مارس الغرب الأوروبي سياسات غزو وموجات احتلال في أربعة أنحاء العالم بذريعة مسؤولية الرجل الأبيض عن تنوير وتحضير البشرية، وهذا هو جوهر النزعة الكولونيالية التي هيمنت على السياسة الأوروبية، بين مطلع القرن التاسع عشر ومنتصف العشرين. وفي موازاة السيطرة العسكرية على الآخر، تنامت نزعة ثقافية استعلائية هدفها الأساسي تبرير تلك السيطرة بالتفوق الحضاري الأوروبي (الفكري، والعرقي، والديني)، تحدثت عن فكر غربي اتسم بالوحدة والتماسك والاطراد عبر التاريخ، وكذلك بالفرادة والكونية، يتجذر في تجربة أصلية هي الفلسفة اليونانية، يصلح أساسًا للتحديث والتقدم في كل زمان ومكان. كما تحدثت عن فكر الآخر باعتباره متخلفًا؛ لدوافع (عرقية، ودينية، وأخلاقية) ما يستلزم كونه تابعًا يقتفي أثر نظيره أو ربما نقيضه الغربي، مطلق النقاء، الخالي تمامًا من كل شائبة.
بلغت المركزية الثقافية الأوربية نقطة أوجها عشية الحرب العالمية الأولي، فشكلت مسرح الوعي الذي جرت عليها وقائعها قبل مئة عام ونيف بين دول المحور بقيادة ألمانيا ومن خلفها الإمبراطوريتان (النمساوية المجرية، والعثمانية)، وبين دول التحالف وعلى رأسها (فرنسا، وبريطانيا) ومن خلفهما (إيطاليا، وبلجيكا)؛ لتخلف لنا عشرة ملايين من القتلى ناهيك عن أضعافهم من الجرحى والمصابين بعاهات مستديمة وأزمات نفسية، في دراما كونية ربما كانت الأكثر بربرية عبر التاريخ حتى الحرب العالمية الثانية، التي تفوقت عليها في كل شيء؛ إذ خَلَّفت ما يزيد عن ستين مليون قتيل، مع دمار واسع المدى طال نصف جغرافية العالم، واستخدام وحشي أول وأخير للسلاح النووي ضد هيروشيما ونجازاكي. كانت الحربان أوروبيتين بالكامل في أهدافهما، وأطرافهما، عدا اليابان، لكنهما حملتا وصف العالمية؛ لأن أوروبا منحت نفسها حق الحديث باسم الإنسانية كلها، رغم كل ما ارتكبته من جرائم سطو على الثروات، وما خلفته من دماء وجراح وآلام نالت من تلك الإنسانية.
حدث ذلك بالأمس من قبل أوروبا، ويحدث الآن من قبل أمريكا، وريثتها الغربية؛ لأن فلسفة التنوير، في صيغتها المادية، التي أسست لتجربة الحداثة الغربية، قدمت فهمًا للوجود الإنساني يقول بأن الصراع هو جوهر العلاقة سواء بين البشر وبعضهم البعض، أو بينهم وبين الطبيعة. وفي اعتقادنا أن لا خلاص من الألم الإنساني إلا باجتثاث ذلك المنظور الصراعي من فلسفة التنوير، والذي سيطر على المخيلة الغربية واستبداله بمنظور تعايشي يتأسس على فهم إنساني لطبيعة الوجود البشري.
جذور الخلل في معمار التنوير.
تنبع جل آلام الإنسان ومعاناته من الفجوة الدائمة بين ما يملكه بالفعل، وما يأمل في تملكه؛ ولأنه لا سقف للطموحات والرغبات، فيما الجهد والعمر محدودان، فقد نمت تلك الفجوة إلى الحد الذي جعل الألم طابعًا أصيلًا للوجود البشري، يشغل الفكر الإنساني على مر العصور. وقد حاولت فلسفات الحداثة الغربية، منذ العصر المركنتيلي وحتى زمن العولمة، أن تسد تلك الفجوة من خلال بذل جهود مضاعفة تزيد من ممكنات الإنسان وطاقاته لتواكب طموحاته ورغباته، الأمر الذي أحال العلاقة بين الإنسان والطبيعة إلى صراع دائم؛ فالإنسان يحاول السيطرة على الطبيعة فيما الطبيعة تتحدى كفاحه. ينجح الإنسان أحيانًا في مهمته وهو ما يفسر التقدم المطرد في حركة التاريخ البشري، ويخفق أحيانًا أخرى، فيتفجر قلقه المزمن إزاء ما يحد وجوده، ويعوقه عن تحقيق كل إمكاناته، وهنا يدخل الفرد في تنافس ضَارٍ مع الآخرين داخل مجتمعه، وتدخل المجتمعات في منافسة مع بعضها، وتتورط الإنسانية جلها في صراع مع الطبيعة، بل إن الإنسان- أحيانًا- يدخل في عراك مع نفسه، إلى الدرجة التي تفقده الشعور بمغزى وجوده. هذا الكفاح المضني، والتنافس المرهق، هما سر التوترات الصغرى، والمآسي الكبرى، التي يعاني منها عالمنا رغم تقدمه المادي المفرط. وهكذا، يظل معمار الحداثة الغربية عاجزًا عن حمل مسؤولية التشريع للإنسانية، كما زعمت فلسفة التنوير، بفعل مواطن ثلاثة أساسية للخلل:
الخلل الأول: هو تقديس الفردية المطلقة، باعتبار أن مبدأ الخير العام الكوني هو مجرد حاصل جمع لخير الأفراد، وأن الفرد هو الأقدر على تحديد خيره الخاص، فما يراه خيرًا يعد خيرًا، والعكس بالعكس، الأمر الذي يجعله مشرِّعًا أخلاقيًّا لذاته، ويفقد الأخلاق كونيتها ومُطلقها، وقد يدفع بها إلى فلك النسبية وربما العدمية، كما هو الحال في قضية الشذوذ الجنسي التي تزايد الإلحاح عليها، وصار يُعاقب كلَّ من يعارضها صراحة أو يمتنع عن المشاركة في أنشطتها الدعائية، خصوصًا على هامش المناسبات الرياضية، وكأنها القضية الأهم في عالمنا الذي يموج بعشرات المخاطر والتهديدات. والحق أن قضية الشذوذ تظل أقرب ما يكون إلى بقعة سوداء في ثوب الإنسانية، تشبه الثقوب السوداء في الفضاء الكوني، والتي أرقت طويلًا علماء الطبيعة. نعم عرفت جل المجتمعات والحضارات القديمة تلك الظاهرة، لكن الأديان السماوية استمرت في وصمها بالعار، واعتبرتها الكتب المقدسة رزيلة تثير غضب الإله، فاستمر التعاطي معها كاستثناء سلبي، يتخفى أصحابه عن العيون وإلا نالهم العقاب. وقد لا يكون من الشفقة اليوم أن نعاقبهم، لكن خروجهم بالظاهرة إلى العلن، ومحاولة تقنينها وفرضها على الآخرين، واتخاذهم وأشياعهم موقف الهجوم ليس إلا جريمة في حق الإنسانية، ترتكبها التيارات الليبرالية المتطرفة التي سمحت بزواج هؤلاء، واعتبرت الشذوذ مجرد “مثلية جنسية”، تعكس تنوعًا طبيعيًّا في الميول العاطفية.
تتجذر تلك العدمية الأخلاقية في طور من العلمنة الفائقة (الوجودية)، لا يكتفي بإزاحة الدين من المجال العام، أو تنحيته عن التدخل في البنى (الاقتصادية، والسياسية، والمعرفية) بل يسعى إلى نفيه من الوجدان الفردي والوجود الاجتماعي، وتهميش دوره في صياغة القيم السائدة، التي طالما عبرت عن نفسها بالذات في قوانين الزواج والطلاق، وفي أنماط الاجتماع المتمدين. هذا الطور فائق العلمنة يستقي إلهامه من نمط التنوير الراديكالي الذي ينفي الحضور الإلهي ويرى فيه مصادرة على الحضور الإنساني. والحقيقة أن الشذوذ لا يمثل فقط تحديًّا لمركزية الله في الوجود، ولا يتناقض فقط مع القيم الدينية، بل إنه يتصادم مع مبدأ الخير العام الكوني، الذي يسمو على جميع الأديان والثقافات؛ ليجسد جوهر السنن التاريخية والقيم الحضارية للمجتمعات المتمدينة؛ فالشذوذ ليس مجرد كسر لـقانون ديني أو حتى وضعي، بل هو كسر للطبيعة البشرية (الفطرة الإنسانية ذاتها) يهدم من ناحية الأسرة التقليدية، الأقدر على رعاية الأطفال وتنمية ذواتهم، وانتماءهم للجماعة الأكبر وصولًا إلى الدولة الوطنية. ويعطل، من ناحية أخرى، مسيرة النمو البشري التي ترعاها العلاقة الجنسية العابرة للنوع، وما يترتب عليها من تناسل.
المفارقة الكبرى أن القارة الأوروبية، الأكثر تبنيًّا لقضية الشذوذ، هي الأكثر معاناة من مشكلة الخصوبة، التي تفاقمت في العقود الأخيرة وأدت إلى ثبات عدد السكان الأصليين في بعض البلدان الأقل تقدمًا، وتناقصهم في البلدان الأكثر تقدمًا كـ(ألمانيا، وفرنسا، وإنجلترا، وإيطاليا) مما يضطرها إلى فتح الباب أمام الهجرة خصوصًا من دول شمال إفريقيا بالنسبة لـ(فرنسا، وإيطاليا)، ومن تركيا بالنسبة لألمانيا، ومن الهنود والباكستانيين بالنسبة لإنجلترا، قبل أن تعود جميعها للشكوى من أزمات المهاجرين التي يتغذى من رحمها اليمين المتطرف، المعادي لجل القيم التنويرية كـ(التعدد، والتسامح، والانفتاح على الآخر). أما الأخطر من ذلك، فهو تلك التنبؤات الصادرة حول مستقبل أوروبا، واحتمال تحولها إلى قارة إسلامية بعد نصف قرن فقط إذا ما استمر معدل التناقص الحالي في نسبة السكان الأصليين، ومعدل الهجرة الحالي من قبل المسلمين، مع ارتفاع خصوبتهم، حتى إن دراسة طريفة أجريت في بريطانيا قبل سنوات قليلة كشفت أن اسم “محمد” بين المواليد قد اختطف موقع الصدارة من اسم “جورج”. الغريب أن ذلك الخطر المحدق (من وجهة نظر اليمين الأوروبي) لم يحرك ساكنًا لدى نظرائهم من المشرعين والساسة الليبراليين، ما يعني أننا إزاء حضارة تنتحر، تبدو مريضة بالسرطان، وترى وجهها شاحبًا في المرآة، لكنها لا تطلب علاجًا، وكأننا في نهاية دورة حضارية خلدونية، يسرع من وتيرة أفولها الميوعة والابتذال.
والخلل الثاني: يكمن في الثقة المطلقة بقوى السوق والتكنولوجيا كأدوات تحقق، بطريقة أوتوماتيكية، وعبر اليد الخفية، تلك التوازنات التي لا تستطيع الحكومات أن تحققها. هذا التصور يتجاهل حقيقة أن تلك الأدوات من صنع البشر، وأن استمرار كفاءتها في أداء دورها يتطلب أن نحتفظ لها بصفة الأدوات، وأن نراقب عملها كي لا تنحرف إلى مسارات غير مقبولة. يفترض التصور المثالي لطبيعة السوق أن تلتقي الآراء المتناقضة عن الإنتاج والاستهلاك والاستثمار في نقطة اتفاق نهائية تحكمها المصلحة الكلية للمتنافسين، فلا تحتاج السلطة الحاكمة إلى رعاية طبقات فقيرة أو ردع جماعات مصالح نافذة أو حتى تنسيق أهداف وطنية عامة، لكن مثل هذا التصور يغفل عن الواقع المعقد؛ فالسوق الحر لا يشبه قط ملعب كرة قدم شفاف، يتصارع على ساحته فريقان في وجود حكم عادل، وقوانين لعب صارمة، وجمهور يشجع ويحتفي بالأفضل. والملعب الاقتصادي غالبًا ما تحكمه احتكارات خفية ومصالح غير مرئية، وجماعات مصالح وتكتلات احتكارية تشبه الثقب الأسود في النظام الطبيعي، سواء كانت تلك الجماعات داخل الدولة نفسها أو بين الطبقات الغنية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة والطامحين إلى الثراء في المجتمعات المتخلفة، أي الطبقات (الكومبرادورية) التي تبلغ من الأنانية حدًّا تستسهل معه العمل كوكلاء تجاريين لصناعات غيرهم، والعيش على فوارق الأسعار والعملات، وترفض بذل أي جهد حقيقي لتصنيع بلادها وترقية عيش مواطنيها، بل إنها غالبًا ما تحاول إفساد الآخرين أخلاقيًّا وتحويلهم إلى أناس وظيفيين، يدعمون برامج عملها مقابل الحصول على فتاتها، وهكذا يتحول السوق من صندوق زجاجي شفاف إلى كهف أشباح معتم.
لقد أفضت الثقة المفرطة في قوى السوق والتكنولوجيا، إلى حد تقديسها وكأنها غايات في حد ذاتها، من قبل الليبرالية الجديدة، إلى استقطاب شديد، سواء بين الطبقات الأكثر فقرًا والأكثر ثراء داخل المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات الثرية والفقيرة، خصوصًا وقد أسهمت حالة الانكشاف الإعلامي في مجتمع الاتصال الرقمي المعولم في زيادة الشعور بحدة الفجوة الاستقطابية؛ حيث وجدت شعوب العالم نفسها ضمن مشهد واحد يمتد على مسرح كبير، لكنه مفعم بالتناقضات بين أقصى درجات الجمال والقبح، الثراء والفقر، فبات مسرحًا مثيرًا للغيرة والتوتر، بل إن التفاوت الحاد شق طريقه إلى قلب الطبقة الوسطى نفسها داخل المجتمع الواحد، وذلك بين الفئات الأكثر اندماجًا في الثورة التكنولوجية، القادرة بمهاراتها الفائقة على تحدى هجرة رأس المال الصناعي، ونمو معدلات الأتمتة (الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا بديلًا عن العمل البشرى في أداء العديد من الخدمات التي لا تحتاج إلى مهارات خاصة)، وبين الفئات الأكثر ارتباطًا بالصناعات الثقيلة، خصوصًا الهندسية والكهربائية، ربيبة الثورة الصناعية الثانية، والتي واجهت اختيارًا مريرًا بين الاستمرار في العمل مع دخول أقل في بعض الأحيان، وبين التسريح الكامل في أغلبها. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع جمهور واسع في أوروبا والولايات المتحدة، إلى الانتفاض ضد مسيرة العولمة؛ مطالبًا بإعادة احتباس التقدم التكنولوجي عن البلدان الآسيوية النامية والصاعدة كـ(الصين، وإندونيسيا، وسنغافورة، وماليزيا، وفيتنام)، التي استقبلت صناعات الثورة الصناعية الثانية، ومعها بعض صناعات الثورة التكنولوجية، خصوصًا الكمبيوتر المحمول والتليفون المحمول؛ لأن أجور الطبقة العاملة في تلك البلدان لا تزيد عن 20 % من أجور نظيرتها في المجتمعات الغربية.
والخلل الثالث: يكمن في غلبة التصور الصراعي للعلاقة بين الأنا والآخر، فإن لم يكن ثمة صراعٌ بالفعل تعين اختراعه، انطلاقًا من مفهوم الدارونية الاجتماعية، الذي استعار قانون البقاء للأصلح من مملكة الحيوان وعممه على المملكة الإنسانية سواء داخل المجتمع الواحد، أو بين المجتمعات، إلى درجة الحماس لدور الحرب في التاريخ، باعتبارها قانونًا للحياة الاجتماعية، مثلما أن الصراع لأجل البقاء هو قانون الحياة البيولوجية. كان طبيعيًّا أن يفضي ذلك المبدأ إلى نظريات من قبيل صدام الحضارات، التي خرجت من الولايات المتحدة بالذات لتلقي بظلالها الثقيلة على المصير الإنساني لأكثر من ثلاثة عقود، منذ اعتبر صامويل هنتنجتون أن العالم الإسلامي حول العرب، والعالم الآسيوي حول الصين، بمثابة الخطرين الداهمين علي الغرب الرأسمالي بعد زوال التحدي الشيوعي. وقد أسهم في رواج هذا النمط من التفكير المسطح والاختزالي ليس فقط تواري التحدي الشيوعي، بل أيضًا تحول اليسار الأوروبي عن أحلامه الكبيرة بتغيير العالم إلى مجرد مطالب متواضعة بقدر من العدالة إلى الحد الذي جعله يستسلم للرأسمالية المعولة باسم الواقعية السياسية. ومع اختفاء يوتوبيا المساواة البشرية صعدت الأصوليات الدينية كمعول لتمزيق النزعة الإنسانية، وبانكفاء الجيش الأحمر ولد تنظيما (القاعدة، وداعش) وتحدي الإرهاب الغادر، وبدلًا من عصر الحروب النظامية المتكافئة شاهدنا وحشية إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة في العدوان على (غزة، ولبنان، وإيران) في ظل شلل القانون الدولي والعجز الأممي المطلق.
وقد زاد من وطأة الإدراك الصراعي المنغلق للعلاقات بين الأمم التراجع الهائل والمشهود في طبيعة القيادات السياسية، وفي مضمون الأدب السياسي. كان ذلك الأدب قد ولد من رحم عصر العقل، عصر الفكرة، وقد جرى الجدل في إطاره حول “الإنتلجنسيا” ودورها في نشر الوعي الثوري، كما كان الأمر لدى اليعاقبة إبان الثورة الفرنسية، أو البلاشفة إبان الثورة الشيوعية. لكن ومنذ السبعينيات الماضية، أصبحنا في عصر الصورة، ولم تعد الأفكار الكبرى مهمة للقائد السياسي، فالمهم هو حسن عرض وترويج الأفكار الصغرى. ومنذ ذلك الحين، صار العالم السياسي مسطحًا كبيرًا يزداد اتساعًا دون عمق، يُجرى فيه طلب السلطة والتنافس عليها بوسائل تفتقد القدرة على الإلهام والقيادة والإبداع، وتُعوِّل بدلًا من ذلك على الإيهام والمراوغة والتحايل؛ فلم يعد مطلوبًا من الزعيم السياسي صوغ إستراتيجيات معقدة لا يستسيغها الجمهور العريض أو خطط معمقة لا يستوعبها العقل البسيط، بل يكفيه الإيماءة بوعود براقة، يُفضل أن تكون مبهمة. وفي العقدين الماضيين؛ حيث هيمنت وسائط التواصل الاجتماعي، ولم يعد ثمة مراكز إرسال معرفي ومعلوماتي مؤكدة ولا مراكز تلقي واضحة، بل حالة شبكية تتسم بالتجانس والتأثير الانعكاسي، بدا العقل السياسي في حال ضمور، فمؤلف النص السياسي/ الإيديولوجي مات إكلينيكيًّا، بينما أخذ القارئ/ الناخب يصعد تدريجًا على جسده. لقد تراجعت القيادات وتقدمت الجماهير؛ ولأن الجماهير الغفيرة لا تكترث بالأفكار فقد صارت المظهرية سيدة الموقف، وباتت السياسة منفصلة تمامًا عن القيمة، وصعدت إلى السطح كل الأفكار اليمينية والميول العنصرية التي تؤكد على الاختلاف والانغلاق وتنفي المشترك الإنساني، ومن ثم جاء دونالد ترامب بكل ما تمثله سياساته من انقلاب على النظام العالمي، الذي كانت أمريكا قد أسهمت في تشكيلة على قواعد القانون الدولي منذ ثمانية عقود تقريبًا.
تصور مغاير للوجود الإنساني.
على العكس من فلسفات التنوير الراديكالي، التي اختارت تحدي الفجوة الكامنة بين ممكنات الإنسان ورغباته، إلى ذلك الحد الذي كشف عن مواطن الخلل الثلاثة، التي أحالت العالم إلى حلبة ملاكمة، تحتاج البشرية إلى فلسفة أخرى في التعاطي مع تلك الفجوة، تنطلق من إمكانية التكيف معها عبر خفض سقوف الرغبات حتى تقترب من حدود الممكنات، فلسفة مختلفة في إدراك مغزى الوجود الإنساني، تستلهم قيمًا ثقافية تضيف إلى نظيرتها الغربية أبعادًا إنسانية جوهرية. وهنا، تتجلى أمامنا بالذات القيم الآسيوية، كونها ربيبة الثقافات الأكثر سيرًا على طريق التحديث، وامتلاكًا للتقنية المتقدمة، ومن ثم الأكثر نفوذًا وتأثيرًا، من خارج الحزام الغربي، في حركة العالم المعاصر، ما يمنح تلك القيم فرصة الحضور، وممكنات الفعالية.
والحق أن الطبعة الأصلية من منظومة القيم الآسيوية إنما تكمن في ثقافتها التقليدية، التي تدعو إلى التصالح مع الطبيعة والوجود وليس إلى تحديهما، فبدلًا من لهاث الإنسان خلف ما لا يملك، ومن ثم الدخول في تنافس أبدي مع الآخرين ومع الطبيعة نفسها، يدفعه أحيانًا للاغتراب عن نفسه؛ لإشباع رغباته ولو كانت آثمة أو عبثية، تقترح تلك الفلسفة ذات الصبغة الدينية/ الأخلاقية، خصوصًا (الهندوسية، والبوذية، والكونفوشية، والتاوية)، أن يقوم الإنسان بتقليص رغباته إلى مستوى ما يملك من ممكنات بالفعل. وهنا نركز فقط على مبدأ (اللاتعلق) ذي الموقع المركزي في التقليد البوذي، الذي يجسد الحد الأقصى لنزعة التسامي الأخلاقي. فحسب هذا المبدأ، لا تنشأ المعاناة فقط من تعلق المرء بما لا يملك بالفعل، بل من تعلقه بما لا يمكنه أن يملك في المستقبل، وهنا تصبح ملكية الأشياء سببًا أبديًّا لمعاناة الإنسان سواء عجز عن الحصول عليها أو فقدها بعد أن تذوق طعمها. فإذا أمكن غرس روح اللاتعلق بالأشياء الزائدة عن الحاجة الضرورية، أمكن القضاء على المعاناة وعلى الشر الأخلاقي الناجم عنها، وفتح الباب واسعًا على الحياة الخيِّرة. وعلى هذا، صارت البوذية جوهريًّا بمثابة فن العيش في إطار السيطرة الكاملة على الذات، وأصبحت طقوسها محض تدريبات نفسية ورياضات روحية كـ(النيرفانا، واليوجا) اللتين تؤديان إلى استنارة النفس وتألق الوجدان. تقود النيرفانا إلى الاندماج في الكون اندماجًا يزيل الفواصل بين الفرد ومحيطه، ويذيبه في الوجود حتى لا يبقى من ذاته المتميزة أثر، إيمانًا منه بأن الوجود وحدة واحدة، وأنه لا يعدو أن يكون ذرة كونية، انفصلت عنه في لحظة سابقة، ولا تبغي- منذ انفصالها عنه- سوى العودة إليه. أما اليوجا فطريقة لترويض الجسد الإنساني، الذي لا يعدو أن يكون جزءًا من عالم المادة الفاني، تنبع قيمته فقط من كونه وعاء للروح الخالدة، لا يتوانى الشخص الحكيم عن قهره لكي يتوقف عن الإلحاح عليه برغباته التي تطمس نقاء الروح.
هذه الممارسات العملية تقوم على مبدأ فلسفي، وهو أن الذات الإنسانية في حقيقتها، مثل كل الأشياء في هذا العالم، مجرد تجليات لواقع أكثر عمقًا، لا يعرف الانقسام ولا القيود. يتجسد هذا الواقع في البراهمن، بحسب الأوبانيشاد، كتاب الهندوسية المقدس في مرحلتها الناضجة. والبراهمن هو القوة العظمى التي تمنح الكون طاقته المادية، كما تمنح للذات الإنسانية/ الأتمان طاقتها الروحية؛ ولأن الكون والإنسان في النهاية شيء واحد، فإن الأتمان يعود إلى البراهمن كما يعود الفرع إلى أصله، في نهاية المطاف. وهكذا تعمل القوة الوجودية العظمى الكامنة في البراهمن، على تحرير الذات الإنسانية من ضعفها ورغباتها!.
لا شك في أن الثقافة الأوروبية المسيحية، والثقافة العربية الإسلامية، عرفتا بعض الممارسات التي تنتمي جوهريًّا إلى فلسفة اللاتعلق، بعضها لا يزال مستمرًا، كطقوس الرهبنة المسيحية التي نراها في بعض الأديرة، أو ممارسات التصوف الإسلامي، التي لا تزال حاضرة نقية لدى بعض الأفراد أو مغطاة بأقدار من الدروشة أو النزعات المنحرفة لدى بعض الطرق وحول بعض الأولياء، بل إن الثقافة الحديثة نفسها تشهد بعض الممارسات الزهدية التي تمت إلى تلك الفلسفة بصلة، من قبيل بعض الجماعات المغتربة أو الحركات الفنية المتمردة على نمط الحياة السائد، وإن بقيت جميعها أقرب إلى جيوب ضامرة أو هوامش نحيفة على متن عالمنا الموَّار بالصراع، لا يلتفت إليها. ولذا فإننا لا ندعو هنا إلى استعادة فلسفة اللاتعلق في طبعتها الأصلية، كما جرى تمثلها، خصوصًا في العصر المحوري، بل ندعو فقط إلى تطعيم الوجود الإنساني بمبادئ جديدة للتسامي تتجذر في ذلك الأصل، تحضن البشر على الرفق والمحبة والتعايش الحنون مع الآخرين ومع الطبيعة، بدلًا من الصراع الأبدي الذي يعيشه إنسان هذا العصر المتجذر في وعي نفعي خالص، قوامه الفردية المطلقة والمادية المفرطة. الصعب هنا، ولعله جوهر التحدي، هو أن نسكب تلك المبادئ في عروق مؤسساتنا الحديثة، ونظمنا القانونية، وقبل ذلك في مناهجنا التعليمية والتربوية؛ لتصبح جوهرًا لوعينا يثري الإنسانية المعاصرة ويمنحها القدرة على مواصلة مسيرة تقدمها، ما يتطلب توسيعًا لمفهوم التقدم ذاته، فلا يقتصر على ما هو مادي وتكنولوجي، بل يمتد لما هو أخلاقي وروحي، يساعدنا على تحقيق الشعور بالانسجام والطمأنينة إزاء الواقع الخشن. ومن ثم، نقترح ثلاثة مبادئ إنسانية تتجاوز ضيق أفق نظيرتها الغربية بالقدر الذي يُمكِّنها من إعادة بناء التنوير على أساس كوني، ويجنبنا مخاطر الاختلال المتزايد في معمار الحداثة، وعجزها المتنامي عن حمل أعباء مشروع حضاري إنساني:
المبدأ الأول: هو أولوية مبدأ الخير الكوني العام على النزعة الفردية المطلقة التي تقدسها تيارات الحداثة المادية، وهو ما يتجلى في (الكونفوشية، والتاوية). لقد رأى كونفشيوس أن الجوهر الإنساني يكمن في الـ (جين)، ويعني به الأخلاقية الكاملة التي يبلغها الإنسان عندما يفضل التعب المضني على النافع اللذيذ، ولا يلتفت عند أداء الواجب إلى ما يُستفاد منه؛ فالشرط الضروري لتحقيق الخير الكوني أن يكون الإنسان سويًّا متعاونًا مع الآخرين. هذا الجين متاح لمن يفتش عنه، والطريق العملي إليه هو معرفة الذات لنفسها، والإذعان لصوتها الداخلي بعيدًا عن الهوى والغرض. أما لاوتسو فيؤكد على أن المرء ما لم يعش وفقًا لقوانين الكون الداخلية (الثوابت) فإنه ينتهي إلى كارثة، ومعرفة الثوابت تعني الاستنارة والاستقامة، فمن يعرف الثابت يتحرر، ويخل من الهوى والتحيز؛ ليتسع إدراكه ويصبح رحب الأفق ويكون مع الحقيقة، فيستمر إلى الأبد ولا يعرف الفشل على امتداد عمره، أما الجهل بالثابت والتصرف على نحو يفتقر للبصيرة فيسير به إلى الكارثة. ولعل وصف الكارثة هو الأدق لما يحدق بالقارة الأوروبية بعد أن خضعت لديكتاتورية الجسد، التي تمجد الشذوذ الجنسي بذريعة الفردية المطلقة.
قد يرى البعض أن ثمة تناقض بين مبدأ الخير الكوني وما يمليه من التزامات تجاه البشرية، وبين النظريات الليبرالية التي تقوم على احترام الذوات الفردية الحرة، غير أن هذا الفهم يظل سطحيًّا؛ لأن تحديد معايير كلية وسقوف عليا للخير والشر أمر لا ينال من حرية الفرد في الاختيار بين الخير والشر. الأمر هنا يشبه الفارق بين ضرورة وجود قوانين ضرورية وقواعد مجردة تحدد الخطأ والصواب لكل مجتمع متمدين، وبين قسر الناس على أن يكونوا مواطنين صالحين يراعون تلك القواعد القانونية؛ فالأفراد الأحرار يظلون أحرارًا في مسلكهم، ولكن من دون إنكار لحق المجتمعات في وضع أطر لوجودها يُعاقَب الخارجون عليها. والحق أن فلسفة التنوير نفسها- في ذروتها النقدية، وليس في نزعتها الراديكالية- تدعم فهمنا هذا، والمتنورون الحقيقيون لا يعز عليهم إدراك مغزاه؛ فلدى إيمانويل كانط تتجسد القاعدة الأساسية للسلوك الأخلاقي، والتي يقتضيها مفهوم “الواجب” في أن نتصرف تجاه العالم بالشكل الذي نأمل أن يتصرف به العالم تجاهنا، وأن نتصور وكأن الآخرين جميعًا سوف يشاركوننا غدًا السلوك الذي نقوم به نحن اليوم، ثم ننظر لنرى هل تُحقق هذه المشاركة خير العالم أم لا؟ ولنا هنا أن نتصور زمنًا تحول فيها الجميع إلى شواذ، لا يتزوجون عبورًا على النوع بل زواجًا مثليًّا، فهل يصبح عالمنا أفضل مما نحن فيه الآن؟ الذي لا شك فيه أن عالمًا كهذا مصيره الفناء بعد جيلين أو ثلاثة، ومن ثم يمكننا الادعاء بأن الموقف الرافض لسلوك الشواذ الهجومي، والنزوع إلى تقنين الزواج المثلي ليس مجرد وجهة نظر يمكن لمدعيِّ الليبرالية أن يدينوه، بل هو موقف مسؤول تجاه المصير الإنساني، يمليه علينا مبدأ الخير الكوني العام، الذي تتضامن في صونه الأديان السماوية، والمثل العليا للتنوير المعتدل، والحس الإنساني السليم، خشية أن يتمدد ذلك الثقب الأسود في الطبيعة الإنسانية حتى يلتهم الوجود البشري كله.
والمبدأ الثاني: هو إحياء الديمقراطية الاشتراكية، خصوصًا الدور الاجتماعي للدولة ضد الرأسمالية المنفلتة؛ إيمانًا بأن ثمة حدودًا للثقة في اليد الخفية لآليات السوق، وحدًّا أقصى للفجوة الاستقطابية بين المجتمعات والطبقات الغنية والأخرى الفقيرة، لا يمكن تجاوزها كي لا يختل النظام العالمي، خصوصًا وقد بات البعض من أحادَ الناس، خصوصًا رجال الأعمال ورواد التكنولوجيا أكثر ثراء من دول كاملة تعج بملايين البشر. وينبثق من ذلك ضرورة خلق نموذج تنموي منصف، يسمح بتوزيع شبه متكافئ للاستثمارات، ويوفر شروطًا عادلة للتجارة الدولية، كما يسمح بانتقال التكنولوجيا مع رأس المال إلى الدول الأقل تقدمًا وهو ما لم تسمح به الرأسمالية العالمية إلا في حدود ضيقة رافقت ذروة العولمة قبل أن تندم عليه وتتراجع عنه، الأمر الذي يقلل من تركز الثروة، ويحل مشكلات كبرى كـ(الهجرة غير الشرعية، واللجوء السياسي)، ومن ثم يقوض اليمين المتطرف في جل المجتمعات الغربية.
والمبدأ الثالث: هو إعلاء المشترك الإنساني ضد منطق صدام الحضارات، فأي تنوير إنساني لابد وأن يرى في تعدد الثقافات مصدرًا للثراء لا الصراع، وأن يستعير من تشارك الأفراد في الانتماء إلى البراهمن الهندوسي ما يبرر الطموح إلى تشارك جميع البشر في الانتماء للقرية العالمية بمعنى جوهري لا دعائي، لا يقتصر على مجرد الحضور البارد في مشهد مسرحي تصنعه القدرات الاتصالية، تنضوي فيه كل الدول رغم التفاوت الشديد بينها، بل يطمح إلى تجسيد المثاليات والمعاني التي ترتبط بمفهوم القرية في السوسيولوجية الثقافية كـ(التكافل، والحميمية، والتراحم) على نحو يؤسس لـمجتمع عالمي طالما حلم به الفلاسفة والمفكرون، ولاكَتْهُ ألسنة السَّاسة والمسؤولين لكنه لم يتحقق أبدًا. وهكذا يلهمنا التنوير الإنساني مفردات مباراة حضارية غير صفرية، يمكن للجميع أن يربحوا فيها ولو بدرجات مختلفة، مفردات ثورة تخوضها الإنسانية بكل ما تملكه من معرفة وإرادة وأمل، وما راكمته من حكمة مختزنة في جميع الثقافات. ثورة ليست أيديولوجية ضد أيديولوجية مختلفة، وليست مذهبية تنتصر لتيار ديني على آخر، بل ثورة شاملة على الفقر المدقع والثراء الفاحش معًا، على العوز والتخمة كليهما، ثورة على الذاتية المفرطة المتحررة من أي شعور جماعي، والنزعة الشمولية التي تقهر مفهوم الذات في آنٍ، باختصار ثورة فكرية تحرر البشر من قبضة الهيمنة الغربية، وتجعلهم أكثر سيطرة على مصائرهم كأفراد ومجتمعات.




