المقدمة:
تمتد جذور العلاقات العربية-الإفريقية إلى قرون من التفاعل الحضاري، شكلته طرقُ التجارة عبر الصحراء وشمال إفريقيا وشرايين الاتصال الحيوية بين الشعوب القاطنة في إفريقيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد بين النهرين، وترابطٌ تاريخي عميق لم يقتصر على التبادل الثقافي والديني والفكري فحسب، بل شمل علاقات اقتصادية وتجارية، خلقت نسيجًا من المشتركات الحضارية التي مازالت آثارها واضحة حتى اليوم.
في العصر الحديث، ورغم هذه الجذور العميقة، والترابط الجغرافي، ظلت العلاقات العربية-الإفريقية تعاني من فجوة بين الإمكانات والواقع، فبينما تشترك الدول العربية والإفريقية في العديد من التحديات (التنموية، السياسية، والأمنية)، فإن مستوى التنسيق والتعاون المؤسسي لم يرتقِ بعد إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الفاعلة المأمول من الجانبين، تعود هذه المفارقة إلى جملة من العوامل التاريخية والهيكلية، منها: الإرث الاستعماري، والتبعية الاقتصادية، والانقسامات السياسية الداخلية.
يتتبع هذا المقال تطورَ العلاقات العربية- الإفريقية عبر تلمس البُنى المؤسسية المشتركة، مرورًا بتقييم القمم المشتركة إلى نماذج عملية للتعاون السياسي والدبلوماسي في الصومال والسودان، ثم ينطلق لتحليل التحولات الجيوسياسية الحالية ومركز بعض أدوات التعاون، ومنها المصرف العربي للتنمية، قبل أن يختتم ببعض الأفكار العامة لمستقبل مؤسسي أكثر تكاملًا وشراكة أكثر فاعلية.
أولًا- الأبعاد المؤسسية للتعاون: الفرص والتحديات.
تشكِّل العضوية المزدوجة للعديد من الدول العربية في كل من (جامعة الدول العربية، الاتحاد الإفريقي) أحدَ أهم السمات المميزة للعلاقات العربية-الإفريقية. هذه العضوية المتداخلة ليست مجرد ترتيب إداري شكلي، بل تعكس واقعًا جيوسياسيًّا وثقافيًّا عميقًا؛ فالدول العربية العشر الأعضاء في الاتحاد الإفريقي تمثل نقاط التقاء طبيعية بين الإطارين (العربي، الإفريقي)، يؤهلها لأدوار وساطة وربط فريدة.
من الناحية النظرية، تمنح هذه العضوية المزدوجة الدول المعنية قدرًا كبيرًا من المرونة الدبلوماسية؛ حيث يمكنها توظيف عضويتها في المنظمتين لتعزيز مصالحها وتوسيع نطاق تأثيرها، بل وتأدية أدوار طليعية في الوساطة وبذل المساعي الحميدة في حل بعض الأزمات.
غير أن هذه الميزة النظرية تصطدم بواقع التحديات العملية الجسيمة؛ ففي كثير من الأحيان تتعارض الأولويات والتوجهات بين المنظمتين، مما يضع الدول ذات العضوية المزدوجة في موقف حرج، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في القضايا الخلافية الكبرى؛ حيث تجد بعض الدول نفسها أمام خيارات صعبة بين الولاء للإطار العربي أو الإفريقي، وبين حماية مصالحها الحيوية والحفاظ على علاقاتها مع دول تعتبرها شقيقة أو مؤثرة في جوارها.
من ناحية أخرى، وبينما تظهر الوثائق الرسمية تأكيدًا متكررًا على أهمية التنسيق والتعاون العربي الإفريقي تبقى الآليات العملية لهذا التعاون ضعيفة وغير فاعلة في كثير من الأحيان، يعود ذلك إلى عوامل عدة، منها: التباين في الهياكل التنظيمية وآليات صنع القرار بين المنظمتين، مما يعوق عملية التنسيق الفني للدولة صاحبة العضوية المزدوجة، وفي أحيان أخرى، يمكن لهذه الدول أن تؤدي أدوارًا طليعية، مثل: موضوع التصدي لمحاولات إسرائيل التغلغل إلى الاتحاد الإفريقي، أو تأدية أدوار لجسر التواصل التنموي بين المنظمتين.
وقد برزت الحاجة إلى إعادة هيكلة التعاون المؤسسي بين المنظمتين، وسعت مجموعة من الدول العربية إلى تقديم أفكار لتجاوز النموذج القائم على الاجتماعات الدورية والبيانات المشتركة، وإلى صيغة أكثر عمقًا واستدامة، وأدَّت أيضًا دور القاطرة لإنشاء أطر مؤسسية دائمة للتنسيق، ووضع آليات تمويل مبتكرة، وتطوير رؤية إستراتيجية مشتركة تعالج الأولويات التنموية والأمنية للطرفين، وقد تجلى ذلك في عقد قمم عربية إفريقية بدأت في القاهرة عام 1977، ثم في سرت عام 2010، وبعد ذلك في الكويت عام 2013، ومؤخرًا في مالابو عام 2016.
ثانيًا- مسار القمم العربية-الإفريقية: من الطموحات إلى الواقع.
شكلت القمة العربية-الإفريقية الأولى في القاهرة عام 1977 لحظة فارقة في مسار العلاقات بين الجانبين؛ فقد جاءت هذه القمة في سياق تاريخي بالغ الخصوصية، حيث كانت الدول العربية والإفريقية تخوض معارك التحرر الوطني والبناء الاقتصادي، وكانت العلاقات بين الطرفين قبلها على مستوى سياسي متميز، ومن المفيد التذكير بأن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية نظَّمت العام الماضي بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي احتفالًا خاصًا بمناسبة الذكرى الستين لقمة منظمة الوحدة الإفريقية التي عقدت في مقر الجامعة العربية في القاهرة عام 1964. وتشير وثائق القمة الأولى لعام 1977 إلى تركيز القادة على ثلاثة محاور رئيسة: التضامن السياسي ضد الاستعمار والصهيونية، والتعاون الاقتصادي، وبناء آليات مؤسسية دائمة. وتجلى طموح هذه القمة في الدعوة إلى إقامة نظام اقتصادي جديد أكثر عدالة، يعكس مصالح دول الجنوب.
غير أن هذه الطموحات الجبارة التي نتج عنها تمثيل للجامعة العربية في مقر منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا وتمثيل آخر لمنظمة الوحدة الإفريقية لدى الجامعة العربية منذ ذلك الحين، اصطدمت بواقع التحديات التنفيذية والانقسامات الإقليمية. فمن الناحية السياسية، شهدت السنوات التي أعقبت القمة انقسامات عربية حادة عام 1978، أفقد الجامعة العربية جزءًا كبيرًا من تأثيرها في صناعة مسار شامل للتعاون العربي الإفريقي، كما انسحبت المملكة المغربية من منظمة الوحدة الإفريقية عام 1984، فصار مسار التعاون العربي-الإفريقي يأخذ منحىً ثنائيًّا وليس جماعيًّا متعدد الأطراف، زاد على ذلك تعثر مشاريع أعلنت عنها القمة بسبب غياب آليات التمويل الفعالة، وظلت بعض المشاريع الاقتصادية المشتركة حبيسة الأدراج.
تطور آليات الشراكة: بعد قمة القاهرة الأولى من سرت إلى مالابو.
- قمة سرت 2010: بعد ثلاثة وثلاثين عامًا من انقطاع القمم، نجحت الدبلوماسية العربية والإفريقية مع الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومفوضية الاتحاد الإفريقي في عقد قمة ثانية في سرت برئاسة ليبيا في 10/10/ 2010،
وسادت هذه القمة أجواء تفاؤلية اعتمدت خلالها وثيقة طموحة بعنوان “الإستراتيجية الشاملة للشراكة”- تضمنت هيكلًا معقدًا ومتخمًا بالآليات لتنفيذ ومتابعة وتقييم ومراجعة إستراتيجية الشراكة الإفريقية العربية، فوضعت خطط عمل هرمية وأفقية شملت عقد قمة مشتركة كل ثلاث سنوات بالتناوب في البلدان العربية والإفريقية- وإنشاء مجلس مشترك لوزراء خارجية الدول الإفريقية والعربية يجتمع كل 18 شهر بالتناوب ويجري استعراضات نصف المدة لخطط العمل – وكذلك لجنة شراكة تتألف من 24 دولة، 12 من كل إقليم يختارهم على نحو تداولي للاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية كلٌ على حدة، بمثابة ذراع تنفيذية للقمم وتجتمع سنويًّا على المستوى الوزاري وكل ستة أشهر على مستوى كبار المسؤولين بالتناوب في الإقليمين- وأيضًا مجالس وزارية قطاعية إفريقية عربية من مختلف الوزارات المتخصصة في الإقليمين ترفع تقاريرها إلى لجنة الشراكة – وأنشأت لجنة فنية تتكون من ممثلين من لجنة الممثلين الدائمين للاتحاد الإفريقي والجهاز المماثل من جامعة الدول العربية وتجتمع كل ستة أشهر- وأنشأت منتدىً تنمويًّا يُعقد كل سنتين بالتناوب بين الإقليمين ويجمع مسؤولين حكوميين وخبراء وأكاديميين وقطاع خاص ومجتمع مدني وغرف تجارية للجانبين – وأخيرًا شكلت لجنة تنسيق من ممثلي الرئاسة الحالية والسابقة والقادمة للاتحاد الإفريقي والقمة العربية، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي وأمين عام الجامعة العربية، وتجتمع كل ستة أشهر بالتناوب بين أديس أبابا والقاهرة أو أي مكان آخر.
لقد كان طموح الجانبين بعد ثلاثة وثلاثين عامًا من توقف القمم عاليًا فذهب إلى تحقيق مشاركة غير مسبوقة للقطاع الخاص والمجتمع المدني عبر إنشاء منتدى تنموي، وإنشاء صندوق عربي-إفريقي لمواجهة الكوارث دون توضيح كيفية تمويله، ومع شديد الأسف لم تساعد التحولات السياسية التي شهدها الوطن العربي بعد شهرين من هذه القمة في إعطاء الوقت والجهد لوضع نتائجها الطموحة موضع التنفيذ.
- قمة الكويت 2013: في هذه القمة الثالثة، التي عُقدت في ظروف سياسية غائمة وشديدة الاختلاف عن تلك التي عقدت فيها القمة السابقة في سرت، بدا أن مجرد الحفاظ على زخم عقد القمة هو انتصار للشراكة، وقد انصب التركيز على الواقعية بدلًا من الطموح وهو ما قد انعكس على إعلان الكويت الذي أكد في فقراته الأولى على بالغ الانشغال إزاء التحديات القائمة نتيجة النزاعات وانعدام الأمن والاستقرار في بعض أجزاء منطقتنا، وعمدت القمة إلى اتخاذ قرار بشأن “ترشيد آلية تنفيذ ومتابعة الشراكة الإفريقية العربية” فركزت فقط على عقد اجتماع لجنة تنسيق الشراكة الإفريقية العربية على المستوى الوزاري مرة في السنة، وعلى مستوى كبار المسؤولين مرة كل ستة أشهر، دون ذكر الآليات الأخرى المتعددة والطموحة، وقرار آخر بشأن “تشكيل آلية تنسيق لتمويل المشروعات الإفريقية العربية المشتركة” كلفت فيه مفوضية الاتحاد الإفريقي والأمانة العامة لجامعة الدول العربية بمفاتحة المؤسسات والصناديق المالية القائمة في المنطقتين لتشكيل فريق عمل لتنسيق جهودها لتنفيذ المشروعات العربية الإفريقية المشتركة، بما فيها خطة العمل المشتركة، ودعت المؤسسات المالية التنموية إلى تقديم دعمها بشكل فعال والمشاركة في تنفيذ خطة العمل المشتركة من خلال هذه الآلية المشتركة.
وعمدت بعض القرارات إلى رمي الكرة في ملعب المؤسسات المالية للجانبين، التي لم يكن لها دور كبير في التحضيرات ولم يجرِ استشارتها في جدوى المقترحات الكثيرة المقدمة ولم يترك لها الوقت الكافي لمعالجة قضايا التنسيق فيما بينها من ناحية، أو فيما بينها وبين المؤسسات السياسية للمنظمتين.
- قمة مالابو 2016: هي القمة الأولى من نوعها التي تُعقد في دولة عضو في الاتحاد الإفريقي وليست في جامعة الدول العربية، وسبق هذه القمة عمل تعاوني واقعي، وظل موضوع معايير المشاركة في هذه القمة قضية ذات أولوية للمنظمتين في ضوء قرارات كل منظمة وتوجهاتها، وأخذ الموضوع نصيبًا كبيرًا من وقت المداولات قبل القمة وفي أثنائها، وكشفت مداخلات الوفود عن رغبة حقيقية في ردم الفجوة بين الخطاب الطموح والواقع المؤسسي بما فيه من تحديات حتى لا يصدر عن القمة توصيات لا تجد القدرة الفعلية على التنفيذ كما جرى في القمتين السابقتين، أو تفتقد لآليات تمويل مبتكرة تجعلها أسيرة لتمويل حكومي تقليدي تطوعي.
والجديد هو أن القمة نجحت في اتخاذ قرار بشأن مبادئ ومعايير المشاركة في اجتماعات وفعاليات الشراكة الإفريقية العربية، أحاط علمًا بقرارات قمم الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية في هذا الشأن، وطلب من مفوضية الاتحاد الإفريقي وأمانة جامعة الدول العربية الدخول في مناقشات بنَّاءة لتحديد مبادئ ومعايير مقبولة وملزمة للطرفين للاجتماعات المشتركة للشراكة العربية الإفريقية، بما يعكس مصالحهما المشتركة وإمكانات علاقاتهما الإستراتيجية، ومن ثم تقديم توصياتهما إلى اجتماع مشترك لوزراء الخارجية تتفق عليه المنظمتان في المستقبل القريب.
وقد استمر التأثير الجيوسياسي الإقليمي يجذب أجندة التعاون العربي-الإفريقي بعيدًا عن الفكرة الرئيسة التي جمعت الدول العربية والإفريقية على الدوام، وهي تحقيق تكامل اقتصادي مؤسسي فيما بينهم يعظم من قدراتهم على الاستفادة من مواردهم الضخمة والهائلة ويجني ثمار تداخلهم الجغرافي وتشابهم الثقافي، ولا زالت المساعي قائمة لإنجاح أعمال القمة الخامسة المقرر عقدها في الرياض.
ثالثًا- نماذج للتفاعل السياسي في أزمات في الفضاء المشترك.
مثَّل التعاون فيما بين المنظمتين، وفيما بينهما وبين حكومات (السودان، الصومال، القمر، وليبيا)- نموذجًا فريدًا للتفاعل السياسي العربي-الإفريقي؛ حيث تتجلى العلاقة العضوية بين العالمين (العربي، الإفريقي) في النسيج الاجتماعي والثقافي لهذه الدول ليس على المستوى اللغوي فحسب، بل في التشكيل الحضاري العام؛ حيث تشكل اللغة العربية مكانة رسمية بينما يشكل الإسلام عنصرًا جامعًا في الهوية الوطنية.
هذا المزيج الحضاري الفريد جعل من هذه الدول مثل غيرها من الدول العربية الأعضاء في الاتحاد الإفريقي- جسرًا طبيعيًّا بين العالمين (العربي، الإفريقي)، وجعلها أكثر انفتاحًا على تقبل عمل سياسي مشترك لمساعدتها في تخطي تحديات تواجه استقرارها السياسي والأمني وتأكيد سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها.
السودان نموذجًا: من الدولة “الجسر” إلى فضاء التكامل الإقليمي.
يمثل السودان حالة أكثر تعقيدًا في سياق العلاقات العربية-الإفريقية؛ فمن الناحية الجغرافية والثقافية يشكل السودان جسرًا طبيعيًّا بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، غير أن هذا الموقع الجيوسياسي الفريد والجينات السياسية لهذا البلد العملاق لم يتوفر له الفرص التي تؤهله لقيادة التكامل بسبب الظروف التي واجهها هذا البلد منذ استقلاله.
لطالما عانى السودان من إشكالية الهُوية المركبة؛ حيث تتصارع التيارات المختلفة حول طبيعة الانتماء الحضاري للبلاد، فبينما يؤكد بعض السودانيين على الهوية العربية الإسلامية، يرى آخرون في التنوع الإثني والثقافي أساسًا لهوية سودانية أكثر شمولًا. هذا الجدل لم يبقَ حبيس النقاشات الفكرية، بل انعكس على الواقع السياسي، وقد فطنت المنظمتان إلى أهمية تعاونهما من أجل مساعدة هذا البلد الجسر في القفز فوق تحدياته، وتأدية الدور الطليعي المأمول منه، وظهر ذلك منذ تعاونهما في التوصل إلى اتفاق “أبوجا” عام 2006، ثم اتفاق الدوحة عام 2011، ثم تعاونهما بعد تغير النظام السياسي عام 2019 لاستيعاب الأطراف المختلفة، وأخيرًا بعد نشوب الحرب المؤسفة عام 2023، عمدت المنظمتان على الدوام إلى تكثيف مناقشاتهما بحيث يظل تعاونهما السياسي والمؤسسي قادرًا على المساهمة في استعادة السلام والأمن والاستقرار لهذا البلد.
وفي هذا السياق، من المهم الإشارة إلى البيان الثلاثي الأخير الصادر مؤخرًا عن اجتماع عالي المستوى يوم 16 مايو 2025 حول السودان بين أمين عام الجامعة العربية ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي وسكرتير عام الأمم المتحدة بوصفه نموذج لتعاون مؤسسي، لم يقتصر على الخطابة السياسية بل اعتراف بأهمية التقدم خطوة في مجال التنسيق والتعاون فيما بينهم، وفقًا لمبدأ التكاملية والميزات النسبية لمعالجة الجذور الهيكلية للأزمة السودانية، وتفادي انهيار مؤسساته الوطنية أو المساس بوحدته الترابية.
ويتوقف نجاح هذا النموذج على قدرة هذه المنظمات على تجاوز دورها التقليدي كوسيط في الأزمات إلى فاعل حقيقي في صناعة الاستقرار والتنمية، وهذا يتطلب مقاربة شاملة تعالج الأبعاد (السياسية، الاقتصادية، والثقافية) للأزمة، وتصل إلى تعريف شبه موحد لها، وتضع آليات تنفيذية فاعلة تضمن تحويل التوصيات إلى سياسات ملموسة، وتنجح في إشراك كافة المكونات السودانية في عملية صنع القرار، وتساهم معهم في وضع رؤية تنموية واضحة تربط بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
رابعًا- التحولات الجيوسياسية وتأثيرها على التعاون العربي-الإفريقي.
يشهد النظام الدولي تحولاتٍ عميقةً في موازين القوى مع صعود الصين والدول الآسيوية الأخرى، وتراجع النفوذ التقليدي للقوى الغربية.
هذه التحولات تفرض على الدول العربية والإفريقية إعادة النظر في إستراتيجياتها الخارجية والتنموية، وفي حين صارت مبادرة “الحزام والطريق” الصينية تمثل نموذجًا للتحول الجذري في خريطة الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية الدولية، استطاعت الصين من خلاله أن تبني شبكة واسعة من الشركاء الاقتصاديين في إفريقيا والعالم العربي، وتغيير بشكل جذري خريطة النفوذ الاقتصادي في هذه المناطق_ في المقابل شهد النفوذ التقليدي للغرب في إفريقيا والعالم العربي تراجعًا ملحوظًا، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل منها: تراجع المساعدات التنموية الغربية مع تحول أولويات الدول الغربية إلى قضايا داخلية، وفقدان المصداقية؛ بسبب السياسات المزدوجة في التعامل مع القضايا الدولية (قضية فلسطين وجرائم الحرب في غزة، مثالٌ صارخ) والتنافس الحاد بين القوى الغربية، مما أضعف قدرتها على تقديم رؤية موحدة.
هذه التحولات تخلق فرصًا وتحديات أمام التعاون العربي-الإفريقي؛ فمن ناحية تتيح للدول العربية والإفريقية مساحة أكبر للمناورة في سياستها الخارجية، وخيارات أوسع في شراكاتها الاقتصادية، لكن من ناحية أخرى، تفرض هذه التحولات ضرورة تطوير نماذج أكثر فاعلية للتعاون المشترك؛ حتى لا تجد الدول العربية والإفريقية نفسها في موقع التابع في نظام دولي جديد – في مواجهة هذا الواقع- صار من المحتم على التعاون العربي-الإفريقي أن ينتقل وبسرعة من النموذج التقليدي القائم على التضامن السياسي والمساعدات الإنمائية إلى نموذج أكثر تطورًا يقوم على الشراكات الاقتصادية الإستراتيجية التي تعظم المزايا النسبية للطرفين، والتكامل الإقليمي من خلال تعزيز الترابطات الاقتصادية المشتركة -يرتكز على القطاع الخاص العربي والإفريقي- وتحقيق التنسيق السياسي في المحافل الدولية لتعزيز مصالح الجنوب، مع التركيز على التبادل المعرفي والتكنولوجي؛ لبناء اقتصاد المعرفة نموذجًا يقف عملاقًا كما يستحق ومعبرًا عن حقائق التاريخ والجغرافيا والمكونات السكانية الشبابية، وينجح في فرض رؤية دول الجنوب ضد مخططات استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وينظر في التحالفات الدولية والإقليمية التي تخدم مصالحه هو بالأساس.
خامسًا- المصرف العربي للتنمية في إفريقيا: إمكانات هائلة وتحديات جسيمة.
من المهم التوقف عند هذه الحالة الناجحة في مسار التعاون العربي الإفريقي والتي نأت بنفسها عن المطبات السياسية؛ حيث يعد المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا أحد أهم الأدوات المؤسسية للتعاون الاقتصادي العربي-الإفريقي، تأسس المصرف عام 1973 بمبادرة من جامعة الدول العربية، بهدف تعزيز الاستثمارات العربية في القارة الإفريقية، وعلى مدى عقود من العمل، استطاع المصرف أن يبني حضورًا ملموسًا في العديد من الدول الإفريقية، حيث شارك في تمويل المئات من المشاريع التنموية.
من الناحية الرقمية، ووفقًا للتقرير المالي الأخير المنشور على موقع المصرف الإلكتروني- يشهد رأس مال المصرف نموًا مطردًا؛ حيث ارتفع من 231 مليون دولار عند التأسيس إلى حوالي 5 مليارات دولار حاليًّا، هذا النمو الكمي يعكس إلى حد ما الثقة المتزايدة في أداء المصرف، وقدرته على جذب المزيد من الموارد المالية.
إن التقييم الموضوعي لأداء المصرف يكشف عن فجوة بين الإمكانات المالية والتأثير التنموي الفعلي؛ فبالمقارنة مع مؤسسات التمويل الدولية الأخرى العاملة في إفريقيا، يبقى تأثير المصرف محدودًا نسبيًّا، ويبدو أن هذه المفارقة تعود إلى عوامل من بينها:- التركيز على القروض الحكومية؛ حيث ظل الجزء الأكبر من محفظة المصرف موجهًا للحكومات بدلًا من القطاع الخاص، والبيروقراطية التي تعوق سرعة اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع وتوزيع استثمارات المصرف على قطاعات متعددة دون تركيز كافٍ، وأخيرًا ضعف التكاملية مع المؤسسات المالية الإفريقية مما حد من تأثير المشاريع الممولة. وقد تنبه المصرف لهذه التحديات فأطلق إستراتيجيته الجديدة لعام 2030؛ لتركز على أربعة محاور رئيسة، وهي: تنمية سلسلة القيمة الزراعية؛ بهدف تعزيز الأمن الغذائي، وتحفيز التجارة. وتنمية القطاع الخاص؛ لدعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ لتعزيز ريادة الأعمال. والاستثمار في البنية التحتية: لدعم التصنيع والابتكار.
غير أن نجاح هذه الإستراتيجية يتوقف على قدرة المصرف على إجراء إصلاحات جذرية في هياكله التشغيلية، وتبنِّي مقاربات أكثر ابتكارًا في التمويل والاستثمار، وتعزيزًا كبيرًا للتعاون مع المؤسسات المالية الإفريقية، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في أنشطة المصرف.
في مواجهة هذه التحولات، ما الرؤية المستقبلية التي يمكن أن تقود التعاون العربي-الإفريقي؟
سادسًا- رؤية مستقبلية لتعزيز التعاون العربي-الإفريقي.
ربما يكون المصرف هو قاطرة التعاون العربي الإفريقي بمعناه الشامل، وحتى ذلك الحين لتحقيق نقلة نوعية في العلاقات العربية-الإفريقية، لا بد من اعتماد مقاربة شاملة تعالج الجوانب (السياسية، الاقتصادية، والثقافية)، وتركز على الحلول العملية التي تتجاوز الإشكالات السياسية، وتطور آلية تنفيذ واقعية بعيدة عن التعقيدات الدبلوماسية، وتعمل على الوصول إلى نتائج ملموسة دون الدخول في الخلافات، والتحلي بمرونة تسمح بمواصلة العمل حتى في ظل الخلافات السياسية، دون أن تشعر أي دولة من الدول العربية أو الإفريقية بأن التعاون العربي الإفريقي سيخصم من مصالحها المباشرة.
فنقطة البدء الأكثر استقرارًا في تعزيز التنسيق المؤسسي، هي الاعتماد على آليات التعاون بين الأمانة العامة لجامعة الدول العربية ومفوضية الاتحاد الإفريقي- التي تتجاوز نطاق الاجتماعات الدورية والبيانات المشتركة والخطابات الافتتاحية وتقدم مقاربة عملية تعالج الثغرات دون إثارة الخلافات- تكون بمثابة المصعد الحقيقي إلى آلية وزارية محدودة.
من ناحية ثانية، وبشكل موازٍ، آن أوان التفكير في حزم عملية للتعاون، مثل: مشروع الربط الرقمي العربي-الإفريقي، وإنشاء شبكة اتصالات بحرية عابرة للقارات، وتطوير منصة تجارية إلكترونية موحدة، وتحقيق مبادرة الأمن الغذائي المشترك، تشمل بنك عربي-أفريقي للبذور، ومشاريع استثمارية زراعية بتمويل مشترك من المصرف العربي للتنمية الاقتصادية والبنك الإفريقي للتنمية، ويؤدي فيه القطاع الخاص دورًا فاعلًا وفقًا لمعايير قانونية ودراسات جدوى تشارك شركات القطاع الخاص في وضعها.
إن ما سبق يحتاج إلى مواكبة ما يشهده العالم من تحولات كبرى في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر، ويمكن للتعاون العربي-الإفريقي أن يجد في هذه التحولات فرصًا كبيرة للنمو المشترك، من خلال شراكات في مجال الطاقة المتجددة؛ حيث تمتلك العديد من الدول العربية والإفريقية إمكانات هائلة في هذا المجال، وتعزيز الاقتصاد الرقمي عبر تطوير البنية التحتية الرقمية وريادة الأعمال التكنولوجية، والاستثمار في الابتكار من خلال إنشاء مراكز بحثية مشتركة.
خاتمة: نحو شراكة إستراتيجية فاعلة.
التعاون العربي-الإفريقي ليس مجرد خيار سياسي، بل ضرورة تاريخية وحضارية في عالم يتسم بتصاعد المنافسة وتزايد التحديات المشتركة. النجاح في بناء هذه الشراكة يتطلب تجاوز الخطاب السياسي العام إلى العمل المؤسسي المنظم، وتجاوز منطق المساعدات إلى منطق الاستثمار المشترك، وتجاوز النظرة الضيقة للمصالح القطرية إلى رؤية إستراتيجية شاملة شابة بروح وثابة وليست بمنطق الخطابة.
إن تاريخنا السياسي ممتلئ بتجارب التكامل الإقليمي الناجحة، على مستوى الحكومات ومستوى القطاع الخاص، ومستوى المجتمع المدني، يمكن استلهامها مع الأخذ في الاعتبار الخصوصيات الثقافية والسياسية للعلاقات العربية-الإفريقية، والحلفاء الجدد الباحثين عن فرص إنمائية واستثمارية.
إن التحول من العلاقات التقليدية إلى شراكة إستراتيجية حقيقية غير واهمة يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية واضحة، وآليات تنفيذ فاعلة، وهو تحول ليس خيارًا فحسب، بل ضرورة حتمية في عالم يزداد ترابطًا وتنافسية، إنه خيار المستقبل للشعوب العربية والإفريقية.




