقصير مدة الاشتباك، من خلال توجيه ضربة قوية وحاسمة للعدو.

وقد أدى السابع من أكتوبر إلى أزمة حقيقة مست قلب العقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى حد وصفها بزلزال إستراتيجي زعزع صورة الجيش الإسرائيلي وواقعه؛ إذ فشلت ثلاثة من عناصر هذه العقيدة الأساسية الأربعة: الإنذار، والردع، والحسم، كما يقول “فادي نحاس” المحاضر والباحث الأكاديمي في مجال الأمن القومي الإسرائيلي؛ إذ اتضح عدم ارتداع التنظيمات الفلسطينية. أما ما يتصل بـ “الإنذار” المبكر، فقد تعرض هذا العنصر لضربة قوية بعدما فشلت المنظومة الاستخبارية في التنبؤ الدقيق بالسابع من أكتوبر، وقد أقر “تساحي هنغبي” رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، بأنه أخطأ في تقديره الذي بناه على تقارير أجهزة الأمن، والذي أعلنه قبل 6 أيام من السابع من أكتوبر. أما عنصر “الحسم” السريع، فلم يتحقق واستمرت الحرب عامين كاملين دون حسم أو انتصار واضح، وقد انعكس كل ذلك في تأثر العلاقة بين المدنيين والعسكريين تأثرًا سلبيًّا؛ إذ تزايدت الأصوات بين الإسرائيليين وداخل الجيش والتي طالبت بإبعاد المؤسسة العسكرية عن الحسابات السياسية، وبتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لتقييم أداء الجيش خلال الحرب.

نشر الجيش الإسرائيلي تحقيقًا حول السابع من أكتوبر في نهاية فبراير 2025، أكد فيه انهيار العقيدة العسكرية؛ إذ أظهر التحقيق أن تقديرات الجيش حول قدرات حماس كانت بعيدة عن الواقع، وأن العقيدة العسكرية الإسرائيلية بحاجة إلى مراجعة شاملة. ولذلك جاءت التوصية الأولى لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق “هرتسي هاليفي” بضرورة “القيام بتغيير في العقيدة الأمنية؛ إذ لا يجب السماح لأي عدو ببناء قوته على حدودنا، في وقت يعيش فيه المدنيون بالقرب منه، والاعتماد فقط على الردع والإنذار. لا يمكن السماح لحماس وحزب الله بالعودة إلى ما كانتا عليه”. والمؤكد أن هذا التهاوي للعقيدة الأمنية الإسرائيلية أو على الأقل ما طالها من تصدعات كان السبب الأول والرئيس لرد الفعل شديد العنف (الإبادي)، الذي قامت به إسرائيل ضد الفلسطينيين خلال عامين.

رابعًا: التكلفة الاقتصادية.

تكشف المؤشرات الاقتصادية عن ثمن كبير دفعه الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة حرب غزة، خاصة فيما يتعلق بمعدل النمو الاقتصادي وسوق العمل والاستثمار، وثمة تقديرات كثيرة ومختلفة للتكلفة الاقتصادية للحرب، فبينما قدر وزير الخزانة الإسرائيلية تكلفة يوم الحرب في غزة أنه 246 مليون دولار، فإن صحيفة “كالكاليست” الاقتصادية الإسرائيلية، قدرت تكلفة الحرب بنحو 67.57 مليار دولار حتى نهاية عام 2024. أما بنك إسرائيل فقد قدر تلك التكلفة في أكتوبر 2025، بنحو 100 مليار دولار، ما يعني 33.6 ألف دولار لكل أسرة إسرائيلية، وتَعني أيضًا 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي. كما خفض البنك توقعاته لنمو الاقتصاد لعام 2025 إلى 2.5% فقط، وهو ما يعادل تقريبًا نصف التوقعات المتفائلة الصادرة في أبريل 2024، التي كانت عند 5%، بينما كانت إسرائيل تحقق معدل نمو في 2022 مقداره 6.3%.

كما أدت الحرب إلى زيادة كبيرة في ميزانية الإنفاق الأمني، حيث تضاعف منذ عام 2022 لتصل في عام 2024 إلى 51.34 مليار دولار، خاصة مع الارتفاع الكبير في تكاليف الاحتياط العسكري من أقل من مليار دولار عام 2022 لتصبح 9.78 مليار دولار عام 2024. وعلى صعيد الميزانية العامة، صادق الكنيست في نهاية سبتمبر 2025، على تحويل 9.17 مليارات دولار إضافية لوزارة الدفاع، بينما بلغت ميزانية 2025 نحو 240.45 مليار دولار، منها 32.8 مليار دولار مخصصة لاحتياجات الجيش والعمليات العسكرية، مع رفع سقف العجز إلى 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي. كما ارتفعت ميزانية الدفاع إلى ما يقرب من 25% من الإنفاق الحكومي العام، ما أجبر الحكومة على خفض الإنفاق الاجتماعي ورفع الضرائب، وهو ما أثار موجة احتجاجات داخل الطبقة الوسطى الإسرائيلية التي شعرت بأنها تتحمل كلفة حرب لا نهاية لها. وبالنسبة للعملة الإسرائيلية (الشيكل) فقد تراجع بشكل حاد عقب اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، مسجلًا أسوأ سلسلة خسائر في 39 عامًا، ما اُضطر بنك إسرائيل لإطلاق برنامج طارئ قيمته 45 مليار دولار، تضمن بيع 30 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي و15 مليار دولار أخرى عبر عقود المقايضة.

علاوة على ذلك، فقد أدت الحرب إلى ركود في سوق العمل؛ حيث ارتفعت معدلات البطالة إلى 8.1%، وتضرر عشرات الآلاف من العاملين في الصناعات التكنولوجية والعسكرية التي تراجعت صادراتها بسبب القيود الأمنية وتوتر العلاقات مع الشركاء الغربيين. وعلى مستوى التصنيف الائتماني، وضعت وكالات التصنيف الائتماني الثلاثة (موديز، وإس آند بي جلوبال، وفيتش) إسرائيل تحت نظرة مستقبلية سلبية منذ اندلاع الحرب في 2023؛ إذ اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى استدانة 76 مليار دولار لتمويل الحرب وكان 81% من الديون عبر سوق السندات المحلية. كما أكدت وكالة “إس آند بي” أن ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وخاصة التصعيد العسكري، يعرض الاقتصاد الإسرائيلي لهبوط إضافي في التصنيف في حال استمرار النزاع. وبشكل عام، فثمة توقعات بأن تشكل الخسائر على مدى العقد القادم نحو 400 مليار دولار من إجمالي النشاط الاقتصادي، تمثل 90% من هذه الخسائر آثارًا غير مباشرة، مثل: انخفاض الاستثمار، وتعطل الأسواق، وانخفاض إنتاجية العمالة.

خامسًا: التداعيات النفسية والمجتمعية.

بحلول منتصف عام 2025، باتت إسرائيل تعيش حالة من الإرهاق المجتمعي والسياسي، وسط غياب رؤية إستراتيجية واضحة للحسم أو التسوية، وتآكل الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين القيادة السياسية ومؤسساتها الأمنية. وتحوَّلت حرب غزة من “حرب وجودية ضد حماس” إلى أزمة هوية داخلية تهدد تماسك الدولة الإسرائيلية ذاتها، بعدما كشفت عن عمق الانقسام بين رؤيتين: الأولى، تسعى للحسم العسكري مهما كانت التكاليف، والثانية تدعو لمراجعة جذرية لمفاهيم الأمن والسيادة في ظل متغيرات الواقع الإقليمي والدولي. كما أعادت الحرب إنتاج فجوات الهوية والانتماء بين فئات المجتمع الإسرائيلي؛ فتعززت سيطرة اليمين وتعمقت أزمة اليسار، فالشعور بالخطر الوجودي عزز التوجهات الدينية والقومية بين قطاعات واسعة من المجتمع، في مقابل تراجع الأصوات الليبرالية والعلمانية التي باتت أكثر هشاشة وعزلة، ومعها استمر رفض الحريديم الخدمة العسكرية رغم الدعوات الشعبية لتجنيدهم، وتزايدت موجات الهجرة من إسرائيل، فيما يطلق عليه البعض “تسونامي” هجرة من إسرائيل؛ إذ شهد 2024 ارتفاعًا لافتًا في أعداد المغادرين من إسرائيل؛ إذ غادر أكثر من 82 ألف شخص مقابل وصول نحو 31 ألف مهاجر فقط. ووفقًا لتقرير أعده مركز البحوث والمعلومات في الكنيست في أكتوبر 2025، فإن عام 2023 وحده شهد مغادرة نحو 83 ألف إسرائيلي، بزيادة نسبتها 39% عن العام السابق، كما شهدت أعداد العائدين من الخارج تراجعًا ملحوظًا؛ حيث عاد 24200 إسرائيلي فقط في 2023، مقارنة بـ29600 في 2022، أما في الفترة من يناير حتى أغسطس 2024، فقد بلغ عدد العائدين 12100 إسرائيلي فقط.

وفيما يتعلق بالجوانب النفسية، فقد قدر مراقب الدولة في إسرائيل في تقرير صدر في فبراير 2025، أن نحو 3 ملايين إسرائيلي قد يكونون من بين المصابين بأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، بما في ذلك الاكتئاب أو القلق؛ إذ أفاد نحو 38% من المشاركين في الدراسة عن وجود عرض واحد على الأقل لاضطراب ما بعد الصدمة. كما قدر مراقب الدولة أن نحو 900 ألف إسرائيلي يعانون أعراض اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب أو القلق، أو مزيج من الثلاثة، سيتعين عليهم طلب علاج هذه الحالات في المستقبل. ويعرف اضطراب ما بعد الصدمة أو “PTSD”، بأنه حالة صحية عقلية تنجم عن حدث مثير للتوتر، وقد تشمل استرجاع الأحداث ومعايشة الكوابيس والقلق الشديد، وقد تدفع أصحابها- في الحالات الشديدة- إلى الانتحار. ووفقًا لبيانات خدمات الرعاية الصحية في “مكابي”، ارتفعت تشخيصات اضطراب ما بعد الصدمة بين مرضى الصحة النفسية في إسرائيل بنسبة 112% منذ عام 2023. وأنه بين عامي (2016 و2022) بلغ متوسط ​​تشخيصات اضطراب ما بعد الصدمة 3400 مريض سنويًّا، وارتفع هذا العدد إلى 6245 في عام 2023، ثم إلى 8234 في عام 2024، واستمر هذا الارتفاع حتى عام 2025؛ حيث سجلت حوالي 2000 حالة تشخيص إضافية في الربع الأول من العام.

أما على مستوى الجنود، خاصة الاحتياط، فقد أظهرت دراسة أجراها باحثون في جامعة تل أبيب ونشرت نتائجها صحيفة “هاآرتس” في مايو 2025، أن واحدًا من كل ثمانية جنود إسرائيليين – احتياط – في الجيش  الإسرائيلي يعاني من أعراض “اضطراب ما بعد الصدمة” عقب مشاركته في حرب غزة، كما أوضحت الدراسة أن نحو 12% من جنود الاحتياط الذين شاركوا في الحرب أبلغوا عن أعراض متعددة ومقلقة تتوافق مع اضطراب ما بعد الصدمة. كما كشف تقرير صدر من مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست عن ارتفاع حاد في معدلات محاولات الانتحار داخل صفوف الجيش خلال عام ونصف من الحرب؛ إذ تم تسجيل 279 محاولة انتحار بين يناير 2024 ويوليو 2025، بمعدل سبع محاولات مقابل حالة انتحار واحدة خلال الفترة ذاتها قبل الحرب. وبينما تراوحت نسبة المنتحرين من الجيش 42% إلى 45% من إجمالي المنتحرين الإسرائيليين خلال الفترة من (2017 إلى 2022)، فإنها انخفضت عام 2023 إلى 17%، قبل أن ترتفع بسبب الحرب لتصل إلى 78% عام 2024.

سادسًا: تراجع صورة إسرائيل لتصبح “دولة منبوذة”.

منحنى تراجع صورة إسرائيل ومكانتها على المستوى الدولي في تصاعد مستمر منذ السابع من أكتوبر 2023، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها؛ فقد كشف استطلاع رأي أجراه مركز “بيو” في مارس 2025، ارتفاع نسبة الأمريكيين البالغين الذين يتبنون رواية غير مواتية لإسرائيل لتصل إلى 52% مقارنة بـ 42% عام 2022، فالخطاب الإسرائيلي لم يعد قادرًا على تبرير مستوى الدمار الإنساني في غزة أمام الرأي العام الغربي، كما يقول التقرير الصادر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي في يوليو 2025. كما استطلاع آخر للمركز أجري في 24 دولة، تشمل دُولًا، مثل: كندا، تركيا، هولندا، ودول أوربية وآسيوية وكذلك إفريقية أخرى، أن وجهات النظر الدولية تجاه إسرائيل ونتنياهو أصبحت أكثر سلبية، كما أكدت مؤسسة “yougov” أن نسبة تأييد إسرائيل في (ألمانيا، وفرنسا، والدنمارك) وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2016. كما كشف استطلاع أخر للمؤسسة في يوليو 2025، أن نسبة البريطانيين المتعاطفين مع إسرائيل 15% مقارنة بـ 32% متعاطفين مع الفلسطينيين.

هذا التراجع في مكانة إسرائيل الدولية انعكس بدوره على الداخل؛ إذ شعر الإسرائيليون بأن دولتهم باتت “معزولة أخلاقيًّا” ومنبوذة؛ إذ قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق “إيهود أولمرت” في أغسطس 2025، إن إسرائيل أصبحت “دولة منبوذة” بسبب ما ترتكبه من أفعال بحق الفلسطينيين. التخوف من صورة “الدولة المنبوذة” هاجس لم يغب عن الساحة الإسرائيلية؛ فقبل نحو عشرة أشهر نشر الكاتب الإسرائيلي “تسفى بارئيل” مقالًا في صحيفة هآرتس بعنوان “بن غفير يقود إسرائيل إلى الجحيم”، أكد فيه أن وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” “لن يرتاح حتى يجر الحكومة الإسرائيلية والجيش وجميع الإسرائيليين إلى مغامرة متهورة من شأنها أن تحوِّل إسرائيل إلى دولة منبوذة”.

وقبل خمسة عشر عامًا نشرت صحيفة “إندبندنت أون صنداي” في مارس 2010، مقالًا للكاتب “آفي شليم”، أكد فيه أن إسرائيل تروج لنفسها على أنها جزيرة الديمقراطية في بحر الاستبداد، غير أن أفعالها قد مزقت هذه الصورة إرْبًا إرْبًا، فإسرائيل في طريقها الآن لتصبح دولة منبوذة. بعد ذلك بنحو عام، قالت “تسيبي ليفني” رئيسة حزب “كديما” : بأن “إسرائيل تحولت إلى دولة منبوذة في العالم بسبب سياسة حكومة نتنياهو”. وإزاء تحركات السلطة الوطنية الفلسطينية منذ عام 2011 بالأمم المتحدة لدعوة العالم للاعتراف بدولة فلسطين على حدود العام 1967، حذر “دان غيلرمان” سفير إسرائيل السابق في الأمم المتحدة من أنه إذا نجحت السلطة في ذلك فستبدأ عملية تحول إسرائيل المؤلمة والمأساوية إلى دولة منبوذة، الأمر الذي وصفه وزير الدفاع “إيهود باراك” الأسبق بأنه “تسونامي” يهدد إسرائيل ومصالحها. وقد وصل هذا التسونامي إلى حد اعتراف دول، مثل: بريطانيا، وفرنسا بالدولة الفلسطينية ليصل عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية إلى 157 دولة من أصل 193 دولة في الأمم المتحدة.

لم يتوقف الأمر على المستوى الخارجي، بل تعاني إسرائيل من وضع مشابه وأكثر خطورة على المستوى الداخلي؛ فإسرائيل تفقد صورتها التي عملت على إقناع المنطقة والعالم بها على أنها دولة ديمقراطية؛ إذ أكدت المظاهرات أن الإسرائيليين على مستوى الشعب والمعارضة باتوا قلقين بشدة على مستقبل الدولة وديمقراطيتها، وبات العيش فيها محل تساؤل. فقد تساءل الكاتب الإسرائيلي “آفي شيلون” بصحيفة “يديعوت أحرنوت” في 18 يوليو 2025، عما إذا كان العيش في إسرائيل لا يزال ممتعًا، الكاتب يؤكد أن “الجهد الجسدي والنفسي الهائل الذي يبذله الجنود الذين ما زالوا مجندين في الحرب، وكذلك تعرضهم اليومي للخطر، ولمشاهد الدمار، وللسكان البائسين في غزة، يثقل كاهل الأرواح، وسيدفع الثمن جيل مسحوق من الشباب الإسرائيليين الذين سيخرجون مصدومين، وهو ما سيؤثر في المجتمع بأسره”. ويضيف أن “مجرد العيش تحت تهديد إلغاء كل عطلة ليس بالأمر الطبيعي، وهو ما يتعارض كما يذكر الكاتب مع إحدى الركائز الأساسية في رؤية مؤسس الدولة “تيودور هرتزل” وهي أن يكون الشعب مثل كل الشعوب، وأن تكون الحياة ممتعة في دولة اليهود.

تساؤل الكاتب هو بمثابة جرس إنذار للتحذير من التراجع الذي تعانيه متعة الحياة في إسرائيل على خلفية عامين من الحرب، التراجع يشير إليه تقرير السعادة العالمي لعام 2025؛ فبعد أن احتلت إسرائيل المرتبتين الرابعة والخامسة في عامي (2023 و2024) على التوالي، فإذا بها تتراجع لتحتل المرتبة الثامنة في تقرير 2025. إذًا التراجع في تزايد وبشكل متسارع ولو استمرت تلك الحرب فعلى الأرجح سيكون التراجع في تقرير 2026 أكبر بكثير، أو على الأقل، كما يقول “شيلون”، فإن الإسرائيليين مع استمرار الحرب ربما سيعيشون في دولة ناجحة من الناحيتين (الأمنية، والإستراتيجية) لكنهم سيعانون درجات متفاوتة من الاكتئاب الجماعي طلب بسببه نحو نصف مليون إسرائيلي علاجًا نفسيًّا خلال العامين الماضيين. هذا الاكتئاب كفيل بذاته لتغيير تقييم الإسرائيليين لجودة حياتهم وسعادتهم في المكان الذي صور لهم على أنه الجنة التي لا مثيل لها!

خلاصة القول، فإن تداعيات حرب غزة على إسرائيل طالت كل مناحي الحياة في إسرائيل وطالت صورتها على المستوى الدولي، والأهم أن تلك التداعيات لن ينتهي تأثيرها بمجرد انتهاء الحرب، فالملفات والقضايا التي فجرتها أو أعادت فتحها وكذلك المخاوف التي أحيتها ستظل تفرض نفسها على الأجندة (السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والمجتمعية) لسنوات وربما لعقود قادمة، ما يعني أن وقف الحرب وإن جاء بتدخل الرئيس الأمريكي “ترامب” فإنه جاء لوقف نزيف الخسائر وإطلاق مرحلة الحساب ودفع الثمن. وفي كل، فإن التدخل لوقف الحرب إنما جاء كما قال “آفي شليم” قبل 15 عامًا “لإنقاذ إسرائيل من نفسها”، أو بالأحرى مما يقودها إليه بنيامين نتنياهو واليمين المتطرف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى